|
|
|
كاتب الموضوع :
مناظر النصارى
المنتدى :
شبهات حول السيرة والأحاديث والسنة
بتاريخ : 05-11-2010 الساعة : 08:39 AM
قال الأستاذ عبدالله بن عبدالعزيز التميمي
اطلعت على المقال الذي سطره يراع الكاتب المبدع "فهد الأحمدي" في زاويته الرائعة "حول العالم" في العدد "14273" يوم الاثنين 1428/7/9ه؛ وكان بعنوان: "هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً بالفعل؟".
وقد ذكر الأستاذ فهد - وفقه الله - أن الأمية تحتمل ثلاثة أوجه؛ ثم نزّه النبي صلى الله عليه وسلم عن الثالث لأنه لا يليق بجناب نبينا صلى الله عليه وسلم، ولم يبق غير معنيين اثنين:
1- أن الأمية تعني الجهل بقضية معينة.
2- أن الأمية تعني الجهل بالقراءة والكتابة.. وقد قرر من خلال بعض الشواهد أن الأمية التي وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قول الله: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) هي أميّة بالمعنى الأول ؛ أي: انه صلى الله عليه وسلم كان أميّاً بما يتعلق بالأديان السماوية السابقة وشرائع الأمم السالفة. وهذا الكلام حق..
وأما المعنى الثاني: "انه كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب"؛ فلم تطب نفس الكاتب بوصف النبي صلى الله عليه وسلم به ؛ لأنه كان يرى فيه انتقاصاً وتقليلاً من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، كما أكد ذلك المعنى في نفسه قريبه الذي اعترض عليه.
والحق الذي أحب أن أوضحه لكابتنا القدير وللقراء الكرام أن النبي صلى الله عليه وسلم إضافة إلى كونه أميّاً فيما يتعلق بالشرائع السابقة؛ فقد كان أميّاً أيضاً لا يقرأ ولا يكتب؛ وذلك كان من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لأنه جاء بهذا الكتاب المعجز في نظمه وبيانه؛ وفي محتواه من الأخبار الغيبية والأحكام المتوافقة مع الفطرة السليمة والعقول المستقيمة. وشواهد ذلك ما يأتي:
1- قال الله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون".
قال القرطبي: "وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتاباً ويخط حروفاً "لارتاب المبطلون" أي من أهل الكتاب؛ وكان لهم في ارتيابهم متعلق وقالوا: الذي نجده في كتبنا انه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية. وقال النحاس: دليلاً على نبوته لقريش، لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك". أ. ه.
وقال ابن كثير: "قد لبثت في قومك - يا محمد - من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمراً لا تقرأ كتباً ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك أمي لا تقرأ ولا تكتب. وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل...) وهكذا كان صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة ولا يخط سطراً ولا حرفاً بيده، بل كان له كتّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم...".
كما قرر هذا جمهور المفسرين كالطبري وابن الجوزي وابن عطية والآلوسي وابن عاشور وابن سعدي.
وليعلم أن مفهوم الآية غير مراد، فلو قال قائل: إن الله قال: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب)؛ وهذا يعني أنه تعلم القراءة والكتابة بعد الوحي.. فهذا غير صحيح؛ لأنه لا فرق بين تعلم القراءة والكتاب قبل الوحي أو بعده؛ إذ إن شبهة تلقيه عن الأولين باقية؛ بمعنى: أن المشركين المبطلين سيظلون مستمسكين بشبهتهم ويتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بتلقي ذلك عن أساطير الأولين بعدما تعلم القراءة والكتابة.
2- قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل...)، وفي الآية بعدها: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي...). ومعنى الأمي - هنا؛ كما يقوله جمهور المفسرين - الذي لا يقرأ ولا يكتب، وقد تقدم شيء من ذلك ضمن كلام القرطبي وابن كثير.
3- قال تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون).
قال الشيخ ابن سعدي: "قد لبثت فيكم عمراً طويلاً تعرفون حقيقة حالي بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد، فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء وأعيا العلماء، فهل يمكن مع هذا أن يكون من تلقاء نفسي أم هذا دليل قاطع انه تنزيل من حكيم حميد". أ ه.
4- قال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا).
قال ابن سعدي: "أي ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية؛ بل كنت أميّاً لا تخط ولا تقرأ".
