الجوانب القانونية في سورة يوسف ..الإصدار قبل الأخير

تقليص

عن الكاتب

تقليص

المهندس زهدي جمال الدين مسلم معرفة المزيد عن المهندس زهدي جمال الدين
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الجوانب القانونية في سورة يوسف ..الإصدار قبل الأخير

    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	image.png 
مشاهدات:	35 
الحجم:	239.5 كيلوبايت 
الهوية:	816738


    الباب الأول
    المباحث القانونية
    في
    سورة يوسف


    تمهيد

    هذه الدراسة هي الباب الثالث من كتابي (يوسف عليه السلام بين النبوة والرسالة- دراسة تحليلية لسورة يوسف) ارتأيت أن استلها هنا منفصلة حتى يسهل النشر في المنتديات..
    مقدمة

    لا يخلو مجتمع، صغر حجم أفراده أو كبر، قلّ باعه في المدنية أو كثر، من شريعة وقانون ينظم مسيرة أبنائه، يسلك بهم سبل التعاون على الخير، ويبين حدود كل واحد منهم، وما له من حقوق وما عليه من واجبات، ضمن منظومة مجتمعية حاكمة لها سلطة القانون، وحتى في المجتمعات الصغيرة المتناثرة التي انقطع عنها حبل المدنية والحضارة، أو لم يصل نور الشرائع إلى روحها ، فإنها تعيش في إطار شبكة من الشرائع التي تبنتها على مدار الزمن ودونتها عقليات هذا المجتمع وان تدانت في المدنية من وجهة نظر الآخرين.
    وتصاغ الشريعة في صورة قوانين.. والقانون، في السياسة وعلم التشريع، هو مجموعة قواعد التصرف التي تجيز وتحدد حدود العلاقات والحقوق بين الناس والمنظمات، والعلاقة التبادلية بين الفرد والدولة؛ بالإضافة إلى العقوبات لأولئك الذين لا يلتزمون بالقواعدَ المؤسسة للقانون..
    أي أن القانون لكي يمكن تطبيقه واحترامه يجب أن يتكون من قواعد واضحة ليس فيها لبس.. ولهذا السبب استقر الرأي في كل الدول الحديثة أنه لا يتم سن أي قوانين إلا من خلال مجلس واحد وهو المجلس التشريعي المنتخب ولا يتم تعديله إلا من خلال هذا المجلس.. ليكون القانون واضحا يسهل على القضاة الحكم به.. ويسهل علي الدولة تطبيقه.. ويسهل على الأفراد حكاما ومحكومين احترامه.. واتفق ببساطة أن التشريع يعني سن القوانين..
    وتقابل الشريعة أو القانون، اللاقانون والفوضى، حتى إذا ما أريد وصف الحالة الفوضوية المؤدية إلى خراب البلد، قيل في مثل هذا البلد والمجتمع أن شريعة الغاب تحكمه وتتحكم في أفراده، في إشارة إلى الحياة السبعية في الغابات والأدغال، على إن الحياة السبعية هي الأخرى تحكمها قوانين خاصة بها، وإلا لما أُطلق عليها شريعة الغاب، بل إن بني البشر في بعض الأحيان تسوقه الفوضى والخراب إلى الدرجة التي يتفوق فيها في اللاقانون على سكان الغابة من الوحوش الكاسرة، فلا يصدق معه مفهوم شريعة الغابة، ولا الشريعة المدنية، فيكون هو أقرب إلى شريعة القتل وهتك الحرمات منه إلى شريعة الغاب.
    التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 11 أغس, 2020, 10:12 ص.

  • #2
    مقاصد الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان
    يرتبط إحقاق حقوق الإنسان بالإصلاح الاجتماعي، فلا إحقاق للحقوق في ظِلِّ الفساد والإفساد القائم على الجور والظلم، ولذلك فإن الشريعة الإسلامية الغراء قد أقرَّت المقاصد الشرعية الإسلامية لتحقيق الإصلاح الاجتماعي القائم على إنصاف الإنسان وإعطائه كامل حقوقه في ظلِّ العدل والمساواة، وبناءً على ذلك تتطابق نتائج حِكْمَة الْحُكم وعلته، ويتجلى ذلك في المقصد الذي ترمي إليه الأحكام من خلال درء المفاسد، وجلب المصالح للمخلوقات.
    وإن استقراء المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية توضح أن الشريعة قد جاءت من أجل حماية الكون، وفي مقدمته إنصاف الإنسان، وتحريره من الظلم، وفرضت أحكام الحلال والحرام، وأباحت الرخص بشروطها المعقولة في حالات استثنائية من أجل حفظ المهجة، ورعاية المصالح العامة والخاصة، واعتماد تقييد العموم والخصوص، وإقرار فقه الحقوق الإنسانية العامة والخاصة عملا بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
    ومَن يستقرئ أصول الأحكام الشرعية وفروعها يجد توافقاً عقلياًّ وشرعياًّ على ضرورة توفر الشروط الخاصة بكل حُكم، والشرطُ العامّ هو توفر الأهلية باعتبارها مناط التكليف الشرعي القائم على الأمرِ بطاعةٍ، والنهي عن معصيةٍ، واشتراطُ الأهلية لوجوب التكليف هو الضمان الأساسي لحقوق الإنسان لأن انعدام الأهلية يُسقط التكليف لعدم وجود الاستطاعة.
    وبمعنى آخر : إن طاعة الحاكم الشرعي، أو غير الشرعي لا تقتضي ظلم الرعية لأن ظلمها يتعارض مع مقاصد الشريعة الشرعية، ومع شرعة حقوق الإنسان الوضعية، والفارق كبير بين طاعة الخالق، وطاعة المخلوق، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب طاعة المخلوق من أجل طاعة الخالق، وبناء على ذلك يتضح الواجب الشرعي القاضي بالإنصاف، والناهي عن الظلم، وميزان تقييم تأدية الواجب هو مدى التزام الحكام عامةً وخاصّةً بتطبيقِ العدل المأمور به شرعاً وعقلاً ونقلاً، وتَجَنُّبِ الْجَور المنهي عنه شرعاً وأخلاقياًّ وإنسانياًّ وفلسفياًّ.
    إن رصد وقائع الأحداث في عالمنا المعاصر يوضِحُ وجود حراك وجدال ومناظرات في الميادين الفكرية والتشريعية والسياسية والفلسفية، وكل فريق يدعي أنه يمتلك الحل السحري للمعضلات البشرية، ويضمن حقوق الإنسان من العدوان، ويتمسك بالديمقراطية التي تخدمه، ولو ألغت الفريق المعارض له، وفي خضم الجدال نجد بعض المجادلين الناقمين على الإسلام يعادون أفكار الآخرين بسبب التعصب الذاتي، وبسبب جهلهم ما عند الآخر، والإنسان عدو ما يجهل بالغريزة، ومن هنا نجد من يعادي الشريعة الإسلامية ويعتبرها خطراً على حقوق الإنسان لأنه يجهل أحكام الشريعة وأسبابها وشروطها وعللها.
    وهنالك مَن يدعي مسّ الشريعة الإسلامية بحقوق الإنسان، وسبب الادعاء هو أن ذلك الْمُدّعي لم يقرأ التراث الشرعي الإسلامي، ويهاجم بدوافع الحقد والكراهية، والأحكام المسبقة دون اعتبار للأدلة الواضحة للمنصفين، ولكن المنصف الذي درس التراث، واعتنى بتأصيل العلوم، ومعرفة سياقها التاريخي بشكل دقيق يعلم عدالتها، ويتأكد من شرعيتها بإسنادها إلى المصدر الأول في عهد النبوة، إذ أن العمل بما هو شرعي يقتضي النصَّ قولاً أو عملاً أو إقراراً، ولدى استقراء ما وصلنا من عهد النبوة والخلافة الراشدة، ثم الخلافة الأموية فالعباسية فالعثمانية نجد تسلسل انتقال العلوم من التأصيل إلى التفريع، ومن الإجمال إلى التفصيل، وفي استقراء وقائع الأحداث في جميع المراحل التاريخية منذ فجر الإسلام حتى الآن نجد أن حفظ حقوق الإنسان منوط بالتمسك بمقاصد الشريعة التي يُعبَّرُ عنها بالمصالح، وقد وصلتنا نصوص مخطوطة لعلماء أجلاء تدعم الروايات الشفوية المتواترة بالسماع الصحيح الذي أخذه الخلف عن السلف.
    ومن العلماء المؤلفين الذين تركوا لنا نصوصا مضيئة حول المصالح الإنسانية الإمام العزّ بن عبد السلام المتوفى عام 660 ﻫ / 1262م، وضمّنها كتابه ‏(‏قواعد الأحكام في مصالح الأنام) وبيَّن كيفية "جَلْبِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا"، وقال: "لِلدارَيْنِ مَصَالِحُ إذَا فَاتَتْ فَسَدَ أَمْرُهُمَا، وَمَفَاسِدُ إذَا تَحَقَّقَتْ هَلَكَ أَهْلُهُمَا" وفي هذا الكلام إشارة إلى حفظ حقوق الإنسان في الدنيا والآخرة.
    ومن كتب التراث الإسلامي الرائدة في إيضاح حقوق الإنسان كتاب الموافقات الذي ألفه الإمام الشاطبي المالكي، وضمَّنه مقاصد الشريعة الإسلامية التي تضمن حقوق الإنسان، وكانت وفاة الشاطبي سنة 790 ﻫ / 1388م في عهد السلطان العثماني مراد الأول الذي استشهد بعد الانتصار في معركة كوسوفو، ومصطلح المقاصد عند الأصوليين مُواز لمصطلح المصالح، وما فيه مقصد للشريعة فيه مصلحة للبشر، ومجيء المصالح بمعنى المقاصد وارد عند الإمام الزركشي الشافعي
    ( 745 - 794 ﻫ / 1344 - 1392م) حيث يستخدم مصطلح المصالح بدل مصطلح المقاصد، وهذا واضح في كتاب البحر المحيط في أصول الفقه حيث يقول:
    "قَالَ أَصْحَابُنَا: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَحْكَامَ كُلَّهَا شَرْعِيَّةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ, إجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ, إمَّا عَلَى جِهَةِ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ عَلَى أَصْلِنَا, أَوْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ, فَنَحْنُ نَقُولُ: هِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ, وَلا لأَنَّ خُلُوَّ الأَحْكَامِ مِنْ الْمَصَالِحِ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ, وَإِنَّمَا نَقُولُ: رِعَايَةُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَمْرٌ وَاقِعٌ فِي الشَّرْعِ, وَكَانَ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ لا يَقَعَ كَسَائِرِ الأُمُورِ الْعَادِيَّةِ".
    ويستخدم الزركشي مصطلح الاستصلاح في قوله: "وَلَكِنَّ الَّذِي عَرَفْنَاهُ مِنْ الشَّرَائِعِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى الاسْتِصْلَاحِ , ودَلَّتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى مُلاءَمَةِ الشَّرْعِ لِلْعِبَادَاتِ الْجِبِلِيَّةِ، وَالسِّيَاسَاتِ الْفَاضِلَةِ، وَأَنَّهَا لا تَنْفَكُّ عَنْ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ"، وتتعدد المصطلحات المرتبة بالمقاصد والمصالح عند الأصوليين المسلمين، وهذا واضح عند الزركشي في معرض البحث في موضوع "[ الْمَسْلَكُ ] الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ [الْمُنَاسَبَةُ]" حيث يقول الزركشي:
    "وَهِيَ مِنْ الطُّرُقِ الْمَعْقُولَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِـ " الإِخَالَةِ " وَبِـ " الْمَصْلَحَةِ " وَبِـ " الاسْتِدْلالِ " وَبِـ "رِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ". وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا " تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ "لأَنَّهُ إبْدَاءُ مَنَاطِ الْحُكْمِ. وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ، وَغَمْرَتُهُ، وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ. وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ، أَيْ: الْمُنَاسَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُلاءَمَةُ"
    وفي هذا الكلام إيضاح عدد من المرادفات التي استعملها العلماء للتعبير عن مراعاة المقاصد الشرعية ورعاية المصالح الإنسانية، وهذا دليل على قِدَم الاهتمام بالمقاصد والمصالح رغم تنوع المصطلحات المعبرة عنها عبر القرون التي سبقت القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ومازالت معتبرة حتى العصر الحاضر.
    لاشك أن العلوم قد تطورت، وتفرعت عن الأصول فروع كثيرة، ولم تتخلف الشريعة الإسلامية عن مواكبة العصر حسبما يراه بعض المتخلفين الذين لم يفهموا الشريعة، فللشريعة مقاصد حيوية مناسبة لكل عصر، والمقاصد تتعلق بالفرد وبالمجتمع، وهي بذلك تحفظ حقوق الإنسان الفرد الضرورية المتمثلة بحفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، كما تحفظ الشريعة الإسلامية حقوق الجماعة الإنسانية التي تبدأ بالأسرة، وتتسع لتشمل الإنسانية عامة، وتبدأ بحفظ الحقوق الإنسانية ابتداءً بالعلاقات الأُسَريّة التي تشمل حفظ النوع البشري بتنظيم العلاقة بين الجنسين، وحفظ النسب، وتحقيق السكن والمودة والرحمة جراء التعاون علمياًّ وعملياًّ في كافة المناشط الإنسانية العاطفية والدينية والاقتصادية، وبالإضافة للعلاقات الأسرية أوجبت الشريعة في حلقة أوسع حقوق الأُمّة، وفرضت قيام مؤسسات الدولة لإقامة العدل بين الناس، ولحفظ الأمن والأمان، ورعاية مكارم الأخلاق، وإقرار التكافل الاجتماعي، ونشر العلوم، ومكافحة الجهل، والمحافظة على المال الخاص والعام، والتعاون مع الأمم الأخرى لتحقيق إعمار الأرض المأمور به شرعاً، ومكافحة التدمير والتخريب المنهي عنه شرعا، والأدلة الشرعية على ذلك ثابتة بنصوص القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية المطهرة، وأدلة إجماع السلف الصالح، وما يتضمنه التراث الشرعي الإسلامي من المنقول والمعقول.
    ولا تقتصر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية على الضروريات، بل تتجاوزها إلى الحاجيات والتحسينيات والتكميليات.
    فأما الحاجيّات فهي ما يُفْتَقَرُ إليه من حيث التَّوْسِعة على الناس، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، وتشمل ما يتعلق بالحاجات العامة، ولا يصل إلى مرتبة الضروريات.
    وأما التحسينات فتشمل مكارم الأخلاق، ومُستحسَن العادات والتقاليد، وتستبعد ما يؤذي الذوق العام مما يأنفه العاقلون، واستقراء ما تضمنته الشريعة الإسلامية من مقاصد الشريعة وما انطوت عليه من الضروريات والحاجيات والتحسينيات والتكميليات يُوضح لنا أن الشريعة الإسلامية قد ضمنت حقوق الإنسان كأفضل ما يكون، وأن دعاوى النقاد المعادين ما هي إلا غمامة صيف لا مطر فيها ولا خير للإنسانية، بل هي دعاوى شاذة تقوم على الجهل والتجني.
    وتضمنت الشريعة الإسلامية آلية لحفظ الحقوق الإنسانية، وذلك بفرض العقوبات على المخالفين لتردعهم عن إلحاق الأذى بغيرهم، وتناسبت الحدود الشرعية مع نوعية المخالفة وما تنتجه من ضرر خاص أو عام، فهنالك حَدُّ الردة لحفظ الدين، وحَدُّ القتل العمد العدوان قصاصاً لحفظ النفس، وحَدُّ الزنا لحفظ النسب أو النسل، وحَدُّ شرب الخمر لحفظ نعمة العقل، وحَدُّ قطع السارق لحفظ المال، وحَدُّ القذف لحفظ العِرْض والسُّمعة من افتراء المفترين، وتطبيق هذه الحدود هو من أجل ردع من تسول له نفسه تدمير القيم الإنسانية، وليست من أجل التنكيل بالمجرم.
    إن المنقول والمعقول الشرعي الإسلامي قد نصَّ على حفظ حقوق الإنسان في الحياة، والدليل قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ المائدة32
    وحق الإنسان في الحرية التي أشار إليها الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوله لابن الأكرمين: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" وحق المساواة بين الناس والحكم بالعدل، والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ سورة النساء، الآية:58.
    وحق الدفاع عن النفس والعرض والمال، وذلك بالرد على المعتدي، والدليل قوله تعالى:
    ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ سورة البقرة، الآية: 194.
    وهنالك حقوق كثيرة ضمنتها الشريعة لكي يحيا الإنسان حياة حرة كريمة دون أن يؤذى، أو يُلحق الأذى بالآخرين عملا بالقاعدة الشرعية التي تقول: “ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة" ويكون ذلك بالحكمة، وليس اعتباطاً.
    لقد أوضح الإمام ابن تيمية الطريقة القويمة والمنهاج الواضح في كيفية التعامل مع كافة القضايا حيث يقول: "والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، فيُفَرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدِّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويَدْفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويَجْتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يَعْرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين: لم يَعْرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يَعْرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومَن عبدَ الله بغير علم كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح" ومن هنا وجب على مَن يتصدى للحديث في شؤون الأمة بشكل عامّ ، وحقوق الإنسان بشكل خاص أن يعلم مضمون الشريعة، وكيفية تعاملها في الحقوق والواجبات كي يستطيع أن يكون مُنصفا، وليس مُتجنياًّ كما هو حال الكثيرين الذين يتشدقون بحقوق الإنسان، ويدعون أن الشريعة الإسلامية هي السبب، والراجح أن الذي يدفعهم إلى اتخاذ تلك المواقف هو سبب واحد من اثنين لا ثالث لهما: إما الحقد على الإسلام والمسلمين، وإما الجهل المطلق بمضمون الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان.

