كانت التعاليم القائمة علي خلق العالم هي حجر الزاوية في تصورات الأوغاريتيين عن ذلك العالم. وكان رمز الإله الأوغاريتي الخالق وما خلقه مشتقاً من الفعل "بني" ، ومن ثم يمكن افتراض بأن عملية نشوء الكون كانت بالنسبة للأوغاريتيين الكنعانيين "بناء" أي نشاطاً إبداعياً هادفاً. غير أن اللغات السامية بما فيها المجموعة الكنعانية الأمورية ، تعرف استخداماً آخر لهذا الفعل بمعني "يلد". وعليه يمكن التفكير بأن الأوغاريتيين تصوروا النشاط البناء للآلهة كعملية "ولادة".وحسم هذه المسألة مؤجل إلي أن تظهر مصادر جديدة.
وقد أكتشف في أنقاض "أوغاريت" أيضاً ألواح مسمارية تتضمن ملحمة أسطورية تتعلق بالخليقة ، حيث يرد فيها نص يذكر أن الله يجلس علي المياه كما يجلس الطير علي البيضة ، وكما يفرخ هذا الأخير صغاره، فرخ الله الحياة من الخراب.
ومن الواضح أن نظرية الخلق عند الكنعانيين كانت تابعة للنماذج الأصلية لبلاد النهرين ، كما أن لها صلات واضحة بأساطير الخلق في الكتاب المقدس. ومنذ اكتشاف الإشارات الضمنية التي احتوتها ألواح " أوغاريت Vgarit " القديمة ، وضح أن الصراع الأزلي بين الخالق والتنين شكل جانباً هاماً في أسطورة الخلق الكنعانية.
ويقول "شيفان" بأن شخصية الأفعى ذات الرؤوس السبعة قد شغلت مكانة هامة في ميثولوجيا آسيا الأمامية ، حيث نصادفها في نصوص "أوغاريت". ولو ألقيت نظرة فاحصة إلي هذه الأسطورة ، لأتضح أصلها الكنعاني الأموري في أسطورة صراع الآلهة ضد الأفعى "لاتانو" (أو "لوتان")، ذات الرؤوس السبعة.[9]
وهذه هو التأثير الأكبر في أسطورة الخلق العبرية حيث صراع الخالق مع التنين في بدء الخليقة أقتبسه مؤلف (مزامير الخلق ) من أناشيد البعل حيث يصارع الإله المسمي (يهوه) التنين المسمي (لوياثان) و (رهب) .
الصراع بين الإله وقوي الهيولي في بدء الخليقة
لا يمكننا هنا أن نغفل الصراع في بدء الخليقة لارتباطها الشديد بأسطورة الخلق وإن كان غير مذكور صراحة في الأسطورة إلا إنه مذكور في مواضع أخري من الكتاب المقدس وتدور فكرة هذا الصرع علي أن الآلهة الصغرى أو الشابة الأكثر شبهاً بالإنسان صارعت أسلافها الهيولية وانتصرت عليها ، ثم قامت بخلق الكون والإنسان من جسد هذه الأسلاف.
حيث إن في بدء الخليقة لا يوجد سوي قوي العماء والفوضى والسكون التي تكره البناء والنظام والحركة وكانت هذه الآلهة تحاول القضاء علي الآلهة الشابة كثيرة الحركة التي ولدتها في محاولة منها للعودة إلي النوم والسكون مرة أخري ، ولأجل هذا الهدف قامت بخلق وحوش عملاقة لتقوم بمهمة القضاء علي الآلهة الشابة ، لكن الآلهة الشابة باغتها واستطاعت الانتصار علي قوي الفوضى ، وغالباً ما تتمثل الوحوش التي خلقتها الآلهة الهيولية في تنانين عملاقة مخيفة ليبدأ الصراع بين هذه التنانين والآلهة الشابة التي غالباً ما حققت الانتصار عليها في النهاية.
التنين في الأساطير المصرية
كانت هناك أسطورة عن ثعبان أزلي ، غير أنه لا يمكن الحديث عنها بدقة ، لأنه لم يعثر حتى الآن علي نص أو صورة تصف التفصيل نشأة العالم في إطار هذا الرمز ، بيد أن نصوص العصور المتأخرة تسرف في الإشارة إلي( الثعبان الكائن في الظلام الأزلي) ، وكان يشار إليه بصفة أساسية بأسم "سيتو"(إبن الأرض) أو "أرو- تي " (خالق الأرض)- وهو ثعبان متوحش تقمص صورة "أرو – تو" وصعد من ظلام المياه الأزلية قبل أن يوجد شيء محدد. وفي أحد نصوص الأهرام ، يرد : "هذا مخلي أتوم علي عنق الثعبان مانح الصفات ليضع حداً للاضطراب في هرموبوليس".[10]
التنين في الأساطير البابلية
هناك أسطورة بابلية تتحدث عن وحش جبار يدعي "اللابو". وقد خرج هذا الوحش من الأعماق المائية إلي ديار الحضارة ، محاولاً تدمير كل ما بناه الإنسان. ويصف هذا النص وصفاً يضفي عليه هالة من الرعب:
كان طوله خمسين ساعة مضاعفة وارتفاعه ساعة مضاعفة (عشرة كيلومترات)
وكان اتساع فمه ستة أذرع و(......) اثني عشر ذراعاً
أما محيط أذنه فستة أذرع
ويبدوا أن الآلهة قد استنجدوا بالإله "سن" – إله القمر ، والذي أمر شخصاً أو إلهاً يدعي "تيشباك" بقتل التنين،لكن هذا الأخير يتردد. ويعقب ذلك كسر وتشوه في اللوح. وعندما يعود النص للوضوح ، يحكي عن المعركة دون معرفة الإله الذي تجرأ علي نزال اللابو. ويبدوا من النص أن هذا البطل قد صرع التنين :
أطلق سهماً (وصرع) اللابو (.....)