5- ثبت في الصحيحين - في قصة صلح الحديبية - أن سهيل بن عمرو سفير قريش - قبل أن يسلم - اعترض على قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، وقال: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعاك أبداً، ولكن أنت محمد بن عبدالله.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبدالله"، ثم قال لعلي: "أمح رسول الله" فقال علي: لا والله لا أمحوك أبداً. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبدالله... الحديث"، وفي لفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "أرني مكانها" فأراه إياه فمحاها.. فدل سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه عن مكانها؛ أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحسن القراءة.
وقد أجاب العلماء - كما ذكر ابن حجر - عن قوله: "فكتب" بأن المراد: أمر الكاتب فكتب.. كما يجيء: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى.. يعني: أمر الكاتب أن يكتب إلى قيصر وإلى كسرى. بدليل لفظ الرواية: وليس يحسن يكتب..
وعلى فرض انه كتبها بيده الشريفة فهذا لا يخرجه عن كونه أميّاً، فإن كثيراً ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده وخصوصاً الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّاً ككثير من الملوك.
قال الذهبي في السير: "والخطب يسير، فما خرج عن كونه أميّاً بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون، فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله تعالى من حكمته لم يلهم نبيه صلى الله عليه وسلم تعلم الكتابة ولا قراءة الكتاب حسماً لمادة المبطلين... إلى أن قال: ثم ما المانع من تعلم النبي صلى الله عليه وسلم اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه وقوة فهمه ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك الطوائف... إلخ".
6- ثبت في الصحيحين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، وهذه هي السمة السائدة على أمة العرب في ذلك الزمان؛ لأن الكتابة فيه عزيزة نادرة.. قاله ابن حجر.
وكون النبي صلى الله عليه أميّاً لا يقرأ ولا يكتب هو المتقرر لدى جمهور أهل العلم؛ ولذا شن بعضهم وشنع على من قال بغير هذا؛ حتى رموه بالزندقة؛ بل قال بعضهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة
وقال إن رسول الله قد كتبا
وهذا لا يقر من أولئك المتهجمين بلا شك، بل هو تسرع ومبالغة ومغالاة، إذ لا تعدو المسألة كونها ظنية اجتهادية؛ ومستند كلا القولين ظواهر أحاديث صحيحة؛ غير أن العقل لا يحيلها؛ وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها.. كما ذكر ذلك أبو العباس القرطبي في المفهم وتلميذه القرطبي المفسر وابن حجر في الفتح.
ولم أشأ أن أذكر مثل هذا إلا لبيان أن المتقرر عند عامة علماء الأمة سلفاً وخلفاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ وانه كان مسلماً وبديهياً؛ ولذا شن بعضهم هجوماً شرساً على من خالف ذلك؛ ولعل عذرهم ان في مثل هذا القول فتح باب لمن رموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يتلقى عن أصحاب الكتب السابقة؛ وان فيه نوع مستند لمن قالوا: "أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً".
ولذا؛ يعلم أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأمية القراءة والكتابة ليس نقصاً من مقامه أو تقليلاً في حقه؛ بل هو من دلائل نبوته وإعجاز رسالته صلى الله عليه وسلم؛ إلا أن هذا مخصوص به صلى الله عليه وسلم.. قال القسطلاني في المواهب اللدنية: "ومن دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم انه كان أميّاً، لا يخط كتاباً بيده ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج في سفر ضارباً إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والانجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحرفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها وسقيمها إلا القليل، ثم حاج كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ لهم نقض ذلك، وهذا أدل شيء على انه أمر جاءه من عند الله تعالى".
وأما أمته صلى الله عليه وسلم فإنها مأمورة بالتعلم ورفع الجهل والأمية عنها؛ وجاء الحث على العلم وذكر شيء من فضائل أهله في نصوص كثيرة من آي الكتاب وحديث النبي صلى الله عليه وسلم.. وقد ذكر ابن عبدربه في العقد الفريد: ان المأمون قال لأبي علي المعروف بأبي يعلي المنقري: بلغني أنك أمي؛ وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك.. فقال: يا أمير المؤمنين. أما اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه. وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أميّاً وكان لا ينشد الشعر. قال المأمون: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك؛ فزدتني عيباً رابعاً وهو الجهل. يا جاهل، إن ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لنفي الظنة عنه؛ لا لعيب في الشعر والكتاب.
http://www.alriyadh.com/2007/07/27/article268302.html
| |
|
|
|
|