    تعليق


    • #3
      شهادتي للتاريخ
      قبل اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات بعام وتحديداً عام 1980م جاءني الأستاذ إبراهيم خطاب عضو مجلس الشورى -رحمه الله -بنسخة من قوانين تقنين الشريعة الإسلامية في مصر وعليها خاتم مجلس الشعب، وكان ضمن الكلام الذي دار بيننا أن الرئيس السادات - رحمه الله - كان قد عهد للدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب بمسئولية إعادة تقنين كافة القوانين المعمول بها في مصر طبقاً للشريعة الإسلامية ، ولقد تم بدأ العمل الفعلي للتقنين في عام 1978 وتمت الاستعانة بصفوة من العلماء المتخصصين من الأزهر والقضاة وأساتذة كليات الحقوق وبعض الخبراء من المسلمين والمسيحيين، وتم تقسيم العمل إلى لجان يرأس كل لجنة أحد أعضاء مجلس الشعب المتخصصين في المجال، إلى جانب هؤلاء الخبراء. وكانت الخطة تقوم على عدم التقيد بالراجح في مذهب معين، بل الأخذ بالرأي المناسب من أي مذهب من المذاهب الفقهية.
      وشرعوا في التقنين على أبواب الفقه وتقسيماته، وما لم يجدوه في كتب الفقه يلجأون إلى مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام، وفي حالة تعدد الآراء الفقهية للمسألة الواحدة كانوا يختارون واحداً منها مع ذكر الآراء الأخرى ومصادرها على هامش الصفحة ليرجع إليها من يشاء.
      كانت هذه هي خطة العمل كما هو مدون في مقدمة ذلك العمل الجبار..
      هذا هو السادات الذي اتهم بالردة والخيانة والكفر.. ومن ثم تم استباحة دمه..
      لماذا؟ لأنه لا يطبق شرع الله.. وكأن شرع الله تعالي مجرد ورقة وقلم..
      يقول الدكتور صوفي أبو طالب: "أستطيع أن أجزم أن الرئيس السادات كان جادا في مسألة تطبيق الشريعة، وكان سلوكه وكلامه يقطعان بذلك.. ولو قدرت له الحياة عاما أو عامين آخرين لرأينا تقنين الشريعة مطبقا على أرض الواقع. وكان الرئيس السادات في كل الاجتماعات يحثنا على الإسراع لإنجاز مشروع التقنين.. وكان يطالبنا بعدم الانتظار حتى يكتمل تقنين كل القوانين، واقترح مرة أن ندفع بما ننجزه أولا بأول إلى مجلس الشعب لأخذ الموافقة عليه تمهيدا لتطبيقه وسريانه في المنظومة القانونية).
      وتحتفظ مكتبتي بنسخة أصلية من هذه القوانين وعليها خاتم مجلس الشعب، فهذه النسخة الوثيقة هي التي تبرأ ساحة الرئيس المصري محمد أنور السادات وكل من ساهم في إخراجها شهود عليها وكل أعضاء مجلسي الشعب والشورى الذين كانوا يعدون أنفسهم بالموافقة سواء من كان يرتضيها أو من يرفضها، كل هؤلاء شهود عليها.
      هذه النسخة الوثيقة سوف يقابل بها السادات ربه باعتباره أول رئيس يقنن لمبادئ الشريعة الإسلامية بمصر وكأن دمه سال عليها من الخارجين عليه والذين أباحوا دمه.. مثل ما سال دم عثمان بن عفان على المصحف الذي كتبه وذلك من الخارجين عليه كذلك..
      وهذه القوانين التي صاغها كبار رجال الفقه الجنائي والمدني والاقتصادي مطبوعة طباعة فاخرة في دول الخليج وعندي منها أيضاً نسخة في مكتبتي..
      ولم يمت العمل في تقنين الشريعة بموت السادات رحمه الله ولكنه استمر حتى تم الانتهاء من كافة القوانين سواء الجنائية منها أو المدنية أو الاقتصادية..
      يقول الدكتور صوفي:
      (ومع حلول عام 1983 تم الانتهاء من جميع أعمال التقنين، وقمنا بطباعتها وعرضها على مجلس الشعب، وحظي بالموافقة عليه بالإجماع من أعضاء المجلس المسلمين والمسيحيين.. ومضابط المجلس مازالت موجودة وثابتة، وتشير إلى مدى تحمس المسيحيين لتطبيق الشريعة الإسلامية.). أ.ھ.

      تعليق


      • #4
        تمهيد
        ان القانون بصورة عامة يمثل ظاهرة اجتماعية متصلة بالمجتمعات الانسانية المنتظمة، بحيث يهدف الى تحقيق المصلحة العامة من خلال المحافظة على كيان المجتمع واستقراره وكذلك تحقيق المصلحة الخاصة من خلال المحافظة على حقوق الافراد وحرياتهم.
        فاذا كان تحقيق المصلحة العامة والخاصة هو هدف القانون بصورة عامة، فإن ذلك هو هدف القانون الجنائي بصورة خاصة باعتباره أحد فروع القانون العام الداخلي، وان القانون الجنائي يتكون من قواعد القانون الموضوعي وقواعد القانون الاجرائي حيث يحدد القانون الموضوعي الافعال المخالفة للقانون وهي الجرائم وكذلك الجزاءات اللازمة لها، اما القانون الاجرائي فأنه يحدد الاجراءات التي يجب اتباعها منذ وقوع الجريمة وحتى صدور الحكم الجنائي فيها وتنفيذه.
        والقانون الجنائي هو القانونُ الذي يساهمُ في فرضِ عقوبةٍ محددةٍ على المجرمِ بعد التأكدِ من ارتكابه للجريمة من خلال الاعتماد على الأدلة المتوفرة، وأيضاً يُعرفُ القانون الجنائي بِأنهُ مجموعةٌ من النصوصِ القانونيّة التي تساهمُ في وضعِ حدودٍ، وعقوباتٍ على الأفراد سواءً بصفتهم الشخصيّة، أو الصفة التي يمثّلونها وهكذا يساهمُ القانون الجنائي بالحدِ من أي سلوكياتٍ تؤدي إلى تهديدِ الأمن العام في الدول، ويعاقب الأشخاص الذين يتجاوزن ويُخالفون التشريعات القانونيّة.
        العجيب أن سورة يوسف تتضمن بيان قواعد ومبادئ قانونية راقية يعتمدها المحققون في كل الأزمنة والأمكنة من أجل كشف الجناة في الجرائم الجنائية في كل العالم المسلمين وغير المسلمين؟؟ حتى نعرف روعة معاني القران الكريم وبداعته وشموله لكل نواحي الحياة التي يحتاجها الإنسان .
        تزخر سورة يوسف عليه السلام بالعبر والأفكار التي تصطبغ بالطابع القانوني. فهي عرضت لأوضاع ذات صلةٍ وثيقة بالعديد من فروع القانون، فقد اشارت إلى أحكام قانونية تعامل معها المشّرع الوضعي، وكرست مبادئ استقر عليها العمل في الفكر القانوني، وكشفت النقاب عن "أوضاع قانونية" لم يُدركها الفكر القانوني إلا في مرحلة لاحقة.
        وهذه الدراسة تُعنى بما ورد في هذه السورة من لمحات قانونية، ولذلك فإنها ستقتصرُ على عرض الآيات التي تضمنت ذلك دون الدخول في شرح الآيات إلا فيما يخدم هدف هذه الدراسة، وذلك لأن علماء أجلاء سبقوا في نيل هذا الفضل العظيم.

        تعليق


        • #5
          تحديد مصطلحات الدراسة والألفاظ ذات الصلة:
          استعرضت الدراسة مفاهيم ومصطلحاتٍ قانونيةٍ متعددة، وقد جرى التعريف بتلك المفاهيم والمصطلحات حسب ورودها في متن الدراسة تسهيلا على القارئ الكريم بما يعينه على الفهم والإحاطة بما جاء فيها.
          هيكلية الدراسة
          لكي تؤدي الدراسة غرضها سنعرض للآيات التي انطوت على معالجةٍ قانونية، وسنحاول تصنيف تلك الآيات وفقاً لتعلقها بالقاعدة القانونية أو فرع القانون الذي تتصل به.
          فالآيات التي تضمنت أفكاراً تخص قانون الأحوال الشخصية سيتم دراستها في مبحث، وتلك المتصلة بالقانون المدني في مبحث أخر، وتلك التي تتعلق بالقانون الجنائي في مبحث أخر وصولاً إلى عرض ومعالجة جميع الآيات التي تخدم غرض الدراسة.
          المبحث الأول: الآيات المتصلة بالتنازع الدولي من حيثُ الاختصاص التشريعي
          ﴿ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ.. قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يوسف:74-75.
          المطلب الأول: تنازع القوانين في القانون الدولي الخاص
          المطلب الثاني: الروابط القانونية للمجتمعات المختلفة
          المبحث الثاني: الآيات المتصلة بقانون الأحوال الشخصية والتي تشمل فقط الحديث عن:
          العبودية والتبني والكفالة
          ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ الآية رقم 21 من سورة يوسف. (نظام التبني والعبودية)).
          وردت في سورة يوسف إشارة إلى ما يسمى بنظام التبني للصغار، وهو سلوك مارسه البشر منذ القدم لكن هذا النظام ينطوي على تداخلات قانونية وشرعية هامة فقد قال تعالى في الآية 21 من سورة يوسف: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ .
          المطلب الأول: التبني والعبودية والكفالة
          الفرع الأول: حكم الرقيق
          الفرع الثاني: القضاء على الرق
          الفرع الثالث: منهج الإسلام في تحرير الرقيق
          الفرع الرابع: إعادة تنظيم المجتمع المسلم على أساس التصور الإسلامي في تحرير الرقيق
          المطلب الثاني: القضاء على التبني
          الفرع الأول: التبني والآثار الشرعية المترتبة عليه
          الفرع الثاني: التبني في ظل الشرائع السماوية
          المطلب الثالث: الكفالة
          الفرع الأول: مفهوم الكفالة
          الفرع ثاني: إجراءات انعقادها
          المبحث الثالث: الآيات المتصلة بالقانون المدني
          ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ الآية رقم 20 (البيع بثمن بخس).
          ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ الآية رقم 59 من سورة يوسف. (الشرط الواقف).
          ﴿ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ الآية رقم72 (الوعد بجائزة أو الجعالة).
          ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ. الآية رقم 66 من سورة يوسف (القوة القاهرة وأثرها على الالتزام).
          المطلب الأول: البيع بثمن بخس
          المطلب الثاني: الشرط الواقف
          المطلب الثالث: الوعد بجائزة _ الجعالة
          المطلب الرابع: القوة القاهرة وأثرها على الالتزام
          المبحث الرابع: الآيات المتصلة بقانون أصول المحاكمات وقانون الإثبات
          ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. الآية رقم 25 من سورة يوسف (الدعوى).
          ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ: الآية رقم 26 من سورة يوسف. (اللائحة الجوابية: الإقرار أو الإنكار).
          ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ. الآيات 26و 27 من سورة يوسف (الخبرة والقرائن).
          ﴿ فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.. الآية رقم 28 من سورة يوسف (المعاينة والخبرة).
          ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)﴾ يوسف: ٣٢ (الإقرار غير القضائي).
          ﴿ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾. الآية رقم 51 من سورة يوسف. (الإقرار القضائي).
          ﴿ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَالآية رقم 18 من سورة يوسف. (اصطناع الدليل).
          ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ.. الآية رقم 50 من سورة يوسف. (إعادة المحاكمة).
          المطلب الأول:
          الفرع الأول: الدعوى
          الفرع الثاني: الخصومة
          المطلب الثاني :اللائحة الجوابية
          الفرع الأول:الإقرار أو الإنكار
          الفرع الثاني: دعوى ثبوت الزنا على المغيرة بن شعبة
          المطلب الثالث: البينات- الخبرة والقرائن
          الفرع الأول: القضاء الشرعي في مصر
          الفرع الثاني: القرينة المادية
          الفرع الثالث: مبــدأ قانــونيٌّ (شخصيَّة العقـــــوبة)
          الفرع الرابع: حق المتهم في الدفاع عن نفسه
          المطلب الرابع: قضيتي الثبوت والتحاكم
          الفرع الأول: امرأة العزير مع يوسف عليه السلام
          الفرع الثاني: إثبات البراءة في مرحلة الثبوت لا يلزم منه الإقرار بمرحلة الحكم إذا لم تكن طالبا لها
          الفرع الثالث: القرائن
          الفرع الرابع: الطعن في الحكم القضائي
          المطلب الخامس: الحيل الفقهية
          الفرع الأول: الحيل التي اتَّبعها يوسف مع اخوته
          الفرع الثاني: معنى الاحتيال.. وشروط الأخذ بها
          المطب السادس: علاقة يوسف بقميصه علاقة تستحق التأمل
          المطلب السابع: امرأة العزيز بين المعصية والتوبة
          الفرع الأول: المعصية
          الفرع الثاني: أدلة براءة يوسف عليه السلام
          المطلب الثامن: هل حظي يوسف بمحاكمة عادلة
          المطلب التاسع: إعادة المحاكمة
          المطلب العاشر: عدم جواز اصطناع الدليل
          المبحث الخامس: الآيات المتصلة بقانون العقوبات
          ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ الآية رقم 9 من سورة يوسف. (جريمة المؤامرة وسبق الإصرار).
          ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. الآية رقم 23 من سورة يوسف (جريمة عرض فعل منافي للحياء).
          ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ الآية رقم 24 من سورة يوسف. (الشروع في الجريمة).
          ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.. الآية رقم 25 من سورة يوسف (الجرم المشهود).
          ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ... ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ الآيات 78 و79 من سورة يوسف (شخصية العقوبة).
          ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. الآية رقم 88 من سورة يوسف. (العفو العام والخاص).
          ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. الآية رقم 76 من سورة يوسف. (مبدأ إقليمية القانون والقانون الواجب التطبيق).
          المطلب الأول: بعض الأنماط الجرمية التي عرضت لها سورة يوسف
          الفرع الأول: المؤامرة والاتفاق الجنائي
          الفرع الثاني: جريمة عرض فعل منافي للحياء
          الفرع الثالث: الشروع في الجريمة
          الفرع الرابع: الجرم المشهود
          المطلب الثاني: العفو العام والعفو الخاص
          المطلب الثالث: أمورٌ إنسانيَّة متكررة يمارسها الناس عند وقوعهم تحت طائلة القانون
          الباب الثاني: مصادر التشريع الإسلامي في القانون المصري.
          والله ولي التوفيق.
          وكان الفراغ منه في الأول من يوليو 2020.

          تعليق


          • #6
            المبحث الأول

            الآيات المتصلة بالتنازع الدولي من حيثُ الاختصاص التشريعي

            ﴿ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ.. قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يوسف:74-75. المطلب الأول

