الاجتهاد...

تتسم الشريعة الاسلامية بأنها شاملة لنواحي الحياة كلها، وخالدة تصلح لكل زمان ومكان، ومن المعلوم أنه يستجد في كل عصر مشكلات وحاجات تنشأ عن تطور الحياة الانسانية، ولذا كان لا بد أن يجتهد العلماء في كل عصر ليقدموا الأجوبة والحلول لهذه القضايا المستجدة في ضوء الشريعة الاسلامية.
وفي هذا الموضوع سنبين تعريف الاجتهاد، وشروطه، ومجالاته، واختلاف المجتهدين.

تعريف الاجتهاد ومشروعيته

الاجتهاد: هو بذل المجتهد أقصى الوسع لاستنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

ومثال ذلك:
اجتهاد الفقهاء في فهم قوله تعالى: ((وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ)) (المائدة:6) حيث فهم بعضهم ان الباء في قوله ((برؤوسكم)) تفيد التوكيد فقال بوجوب مسح الرأس كله، وفهم بعضهم أن الباء للتبعيض، فذهب إلى أن الواجب مسح بعض الرأس.

وقد دلّت أدلة كثيرة على مشروعية الاجتهاد منها:
1- قوله تعالى: ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)) (النساء:83)، فالاستنباط المذكور في الآية الكريمة يعني بذل الجهد في معرفة الحكم الشرعي.
2- قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) رواه البخاري. فالحديث جعل للمجتهد ثوابا حتى ولو أخطأ.
3- إجماع الصحابة على مشروعية الاجتهاد، إذ إنهم كانوا يجتهدون فيما يستجد من قضايا في حياتهم، فقد أجمعوا على جمع القرآن الكريم وعلى الأذان الأول يوم الجمعة.

وفي ضوء هذه الأدلة يجب على العلماء أن يجتهدوا في الأمور المستجدة لبيان حكم الشرع فيها.

شروط المجتهد:

يشترط في المجتهد شروط كثيرة ، من أهمها:
1- الاستقامة والصلاح: فلا بد أن يكون المجتهد مسلما أمينا ورعا، بعيدا عن الفسق واتباع الهوى، حيث إنه يبلغ أحكام الله سبحانه وتعالى.
2- المعرفة بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلومها، لأنهما المصدران الرئيسان للأحكام الشرعية.
3- العلم بما أجمع عليه الفقهاء حتى لا يخالف ما أجمعوا عليه.
4- الإلمام الواسع باللغة العربية، ليتمكن من فهم ما جاء في الكتاب والسنة على اختلاف أساليبهما.
5- المعرفة بأصول الفقه، لأنه يبين أدلة الأحكام وقواعد الاستنباط منها.
6- معرفة شؤون العصر الذي نعيش فيه، ليتمكن من مواجهة مشكلاته، وايجاد الحلول المناسبة لها بما ينسجم مع الشريعة، ويحقق مصالح الناس، ومثال ذلك أن المجتهد إذا أراد بحث حكم مسألة مالية معاصرة يجب عليه أن يكون ملما بعلم الاقتصاد ومستجداته.

مجالات الاجتهاد

يتّسع الاجتهاد ليشمل جوانب الحياة بمختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والطبية وغيرها، ويكون في نوعين من الحوادث:
1- الحوادث والوقائع التي لم يرد فيها نص شرعي خاص ولا إجماع، فيجتهد العلماء لمعرفة الحكم الشرعي فيها، على ضوء النصوص العامة وقواعد الشرع ومقاصده، ومثال ذلك الاجتهاد في كثير من المسائل المعاصرة مثل : التبرع بالأعضاء، حيث يجتهد العلماء في بيان الحكم الشرعي من ذلك.
2- ما ورد فيه نصوص شرعية تحتمل معاني متعددة، فيجتهد العلماء في تعيين المراد من النص، ومثال ذلك قوله تعالى: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ )) (البقرة:228)، فكلمة ((قروء)) ، تحتمل أن يراد بها الطهر أو الحيض، فيجتهد العلماء لتعيين المراد من ذلك.

أما الأمور التي جاء حكمها في نصوص قطعية في ثبوتها ودلالتها فليست موضعا للاجتهاد، ولا يجوز تغيير حكم الشرع فيها، مثل وجوب الصلاة والحج في الأوقات الكيفيات الواردة، ومثل تحريم الزنا والخمر والربا.

اختلاف المجتهدين

كثيرا ما يختلف المجتهدون، وذلك لأن الأدلة الواردة في المسائل التي يبحثونها قد تحتمل وجوها متعددة من الفهم ، ويمكن إجمال المنطلقات التي ننظر من خلالها إلى اختلاف المجتهدين فيما يأتي:
1- اختلاف المجتهدين لا يمس جوهر الدين وقواعده، كأصول العقيدة والشريعة، بل ينحصر في الفروع والتفاصيل التي لم يرد فيها أدلة تحسم الخلاف، مثل اختلاف العلماء ببعض نواقض الوضوء.
2- اختلاف المجتهدين فيه تخفيف وتيسير على الناس، فما يضيّق فيه بعض الأئمة يوسّع فيه غيرهم.
3- يقصد المجتهدون في اجتهادهم اتّباع أدلة الشرع، بعيدا عن الهوى، ويبذلون أقصى وسعهم لتحقيق ذلك، فقد يَعْدِل بعضهم عن رأيه إلى رأي آخر إذا ظهر له قوة دليله، وهم جميعا ماجورون سواء اصابوا أم أخطأوا.
4- لا يُلزم المسلم باتباع مذهب معين، وإنما يأخذ بقول من يستفتيه من أهل العلم والتقوى، دون أن يجرّ ذلك للتعصب المذموم.

ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أهمية الاجتهاد، والحاجة إليه، لمعرفة حكم الشريعة فيما يستجد في حياة الناس في كل عصر، ولذا اهتم به المسلمون عبر تاريخ الاسلام.