ولثلاثة سنوات ، وثلاثة أشهر ، ليل نهار
جري دم اللابو (.....).
والتنين هذا نتاج للقوي البدئية السابقة لتنظيم الكون ،دفعت به المياه ، التي ترمز في الأسطورة إلي قوي العماء والفوضى.
وأشهر نماذج الصراع الأزلي بين الخالق والتنين ، هو ذلك الصراع الذي دار في ملحمة (إينوما ايليش) ، بين "مردوك" و"تيامات" ، حيث يرتبط هذا الصراع بشكل مباشر بالخليقة ، فقد كانت تيامات تمثل عنصر الفوضى ، وبعد أن ذبحها مردوك شكل من جسدها أولي مراحل النظام الكوني.
وبهذا تنقلنا الأسطورة بوضوح وعمق ، إلي النظام الكوني وإمكان قلبه.ودور التنين قائم في مرحلة النشوء والتطور، كما في ملحمة "كور" ، حيث دار الصراع بعد انفصال السماء عن الأرض. كذلك ارتبط التنين بالتكوين الإلهي نفسه ، لأن هذا التكوين صيغ من شطري جسم "تيامات" – أم التنانين. [11]
التنين في الأساطير الكنعانية
التنين يشكل أحد المحاور الرئيسية التي تدور حولها الأساطير الكنعانية ، حيث يوجد في أناشيد البعل صدي الصراع بين " البعل وموت" حيث يقول موت للبعل مهدداً إياه للانصياع لأوامره والدخول في جوفه :
" مع أنك قتلت "لتن" الحية الزلقة،
وسحقت الحية الملتوية،
"شليت" ذات الرؤوس السبعة،
فإن السماء ستجف وتذبل،
وسأسحقك وألتهمك ارباً " [12]
وفي ترجمة أخري لأناشيد البعل :
الآن وقد قتلت لوتان
الآن وقد سحقت رأس التنين
الآن وقد قضيت علي الحية الملتوية
الحية الملعونة ذات الرؤوس السبعة
الآن وقد اكتنفتك السماء بهالة من مجد
تذكر أيها الظافر البعل إني إله الموت
أبقيت عليك لم أدخلك شدقي
..............................
................................
................................
ماذا يمنعك؟ سحقت لوتان
حطمت رأس التنين، قتلت الحية الملتوية ذات الرؤوس السبعة
تعال أيها البعل ، تذكر إني أبقيت عليك
فلم أدخلك شدقي ، لم أبتلعك كجدي
لم أنزلك إلي حفرتي [13]
التنين في الكتاب المقدس
هناك الكثير من الإشارات الأسطورية في الكتاب المقدس عن وحوش أسطورية مائية صارعها يهوه ، ومن الواضح من ترتيب النصوص التي آتت فيها أن هذه الوحوش لها علاقة وثيقة بالخليقة وبقوي الهيولي المائية (תהום : تهوم) ، وأهم هذه الوحوش هي ( لوياثان : לויתן ) و ( رهب : רהב) وهذه الوحوش كما يصورها العهد القديم ألد أعداء يهوه والذي تمكن من السيطرة عليها وقتلها بالضبط كما فعل مردوخ مع تيامات ووحوشها الإحدي عشر.