            تنازع القوانين في القانون الدولي الخاص

            مبدأ إقليمية قانون العقوبات
            يقصد بمبدأ إقليمية قانون العقوبات الوطني هو القانون الواجب تطبيقه على جميع الجرائم التي تقع على إقليم الدولة بصرف النظر عن جنسية مرتكبيها أو جنسية ضحاياها.
            أما المستفاد من الآية الكريمة سالفة الذكر، فهو أن الجريمة التي اقترنت من قبل إخوة سيدنا يوسف، تمت على الأراضي المصرية، وهي واقعة ينطبق عليها الوصف الجرمي لجريمة السرقة. ولقد درجت الشرائع الوضيعة على معاقبة مرتكب الجريمة وفقا لقانون الدولة التي ارتكبت الجريمة على إقليميها
            وهو ما يعرف -حاضرا- بمبدأ الصلاحية الإقليمية أو مبدأ إقليمية قانون العقوبات. ولما كان القانون السائد في مصر آنذاك لا يخول سيدنا يوسف إبقاء أخيه عنده جزاء ما نسب إليه من سرقة، فقد عمد إلى حيلة قانونية مفادها الاحتكام إلى قانون إخوته -أبناء يعقوب-أي تطبيق القانون الشخصي للمتهم الأجنبي، وفي ذلك عدالة تحقق له مراده في استبقاء أخيه لعلمه أن عقوبة السارق في شريعة يعقوب -"وهي العبودية" على ما أفصحت الآية الكريمة- تتيح له ذلك بخلاف الشريعة المطبقة في مصر ﴿ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ يوسف:74.
            ﴿ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يوسف:75.
            ولقد سبقت الإشارة إلى ما يعرف بالقانون الدولي الخاص والذي يعرف بأنه:
            مجموعة القواعد القانونية التي تحدد القانون الواجب تطبيقه أو المحكمة المختصة في نزاع مشوب بعنصر أجنبي.
            ويندرج تحت هذا الفرع من القانون موضوعات هي:
            • تنازع الاختصاص التشريعي.
            • تنازع الاختصاص القضائي.
            • الأحكام المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية.
            • الأحكام المتعلقة بالجنسية والموطن والمركز القانوني للأجانب.
            وتتميز قواعد تنازع الاختصاصين التشريعي والقضائي بأنها ليست أكثر من قواعد إسناد، وليست قواعد موضوعية لحل النزاع، فهي تشير إلى القانون الذي استنادا لأحكامه سيتم حل النزاع أو المحكمة التي ستتولى النظر في هذا النزاع.
            ولقد تطورت أحكام القانون الدولي الخاص مع تطور الفكر القانوني، وشيوع الوقائع والعلاقات المختلطة بين الوطنيين والأجانب، والحاجة لتحديد أكثر القوانين ملائمة لحل النزاع الناشئ عن علاقات أو وقائع مختلطة.
            ورغم أن أبرز موضوعات القانون الدولي الخاص تتعلق بالقانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة في النزعات " الخاصة " المشوبة بعنصر أجنبي إلا أن بعض الموضوعات الأخرى لا تتعلق بنزعات " خاصة " بين الأفراد، وذلك عندما تكون الدولة بوصفها سلطة ذات سيادة طرفا في العلاقة كما هو الحال في المسائل المتعلقة بالجنسية والمركز القانوني للأجانب وكذلك القانون الواجب تطبيقه والمحكمة المختصة في النظر بالجرائم المرتبطة على إقليمها.
            المعنى القانوني للأجنبي:
            يقصد بالمركز القانوني للأجانب هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الحقوق التي يتمتع بها الأجانب والالتزامات التي تترتب عليهم في أثناء وجودهم على أرض دولة ما خارج بلادهم.
            والأجنبي في دولة معينة هو كل شخص لا يتمتع بجنسيتها، سواء أكان يحمل جنسية دولة أخرى أم كان لا يحمل جنسية دولة ما، أي عديم الجنسية، وسواء أكان مقيماً على إقليمها أم لا.
            ومن الناحية التاريخية لم تكن المجتمعات القديمة تعترف بأية حقوق للأجانب في أقاليمها، بل كان الأجنبي بمنزلة عدو لها مهدد دائماً بالعبودية ومجرد من أية حماية قانونية، فكان في حكم الأشياء محلاً للحق لا طرفاً فيه، يباع ويشترى من دون أن يكون أهلاً للتمتع بالحق.
            وظل الأجنبي زمناً طويلاً محروماً من الشخصية القانونية في نظر هذه المجتمعات. ومن أبسط الحقوق الملازمة لوجوده ولإنسانيته كحق الزواج والإرث والتصرف والتملك.
            ولم يتحسن وضع الأجنبي إلا مع تطور علاقات الأفراد والمجتمعات البشرية وتطور حاجاتها وأفكارها ومشاعرها، مما أدى إلى إيلاء وجود الأجنبي بعض الاهتمام. فكان نظام الضيافة، الذي عرف في الحقوق اليونانية، ثم في الحقوق الرومانية، أول تعبير قانوني عن تقدم وضع الأجنبي. أنظر الموسوعة العربية ـ العلوم القانونية والإدارية- المجلد الأول - المركز القانوني للأجانب ـ تاريخ 2014/08/29.
            وعندما تطورت علاقات الرومان بالأجانب من شعوب البلاد التي خضعت لحكمهم، وضع الرومان قانوناً خاصاً بالأجانب، هو ما يُعرف باسم «قانون الشعوب»، يحدد حقوقهم وينظم علاقاتهم فيما بينهم من جهة، وعلاقاتهم مع الرومان من جهة أخرى.
            وهكذا بدأ وضع الأجانب بوجه عام بالتحسن تدريجياً، ولكن هذا التحسن لم يصل إلى حد انتزاع شعور الكراهية من النفس البشرية تجاه الأجنبي والحذر منه ولاسيما في أوربا.
            ففي عهد الإقطاع مثلاً، الذي ساد في العصور الوسطى، ساء وضع الأجنبي ولم تعد له حرمة في شخصه أو ماله.
            ويدل لفظ (أجنبي) بذاته في اللغة الجارية الحديثة على مصدره وتحديده القانوني خاصة عندما ينصرف معناه الرائج بكونه اللفظ المقابل للوطني.
            هذا المعنى يقود الى (قانون الجنسية) الذي تتكفل أحكامه اما صراحة أو ضمنا بتحديد المقصود بالأجنبي.
            إذن في علم القانون (الأجنبي) هو الشخص الذي لا يتمتع بحق حال في جنسية الدولة التي يقيم فيها.
            بصرف النظر عما إذا كان وجوده فيها بقصد عبورها والمرور فيها فقط أو بقصد التوطن والإقامة وسواء دخل فيها بحريته أو كان لاجئا.
            فقانون الجنسية هو الذي يحدد من هو الوطني ومن هو الأجنبي، حيث يتم هذا التحديد غالبا عن طريق الاستنتاج وأحيانا عن طريق التصريح.
            وبهذا فالأجنبي الذي يقيم في دولة معينة لا يعد من مواطنيها مالم يكتسب جنسيتها سواء أكان الأجنبي عديم الجنسية أم متمتعا بجنسية دولة أجنبية وسواء أكان وجوده في تلك الدولة بصورة دائمة أم مؤقته أم كان مضطرا للدخول أو دخل بإرادته ونفس الحال بالنسبة للأجنبي الذي يحمل عدة جنسيات ولم تكن احداها جنسية الدولة التي يقيم فيها.
            وقد أقر القانون الدولي الخاص، مبدأ حرية الدول في تعيين رعاياها، بمقتضى تشريعاتها الداخلية التي تضعها لتحقيق هذه الغاية.
            وأن هذا الاصطلاح قصده هذا القانون باعتبار الأجنبي هو كل من لا ينتمي الى جنسية الدولة سواء كان الشخص منتميا الى جنسية دولة أخرى أو أن يكون متجردا منها.
            حيث تضع كل دولة تشريعا خاصا في هذا الشأن، يعرف بقانون الجنسية، تبين فيه الشروط والصفات التي تتطلبها لاعتبار الشخص متمتعا بجنسيتها وغير ذلك من القواعد التي بواسطتها يتم التمييز بين الوطني والأجنبي.
            وأما المشرع المصري فقد عرف الأجنبي في القانون رقم 89 لسنة 1960م الخاص بإقامة الأجانب في مصر وتعديلاته بالقـــــــانون 88 لســنة 2005م في الباب الاول موضوع القواعد العامة على أنه :
            ( يعتبر أجنبيا في حكم هذا القانون كل من لا يتمتع بجنسية جمهورية مصر العربية ) المادة (1) مستبدلة بالقانون رقم 88 لسنة 2005 .
            كما يعد الشخص أجنبيا عن الدولة حتى ولو رتب وجوده على إقليمها التزاما على عاتقها بتوفير الحماية الداخلية والدبلوماسية له كاللاجئ السياسي والعسكري.
            لذا يمكن أن نعرف الأجنبي بأنه:
            (كل فرد لا يتمتع بحق حال في جنسية الدولة الموجود فيها لغرض المرور أو الإقامة باختياره أو دونها أو كان متجردا منها). انظر الدكتور محمد جلال الأطروش – مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والإدارية – الأجنبي والتزاماته في إقليم الدولة - العدد 1 – ص 324- 325.
            وبناء على التعريف السابق فلقد كان يعقوب وابنائه أجانب في مصر.. ونخلص مما سبق أنه حينما توجه أبناء يعقوب إلى مصر وتم توجيه تهمة السرقة إلى أحدهم هنا ظهر النزاع عند فرض العقوبة على السارق والتي تمت طبقا لقواعد تم تأسيسها فيما يعرف بالقانون الدولي.
            ومثلما توجد قواعد حلول تنازع القوانين توجد قواعد لحلول التنازع بين المحاكم، كما أن تلك القواعد تمارس من خلالها المحكمة صلاحيتها في تسوية النزاع، مما يثر ذلك التساؤل عن أنواع الاختصاص القضائي الدولي، وطبيعة القواعد والإجراءات المتبعة في كل منهم، ولأجل الإحاطة بالموضوع سنبحث ذلك من خلال مبحثين:
            فالأول: يتعلق ببيان المحاكم المختصَّة، بالنظر في القضايا التي تخصُّ المواطنين والأجانب، والحالات التي تُعتبر فيها المحاكم الوطنيَّة هي المعنيَّة بالنظر فيها، ولو كان حدوثها خارج البلد.
            والثاني: يتعلق ببيان القانون الواجب التنفيذ، في حالة النظر في قضيَّةٍ لها علاقةٌ بأجنبيٍّ، أو وقعت في بلدٍ أجنبيٍّ، ولكن تمَّ النظر فيها في محكمة وطنيَّة.


            وبناء عليه هناك نظريتان [ولهما تفصيلات] خلاصتهما:
            1- إنَّ الأغلب هو الأخذ [بإقليمية القوانين]، أي تطبيق قانون الإقليم الذي وقعت فيه الجريمة، وإن كان الفاعلون من الأجانب. مثل إخوة يوسف عليه السلام. قال تعالى في شأن يوسف عليه السلام عزيز مصر: ﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ.
            ﴿ دِينِ الْمَلِكِ أي شرع الملك وقانون الدولة.. فما كان له ولا مما تبيحه أمانته لملك مصر أن يخالف شرعه الذي فوض له الحكم به وهو لا يبيح استرقاق السارق، فما كان بالميسور له أخذ أخيه من إخوته ومنعه من الرحيل معهم إلا بحكمهم على أنفسهم بشريعة يعقوب التي تبيح ذلك.
            ولما كانت هذه الوسيلة إلى تلك الغاية الشريفة منكرة بحسب الظاهر، لأنها تهمة باطلة، وكان من شأن يوسف أن يتباعد عنها ويتحاماها إلا بوحي من الله - بين أنه فعل ذلك بإذن الله ومشيئته فقال:
            ﴿ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، لا أنه هو الذي اخترع هذه المكيدة.
            2- والبعض يأخذ [بشخصية القوانين] … وخاصة في الدول التي للغير فيها امتيازات مفروضة، أو ما كانت فيها امتيازات لأعضاء الهيئات الدبلوماسية والقنصلية مثل أخو يوسف عليه السلام.
            فيطبق عليهم قانون بلدهم الذي يلاحقهم أينما ذهبوا. فإنَّ الناس تسعى دوماً الى أن تبقى تحت حكم قانونها الشخصي.
            ﴿ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ أي جزاؤه أخذ من وجد في رحله وظهر أنه هو السارق له وجعله عبدا لصاحبه، وقوله: ﴿ فَهُوَ جَزاؤُهُ تقرير للحكم السابق وتأكيد له بإعادته، كما تقول حق الضيف أن يكرم، فهو حقه، والقصد من الأول إفادة الحكم، ومن الثاني إفادة أن ذلك هو الحق الواجب في مثل هذا، وقد كان الحكم في شرع يعقوب أن يسترقّ السارق سنة.
            ﴿ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي مثل هذا الجزاء الأوفى نجزى الظالمين للناس بسرقة أمتعتهم وأموالهم في شريعتنا، فنحن أشد الناس عقابا للسراق.
            وهذا تأكيد منهم بعد تأكيد لثقتهم ببراءة أنفسهم.
            ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ أي فبدأ يوسف بتفتيش أوعيتهم التي تشتمل عليها رحالهم ابتعادا عن الشبهة وظن التهمة بطريق الحيلة.
            ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ أي ثم إنه بعد أن فرغ من تفتيش أوعيتهم فتش وعاء أخيه فأخرج السقاية منه.
            ﴿ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ أي مثل هذا الكيد والتدبير الخفي كدنا ليوسف، وألهمناه إياه، وأوحينا إليه أن يفعله.
            3- الجمع بينهما
            إنَّ سيَّدنا يُوسُف أدخل إخوتَه في الفخ، فارتضوا قانونهم الذي يُطبِّقونه في بلادهم، ألا وهو شريعـــة [يعقوب] ‍‍‍‍‍‍.. حتى أنّهم:﴿ قالوا من وُجِد في رحله فهو جزاؤه كذلك نَجزي الظالمين ﴾.
            فَأَخَذَ إقرارهم على رؤوس الأشْهاد، في أنَّ ( العبودِيَّة ) هي جزاء السارق في شريعتهم، وأنَّهم راضون بما تفرضه شريعَتُهم، بل أنَّ [يوسف] وأتباعه يُعدُوُن متفضلين، إذ سحبوا شريعة يعقوب، وهي: [قانونهم الشخصي]، إلى إقليم دولة [الملك] !!..


            تعليق


            • #7
              المطلب الثاني

              الروابط القانونية للمجتمعات المختلفة

              ويقوم القانون بتنظيم العلاقات أو الروابط القانونية للمجتمعات المختلفة، وتتكون هذه العلاقات أو الروابط القانونية من ثلاثة عناصر:
              أشخاص العلاقة القانونية، موضوع العلاقة القانونية، نسبة موضوع العلاقة القانونية إلى أشخاصها.
              فإذا كانت عناصر العلاقة أو الرابطة القانونية وطنية ضمن نطاق دولة واحدة فلا نكون بصدد تنازع القوانين، وبمعنى آخر لا تثور مشكلة تنازع القوانين لأن العلاقة القانونية بجميع عناصرها يحكمها قانون دولة واحدة.
              ولكن قد تتصل علاقة قانونية خاصة بعنصر أو أكثر من عناصرها بأكثر من قانون واحد كقانون الجنسية وقانون الموطن وقانون محل انعقاد العقد، وينتج عن هذا تعدد القوانين التي هذا تتزاحم وتتنازع فيما بينها لحكم العلاقة القانونية، التي لا بد وأن تكون خاضعة لأحد القوانين ويدعى ذلك بتنازع القوانين، قد يرتبط الأجانب في دولة ما فيما بينهم أو فيما بينهم وبين أبناء الدولة التي وجدوا فيها بعلاقات قانونية.
              ولذلك تعقدت العلاقات القانونية بين الناس وتنوعت القواعد القانونية التي تحكمها، وأصبحت معرفة تلك القواعد ليست بالأمر اليسير في كل حين، لأن لكل مجتمع من هذه المجتمعات نظامه القانوني الخاص به وله سلطته الخاصة التي تسهر على إدارة شؤونه، ويظهر بشكل واضح إذا تعلق الأمر بأكثر من مجتمع بالنظر لاختلاف الدول في درجة تطورها وظروفها وبالتالي في أنظمتها. هذا الاختلاف بين قوانين الدول وأنظمتها سيثير بدون شك نزاعا فيما بينها كلما اتصلت علاقة قانونية أو مركز قانوني بدولة أو أكثر.
              إن حل مشكلة تنازع القوانين يتم عادة بواسطة إعمال قواعد معينة تسمى قواعد تنازع القوانين أو قواعد الإسناد ويمكن القول إن قواعد الإسناد هي القواعد القانونية التي ترشد القاضي إلى القانون الواجب التطبيق على العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبي.
              وقواعد الإسناد على هذا النحو هي قواعد وضعها المشرع الوطني لاختيار أكثر القوانين المتزاحمة ملاءمة لحكم العلاقة الخاصة المتضمنة عنصرا أجنبيا وأكثرها إيفاء بمقتضيات العدالة من وجهة نظره، فقواعد الإسناد تهدف إذن إلى وضع أكثر الحلول المناسبة من وجهة نظر المشرع لحكم العلاقات الدولية الخاصة، ويكون حل النزاع بترجيح أحد القوانين المتنازعة وتفضيله سواء أكان وطنيا أو أجنبيا ويتم ذلك بالرجوع إلى قواعد تنازع القوانين من حيث المكان (قواعد الإسناد) التي يضعها المشرع الوطني وعلى مصادر القانون الدولي الخاص الأخرى عند افتقاد النص لتعيين القانون الواجب التطبيق ويفض النزاع بإسناد العلاقة القانونية إليه ليحكمها، وذلك بما يعرف بالقانون الدولي الخاص والذي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد القانون الواجب تطبيقه أو المحكمة المختصة في نزاع مشوب بعنصر أجنبي ويندرج تحت هذا الفرع من القانون موضوعات هي تنازع الاختصاص التشريعي، تنازع الاختصاص القضائي، الأحكام المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية، الأحكام المتعلقة بالجنسية والموطن والمركز القانوني للأجانب.
              وتتميز قواعد تنازع الاختصاصين التشريعي والقضائي بأنها ليست أكثر من قواعد إسناد، وليست قواعد موضوعية لحل النزاع، فهي تشير إلى القانون الذي سيتم حل النزاع استنادا لأحكامه سيتم حل النزاع أو المحكمة التي ستتولى النظر في هذا النزاع.
              ولقد تطورت أحكام القانون الدولي الخاص مع تطور الفكر القانوني، وشيوع الوقائع والعلاقات المختلطة بين الوطنيين والأجانب، والحاجة لتحديد أكثر القوانين ملائمة لحل النزاع الناشئ عن علاقات أو وقائع مختلطة.
              هناك جدل بين المفسرين حول العصر الذي حدثت فيه قصة سيدنا يوسف ففي حين يري بعض المفسرين أن القانون السائد في مصر آنذاك هو قانون فرعون، يري البعض أن ذلك مغالطة تاريخية، لأن الحقبة الزمنية التي جرت فيها أحداث قصة سيدنا يوسف كانت في عصر آخر غير عصر الفراعنة كما هو محقق في دراستي المعنونة (النبي يوسف عيه السلام- الإعجاز اللغوي والقصصي والتاريخي، تحت عنوان إعجاز تاريخي في سورة يوسف عليه السلام).
              ورغم أن أبرز موضوعات القانون الدولي الخاص تتعلق بالقانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة في النزاعات " الخاصة " المشوبة بعنصر أجنبي إلا أن بعض الموضوعات الأخرى لا تتعلق بنزاعات " خاصة " بين الأفراد، وذلك عندما تكون الدولة بوصفها سلطة ذات سيادة طرفا في العلاقة كما هو الحال في المسائل المتعلقة بالجنسية والمركز القانوني للأجانب وكذلك القانون الواجب تطبيقه والمحكمة المختصة في النظر بالجرائم المرتبطة على إقليمها.
              في الثاني من أكتوبر 2018، أعلنت تركيا أن جمال خاشقجي، الصحفي السعودي والمقيم في واشنطن والكاتب في صحيفة الواشنطن بوست والمعارض للنظام السعودي، قد قتل بعد دخوله مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، وأنه تم فصل رأسه عن جسده وتقطيع جثمانه في مكتب القنصل العام، وأن الذي قام بهذا العمل فريق أمني محترف ورسمي أعد العدة خصيصا لارتكاب هذه الجريمة، وجاء إلى إسطنبول في طائرتين من القاهرة ودبي، وكان مع الفريق منشار ومواد كيماوية مذيبة للجسد.
              هذه الوقائع تطرح العديد من المسائل القانونية، حتى قبل أن تعلن تركيا التفاصيل النهائية لحادث الاغتيال.
              في هذه النقطة يفترق القانون عن الشريعة الإسلامية؛ فالقانون الذي وضعه البشر يسمح بإفلات من يشاء، ولكنه وفقا للشريعة فهو يريد أن يفتدي بمن أمرهم بالقتل، فلا يتوفر الأساس الشرعي لقتلهم، ويصبح قتلهم جريمة جديدة تضاف إلى جرائم الجانب السعودي. فعدم حسم القضية بصدق يصيب أبرياء كثرا.
              على أن معاقبة المنفذ لا تغني عن معاقبة الآمر؛ لأن بداية الخيط في الجريمة هو الأمر بالقتل، ولا يمكن فك الارتباط بين الآمر والمنفذ عندما يكون المنفذ رسميا ومن الموظفين العموميين الذين يفترض أنهم يلتزمون بتعليمات الآمر، حتى ولو كان قتل الخصوم. وهذا قد يجوز في القانون السعودي، ولكنه ليس جائزا في الشريعة؛ لأنه في الشريعة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يمكن تفسير سلطة ولي الأمر في الإسلام بأنها تشمل القتل والتمثيل والتوحش الإجرامي، فقد كان يكفي أن يتم إخراج الضحية من الحياة إلى الموت دون تعذيبه أو التمثيل بجثته؛ لأن حرمة الموت تأبى هذه التصرفات المشينة.
              وعلى الجانب الآخر، قد ترى السعودية أن القاتل سعودي والمبنى سعودي، وأن القضاء والقانون السعودي يسودان ويمنعان القانون القضائي التركي. وهذا زعم - إن صح - يخرج تماما عن إطار القانون الدولي في أي عصر.
              حيث القضية بدأت دولية ولا تملك السعودية حصرها في إطار سعودي؛ لأنها ببساطة تمت على أرض أجنبية، حيث تنادى غير المتخصصين بأن البعثة سعودية في مبنى تملكه السعودية، وتمتد إليه السيادة السعودية، وهذا خطأ فادح، فالمبنى ملك للسعودية والأرض للسيادة التركية، فلا تملك السعودية سوى التصرف في المبنى بيعا أو ترتيبا، أما ما يقع فيه من جرائم فيختص به القاضي التركي.
              ومعنى ذلك، أنه ليس هناك تنازع في الاختصاص القضائي، إنما هناك القضاء التركي الوحيد المختص.

