الإعجاز العلمي في ( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ )

بقلم : محمد سليم مصاروه
صيدلي وماجيستير في علوم الأدويه


يزخر القرآن الكريم بالكنوز التي تنتظر في كل جيل من أجيال الأمة من يبحث عنها حتى يتوصل إليها أو يكشف عن بعضها من خلال مواكبة آخر المستجدات العلميه وعرضها على ما نصَّ عليه القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.
( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب)

يشير النص القرآني الى وجود علاقه بين الصلب أي عظام الظهر وبين الترائب وهي عظام الصدر وبين المني الدافق ومن أجل أن نتمكن من فهم تلك العلاقه علينا تتبع مسار الغدد المسؤوله عن افراز هورمونات الجنس.
يبدأ محور الخصوبه عند الذكر والانثى من الدماغ وبالتحديد من غدة تسمى "تحت المهاد"hypothalamus, وهي المحطه الاولى المسؤوله عن افراز الهورمونات المؤثره على صفات الجسم الجنسيه ومستوى الخصوبه أو العقم ،تفرز غدة "تحت المهاد" هورمونات Gnrh لتعطي تعليماتها الى غده موجوده أسفل منها تسمى الغده النخاميه pituitary gland عندئذٍ تفرز الغده النخاميه هورموني FSH و LH المسؤولان عن انتاج الهورمون الذكري " التوسترون " في الخصيتين عند الذكر أو إنضاج البويضات في المبايض عند الانثى . يتم إنتاج التوسترون عند الذكر بعد أن يحفز هورمون LH خلايا " لايدغ" Leydig cells المسؤوله عن انتاج التوسترون، والتوسترون ضروري لانتاج الحيوانات المنويه ومن أجل ان يتم ذلك على التوسترون ان يتوفر بكميات كبيره وهنا يبرز دور هورمون FSH والذي يحفز خلايا " سيرتولي " Sertoli cells " لتقوم بافراز بروتينات رابطه للتوسترون فترزمه وتجمعه وتوفر البيئه الغذائيه والمناعيه لعملية انتاج الحيوانات المنويه. لنعد الى اعلى حيث الغده النخاميه ففضلاً عن إفرازها لهورموني LH و FSH تفرز أيضا "الهورمون المحفز للغده الدرقيه" thyroid stimulating hormone وهو بدوره يتحكم بالغده الدرقيه Thyroid gland الموجوده اسفل الحنجره وامام القصبه الهوائيه ،تتحكم الغده الدرقيه بعملية حرق الجسم للطاقه عبر إفرازها لهورموني T3 و T4 ,هناك العديد من الدراسات والتي تربط بين تركيز T3, T4 وتاثيرهما على تمايز ونضوج مجموعة خلايا Leydig cells و Sertoli cells وبالتالي على عدد الحيوانات المنويه وكفائتها إن أي ارتفاع او إنخفاض مزمن في تركيز هذين الهورمونين (وسائر الهورمونات المذكوره ) من شأنه أن يتسبب في مشاكل في الخصوبه وحالات عقم .
ماذا عن العظام؟
كان يعتقد سابقاً ان وظيفة العظام تنحصر في دعم الجسم وتثبيته إلى أن كشفت الأبحاث العلميه والتي شرع فيها منذ اكثر من عقدين عن حقيقة افراز العظم للهورمونات ولذا فقد أضيف مفهوم جديد للهيكل العظمي فهو عباره عن غده كبيره تؤثر على اماكن خارج العظم فقد صار معروفاً ان خلايا العظم تفرز هورمون الاوستوكالسين osteocalcin والذي يؤثر على ضبط السكر في الجسم عن طريق تحفيز نمو خلايا بيتا في البنكرياس( تنتج خلايا بيتا الانسولين وتفرزه ) وبنفس الوقت يرفع من الإستجابة للانسولين لكل من الكبد والعضلات والدهن وما يهمنا في هذا السياق هو الكشف عن تأثير الاوستوكالسين على انتاج التوسترون من خلال تأثيره على خلايا " لايدغ " ويتم ذلك بمسار منفرد بمعزل عن محور الغده النخاميه وال FSH , LH ( هذه اول علاقه بين العظم والمني)


ماذا عن الماء الدافق ؟
أسفرت دراسات وابحاث تتالت منذ آواخر القرن الماضي عن إكتشاف منظومة أعصاب موجوده في الحبل الشوكي الموجود داخل العمود الفقري ( الصلب ) تقوم منظومة الاعصاب بضبط وتسيير عملية قذف المني عند الرجل ويطلق عليها ״ موّلد القذف الشوكي " Spinal Ejaculation Generator وهي عباره عن خلايا عصبيه متخصصه موجوده في الفقرات القطنيه ( في القسم السفلي للعمود الفقري ) وتقوم تلك الخلايا باستقبال ودمج المعلومات العصبيه الحسيه والحركيه الوارده عبر المسارات العصبيه من الاعلى من الدماغ ومن الاسفل من الجهاز التناسلي ومنطقه الحوض ومن ثم تقوم بتوزيع الاوامر لمركزين عصبيين مسؤوليين عن تشغيل الاعصاب المتحكمه بعملية القذف ، يقع اول مركز حيث تلتقي أخر فقره من فقرات الصدر T12 ( لاحظوا علاقة الترائب ) واول فقره من الفقرات القطنيه L1 يقوم هذا المركز بتحفيز " العصب الخثلي " hypogastric ganglion المسؤول عن تنفيذ أول مرحله من عملية قذف المني وهي مرحلة تجميع المني في الإحليل (قناة العضو الذكري) ، ينزل العصب الخثلي من الفقره الصدريه العاشره T10 ( لاحظوا مره أخرى العلاقه مع الترائب) وحتى الفقره القطنيه الثانيه ويتفرع ويتخذ طريقه حتى الخصيتين ويعطي أوامره بتفريغ الحويصلات وغدة البروستات من السائل المنوي ( خالي من الحيوانات المنويه)ثم يُضَّخ عبر الانابيب المنويه وبنفس الوقت تُضَّخ الحيوانات المنويه من مخازنها ( خلايا ابيديدمس Epididymis) فتختلط مع السائل المنوي في الإحليل فتصير منيّاً وبنفس الوقت ينغلق صمام كيس البول لضمان عدم رجوع السائل المنوي الى الوراء ، أما المرحله الثانيه وهي قذف المني فيسَّيرها المركز الثاني الموجود في الفقرات العجزيه من الفقره الثانيه وحتى الرابعه S2-S4 ويقوم بارسال شارات عصبيه ترفع الضغط داخل الإحليل وتزيد من سريان الدم داخل انسجة العضو الذكري تتبعه انقباضات ورعشات متسلسله ليؤدي ذلك الى انفجار وقذف المني ( الماء الدافق )، ان التحكم في القذف عمليه معقده ومركبه تسلتزم تناغم الكثير من العوامل ويشترك فيها عدد كبير من الهورمونات والناقلات العصبيه وكلما تقدم الطب كلما عرفنا أكثر وأكثر عن تشابك وتعقيد السيمفونية المذهله بين اضلاع الصدر ( الترائب) والصلب ( العمود الفقري ) وبين المني المقذوف ( الماء الدافق) وإقتربنا أكثر وأكثر من فهم الإعجاز المكنون في ثنايا تلك الآيات القصيره .

المصادر:
http://www.innerbody.com/image/endoov.html

https://en.m.wikipedia.org/wiki/Spermatogenesis
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/…/art…/PMC3826086/pdf/fendo-04-
‏00174.pdf
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/m/pubmed/24145129/

https://books.google.co.il/books…