لوياثان
لست هنا في مجال إثبات أسطورية لوياثان فسبق وفعل ذلك الشيخ عرب ، لكن موضوعنا الرئيسي هو علاقة لوياثان بالخليقة ، فما يدل علي علاقة لوياثان بالخليقة ترتيب الأعداد التي جاء ذكره فيها :
13 أَنْتَ شَقَقْتَ الْبَحْرَ بِقُوَّتِكَ. كَسَرْتَ رُؤُوسَ التَّنَانِينِ عَلَى الْمِيَاهِ. 14 أَنْتَ رَضَضْتَ رُؤُوسَ لِوِيَاثَانَ. جَعَلْتَهُ طَعَامًا لِلشَّعْبِ، لأَهْلِ الْبَرِّيَّةِ. 15 أَنْتَ فَجَّرْتَ عَيْنًا وَسَيْلاً. أَنْتَ يَبَّسْتَ أَنْهَارًا دَائِمَةَ الْجَرَيَانِ. 16 لَكَ النَّهَارُ، وَلَكَ أَيْضًا اللَّيْلُ. أَنْتَ هَيَّأْتَ النُّورَ وَالشَّمْسَ. 17 أَنْتَ نَصَبْتَ كُلَّ تُخُومِ الأَرْضِ. الصَّيْفَ وَالشِّتَاءَ أَنْتَ خَلَقْتَهُمَا.
نري الأن أن الصراع مصيرياُ بين يهوه ولوياثان وبعد أن نجح يهوه في قتله وإطعامه لشعبه يتحدث عن صنائعه وعجائب مخلوقاته مما يؤكد إرتباطه بالخليقة ، وما يؤكد أكثر ارتباطه بالخليقة (ملابس الجلد التي ألبسها يهوه لآدم وزوجه) جاء في سفر التكوين:
Gen 3:21 وَصَنَعَ الرَّبُّ الإلَهُ لِآدَمَ وَامْرَأتِهِ أقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَالْبَسَهُمَا.
فمن أين جاءت هذه الأقمصة الجلدية؟!!
يجيب أحد المواقع المتخصصة في الميثولوجيا: [14]
Originally cited as a "great sea monster" in the first chapter of Genesis, the leviathan has become synonymous with any large monster or creature. in Jewish mythology, is a primordial sea serpent.
Its source is in pre-biblical Mesopotamian myth, especially that of the sea monster in the Ugaritic myth of Baal. In the Old Testament, Leviathan appears in Psalms 74:14 as a multi-headed sea serpent that is killed by God and given as food to the Hebrews in the wilderness.
There were originally two leviathans created. The myth says that God realized that if Leviathan and his mate would procreate they would devour the world. Therefore, God killed the female and freezing the meat (salted in some theories) for the righteous in the world to come and then fashioned garments out of the skin for Adam & Eve, also known as "garments of light". The male was spayed and left alive.
ترجمة المقطع : يدعى في الأصل بالوحش البحري العظيم في الإصحاحالأول من سفر التكوين , الـلويثان أصبح إشارة لأي وحش عملاق . في الميثولوجيااليهودية هو وحش بحري بدائي . مصدر الـلوثيان من أساطير ما قبل الكتاب المقدس , بالأخص الوحش المائي في الأسطورة اليجاريتيكية للبعل . في العهد القديم , الـلوثيان تظهر في المزمور 74 : 14 كوحش مائي بأكثر من رأس قتل من الإله ثم أصبحكطعام للعبرانيين في البرية .
في البدء كان هناك لوثيانان خلقا . الأسطورة تقول أن الإله أدرك أن الـلوثيان وزوجه سيتكاثرا وسيحتلان العالم . لذلكقتل الإله الـلوثيان الأنثى وجمد لحمها (في رواية مُلحت) من أجل اليوم الحق عندمايأتي , ثم قام بعمل ملابس من جلدها لآدم وحواء , أيضاً معروفة بالملابس النورانية والذكر ظل حياً .
وتؤكد الترجمة الرهبانية اليسوعية أن لوياثان وحشاً من وحوش الخواء وأنه كان يجسد مقاومة الشر لله:[15]
"كان لاوياثان (أو التنين والحية الهاربة)في الأساطير الفينيقية وحشاً من وحوش الخواء الأصلي وكانت المخيلة الشعبية تخشي دائماً أن يستيقظ مجذوباً بلعنة فعالة علي النظام القائم.
وإن التنين الوارد ذكره في رؤ 12 /3 ، والذي يجسد مقاومة قدرة الشر لله ، يتسم ببعض ميزات الحية الهاربة."
وتقول أيضاُ في موضع آخر : [16]
" في شأن لاوياثان تأثر هذا النص بقصيدة رأس شمرا (القرن الرابع عشر ق.م) جاء فيها :" ستسحق لاوياثان الحية الهاربة ، وتحرق الحية الملتوية ، القديرة ذات الرؤوس السبعة".
من المهم أن ننبه أن هناك (لوثيانان) لوياثان الموجود في بدء الخليقة قتل لإطلاق عملية الخلق، والآخر سيقتله يهوه في نهاية العالم.
Isa 27:1 فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُعَاقِبُ الرَّبُّ بِسَيْفِهِ الْقَاسِي الْعَظِيمِ الشَّدِيدِ لَوِيَاثَانَ الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ. لَوِيَاثَانَ الْحَيَّةَ الْمُتَحَوِّيَةَ وَيَقْتُلُ التِّنِّينَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ.
لم يعد لدينا شك الآن أن لوياثان هو أحد وحوش الخليقة .