              تعليق


              • #8
                المبحث الثاني

                الآيات المتصلة بقانون الأحوال الشخصية والتي تشمل فقط الحديث عن: العبودية والتبني والكفالة

                المطلب الأول العبودية والتبني والكفالة

                ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ. الآية رقم 21 من سورة يوسف. (نظام التبني والعبودية).
                وردت في سورة يوسف إشارة إلى ما يسمى بنظام التبني للصغار، وهو سلوك مارسه البشر منذ القدم لكن هذا النظام ينطوي على تداخلات قانونية وشرعية هامة فقد قال تعالى في الآية 21 من سورة يوسف:
                ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
                فلنتوقف هنا عند هذه الآية طويلاً وذلك من خلال دور القصة القرآنية في التمهيد والإعداد لبعض القوانين التشريعية للأحوال الشخصية خاصة نظام التبني.
                من المعروف أن القصة القرآنية كانت تتنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم من أجل تثبيت حكم تشريعي معين أو نسخ وإلغاء حكم سابق كان معمولاً به..
                خذ عندك مثلا في الأمور العقائدية الكبرى كألوهية السيد المسيح.. هذه القضية العقائدية ظهرت بوضوح في مجتمع المدينة إذ استقر في الأذهان أن السيد المسيح رفعه الله إليه في السماوات, الأمر الذي اتخذه النصارى تكأة لألوهية السيد المسيح.. هذه القضية مهد الله سبحانه وتعالى لها بحادثة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا وفيها أثبت الله سبحانه وتعالى العبودية لرسوله صلى الله عليه وسلم وحسم الأمر بقوله تعالى:
                ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الزخرف:81.
                دققوا..
                إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول العابدين.. فمن باب أولى أن يتخذه الله سبحانه وتعالى ولداً وليس أي أحد سواه.
                كذلك حادثة الإسراء نفسها وهي حادثة لا يقبلها العقل نجد أن القرآن الكريم كان قد عالج هذه القضية بالتمهيد لها عن طريق ذكره لقصة نقل عرش ملكة سبأ من اليمن إلى الأقصى..
                وكانت التشريعات الكبرى لا تتنزل على المجتمع مرة واحدة ولكنها كانت تخضع لعوامل التدريج..
                فخذ عندك مثلاً تشريع حرمة الربا..
                هذا النظام الاقتصادي المعقد لم يتم الغائه بين يوم وليلة، ولكنه تم بالتدرج وذلك على امتداد تسعة أعوام وعلى مراحل أربعة كما يلي: -
                المرحلة الأولى: ما جاء في سورة الروم وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع سنين مقروناً بذم الربا ومدح الزكاة وذلك قبل فرض الزكاة كما في قوله تعالى: - ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ الروم: 39.
                وقد جاء في السور المكية أصول الواجبات والمحرمات بوجه إجمالي كما في هذه الآية.
                المرحلة الثانية: وهي في قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا النساء:160-162.
                أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه. وهذا تلميح بالتحريم لأنه جاء على سبيل الحكاية عن بني إسرائيل وأن الربا كان محرماً عليهم، فاحتالوا على أكله، فهو بذلك تمهيد، وإيماء إلى إمكان تحريم الربا على المسلمين كما هو محرم على بني إسرائيل. وفيه إيماء آخر، وهو أنه إذا حرم عليكم الربا فلا تفعلوا مثل فعلهم، فتلقوا من العذاب الأليم مثل ما لقوا لأن هذا السلوك ليس إلا سلوك الكافرين والعياذ بالله.
                المرحلة الثالثة: حيث يقول تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[آل عمران: 130 –132 ] .
                أي: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم .
                وهذا مفيد لتحريم الربا- كما سبق بيانه – إلا أنه لم يكن فيه من التهديد والوعيد ما كان في آخر مراحل التحريم.
                المرحلة الرابعة والأخيرة : وفي هذه المرحلة جاءت الآيات الكريمة بالحكم الشرعي:-
                ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ
                [ البقرة : 275 – 279 ].
                وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
                ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إلى قوله ﴿ وَلا تُظْلَمُونَ
                [ البقرة : 278 – 279 ] قال: (هذه آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم (البخاري مع الفتح : 4 / 368 باب موكل الربا .) .
                ويستمر تحريمه إلى يوم القيامة، هذا تاريخ الربا عبر التاريخ، وكابوسه الثقيل على الأمم وموقف الشرائع السماوية منه ومحاربته لإنقاذ البشرية من ويلاته ولكنْ يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان واستولى عليهم الشحُّ إلا عتواً ونفوراً ليستمروا على التحكم بأموال الناس بغير حق.
                وكذلك الخمر..
                وقد أورد العلماء في آيات التشريع القرآني أن تحريم الخمر مر بثلاث مراحل متوالية، كان أولها تحريم الخمر قبل الخروج إلى الصلاة، كما في قوله جل جلاله :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (النساء: ٤٣)، تلاها إبراز المضار التي ترشح من تناول الخمر، والتي تفوق بكثير الفوائد المجتباة من تناوله، مما يدفع العقل إلى توظيف مفاعيله في تقدير المصلحة والمفسدة ويجعله في مرحلة توزين الجانبين في ميزان العقل والموضوعية فقال جل جلاله:
                ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (البقرة: ٢١٩)، وأخيراً كانت الآية الحاسمة التي حسمت موضوع الخمر وقطعت دابر تلك العادة الذميمة والسلوك المريض، فقال العزيز الحكيم جل جلاله في محكم تنزيله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة: ٩١).
                وقد أورد بعض العلماء أن التدريج كان على مراحل أربع، تضاف فيها إلى المراحل الثلاث المذكورة آنفاً الآيةُ المكية من كتابه الكريم، والتي تضمنت التلميح إلى أن الخمر، والذي عبر عنه القرآن الكريم بلفظة السَّكَر على أرجح أقوال المفسرين، ليس برزق حسن؛ تهيئة للنفوس وترسيخاً في العقل الباطن أن الخمر لا يندرج ضمن الطيب من الرزق: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل: ٦٧)، إذ تفيد واو العطف في اللغة المخالفة والمغايرة، بالإضافة إلى العطف.
                وكذلك حكما التبني والرقيق واللذين نحن بصدد الحديث عنها الآن فلقد مر التحريم لهما بمراحل عدة.. الفرع الأول حكم الرقيق

                ومن الواضح أيضا أن مصر كانت تعرف في ذلك الوقت تجارة الرقيق، فتجارة الرقيق كانت مألوفة وأن يوسف لصغره لم يكن جائزة كبيرة للذين عثروا عليه, ولذلك يقول القرآن إنهم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين وأن الذي اشتراه ممن يعملون في سوق الرقيق ولكن الله فتح عليه عندما باعه لعزيز مصر مما يظهر أن الطفل بدا عليه أنه من بيت كريم لا يحتمل الإهانة.
                فالرق كانت له مصادر متعددة منها الحروب ومنها الإعسار عن الوفاء بالدين (ولذلك ربط القرآن بين الربا وتجارة الرقيق، لأن الربا كان من أبواب الرق)، مما يؤدي إلى استرقاق الدائن للمدين ولذلك حث القرآن الكريم على تجفيف منابع الرق وحسن معاملة الأسرى وحظر استرقاقهم وميز بين الأسير وبين ما سبق من أوضاع العبودية والاسترقاق لأن الناس في الإسلام متساوون في الكرامة الإنسانية.
                وكان شائعا في ذلك الزمان أن الرقيق يختلف عن الخادم.
                النقطة القانونية الأولى: أن الرقيق ليست له شخصية قانونية ولا يتمتع بأي حقوق ويعامل معاملة الأشياء، كما أن روما القديمة التي بدأت حضارتها في القرن الرابع قبل الميلاد ربما بالتقابل مع قصة موسى كان لديهم سقوط صفة الحرية عن المواطن الحر فيصبح رقيقا في أحوال محددة وأهمها الفرار من الخدمة العسكرية والإعسار وغيرها مما ينزل الحر إلى مرتبة العبد ويسمى في القانون الروماني الموت المدني، أي انقضاء الشخصية القانونية والأهلية القانونية في التصرف.
                وظل هذا النظام سائدا لقرون عديدة تالية، والدليل هو فتوى العز بن عبد السلام في مصر لأن المماليك عبيد وأن العبد لا يجوز له أن يكون حاكما وهي الإمامة الكبرى وأن هذا العبد الحاكم يجب أن يشتريه أحد ويعتقه حتى يصبح كامل الأهلية فيصلح للإمارة.
                فإذا كانت العبودية في الإسلام لله وحده فقد جفف الإسلام منابع الرق ووسع طاقات الحرية وجعل تحرير الرقيق أحد صور التكفير عن الخطايا أو الوفاء بالتزامات دينية.
                وهذه المساواة بين بني البشر جميعا هي التي دفعت أشراف مكة إلى انتقاد الرسول وسخريتهم من دعوتهم واتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لا يتبعه إلا الأراذل ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ هود:27، لأن الإسلام يسوي بين العبد والسيد في المجالس فأبت نفوس الأشراف تنزيل قدرهم ومساواتهم بعبيدهم.
                النقطة القانونية الثانية: هي أن القرآن الكريم يستخدم عادة مصطلح الشراء وليس البيع على خلاف القانون المدني الذي يستخدم عقد البيع وليس هناك عقد للشراء ولذلك عبر القرآن عن بيع القافلة التي عثرت على يوسف في البئر بأنهم شروه بثمن بخس وكذلك يشتري المؤمن رضا الله بالعبادات والإنفاق. والبخس في اللغة هو عدم التناسب بين المبيع وبين الثمن تعبيرا عن زهدهم في اقتنائه. وهو ما سوف نتناوله بشيء من التفصيل فيما بعد.

                تعليق


                • #9
                  الفرع الثاني القضاء على الرق

                  منهج الإسلام في تحرير الرقيق

                  وهكذا وجدنا أن الرق من الأمور التي كانت منتشرة قبل الإسلام وبعده، ولما جاء الإسلام لم يكن طرفا أوحد فيها، ولكنه جفف منابعها.
                  يقول فضيلة الشيخ الغزالي – رحمه الله -:
                  في مطالع البعثة المحمدية كان الرقيق واقعًا غير مُؤلِم ولا مستغرَب ولا منكور، وكانت جماهير الأرقَّاء تَزحَم المشارق والمغارب، لا يَأْبَهُ لهم أحدٌ ولا يفكر في إنقاذهم مُصْلِح.
                  في أرجاء الدولة الرومانية النصرانية كان العبيد يَخدمون في صمت، وربما قُدِّم بعضهم طعامًا للوحوش في بعض المناسبات، وكان اليهود - وَفْقَ تعاليم التوراة - يُنظمون أساليب الاسترقاق للعِبرانيين وغير العبرانيين.
                  ولم الأسَى على الرقيق وحدهم؟ إن المَنبوذين في القارة الهندية كانوا أنجاسًا لا تُعرَف لهم حُرمة، ولقد وقع ابنٌ لامرأةٍ بِرَهْمِيّةٍ في بئر، وكان أحد المنبوذين يستطيع إنقاذه لو أذنت أُمه، لكن الأم فضَّلت أن يموت ولَدُها ولا يعيش بعد ما لَمَسه مَنْبوذ!.
                  الإسلام أول من تكلم في تحرير الرقيق في عصره:
                  في هذا الجو القابِض الظَّلُوم كانت الإنسانية تعيش، ما أنصَفَتها فلسفة اليونان التي تُقرُّ الاسترقاق بعقلها المُفكر! ولا أنصَفَتها مَواريثُ التديُّن التي احتضنها الكهنة وأظلَمَت بها الأرض، حتى تكلَّم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصاخ الناس إلى ما جاء به، فإذا هم يسمعون أن البشر كلهم إخوة بينهم نسَبٌ واحدٌ، وتَسري في أوصالهم نفخة مِن روح الله، وأنهم سواسيةٌ في الحقوق والواجبات، وأنهم خُلقوا ليَتعارفوا ويَتحابُّوا ﴿ يا أيُّها الناسُ إنَّا خلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعلناكم شُعوبًا وقَبائلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ (الحجرات: 13)
                  وسمع الناس للمرة الأولى في تاريخهم أن المُسترَقِّينَ يجب أن تُفَكَّ قيودُهم وتُعتقَ رِقابُهم، وأن العانِينَ ينبغي أن يُحرَّروا من الذُّلِّ والجُوع والهوان، وأن العقبات دون هذا كله لابد مِن اقتحامها لمَن يريد رضوان الله ﴿ فلا اقْتَحَمَ العَقبةَ. ومَا أدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أو إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (البلد: 11ـ16) وعلى المؤمنين أن يَتجرَّدوا لأداء هذا الواجب، فلا يُحرِّروا الأسرى ليَجعلوهم أتباعًا أو عبيدَ إحسانٍ بعد ما كانوا عبيدَ سطوةٍ، كلاّ، إنهم كما قال تعالى: ﴿ ويُطْعِمُونَ الطعامَ علَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا. إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُريدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكورًا (الإنسان: 8 ـ 9).
                  إلغاء الإسلام لمصادر الرق:
                  ولمَّا جاء دور التشريع لنقل هذه المبادئ إلى قوانينَ مُلزِمةٍ نظَر الإسلام إلى مصادر الرِّقِّ فألغاها كلها على النحو الآتي:
                  الرق للعجز عن سداد الدين:
                  كان الرُّومانيون ومِن قبلِهم العبرانيون يَحكمون بالعُبودية على مُقْترفِي بعض الجرائم، ومِن هذه الجرائم عند الرومان عجْزُ المُعْسِر عن الوفاء بالدَّيْنِ، وقد رفض الإسلام هذه النظرة رفضًا حاسِمًا، ولم يَسترِقَّ في أية مُخالَفة، بل رصَد من الزكاة المفروضة سهْمًا لازمًا لسداد دُيون المُعسرين، قال تعالى: ﴿ وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وأن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لكمْ إن كُنتم تَعلَمُونَ (البقرة: 280).
                  خطف الأحرار:
                  وكان الخطف إلى القرن الماضي مَصدرًا هائلًا للاستعباد، وقد ظلَّ الأوربيون يَصطادون البشر بِضْعةَ قرون مِن غرب أفريقية، في ظروف تكتنفها الوحشية المُطلقة، وتمَّ خطفُ عشرات الملايين وهلاكُ مِثْلهم في أثناء الغَارات التي كان يقوم بها قَراصِنتُهم، وأبَى الإسلام إباءً شديدًا خطْفَ الأحرار، وهدَم كل ما انبنَى على هذا الخطف من آثار، وجاء في الحديث القُدسيّ عن ربِّ العزة: قال الله تعالى: " ثلاثة أنا خَصْمُهم يوم القيامة، ومَن كنتُ خَصْمَه خصَمْتُهُ "غلَبْتُهُ" رجلٌ أعطَى بي ثم غدَر، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يُعطِهِ الأجْرَ".
                  أسرى الحروب:
                  والمصدر الثالث للاسترقاق - وهو مصدر خطير - أسْرَى الحروب، إن أولئك المنكودِين الخزايا كانوا يُواجهون مُستقبلًا غامِضًا، وقد يكون الاسترقاق أهوَنَ ما يتوقعون.
                  وفي الحرب العالمية الثانية لم تُعرَف مصائر الألوف المُؤلَّفة من أسرَى الروس لدَى الألمان أو أسرى الألمان لدَى الفرنسيين، فإن كان ذلك ما وقع أيام التحضُّر والارتقاء فما ظنُّك بما كان يقع قديمًا؟ .
                  على أيةِ حالٍ فإن الإسلام في أول حرب خاضها خرج على الدنيا بمبادئَ أزكَى وأرَقَّ في معاملة الأسرى، فنزل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأسرى بعد معركة بدر:
                  ﴿ يا أيُّها النبيُّ قُل لِمَن في أيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إن يَعْلَمِ اللهُ في قُلوبِكمْ خَيْرًا يُؤتِكُمْ خَيْرًا ممَّا أُخِذَ مِنكم ويَغفرْ لكم واللهُ غفورٌ رحيمٌ. وإن يُريدُوا خِيانَتَكَ فقد خَانُوا اللهَ مِن قبلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُم (الأنفال: 70،71) والخيانة التي تُشير إليها الآية موقفُ المشركين مِن قضية الحريات الدينية والإنسانية كلها، فقد كان مَوقفًا غبيًّا مُتعنتًا مَليئًا بالكبرياء والقسوة، أكان هذا موقف عَبَدَةِ الأوثان وحدهم؟..
                  كلَّا، فإن أهل الكتاب كانوا أخَسَّ وأظلَمَ، يقول الله تعالى: ﴿ ولَئِنْ أَتَيْتَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بكُلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (البقرة: 145).
                  لِيَكُنْ، فليس لأحدٍ أن يُرغِمَهم على اتِّباع. لكنهم لم يَكتفوا بهذا، بل لجأوا إلى صَدِّ الأتباع وفِتنةِ الضعفاء وقيلَ لهم: ﴿ قُل يا أهلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وأنتم شُهدَاءُ ومَا اللهُ بِغَافِلٍ عمَّا تَعْملُونَ (آل عمران: 99).
                  ولو أن الكُرْهَ للإسلامِ كان عواطفَ فَرْدٍ أحمقَ أو سلوكَ نَفَرٍ مُتَعَصِّبِينَ لَهَانَ الخطْبُ، لقد تحوَّل إلى حرب ساخنة يَصْلاَها دِينٌ عَدَّهُ خُصومُه خارجًا على القانون ولم يَرَوا الاعترافَ به أبدًا.
                  ولْننظُرْ إلى صدرِ تاريخنا القديم ولْنَتساءلْ:
                  متى اعترفت الأديان الأخرى بحقِّ الحياة للإسلام وحقِّ أتباعه في إقامة مُجتمع له؟.
                  لا مَجوسُ فارس، ولا يهودُ المستعمرات المُقاومة في جزيرة العرب، ولا الرومانُ الذين اعتنقوا النصرانية ليَجعلوا منها ذريعةَ استعمارٍ أسودَ أكَلَ الشامَ ومصرَ وغيرَهما طول خمسة قرون.
                  ومع ما أَحَسَّهُ سلفُنا مِن وحشيةٍ ونكير فقد خاضوا ضدَّ أعدائهم حربًا عادلة، وأمَروا بكَسْرِ شوكتهم ومَحْق كِبْرِهم، حتى إذا قلَّموا أظفارهم وأذلُّوا طُغيانهم قيل لهم: لكم أن تَمُنُّوا على الأسرى والمُنهزمين ﴿ فإذا لَقِيتُمُ الذينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حتَّى إذَا أثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بعدُ وإمَّا فِداءً حتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزَارَها (محمد:4).
                  وقد يَفزع البعض لكلمة ﴿ ضَرْبَ الرِّقَابِ بيد أن فزَعه هذا يذهب عندما يَعلم أن عربيًّا من أذناب الروم ومِن وُلاتهم شمال الجزيرة قبَض على المسلم الذي جاء برسالة من لدَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو فيها إلى الإسلام وقال له: أنت حامِلُ رسالةِ محمد؟ قال: نعم. فأمر بضَرْبِ عُنِقِهِ!.
                  كأن حمْلُ كتابٍ رقيق العبارة مَقبولِ العرض جريمةً تُعالَج بالقتل السريع !..
                  بِمَ يُعامَل هؤلاء الأذناب من سماسرة الاستعمار الرومانيّ المُتعصِّب!..
                  إنها الحرب ولا شيءَ غيرها.
                  ثم قيل بعد ذلك للمُقاتلين المسلمين: ﴿ فإذا أثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً حتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَها المَنُّ أو الفداء! ليس هناك تصريحٌ في الآية باسترقاق أحدٍ، لم يَعُدِ الأسرُ مَنْبَعًا دائمًا لأسواق الرقيق كما كان ذلك مَعهودًا في القرون الأولى.
                  وهنا نبحث: كيف يتمُّ تنفيذ هذا المبدأ؟..
                  هل يُطلِق المسلمون سراح الأسرى دون قيدٍ أو شرط ليَعودوا إلى مُقاتلتهم مرة أخرى؟..
                  هل يتمُّ هذا التحرير في الوقت الذي يُباع أبناؤهم فيه هنا وهناك؟..
                  دعوة الإسلام لتحريم الرق في العالم:
                  إن مُعاملة الأسرى ليست تشريعًا مَحَلِّيًّا يصدر مِن جانبٍ واحد، إنه تشريع تلتزم به أطراف مُتشابكةُ المصالح، مُتعاونةٌ على احترام قيَمٍ مُعينة.
                  هل يجد المسلمون هذه المعانيَ عند خُصومهم؟..
                  كلَّا، فإن هؤلاء الخُصوم مِن عَبَدَةِ الأصنام أو مِن أتباع الكتب الأولى لا يُقِرُّون للمسلمين بحقِّ الوُجود، فكيف يَسمحون لهم بحقِّ البقاء وحرية التديُّن!..
                  وعندما يُوجد تفهُّمٌ دوليٌّ على "المَنِّ أو الفداء" فنحن أولُ مَن يُهرَع إلى الإسهام فيه وإنفاذ عهوده، إن مبدأ المعاملة بالمِثْل له أثره العميق في العلاقات والمعاملات الدولية، وقد قلنا: إن الأمريكيين لو عَرفوا أن اليابان تَملِك رادعًا نوويًّا ما فجَّروا قنابلهم الذرية فوق "هُيروشيما وناجازاكي"!.
                  وإلى أن يتمَّ تفاهُمٌ عالميّ على أسلوب إنسانيّ في مُعاملة الأسرى انفرد الإسلام بتعاليم تحْنُو على أولئك المَنكوبين، وتُذَكِّرُ بالأُخُوَّةِ الإنسانية، وتُوصي بالرحمة، وتُعاقب على الغِلْظة، أو بعبارة مُوجزة: جفَّف منابع الرِّقِّ جَهْدَ الطاقة، ونوَّع أسباب التحرُّر والانطلاق! فليس هناك أمرٌ باسترقاقٍ، وإنما هناك أوامرُ بالإعتاق، وقد بسطنا ذلك كله في مَوطن آخر (حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة).
                  موقف الإسلام من إنهاء الرق في العصر الحديث:
                  قال لي شخصٌ مِن المُتأثرين بالاستعمار الثقافيّ: إن الحضارة الحديثة هي التي حرَّرت النساء والأرقَّاء، ولا ريب أنها انساقت إلى ذلك مِن مَواريثها الدينية!..
                  قلت له: إن الحضارة الحديثة مكَّنت ناسًا لهم فِطرة سليمة مِن خدمة البشرية، مثل "أبراهام لنكولن" الذي قاد حربًا شديدة لتحرير العبيد، وقد لَقِيَ الرجل مصرعه بعد هذا البلاء، كما لَقِيَ غاندي مصرعه على يدِ هنديٍّ مُتعصب لدِينه!..
                  وأصحاب الفطرة السليمة الذين جاهَدوا في سبيل هذه الغايات النبيلة كانوا يَستوحُون ضَمائرهم وحدها، أين تجد المَواريث الدينية في تحرير النساء عندما تقرأ رسالة "بولس الأول" إلى أهل "كورنثوسي" الإصحاح الرابع عشر فقرة 24 وما بعدها:
                  "لِتَصْمُتْ نِساؤُكم في الكنائس؛ لأنه ليس مأذونًا لهنَّ أن يَتكلَّمْنَ، بل يَخْضَعْنَ! كما يقول الناموس أيضًا، ولكن إن كُنَّ يُرِدْنَ أن يتعلَّمْنَ شيئًا فيَسألْنَ رجالهُنَّ في البيت؛ لأنه قبيح بالنساء أن يتكلَّمنَ في كنيسة"؟
                  وأين تجِد المواريث الدينية في تحرير الأرِقَّاء عندما تقرأ رسالة بولس إلى أهل "أفسس":
                  "أيها العبيد، أطِيعُوا سادتَكم حَسَبَ الجسد بخَوْفٍ ورِعْدة! في بساطة قُلوبكم كما للمَسيح، ولا بخدمة العين كما يَرضَى الناس، بل كعبيد المسيح... الخ"؟ (على هذا النصِّ وغيره استقرَّ الرِّقُّ في الغرب، وقتَل أحدُ المتدينين المُتعصبين له "لنكولن" مُحرر العبيد).
                  إن رجالًا مِن أصحاب القلوب الكبيرة هم الذين جاهَدوا بشرف لتكسير القيود التي أنشأها التظالُم البشريّ على مرِّ العصور، والحقيقة أنه لا دِينَ إذا طُمسَت الفطرة وطَغَتِ الأثَرَة!.
                  وللإسلام علامة مُميِّزة يُعرف بها ويَلفت كلَّ امرئ إليها، تبدو في قوله تعالى: ﴿ فأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ الناسَ علَيْهَا لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ (الروم: 30) ومِن هنا حكمنا بأن التقاليد التي يتعارف الناس عليها يجب نَبْذُها إذا خالَفَت الفطرة! ويستحيل أن تكون هذه التقاليد دِينًا وإن استَمسَك بها بعض الكُهّان!.
                  إلى هنا انتهى كلام فضيلة الشيخ وهو جزء من خطبة جمعة..

                  تعليق


                  • #10
                    الفرع الثالث

                    إعادة تنظيم المجتمع المسلم على أساس التصور الإسلامي في تحرير الرقيق

                    مما سبق يتبين لنا أن منهج الإسلام في تحرير الرقيق إنما كان يعتمد في الأصل على تحرير العبد من الداخل أولاً فيشعره بكرامته وبإنسانيته فيتعامل مع الجوهر الكامن فيه من حيث هو إنسان.. وهذا هو أصعب شيء.. الحرية الداخلية.. لقد عاد الأحرار الذين كانوا في الأصل عبيدا بقرا ر لنكولن، عادوا مرة أخرى إلى أسيادهم يرجونهم للعيش معهم كعبيد.. فالمجتمع الأمريكي مازال حتى الآن يفرق في المعاملة بين السود والبيض..
                    لماذا لأنه لم يتم تحريره من الداخل وذلك بعكس الإسلام..
                    نعم.. إن منهج الإسلام في تحرير الرقيق منهج فريد ومتميز لذلك لم تنزل آيات قاطعة جازمة في تحريره كآيات الربا والخمر لأن ذلك كان يتطلب عمراً أكثر من عمر الدعوة، فلقد جاء الإسلام ونظام الرقيق سلعة اقتصادية عالمية ليس من السهل القضاء عليها بجرة قلم ولكنه قبل أن يتبع منهج تجفيف المنابع (أي التحرير من الخارج) وهذا كان أمره سهلا، إلا أنه وكما قلنا اتبع الأمر الأصعب ألا وهو تحرير الذات من الداخل قبل أن يحررها من الخارج..
                    والآن مع الآيات الكريمة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً (36) الأحزاب 36.
                    هذه الآية شوط جديد في إعادة تنظيم المجتمع المسلم على أساس التصور الإسلامي.
                    وهو يختص ابتداء بإبطال نظام الرق والذي كان متبعاً في الجاهلية وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ; وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة.
                    فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة، وسنرى من موقف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقة المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمر الله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
                    ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه:
                    ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً (36) الأحزاب 36.
                    مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
                    روي أن هذه الآية نزلت في السيدة زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ حينما أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمر من الله عز وجل أن يحطم الفوارق الطبقية الموروثة في المجتمع المسلم ; فيرد الناس سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وكان الموالي - وهم الرقيق المحرر - طبقة أدنى من طبقة السادة، ومن هؤلاء كان زيد بن حارثة مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي تبناه، فأراد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحقق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم , قريبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب بنت جحش; ليسقط تلك الفوارق الطبقية بنفسه, في أسرته وما فعله عن أمر منه وما كان ليقدر لولا أن أمره الله عز وجل بذلك ، وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تتخذ منه الأمة المسلمة أسوة, وتسير البشرية كلها على هداه في هذا الطريق .
                    روى ابن كثير في التفسير قال: قال العوفي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله تعالى:
                    ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً (36)، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه فدخل على زينب بنت جحش الأسدية - رضي الله عنها – فخطبها.
                    فقالت: لست بناكحته! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بلى فانكحيه ".
                    قالت: يا رسول الله... أؤمر في نفسي ؟..
                    فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً (36).
                    قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" نعم “! قالت: إذن لا أعصي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أنكحته نفسي.
                    وقال ابن لهيعة عن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: خطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبا - وكانت امرأة فيها حدة - فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً (36).
                    والمدقق في قول ابن عباس عن السيدة زينب " فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبا " يدرك طبيعة المجتمع الذي يعيش على الأنساب ولا يتصور أحداً أن هذا الأمر يعد بسيطاً.
                    ففي رواية لأحمد مسند البصريين حديث رقم 18948:
                    ‏[حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جُلَيْبِيبًا ‏ ‏كَانَ امْرَأً يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ يَمُرُّ بِهِنَّ وَيُلَاعِبُهُنَّ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ ‏ ‏جُلَيْبِيبٌ ‏ ‏فَإِنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ
                    قَالَ وَكَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ ‏ ‏أَيِّمٌ ‏ ‏لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ فَقَالَ ‏ ‏نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنُعْمَ عَيْنِي.
                    فَقَالَ إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي.
                    قَالَ فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏لِجُلَيْبِيبٍ.
                    قَالَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُشَاوِرُ أُمَّهَا فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ ابْنَتَكِ فَقَالَتْ ‏ ‏نِعِمَّ وَنُعْمَةُ عَيْنِي فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا ‏ ‏لِجُلَيْبِيبٍ.
                    فَقَالَتْ ‏ ‏أَجُلَيْبِيبٌ ‏ ‏ابْنَهْ ‏ ‏أَجُلَيْبِيبٌ ‏ ‏ابْنَهْ ‏ ‏أَجُلَيْبِيبٌ ‏ ‏ابْنَهْ ‏ ‏لَا لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تُزَوَّجُهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا قَالَتْ ‏ ‏الْجَارِيَةُ ‏ ‏مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا فَقَالَتْ أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْرَهُ ادْفَعُونِي فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي.
                    فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ قَالَ شَأْنَكَ بِهَا فَزَوَّجَهَا ‏ ‏جُلَيْبِيبًا‏.
                    ‏قَالَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ لَهُ قَالَ فَلَمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ قَالُوا نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا قَالَ انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ قَالُوا لَا قَالَ لَكِنِّي أَفْقِدُ ‏ ‏جُلَيْبِيبًا‏.
                    ‏قَالَ فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى قَالَ فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ.
                    فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ ‏ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ ‏‏قَالَ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏فَمَا كَانَ فِي ‏الْأَنْصَارِ ‏أَيِّمٌ ‏ ‏أَنْفَقَ مِنْهَا ‏ ‏وَحَدَّثَ ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏ثَابِتًا ‏قَالَ ‏هَلْ تَعْلَمْ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَمَا كَانَ فِي ‏‏الْأَنْصَارِ ‏أَيِّمٌ ‏ ‏أَنْفَقَ مِنْهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ ‏ ‏مَا حَدَّثَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ.].
                    وقد أثبتنا الرواية الخاصة بجليبيب لأنها تدل على منطق البيئة الذي توكل الإسلام بتحطيمه، وتولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تغييره بفعله وسنته. وهو جزء من إعادة تنظيم المجتمع المسلم على أساس منطق الإسلام الجديد، وتصوره للقيم في هذه الأرض، وانطلاق النزعة التحررية القائمة على منهج الإسلام، المستمدة من روحه العظيم.
                    ولكن نص الآية أعم من أي حادث خاص. وقد تكون له علاقة كذلك بإبطال آثار التبني، وإحلال مطلقات الأدعياء، وحادث زواج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من زينب - رضي الله عنها - بعد طلاقها من زيد، الأمر الذي كانت له ضجة عظيمة في حينه، والذي ما يزال يتخذه بعض أعداء الإسلام تكأة للطعن على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى اليوم، ويلفقون حوله الأساطير! .
                    فهذا المقوم من مقومات العقيدة هو الذي استقر في قلوب تلك الجماعة الأولى من المسلمين استقرارا حقيقيا ; واستيقنته أنفسهم، وتكيفت به مشاعرهم..
                    لقد كانت السيدة زينب تفتخر بزواجها من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقول يا رسول الله إني والله ما أنا كإحدى نسائِكَ، ليست امرأة من نسائِك إلا زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها، غيري زوّجِنيك الله من السماء وقد كانت -رضي الله عنها- تفتخر على نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتقول زوّجكُنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات فلمّا سمعتها السيدة عائشة ـ رضي الله عنهاـ قالت أنا التي نزل عذري من السماء فاعترفت لها زينب رضي الله عنها.


                    تعليق


                    • #11
                      المطلب الثاني

                      القضاء على التبني

                      التبني
                      واضح أن التبني كان نظاما معمولا به حينذاك، يدلنا على ذلك أن الذي اشتراه من مصر وهو عزيز مصر أو رئيس الوزراء حينذاك طلب من زوجته التي لا تنجب أن تكرم هذا الطفل لأنه قرر تبنيه فنقله من مرتبة العبد إلى مرتبة الابن بالتبني، لما في ذلك من تفاوت في المعاملة والمصير، فالعبد له أعمال معينة وللسيد عليه كل الحقوق، لأنه مشترى وليس له شخصية قانونية ولا ذمة مالية أو أهلية وهي من آثار وخصائص الشخصية القانونية، وذلك على خلاف الابن بالتبني.
                      ويبدو من القصة أن زوجته (امرأته) كانت أصغر منه كثيرا وأنه عند وصول يوسف إلى بدايات الشباب كانت في عشريناتها المتأخرة فضلا عن جماله، وهو ما جعلها تهيم به حبا ﴿قد شغفها حبا. ذلك أن التبني لم يمنع هذه المشاعر ولذلك يبدو أن تلك الزاوية الإنسانية هي إحدى مبررات حظر التبني في الإسلام، ومن الواضح أيضا من ألفاظ القرآن على لسان العزيز أنه قصد منذ البداية ألا يسترق يوسف رغم أنه اشتراه، بدليل توصيته لزوجته بأن تكرم مثواه ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وهي الاشارة نفسها في قصة موسي.
                      مراحل القضاء على ظاهرة التبني
                      المرحلة الأولى: تم التمهيد لها من خلال سورة يوسف عليه السلام.. فقد قال تعالى في الآية 21 :
                      ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يوسف:21.
                      بداية يوسف عليه السلام كان لقيطا..
                      فما هو وضع اللقيط في عصر يوسف.
                      الملاحظ أن يوسف وموسى كانا لقيطين، وهذا الوصف له طابع مادي ووجه قانوني ولا يقدح في عظمة يوسف وموسى كأنبياء الله أن نطلق هذا الوصف الذي استخدمه القرآن في حالتيهما.
                      ذلك أن يوسف كان في البئر، فالتقطه بعض السيارة، وأما موسى فقد وضعته أمه في صندوق في النهر فالتقطه آل فرعون، وكلاهما التقط لكي يستقر كلاهما في بيت الحكم.
                      واللقيط هو الشخص أو الشيء الذي يعثر عليه في مكان عام ولا يعرف له صاحب أو أهل، ولو لم يكن يوسف لقيطا لما تم بيعه ولا أعيد إلى أبيه سيدنا يعقوب، ولو لم يكن موسى لقيطا لما أخذه آل فرعون
                      ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص:8. ولو عرف فرعون أهل موسى لذبحه فرعون تنفيذا للنبوءة، وهو من أطفال بني إسرائيل.
                      ومن خلال تحرش امرأة العزيز بيوسف وادعائها عليه، وهو عمل أفصحت هي عنه بعد ذلك وأصرت عليه، رغم أنه صار فضيحة في المدينة بلغة القرآن ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ يوسف:30.
                      يحاول القرآن الكريم لفت النظر لهذا التصرف الوارد عن امرأة العزيز فهي تعلم أنه ليس ابنها وإنما هو متبنى، ولذلك فهو ليس من المحارم بل يجوز له أن يتزوجها وهي تعلم أن وجوده في بيتها بهذه الصفة وثقتها بأنه لن يذيع سرا شجعها على التحرش به والإصرار على ذلك، كما أنها لم تتردد في توجيه التهمة إليه وهي تهمة تمس الحكم ومنزلة العزيز ومكانته، فانتشر الخبر بين الطبقة الارستقراطية التي تختلط بزوجة العزيز وأخذ النسوة يكيدون لها مما أوغر صدرها (لجهلهم بالمشكلة) فلا هي نالت منيتها ولا هي سلمت من ألسنة النسوة فابتكرت وسيلة جديدة لكي تبرر فعلتها وليس لكي تبرئ نفسها من الهيام بيوسف، حتى شهدت النسوة في سكرة النظر إليه أنه ملك كريم وليس إنسانا عاديا مما كان له أبلغ الأثر في اشتعال نار الوجد عند امرأة العزيز.
                      وهكذا حاول الشرع إلقاء الضوء على مفاسد التبني وذلك من خلال سورة يوسف عليه السلام وذلك على اعتبار الطفل المتبنى بعد بلوغه محرمًا لمن تبنته ولسائر المحارم الافتراضيين، مع أنه ليس لديه الوازع الفطري الذي يجعلهن لسنَ محلاً للشهوة، وإذا كانت الحضارة الغربية قد رمتنا ببلائها من نكاح المحارم الذي يزعم "العهد القديم" وقوعه أكثر من مرة في أسر الأنبياء، بل مِنْ الأنبياء أنفسهم كما نسبوا ذلك إلى لوط -عليه السلام-، فإذا كان هذا يقع مع وجود الوازع الفطري؛ فكيف عند غيابه؟!..
                      فقد يحصل في كثير من الأحيان أن يحدث التبني؛ لأن الأسرة لا تنجب، ثم يرزقون بالولد؛ فيحدث تغيرًا كبيرًا في الشعور مثلما حدث مع امرأة العزيز وما استتبعت الحادثة من أحكام تترتب عليها التخلص من المتبنى بالقتل، ونحوه.
                      المرحلة الثانية: سورة الأحزاب وفيها تم تشريع القضاء على التبني نهائيا وكذلك القضاء على الرق.
                      وذلك على النحو الوارد تفصيلاً.


                      تعليق


                      • #12
                        الفرع الأول

                        التبني والآثار الشرعية المترتبة عليه

                        مقدمة
                        إن التطور الذي شهده المجتمع الإنساني منذ القدم أثر تأثيرا مباشرا على البنية الاجتماعية وبالتحديد على الأسرة ،إذ إن في الحقبة الأولى من الزمن كان سائدا قانون القوة وبسبب ذلك كانت وضعية الولد غير مستقرة داخل تلك الأسر ،لأن زعماء القبائل يقومون بأخذهم ورعايتهم متى أعجبهم ولدا ويمنح له عدة امتيازات كالاسم والإرث ويجب الإشارة إلى أن هذا الأمر كان محل خلاف بين المجتمعات باختلاف دياناتها ومذاهبها إلى غاية أن جاء الإسلام باعتباره آخر الكتب السماوية أن فرق بين مركزين للولد المحضون لدى الغير فإذا كان الولد تم إلحاق نسبه إلى حاضنه فأعتبر ذلك حرام وما كان خلاف ذلك أجازه وأعطى الثواب والأجر عليه . لكن التطور الحاصل في المجتمع الحديث أخذ منحى آخر لأجل صون وحماية ورعاية المصلحة الفضلى للطفل، إذ ظهرت الاتفاقيات الدولية الراعية الحقوق الطفل في إطار حقوق الإنسان حيث أكدت وأجبرت أشخاص المجتمع الدولي على إيجاد مؤسسات وأنظمة قانونية ترعى شؤون الطفل، وخاصة الحالات التي يوجد فيها الولد كما يلي:
                        - إذا كان الولد من أبوين مجهولين.
                        - إذا كان الولد من أب مجهول وأم معلومة لكن تخلت عنه بمحض إرادتها.
                        - إذا كان يتيما أو عجزا أبويه على رعايته وتوفير وسائل معشية مشروعة.
                        - إذا كان أبويه منحرفين ولا يقومان بواجبهما في رعاية الولد وتربيته وتوجيهه.
                        - إذا سقطت الولاية الشرعية عن أبويه.
                        كذلك في حالة ما إذا كانت أسرة لا تنجب بسبب العقم وترغب في الأولاد.
                        أن كل مثل هذه الوضعيات، حتم الأمر على أشخاص القانون الدولي لا سيما الدولة بإيجاد حلول قانونية وذلك بإنشاء مؤسسات قانونية تقوم برعاية هذه الفئة قصد نشأتها و رعايتها مثل وضعية الابن الشرعي (الصلبي) وهو الشيء الذي أدى إلى اختلاف الدول في اختيار هذه الأنظمة والمؤسسات القانونية فمنهم من أختار مؤسسات قانونية تقوم باحتضان الولد ومنحه الاسم وتمكينه من الإرث، ومنهم العكس نصت على معاملته معاملة الابن لكن لا ينسب إلى حاضنه ولا يرث وإنما يجوز التبرع له.
                        وهناك من الدول من جمعت بين النظامين معا وهو ما يصطلح عليه في التشريعات الدولية الداخلية بنظامي الكفالة والتبني، وعليه لمعرفة محتوى هاذين النظامين وأهم آثارهما ارتأينا طرح الإشكالية التالية ومناقشتها فيما بعد.
                        فما هو النظام القانوني لكل من التبني والكفالة؟
                        التبنـي Adoption :
                        ( نظام قانوني يقصد به تقليد الطبيعة ومحاكاتها في خلق رابطة الأسرة مجازياً عن طريق القياس على رابطة الأبوة الطبيعية المترتبة على النسب الصحيح ، وقد عرفته بلاد ما بين النهرين في عهد البابليين وكذلك عرفه القانون الروماني والعرب في الجاهلية وتقره حالياً قوانين بعض الدول، مثل تونس وبلغاريا وتشيلي والاكوادور والأرجنتين والنمسا وبولونيا وروسيا وتركيا، بينما رفضته الشريعة الإسلامية بآيات قرآنية ، وترفضه قوانين هولندا وهاييتي وهندوراس وكولومبيا وأمريكا ونيكاراجوا وبيرو والبرتغال والسلفادور والدول الإسلامية عامة عدا تركيا ، والدول العربية خاصة عدا تونس) د. غالب علي الداوودي ـ مصدر سابق ـ ص 177.
                        وفي تعريف ثانٍ:
                        ( التبني Adoption نظام يبيح للفرد أن يتخذ فرداً آخر غريباً عنه ولداً له، فيعامل من الناحيتين القانونية والاجتماعية معاملة أولاده. وهذا النظام سواء تحت اسم التبني أم تحت اسم استلحاق، كان قد أسهم إسهاماً كبيراً في رومة القديمة، وعرف منذ زمن طويل في بلدان الشرق، حيث كان مفهوم التبني يتيح قبول أحد الأفراد كولد، ولمصلحة هذا الولد، وهذا ما أخذ به بصورة خاصة القانون الروماني البيزنطي، إلا أنه خلال زمن طويل، لم ينتج هذا التبنِّي ـ على خلاف التبنِّي الذي كانت تغذيه الاهتمامات الدينية أو السياسية ـ سوى آثار محدودة، ولم يقوّض صلات المتبنَّى مع أسرته التي ولد فيها)] انظر الاستاذ عبد الهادي عباس ـ الموسوعة العربية ـ العلوم القانونية والاداريةـ المجلد الخامس ـ التبني ـ تاريخ 2014/08/20 .
                        وعليه:
                        1- التبني لغة: من بنى، والبنوة مصدر الابن، يقال: ابن بيّن البنوة، ويقال: تبنيته أي ادعيت بنوته، وتبناه: اتخذه ابناً. ومن مرادفاته في اللغة: الدَّعيّ: وهو المتهم في نسبه، ويطلق أيضاً على المتبنى الذي تبناه رجل فدعاه ابنه، ونسبه إلى غيره.
                        2- التبني شرعاً: «هو استلحاق شخص ولداً معروف النسب لغيره أو مجهول النسب كاللقيط، ويصرح أنه يتخذه ولداً مع كونه ليس ولداً له في الحقيقة».
                        أو «هو نظام اجتماعي بمقتضاه يقوم شخص هو المتبني بضمّ أو إلحاق شخص معروف النسب أو مجهول النسب يسمى المتبنى، فيكون له كل الحقوق وعليه كل الالتزامات التي تقوم بين الأب والابن من حيث النسب والنفقة والولايات والحضانة والطاعة والميراث».
                        حكم التبني
                        باب تحريم انتساب الإِنسان إِلَى غير أَبيه وَتَولِّيه إِلَى غير مَواليه- رياض الصالحين

                        1802عَنْ سَعْدِ بن أَبي وقَّاصٍ رضي اللَّه عَنْهُ أنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرامٌ". متفقٌ عليهِ.
                        1803وعن أبي هُريْرَة رضي اللَّه عنْهُ عَن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أبيهِ فَهُوَ كُفْرٌ" متفقٌ عليه.
                        1804 وَعَنْ يزيدَ شريكِ بن طارقٍ قالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا رضي اللَّه عَنْهُ عَلى المِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتهُ يَقُولُ: لاَ واللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ نَقْرؤهُ إلاَّ كِتَابَ اللَّه، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإذا فِيهَا أسْنَانُ الإبلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحاتِ، وَفيهَا: قَالَ رَسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: المدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أحْدَثَ فيهَا حَدَثاً، أوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَة وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة صَرْفاً وَلا عَدْلاً، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً، فَعلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه والمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّه مِنْهُ يَوْم الْقِيامَةِ صَرفاً وَلاَ عدْلاً. وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبيهِ، أَوْ انتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَاليهِ، فَعلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالملائِكَةِ وًَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يقْبَلُ اللَّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً". متفقٌ عليه. "ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ"أيْ: عَهْدُهُمْ وأمانتُهُم."وَأخْفَرَهُ": نَقَضَ عَهْدَهُ."والصَّرفُ": التَّوْبَةُ، وَقِيلَ: الحِيلَةُ."وَالْعَدْلُ": الفِدَاءُ.
                        1805 وَعَنْ أَبي ذَرٍّ رضي اللَّه عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: "لَيْسَ منْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْر أبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلاَّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَليَتَبوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار، وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أوْ قالَ: عدُوَّ اللَّه، وَلَيْسَ كَذلكَ إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ" متفقٌ عليهِ، وَهَذَا لفْظُ روايةِ مُسْلِمِ.
                        ويقول الدكتور عبدالوارث عثمان, الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر :
                        أن حكمة التشريع بحرمة التبني جاءت حفاظا للحقوق والأخلاق بين المسلمين, فالطفل إذا نسب إلي أب غير أبيه كان في ذلك من الفتنة بينه وبين بقية أبنائه الذين هم من صلبه, إذ أن هذا الابن الذي هو من التبني يشاركهم في ميراث أبيهم, ومن ناحية أخري فإنه قد يطلع على زوجة هذا الرجل وعوراتها ويري منها ما لا يراه إلا المحارم, وفي هذا استباحه للحدود وتضييع للحرمات وهكذا فقد تعامل الإسلام مع تلك الظاهرة على هذا النحو بغض النظر عن الأماكن والأزمنة والأشخاص, فأصبح بذلك حكما شرعيا عاما يجب علي المسلم أن يلتزم به, وإلا أصبح مضيعا للحدود مستبيحا للحرمات.. مجلة الأهرام – جمهورية مصر العربية العدد 46341 - الإسلام حرم التبني حفظا للحقوق ومنعا لاختلاط الأنساب اللقطاء ومجهولو النسب يبحثون عن فتوى.
                        ويرى بعض العلماء أن نظام التبني الذي كان سائداً في الجاهلية مستمد من شرائع اليونان والرومان، حيث كان التبني معروفاً في القانون الروماني، فيلحق الشخص بنسبه من يشاء، سواءٌ كان من ألحقه معروف النسب أم مجهول النسب.
                        علة تحريم التبني وزيد بن حارثة..
                        زيد بن حارثة، صحابي جليل، تبناه النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، ولما جاء الإسلام، وحرم الله التبني أصبح زيد مولى رسول الله، ونزلت في زيد آيات قرآنية وذكر اسمه في القرآن. وزيد بن حارثة بن شراحيل من قبيلة بني كلب، وأمه سعدى بنت ثعلبة، صحابي جليل، وكان يدعى بزيد بن محمد، ولقب بحب رسول الله لشدة حب النبي له. أنزل الله تعالى فيه آيات قرآنية لتكون تشريعاً لتحريم التبني قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، (سورة الأحزاب: الآية 37)، يقول المفسرون، إنها نزلت في زيد بن حارثة، فعندما كان زيد بصحبة أمه وهو صغير، وكانت في زيارة لأهلها خطف وبيع في سوق عكاظ وكان غلاماً صغيراً اشتراه حكيم بن حزام لعمته السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فلما تزوجها رسول الله وهبته له. وفي موسم الحج رآه بعض أقاربه فتعرفوا عليه وعادوا إلى ديارهم فأخبروا أباه الذي أسرع ليفتدي ابنه ويحرره، وكان زيد يحظى عند رسول الله بمكانة عظيمة، وجاء أبوه وعمه إلى رسول الله وطلباه منه، فقال له النبي: (اخترني أو اخترهما)، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني مكان الأب والعم. فحينها فرح الرسول ووقف على صخرة أمام الكعبة وقال: يا أهل قريش اشهدوا، هذا زيد ابني يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا. زوج النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ، زيداً لزينب بنت جحش ابنة عم النبي، وبعد فترة طلقها زيد، وكان العرب يعتقدون أن آثار التبني هي نفس آثار البنوة الحقيقية، يرث ويعامل كالابن الحقيقي تماماً، فأمر الله نبيه بالزواج من زوجة ابنه بالتبني لنفي هذا المفهوم الخاطئ من معتقدهم، وأنزل الله تعالى قرآنا بتحريم التبني قال تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا، (سورة الأحزاب: الآية 5)، فهذه الآيات نزلت في إبطال التبني؛ أي إبطال ترتيب آثار البنوة الحقيقية من الإرث وتحريم القرابة.
                        فدعي منذ ذلك الحين بزيد بن حارثة، وبعد نزول هذه الآية، وبعد تحريم التبني نسب كل من تبنى رجلاً من قريش إلى أبيه. استشهد الصحابي الجليل في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة.
                        وقد تترتب على التبني إذا اقتضت الضرورة أحكاماً هامة نعرض لها كالتالي:
                        1-إذا كان المتبنى طفلة فإنّه لا يجوز للرجل أن يختلي بهذه الطفلة المتبناة لمّا أن تبلغ سناً تشتهى فيه كما أنّه لا يجوز أن تتبرج هذه الطفلة أمامه ولا أمام أبنائه وأخوته لما أن تبلغ سن الاشتهاء إلاّ أن تكون قد رضعت خمس رضعات مشبعات وهي دون – أقل - السنتين من عمرها من زوجة هذا الرّجل إذا كانت مرضعة وبذلك تصبح ابنة له في الرّضاع وابناؤه أخوة لها في الرّضاع وزوجته أما لها في الرّضاع وإخوته أعماما لها في الرّضاع وأخواته عمات لها في الرّضاع .
                        فإن لم تكن زوجته مرضعة ورضعت من أخواته فإنّه يصبح خالاً لها في الرّضاع واخوته أخوالاً لها كذلك في الرّضاع وأخواته خالات لها في الرّضاع فإن لم تكن له أختاً مرضعة ، أرضعتها زوجة أخيه وبذلك يصبح عمّا لها في الرّضاع ، وهكذا ...... وفي جميع الأحوال لا بدّ أن تكون الطفلة دون السنتين والأحوط أن ترضع خمس رضعات مشبعات خروجاً من الخلاف.
                        2-إذا كان المتبنى طفلاً فإنّه لا يجوز أن يختلي بزوجة الرّجل المتبني ولا ببناته ولا بأخواته لمّا أن يبلغ سنّ الشهوة كما أنّه لا يجوز أن تتبرج أو تتكشف زوجة هذا الرّجل ومحارمه كأخواته وبناته أمام هذا الطفل المتبنى لمّا أن يبلغ سن الشهوة إلاّ أن يكون قد رضع من زوجة هذا الرّجل المتبني خمس رضعات مشبعات وهو دون السّنتين من العمر وبذلك يصبح ابناً لهذا الرّجل في الرّضاع وأخاً لبناته وأخوات هذا الرّجل عمات له وزوجته التي رضع منها أمّا له ،وغير خافيا عنا كل ما شاهدناه من فضائح سواء على مستوى النسوة في المدينة أو على مستوى أزواجهن ثم المصير الذي آل إليه يوسف وهو السجن ظلماً.
                        3-لا يثبت التوارث بين هذا الطفل المتبنى ومن تبنوه ولو نشأت محرمية الرّضاع بينهم إلاّ أن يكون هنالك وصية فإنّها تنفذ بحدود الثلث، فإن زادت عن الثلث فالزيادة موقوفة على إذن ورثة المورّث.
                        وإذا تأملنا في التبني وجدنا مفاسد كثيرة، منها:
                        1- اعتبار الطفل المتبنى بعد بلوغه محرمًا لمن تبنته ولسائر المحارم الافتراضيين، مع أنه ليس لديه الوازع الفطري الذي يجعلهن لسنَ محلاً للشهوة، وإذا كانت الحضارة الغربية قد رمتنا ببلائها من نكاح المحارم الذي يزعم "العهد القديم" وقوعه أكثر من مرة في أسر الأنبياء، بل مِنْ الأنبياء أنفسهم كما نسبوا ذلك إلى لوط عليه السلام، فإذا كان هذا يقع مع وجود الوازع الفطري؛ فكيف عند غيابه؟!
                        2- يحصل في كثير من الأحيان أن يحدث التبني؛ لأن الأسرة لا تنجب، ثم يرزقون بالولد؛ فيحدث تغيرًا كبيرًا في الشعور، وربما تخلصوا من المتبنى بالقتل، ونحوه.
                        3- يحدث كثيرًا بين الأشقاء من الصراع على الميراث ما لا يمكن أن ينكر، والنصارى ينسبون لعيسى -عليه السلام- قصة الشاب الذي جاء يطلب منه قسمة الميراث بينه وبين أخيه؛ فرفض، والشاهد منها حدوث النزاع في قسمة الميراث؛ فكيف إذا عرف من يستحق الميراث أصلاً أن الميراث سوف يؤول إلى هذا الدخيل، وربما كان المال موروثًا عن أبيهم أو جدهم؟!
                        وهذه المفاسد موجودة في تبني اللقيط، وفي تبني معلوم النسب، ويزيد الأمر في حالة معلوم النسب مفاسد، منها:
                        1- اختلاط الأنساب حيث يُنسب المتبنى إلى الأسرة الجديدة، وربما عاد هو أو أحد أبنائه، وتزوج إحدى محارمه وهو أمر يفسد الأخلاق فضلاً أنه سبب لكثير من الأمراض الوراثية المعروفة.
                        2- نسبة المتبنى إلى غير أبيه -إن تم-، وهو عاقل مدرك؛ ففيه الانتساب إلى غير أبيه، وهو غاية الجحود وإنكار حق الوالدين، وقطيعة الرحم!
                        3- وأما إذا كان بالتراضي بين الأسرتين حال صغر الطفل ففيه غاية الجحود من الأسرة البائعة لنعمة الولد، وأما ما اقترحه مشروع القانون بأن يُعطى الأبوين البائعين حق الرؤية؛ فهذا معناه أن يعيش المتبنى بعد ذلك وله أبوان وأُمَّان، وعجبًا لمن يمنعون تعدد الزوجات كيف يسمحون بتعدد الآباء والأمهات، وعجبًا لدكاكين حقوق الإنسان كيف تدعم مثل هذا الاستخفاف البالغ بقيمة الإنسان؟!
                        من أجل ذلك حرَّم الإسلام التبني بكل صوره؛ فقال تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ (الأحزاب:5).
                        كما بالغ الإسلام في الزجر عن التبني في حالة معلوم النسب؛ فقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: (مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، ومنع من إلحاق الزاني لثمرة الزنا؛ فقال: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) (متفق عليه)، وفي هذا سد لذريعة الزنا، وعدم اعتباره وسيلة للحصول على ثمرة الحياة الدنيا "الأولاد".
                        نتيجة لهذا التحريم ظهرت مشاكل..
                        على سيبل المثال، من خلال الحديث المشهور بإرضاع الكبير
                        حدث بعد تحريم التبني أن أتت سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقص عليه مشكلتها مع سالم ابنها بالتبني. إذ أنها تبنته صغيراً ليكون عوضاً لها عن الحرمان من الولد فكانت هي بمثابة أمه وزوجها أَبِي حُذَيْفَةَ والده..
                        إلا أنها بعد نزول آيات التحريم كانت ترى الضيق في وجه أَبِي حُذَيْفَةَ من دخوله وخروجه على سهلة زوجته (فجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ).
                        ولنا ملاحظات على تلك الواقعة المخصوصة:
                        1- المدقق في هذه الواقعة نجد أنه كان يتعين على سهلة أن تستنكر تكَشُفها أمام سالم لكنها لم تسأل عن هذا بل استغربت نفس الإرضاع حالة كونه كبيرًا فقالت " وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ " لأنها تعي جيدا أن الإرضاع ملابس لحال الصغر وهو المعتد به شرعا والأحاديث التي تقيده بما كان في الحولين أو المجاعة أشهر من أن نعمد هنا إلى جمعها وسردها.
                        2 - كذلك سالم نفسه لِمَ لَمْ يستغرب أمر ملامسته جسد أجنبية وفيما لا يظهر للأجانب عادة، ومن سالم هذا؟ إنه من أرشد النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصحابة أن يأخذوا عنه القرءان حين قال: " خذوا القرءان من أربعة من بن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة" صحيح مسلم حديث رقم 2464 ، وهو الذي كان يؤم المهاجرين الأولين بمسجد قباء لأنه كان أكثرهم قرآنا وغير ذلك من مآثره الكثيرة ، إضافة إلى ما هو معلوم عن الصحابة رضي الله عنهم من الحيطة والحذر حتى إنهم كانوا يبادرون بالسؤال عن الحلال والحرام ويستعجلون التشريع فيما يرتابون منه كما حدث في قصة تحريم الخمر حيث قال عمر وبعض الصحابة: اللهم بيِّن لنا في الخمر بينا شافيا، في قصة معلومة التفاصيل إلى أن نزل أمر تحريمها فقال الصحابة: انتهينا.
                        3 - والشاهد أنهم لم يكونوا رضي الله عنهم يستمرئون المعاصي ويتلمسون لها الرخص كما نفعل نحن في أيامنا هذه بل كانوا يسألون ويستفسرون وآيات ﴿ يسألونك عن في القرآن الكريم شاهدة على ذلك، وكذلك الأخبار شهدت على اهتمام الصحابة بالاستفهام عن حكم الله فيما يلم بهم أكثر من أن تحصى، وأعصى من أن تستقصي. فكيف يسوغ مع ذلك القول بأن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم أبطال قصة الرضاعة ومجتمع الصحابة قد قبلوا هذه الفكرة التي يروج لها المشتبهون؟.
                        4 - هل هذا الحكم خاص بسالم أم مستمر مرتبط بعلته؟
                        ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الحكم خاص بسالم ولا يتعداه إلى غيره وهذا في حد ذاته يثير إشكالية ينبئ عنها هذا السؤال:
                        لماذا الخصوصية وهل في التشريع خصوصية؟ ولماذا لا يمضي الحكم مرتبطا بعلته وجودا وعدما فيوجد حيث توجد وينعدم حيث تنعدم؟
                        أقول: إن الخصوصية هنا يبررها أنها الحالة الوحيدة التي نشأت عن حكم التبني الذي قرر القرآن تحريمه، حيث كانت هذه الحالة قائمة وحاصلة فنزل التحريم طارئا عليها، فحدث بعد ذلك ما حدث لأبي حذيفة من غيرة لدخول سالم بيته وقد صار أجنبيا عنه ولامرأة أبي حذيفة من وجْد لفراق سالم ابنها بالتبني، وأما في غيرها فغير متصور لماذا؟ لأنه بقرار تحريم التبني أغلق الباب من البداية فلا يتصور تعلق امرأة بأجنبي تعلق امرأة أبي حذيفة بسالم لعدم إقرار السبب الذي أفرز هذا النوع من العلاقة وهو نظام التبني.
                        وقد أبى أزواج النّبيّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأخذن بهذا الحديث كرخصة يترخص بها.. ففي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة أن أمها أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت تقول: " أبى سائر أزواج النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا ".
                        إذن فهي حالة لن تتكرر لعدم إقرار سببها وهو التبني، أو بتعبير أكثر احترافا لن يحتاج إلى الحكم لانعدام حصول العلة بتحريم التبني.
                        كثيرا ما يتشدق النصارى الجهلة ومعهم بعض اشباه علماء المسلمين المأجورين بما يسمى برضاع الكبير في الإسلام، وأن الإسلام قد وصل إلى حد الإسفاف بفتوى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصحابي كبير بالغ أن يرضع من امرأة أجنبية عنه حتى تحرم عليه ليتسنى له أن يعيش في بيتها كأحد أبنائها الذين ربتهم ، وكثيرا ما نرى نصراني عربيد يصول ويجول ويثور ويخور حول هذه المسألة ، مع أن كتبهم وأدبياتهم لا تخلو من الحث على إرضاع الكبير كما سنرى.
                        وواقع الأمر فالقصة بخلاف ذلك..
                        إذ أنها نتاج الآثار التي ترتبت على حكم تحريم التبني..
                        ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ* ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب: 4-5)
                        تبين الآية القرآنية حقيقة لا مفر منها، وهي أن المتبنى ليس ابنا صلبيا، ولا حقيقيا؛ بل هو دعيّ فقط؛ "فالأدعياء جمع الدعيّ، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه، أو يدّعي غير أبيه، والمصدر الدِّعوة بالكسر، فأمر الله تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم الصُلُب"[القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج14/ ص121.].
                        فلا ينشئ التبني علاقة دم أو قرابة أو مصاهرة أو رضاع، هذه العلاقات التي لها دور في تحريم بعض الأنكحة، وفي نشوء وثبوت بعض الحقوق.
                        بالإضافة إلى ذلك فالتبني يشوه ويخرب هذه العلاقات التي تنشئها آصرة النسب، وعلى أساس عقد الزواج بين رجل وامرأة، حيث إن ضوابط عقد النكاح في الشريعة الإسلامية أساس نشوء أواصر القرابة والمصاهرة والرضاع، وحفظ النسب هو قواعد البناء؛ فالأسرة بجميع شبكاتها وأواصرها من (القرابة، والمصاهرة، والرضاع) تنبني على أساس عقد الزواج، والنسب يرتفع بها بناءً متكامل البنيان.
                        وفي التبني دخول عنصر غريب وشاذ عن البناء الأسري، مما يكون سببا في هدم البناء كله، فتنحل روابط الشبكة، وتنهدم القواعد الضابطة للزواج (المحرمات بالنسب، والمصاهرة، والرضاع).
                        كما تضيع مقاصد تشريع التوارث بالتنازع بين العنصر الدخيل (الدعيّ) وبين العناصر الحقيقية للأسرة؛ حيث إن نظام التبني في الجاهلية كان لا يمانع في ميراث المتبنى من متبنيه، فجاءت الشريعة الإسلامية بتحريم هذا النظام، ولم تترك الإرث مطية لكل راكب؛ بل حددت أسبابه وضبطت موانعه، قال تعالى:
                        ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الأنفال: 75، وأصبحت أسباب الميراث هي الزوجية والقرابة.
                        وفي سياق تحريم بعض الأنكحة جاء تحريم نكاح زوجة الابن الصلبي، لا المتبنى؛ ففي إبطال نظام التبني أبطلت كذلك أحكامه، ومنها تحريم الزواج بزوجة الدعيّ، فجاءت حكمته تعالى بإبطال ذلك وجعلها حليلة، قال رب العزة: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (النساء: 23).
                        إذا وقفنا وقفة متأملة عند هذه النقطة، وهي تحريم العرب في الجاهلية الزواج من حليلة الابن الدعي، نصل إلى نتيجة هي غاية في الخطورة، وهي عظم المكانة التي كان يحتلها المتبنى في قلب متبنيه؛ هذا الابن الذي لا يعرف له أب، وهذه حقيقة أولى.
                        أما الحقيقة الثانية والتي تقف مقابلة لتلك، وفي الوقت نفسه تناقضها تمام المناقضة؛ هي مدى اعتزاز العرب بالنسب آنذاك؛ بين هذا وذاك تناقض صارخ كان يعيشه المجتمع الجاهلي، مما يوحي بمدى الاهتزاز والضعف الذي كان يميز المجتمع؛ فلهذا جاء تحريم نظام التبني لغرض إعادة التماسك للمجتمع، وإعادة بناء روابط وإحكامها بضوابط لا تنخرم لأنها شرعت من قبل العلي القدير القائل:
                        ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (الأحزاب :4) ؛ لأن القول بأن المتبنى ابن هو قول الفم فقط؛ أما قوله تبارك وتعالى فهو الحق، وما عداه باطل؛ فإنشاء علاقة أبوة أو بنوة بهذه الطريقة مما لا يمكن عقلا وشرعا؛ فليس من السهولة إنشاء علاقة بناء على قول بالفم؛ بل إن هذه العلاقات قوامها متين ودعائمها صلبة، فلا تتأسس إلا بقاعدة شرعية هي حديث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الولد للفراش" [متفق عليه]، فالابن هو المتولد من اختلاط الأمشاج (ماء الرجل وماء المرأة)؛ فقوله تبارك وتعالى هو القول الحق في إلغاء نظام كامل لأنه نظام بني على الغرر والزيف والكذب.
                        والشارع الحكيم هو المبين للطريق السوي في بناء الأسرة وبشبكاتها المختلفة، فهو ﴿ يهدي السبيل، وسبيله هو الأحق بالاتباع. وهو المبيّن في الآية نفسها، فقد قال تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ (الأحزاب:4)
                        ومعنى الآية واضح في إرشاده تبارك وتعالى المؤمنين إلى إلحاق نسب المتبنى بوالده الذي ولد على فراشه، ففي حفظ نسبه لأبيه هو العدل والحق؛ وفي حفظ النسب عموما حفظ لحق الأب وحق الأم وحق الابن نفسه، فمن العدل إلحاق نسب الابن بأبيه لتقوم الحقوق بينهما، الحقوق الأسرية بجميع أنواعها.
                        أما في حال تعذر معرفة الأب، فإن المتبنى يُرعى ويُكفل على اعتبار أنه أخ في الدين، ولا ندعه وشأنه لأن في هذا مضيعة له وقد كان يدعى ابنا، ودعوة الشارع الحكيم في اتخاذه أخا "هي علاقة أدبية شعورية لا تترتب عليها التزامات محددة كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات، ووجوب النفقات، وتحريم المحرمات، لأنها التزامات النسب بالدم". [قطب، سيد: في ظلال القرآن، ط 11، (بيروت: دار الشروق، 1985)، ج5/ص2826.].
                        ففي إلغاء نظام التبني إلغاء لالتزاماته التي من شأنها أن تثير حفيظة باقي أفراد الأسرة على العنصر الدخيل؛ فعدّه أخا في الدين، لا يثير أية شبهة مما يمكن أن تهز روابط ومقومات البناء الأسري. وهذا الإرشاد الرباني لم يكن ليعرف له طريقا إلى قلوب المسلمين بيسر وسهولة، فقد يقع الحرج في قلوب الكثيرين، مما لا يمكن أن يزيله التحريم المؤبد والذي لم يأت منجما متدرجا فيه، فالفطرة الإنسانية قد تشوبها بعض الشوائب من رواسب الجاهلية.
                        والقرآن الكريم لم يغفل هذه الحقائق الوجدانية، فالتشريع القولي للتحريم رافقه تشريع عملي، "حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج، في عمل سيد الخلق أجمعي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو أقدر شخص على حمل هذه المسؤولية. [ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج22/ ص39؛ أنظر أيضا: الرازي، تفسير الفخر الرازي، مج 13/ ج25/ ص 193-195.].


                        تعليق


                        • #13
                          الفرع الثاني

                          التبني في ظل الشرائع السماوية

                          نتطرق في هدا المطلب إلى كل من الشريعة اليهودية والمسيحية والإسلامية.. أولا: التبني في الشريعة اليهودية

                          إن التوراة هي المصدر التشريعي للديانة اليهودية إذ أنها لم تعرف نظام التبني ولم تقر به، إذ اجمع جميع الفقهاء على تحريمه لأنهم يرون إن التبني عبارة عن صورة افتراضية وليست حقيقة واقعية. لذلك أنهم يرون أي أسرة يهودية عندما تضم أبنا قاصرا فلا تسري عليه الحقوق المقررة للأبناء الشرعيين كرابطة البنوة ولا الحق في الحضانة والنفقة واللقب العائلي كما إن هذا الضم لا يترتب عليه سبب التحريم في الزواج، و لا يترتب عليه الإقرار بالإرث، بل إن القاصر المحضون يبقى دائما أجنبيا عن الآسرة التي ضم إليها.
                          الحكمة من ذلك:
                          إن الشريعة اليهودية تقدس الرابطة الأسرية وتحمي كيانها حفاظا على الأنساب الصحيحة وفي نفس الوقت تولي اهتماما بحماية الأبناء القصر المهملين والمجهولي النسب، وذلك بضمهم إلى أسرة معينة والقيام بتربيتهم ورعايتهم وتنشئتهم. ثانياً: التبني في الشريعة المسيحية

                          هل التبني مسموح به في المسيحية؟
                          التبني تاريخيا
                          - عند اليونان : كان ممكناً للإِنسان في أثناء حياته أو في وصية تنفذ بعد وفاته، أن يتبني أي مواطن ذكر، فيصبح في مكانة الابن له كل حقوقه، ولكن بشرط أن يقبل الابن المتبنى، القيام بكل الالتزامات القانونية والواجبات الدينية التي يلتزم بها الابن الحقيقي.
                          -عند الرومان : كان للابن بالتبني، في القانون الروماني، كافة الحقوق الشرعية في ممتلكات أبيه، فهو لم يكن يعتبر ابنا من الدرجة الثانية ، بل كان مساويا لسائر الأبناء، وكانت سلطة الأب عند الرومان سلطة عاتية، فكان الأب يمارس على ابنه سلطة شبيهة بالسلطة التي يمارسها السيد على عبده، وكانت إجراءات التبني شبيهة بما كان يجرى عند اليونانيين. وعلى وجه التحديد، كان التبني إجراء به ينتقل الابن من سلطة أبيه الحقيقي، إلى سلطة أبيه بالتبني، وكأنها عملية بيع افتراضية للابن، يصبح بها خاضعاً تماماً لسلطة الأب الذي تبناه.

                          مفهوم التبني في المسيحية
                          التبني كلمة مترجمة عن الكلمة اليونانية " هيوسيزيا " (Huiothesia) أي "وضعه في موضع الابن ".
                          ولا تذكر هذه الكلمة إلا في العهد الجديد، في خمسة مواضع، وفي رسائل الرسول بولس فقط كالاتي:
                          1-"لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ." (غل 4: 5).
                          2-"إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ»." (رو 8: 15).
                          3-"وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا." (رو 8: 23).
                          4-"الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ،" (رو 9: 4).
                          5-"إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،" (أف 1: 5).
                          وهي تشير إلى الإِجَراء القانوني الذي يستطيع به أي إنسان أن يلحق ابناً بعائلته، ويخلع عليه قانوناً كل حقوق وامتيازات الابن، رغم أنه ليس ابناً بالطبيعة، بل وليس من عشيرته الأقربين.
                          والتبني يصدر دائماً عن الأب المتبني، فهو الذي يأخذ زمام المبادرة على الدوام. وقد يكون الدافع لذلك هو ملء الفراغ لعدم وجود ذرية تشبع العواطف الأبوية والمفاهيم الدينية، وتحفظ اسم العائلة، أو للرغبة في ممارسة المحبة الأبوية.
                          التبني في العهد القديم
                          كانت عادة التبني شائعة بين اليونانيين والرومانيين وغيرهم من الشعوب قديماً، ولكنها لا تذكر مطلقاً في الشريعة اليهودية.
                          يذكر العهد القديم: ثلاث حالات من التبني هي:
                          الأولى: موسى، الذي تبنته ابنة فرعون ودعته باسم موسى أي المنتشل قائلة "لأني انتشلته من الماء"
                          "وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوسَى» وَقَالَتْ: «إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ». (خروج 2: 10). وعُرف موسى باسم " ابن ابنة فرعون".
                          الثانية: جَنُوبَثَ، الذي تبنته خالته َحْفَنِيسُ زوجة فرعون مصر، ونشأ فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ بين أبنائه
                          "فَوَلَدَتْ لَهُ أُخْتُ تَحْفَنِيسَ جَنُوبَثَ ابْنَهُ، وَفَطَمَتْهُ تَحْفَنِيسُ فِي وَسَطِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ. وَكَانَ جَنُوبَثُ فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ بَيْنَ بَنِي فِرْعَوْنَ." (1 مل 11: 20).
                          الثالثة: استير، وهي فتاة كانت يتيمة الأبوين وتبناها ابن عمها مردخاي (استير 2: 7و 15).
                          "وَكَانَ مُرَبِّيًا لِهَدَسَّةَ أَيْ أَسْتِيرَ بِنْتِ عَمِّهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلاَ أُمٌّ. وَكَانَتِ الْفَتَاةُ جَمِيلَةَ الصُّورَةِ وَحَسَنَةَ الْمَنْظَرِ، وَعِنْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا اتَّخَذَهَا مُرْدَخَايُ لِنَفْسِهِ ابْنَةً". (استير 2: 7).
                          "وَلَمَّا بَلَغَتْ نَوْبَةُ أَسْتِيرَ ابْنَةِ أَبَيِحَائِلَ عَمِّ مُرْدَخَايَ الَّذِي اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ابْنَةً لِلدُّخُولِ إِلَى الْمَلِكِ، لَمْ تَطْلُبْ شَيْئًا إِلاَّ مَا قَالَ عَنْهُ هَيْجَايُ خَصِيُّ الْمَلِكِ حَارِسُ النِّسَاءِ. وَكَانَتْ أَسْتِيرُ تَنَالُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ كُلِّ مَنْ رَآهَا". (استير 2: 15).
                          ويلاحظ أن هذه الحالات الثلاث لم تحدث في فلسطين بل في خارجها، في مصر وفي فارس، حيث كان التبني أمراً شائعًا. كما لا يجوز للمتبنى أن يتزوج من المتبنى به، فلم يتزوج موسى من ابنة فرعون، ولم تتزوج استير من موردخاي.
                          وفى شريعة العبد في العهد القديم عند اليهود، كان من حق العبد أن يتحرر من سلطة السيد بعد خدمته في السنة السابعة من عبوديته أي بعد 6 سنوات، إلا أن العبد إذا أحب سيده فانه يطلب أن يستعبد نفسه لسيده بمحض إرادته إلى النهاية، فيقدمه سيده إلى الباب ويثقب أذنه، علامة الطاعة الكاملة- لكنه يظل عبدا وليس ابنا- ويمكن للعبد أن يتزوج ابنة سيده (1أي35:2). وألغيت عادة العبيد العبرانيين وحرمت تماماً بعد عودة اليهود من السبي.
                          إجراءات وشروط التبني قديما
                          كانت إجراءات وشروط التبني تختلف من شعب إلى آخر. فقد كان التبني عند الأمم الشرقية يمكن أن يمتد إلى العبيد أو الأسرى (كما في حالة موسى)، وبالتبني ينالون حريتهم. أما عند اليونان والرومان، فكان التبني قاصراً على المواطنين الأحرار إلا في بعض الحالات الاستثنائية.
                          التبني مسيحيا في العهد الجديد
                          يؤمن الفكر المسيحي بان المسيح هو ابن الله الآخذ صورة إنسان، وأنه ولد بقوة الروح القدس من العذراء مريم، وعندما يؤمن الإنسان بالمسيح كمخلص، فانه يصبح ابنا لله-بالمعنى الروحي- فالمؤمنين بالمسيح هم أبناء له.
                          ومن الإشارات الدالة في العهد الجديد على ذلك، ما أورده البشير يوحنا في الإنجيل عندما قال على فم المسيح "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ." (يو 1: 12).
                          بالإضافة إلى قول المسيح لتلاميذه “فَقَالَ لَهُمْ: «مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ." (لو 11: 2).
                          فالمسيحية تؤمن إن كل المؤمنين بالمسيح هم "أولاد" لله بالتبني، ويحق لهم أن يدعوا الله بـ “أبانا".
                          وفي عظة للسيد المسيح قال: "
                          نجيل القدّيس متّى 25 / 31 – 46
                          "قالَ الربُّ يَسوع: «مَتَى جَاءَ ٱبْنُ الإِنْسَانِ في مَجْدِهِ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ مَجْدِهِ. وتُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأُمَم، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْض، كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الخِرَافَ مِنَ الجِدَاء. ويُقِيمُ الخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالجِدَاءَ عَنْ شِمَالِهِ.
                          حِينَئِذٍ يَقُولُ المَلِكُ لِلَّذينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا المَلَكُوتَ المُعَدَّ لَكُم مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم؛
                          لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، وكُنْتُ غَريبًا فَآوَيْتُمُوني،
                          وعُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُوني، ومَريضًا فَزُرْتُمُونِي، ومَحْبُوسًا فَأَتَيْتُم إِليّ.
                          حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ الأَبْرَارُ قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاك، أَو عَطْشَانَ فَسَقَيْنَاك؟
                          ومَتَى رَأَيْنَاكَ غَريبًا فَآوَيْنَاك، أَو عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟
                          ومَتَى رَأَيْنَاكَ مَريضًا أَو مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْك؟
                          فَيُجِيبُ المَلِكُ ويَقُولُ لَهُم: أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاءِ الصِّغَار، فَلِي عَمِلْتُمُوه!
                          ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمَالِهِ: إِذْهَبُوا عَنِّي، يَا مَلاعِين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ المُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وجُنُودِهِ؛
                          لأَنِّي جُعْتُ فَمَا أَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَمَا سَقَيْتُمُوني،
                          وكُنْتُ غَريبًا فَمَا آوَيْتُمُونِي، وعُرْيَانًا فَمَا كَسَوْتُمُونِي، ومَرِيضًا ومَحْبُوسًا فَمَا زُرْتُمُونِي!
                          حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ هؤُلاءِ أَيْضًا قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جاَئِعًا أَوْ عَطْشَانَ أَوْ غَرِيبًا أَو مَريضًا أَو مَحْبُوسًا ومَا خَدَمْنَاك؟
                          حِينَئِذٍ يُجِيبُهُم قِائِلاً: أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هؤُلاءِ الصِّغَار، فلِي لَمْ تَعْمَلُوه.
                          ويَذْهَبُ هؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ، والأَبْرَارُ إِلى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّة."
                          فالتبني هو نوع من أعمال الرحمة وعمل إنسانى نبيل.
                          وفى مثل الابن الضال، يظهر التبني بان يصبح الإنسان مبررا رغم كل ما أخطاءه، وفي التبني تتأكد علاقة الأب بالابن، بوضوح فالتبني لا يعني فقط أن الابن الضال قد عاد إلى بيته مستعداً أن يعترف بأنه ليس مستحقا أن يدعى ابناً، ويرضيه أن يحسب كأحد الأجراء، ولكنه يقابل بالعناق والقبلات، ويرد إلى مركز الابن كما كان قبلاً. فالتبني هنا عمل الأب الكريم وهو يأخذ الابن في حضنه ويمنحه الحرية والامتيازات والميراث.
                          التبني في رسائل بولس الرسول
                          وفى رسائل بولس الرسول، يظهر التبني بصورة أوضح، وهو تبنى بالمعنى الروحي وليس الحرفي، فيستخدم بولس فكرة التبني ليبين أن الله بإعلان نعمته في المسيح، أتى بالناس إلى علاقة الأبناء له، ومنحهم حق اختبار البونية.
                          كان الرسول بولس عارفاً بالعادات الرومانية، كما أنه سواء في موطنه في طرسوس المدينة الكبيرة، أو في رحلاته العديدة، عرف عادات الشعوب الأخرى. وفى رسالته إلى المؤمنين في مدينة غلاطية، يركز بولس على الحرية التي يتمتع بها الذين يحيون بالإِيمان، في مقابل العبودية التي يرزح تحتها الذين يخضعون للطقوس والفرائض الناموسية، وهو ما كان يتعرض له المسيحيون.
                          "فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ". غلاطية (5: 1).
                          فهو يوضح أولاً الفرق بين الناموس والنعمة، فتحت الناموس كانت البشرية مثل العبيد، أما تحت "النعمة" أصبح المؤمنين بالمسيح أبناء.
                          فينتقل الإِنسان من حالة العبودية إلى حالة البنوية التي هي أيضاً حالة الحرية. "إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ." غلاطية 4: 7.
                          والفداء شرط أساسي للتبني، يتم بالإِيمان ويصاحبه إرسال " رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ». " وبذلك يزول كل أثر للعبودية (غل 4: 5 - 7):
                          " 5 لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.
                          6 ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ».
                          7 إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ.”.
                          التبني في مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية لغير المسلمين
                          من المهم أن نؤكد أن التبني هنا لمعروفي النسب وليس لمجهولي النسب، حتى لا يرفض البعض فكرة التبني خوفا من تبنى المسيحي لطفل غير مسيحيا، ووضع مشروع القانون عدة تحفظات إجرائية لتحقيق مصلحة الطفل المتبنى.
                          فطبقا للمادة 130 : يشترط في المتبنىِ :أن يكون قد تجاوز سن الأربعين، أن لا يكون له أولاد ولا فروع شرعيين وقت التبني.، أن يكون حسن السمعة.
                          وتجيز المادة 131 أن يكون المتبنىَ ذكراً أو أنثى بالغاً أو قاصراً ، ولكن يشترط أن يكون أصغر سناً من المتبنىِ بخمس عشرة سنة ميلادية على الأقل.
                          ولا يجوز التبني إلا إذا وجدت أسباب تبرره وكانت تعود منه فائدة على المتبنى. مادة 133، وبرضا الزوجين مادة 135، وإذا كان الولد المراد تبنيه قاصراً وكان والده على قيد الحياة فلا يجوز التبني إلا برضاء الوالدين. مادة 134.

                          تعليق


                          • #14
                            إجراءات التبني
                            - يحصل التبني بعقد رسمي يحرره رجل الدين المختص بالجهة التي يقيم فيها راغب التبني، ويثبت به حضور الطرفين وقبول التبني أمامه، فإذا كان الولد المراد تبنيه قاصراً قام والداه أو وليه مقامه. (مادة 136) ويرفع رجل الدين الذي حرر عقد التبني إلى المحكمة للتصديق عليه بعد التحقق من توافر الشروط التي يتطلبها القانون (مادة 137).
                            - يخول التبني الحق للمتبنىَ أن يلقب بلقب المتبنىِ، وذلك بإضافة اللقب إلى أسمه الأصلي (مادة 138).
                            - التبني لا يخرج المتبنىَ من عائلته الأصلية ولا يحرمه من حقوقه فيها (مادة 139) ولا يرث المتبنىَ في تركة المتبنىِ إلا بوصية (مادة: 141).
                            ولا تزال قضية «التبني» في المسيحية حائرة حتى الآن بين الطوائف الثلاث، فبعد أن كان معمولا به طبقًا للائحة عام 1938 الخاصة بالأحوال الشخصية للأرثوذكس، والتي كان يوجد بها فصل خاص بموضوع التبني، إلا أنه وبالتدريج مع سحب اختصاصات المجالس الملية التي ألغيت في 1955، ليتم إسناد اختصاصاتها للمحاكم العامة والتي تمنع قوانينها التبني لتعارضه مع الشريعة الإسلامية طبقًا لنظام الدولة، والمعمول بها في دستور الدولة في مادته الثانية بأن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع».
                            وبرغم إدراجها لـ«التبني» في فصل كامل من 14 مادة بلائحة 1938، إلا أن الكنيسة الأرثوذكسية عادت وامتنعت عن تقديم مقترح بشأن التبني.
                            أما الطائفة الإنجيلية فلم تُدرج «التبني» في دستورها الخاص – لائحة الأحوال الشخصية للإنجيليين- الصادر في 1902، أما الآن ومع تشكيل لجنة لممثلي الكنائس المصرية بوضع قانون موحد للأحوال الشخصية، تقدمت الكنيسة الإنجيلية بمقترح خاص بشأن إدراج باب خاص بـ«التبني» في المسيحية.
                            ومن جانبها، اتبعت الكنيسة الكاثوليكية نفس توجه الأرثوذكسية، ولم تُدرج التبني في مقترحاتها، لمخالفته النظام العام للدولة.
                            مواقف متباينة
                            أكد المستشار منصف سليمان، ممثل الكنيسة الأرثوذكسية في اللجنة المكلفة بوضع قانون موحد للأحوال الشخصية بين الطوائف المسيحية، أن الكنيسة الأرثوذكسية لم تتقدم بمقترح خاص بـ «التبني»، ولم يتم إدراجه في المشروع، مشيرًا أنه لم يُستجد أي جديد على المناقشات بين ممثلي الكنائس.
                            وعن تقدم الكنيسة الإنجيلية بمقترح بشأن التبني، علق ممثل الأرثوذكسية «هما أحرار» والمناقشات لم تنته بعد.
                            وبعد إصدار دستور ٢٠١٤ وخاصة المادة الثالثة منه، التي تنص على احتكام المسيحيين لشرائعهم، فتح الباب للنقاش والحوار حول أمر التبني، بحسب تصريح القس عيد صلاح ممثل الطائفة الإنجيلية بلجنة وضع لائحة موحدة للأحوال الشخصية للمسيحيين، الذى قال إن الكنيسة الإنجيلية تقدمت بفصل كامل عن التبني والمواريث في لائحة قانون الأحوال الشخصية الموحد.
                            وقال «صلاح» إن الطائفة الإنجيلية تستند على المادة الثالثة بالدستور في حق التبني طبقًا للشريعة المسيحية التي تسمح بالتبني.
                            وقد نصت المادة على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية».
                            من جانبه قال المستشار جميل حليم، ممثل الكنيسة الكاثوليكية في اللجنة المكلفة بوضع قانون موحد، إن الكنيسة الكاثوليكية لم تتقدم بمقترح خاص بالتبني في اللائحة الموحدة والتي تناقش حاليًا، مشيرًا أن الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا تُطبق التبني لديها، على عكس الكنيسة في مصر فهي تتبع النظام العام للدولة والتبني يُعد مخالفة لنظام الدولة.
                            والكنيسة الوحيدة المتقدمة بمقترح للتبني هي الإنجيلية فقط، ولم يُناقش المقترح بشكل جماعي للآن.
                            وأشار «حليم» إلى أن المناقشات بين ممثلي الكنائس لوضع اللائحة متوقفة حتى بعد انتهاء فترة أعياد الميلاد، على أن يتم استئنافها وطرح وجهات النظر من قبل الكنائس.
                            ويرى الأنبا أنطونيوس عزيز، مطران بالكنيسة الكاثوليكية، أن الكنيسة تقبل التبني إذا قبلته الدولة، وترفضه إذا ما رفضته الدولة، أي أن الكنيسة تتبع النظام المدني للدولة.
                            وقال «عزيز»: «أنا كمواطن مسيحي أتمنى أن يكون هناك تبني، أما إذا كان هذا الموضوع عكس نظام الدولة، فبالتالي لن أتمسك بالتبني على حساب السلام المجتمعي».
                            مشيرًا إلى أن السيد المسيح في إنجيل العهد الجديد لم يضع تشريعات في الأمور المادية للمسيحيين.
                            إلزام "الداخلية" بتغير اسم طفلة مجهولة النسب للأب المتبني
                            مجلس الدولة
                            كتب - محمود الشوربجي:
                            قضت الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، بإلزام مصلحة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية، بتغيير اسم طفلة تم العثور عليها مجهولة النسب، وذلك لدخول المدرسة.
                            صدر الحكم في الدعوى رقم ١٩٦١٣ لسنة ٦٩ ق، المقامة من مصطفى عبد الرحمن إبراهيم، برئاسة المستشار أحمد الشاذلي، نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية كلا من المستشارين خالد طلعت وأسامة منصور وسمير عبد المقصود وحازم اللمعي وتامر يوسف والدكتور محمد شوقي ومحمد قنديل، نواب رئيس مجلس الدولة، وبسكرتارية إبراهيم سيد محمود ومعروف مختار.
                            وقالت المحكمة في حيثيات حكمها إن المدعى وزوجته "داليا" تقدما إلى إحدى دور الرعاية الاجتماعية التابعة لإدارة النزهة الاجتماعية بطلب رعاية طفل حسب نظام الأسرة البديلة، ووقع الاختيار على طفلة تم العثور عليها كانت بياناتها طبقا لما تم من إجراءات "مريم هاني سامى سعيد" مواليد عام ٢٠٠٤ ومكان ميلادها النزهة، وتقدم المدعى بطلب إلى لجنة قيود الأحوال المدنية بوزارة الداخلية لتغيير اسم الطفلة المشمول برعايتها ليكون اسمها "مريم مصطفى هاني سعيد سالم" بدلا من "مريم هاني سعيد سالم"، إلا أن الطلب قوبل بالرفض دون إبداء أسباب.
                            وأضافت المحكمة أنه لما كان التبني الذي حظرته الشريعة الإسلامية الغراء هو التصرف الحقيقي لقصد إلحاق شخص بنسب آخر وهو ليس أباً له سواء كان الأب الحقيقي معلوماً أو مجهولاً مع ترتيب أثار البنوة الحقيقية من جراء هذا الإلحاق.
                            وأشارت المحكمة إلى أنه لما كان طلب المدعى لا يصدق عليه البتة تحقيق معنى التبني، إذ أن المدعى يقر بأن الطفلة المشمولة برعايته ليست ابنته من صلبه ولا يريد بحال إلحاقها بنسبه، وأن غاية ما يهدف إليه المدعى من التغيير الذي يطلبه تحقيق مقصد حميد حاصله ثبوت انتماء الطفلة ظاهرياً إلى عائلته دون ترتيب أي آثار متعلقة بالنسب، وذلك للتباين بين اسم المدعى وبين اسم الطفلة المشمول برعايته، فليس هناك ثمة التقاء يؤدى إلى شبهة نسب أو تبنى.
                            وأكدت المحكمة أن هذا لا يخالف الشريعة الإسلامية، وأن المحكمة تقدر ما يهدف إليه المدعى، وهو تحقيق المعنى العظيم لكفالة اليتيم في الدين الحنيف، وهو أمر يجب على أجهزة الدولة المختلفة أن تعمل على تدعيمه انطلاقا من الالتزام الدستوري الملقى على عاتقها في رعاية الطفولة بحسبان أن استقرار الحالة النفسية للطفل مجهول النسب إنما يحقق اندماجه في المجتمع دون تمييز بينهم وبين أقرانهم بما ينصرف بأثره الإيجابي على تماسك المجتمع
                            الاتفاقيات الدولية

                            تعليق


                            • #15
                              الاتفاقيات الدولية
                              في كتاب «التبني في المسيحية والاتفاقيات الدولية» يقدم الكاتب عماد فليكس، المحامي بالنقض، دراسة وافية حول قضية التبني، آخذًا في الاعتبار الخلفية المسيحية الكتابية للقضية، كذلك قدم دراسة تفصيلية وافية في الجانب القانوني والاتفاقيات الدولية والمُعاهدات التي اهتمت بحقوق الطفل، وسرد جميع الدراسات الدولية ونماذج في دول كثيرة طبقت ومارست قانون التبني.
                              وتطرق الكاتب لتعريف التبني، والتبني في بعض القوانين، والتي من أهمها نظام التبني في ظل القانون الفرنسي، ونظام التبني في القانون التونسي.
                              وعن أهم المبادئ المتعلقة بحقوق الطفل في الاتفاقيات الدولية: الالتزام بالمساواة بين كل الأطفال دون أي شكل من أشكال التمييز.
                              ويولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل في جميع ما يُتخذ من سياسات وتدابير وإجراءات تتعلق بالطفل، والعمل على بقاء الطفل وتنميته، ومراعاة حقه في ممارسة حقوقه والمشاركة في جميع الأمور التي تتعلق به، والتوازن بين مسئولية الوالدين عن تربية الطفل، ومسئولية الدولة عن تقديم الدعم، والمساعدة للوالدين للاضطلاع بمسئوليتهما.
                              شروط «الإنجيلية» للتبني
                              المتبنى لا يخرج من عائلته الأولى.. ولا يرث في تركة الأب الجديد إلا بوصية منه
                              اقترحت الطائفة الإنجيلية ١١ مادة لتقنين التبني، في الوقت الذى غاب فيه هذا البند عن الطائفة الأرثوذكسية.
                              ونص الفصل الخامس في مشروع الكنيسة الإنجيلية المقدم للجنة وضع لائحة موحدة للمسيحيين، على:
                              مادة (١١٠): التبني جائز للرجل وللمرأة متزوجين كانا أو غير متزوجين بمراعاة الشروط المنصوص عليها في المواد التالية.
                              مادة (١١١): يشترط في المتبنى أن يكون تجاوز سن الأربعين وألا يكون له أولاد ولا فروع شرعيون وقت التبني وأن يكون حسن السمعة.
                              مادة (١١٢): يجوز أن يكون المتبنى ذكرًا أو أنثى بالغًا أو قاصرًا ولكن يشترط أن يكون أصغر سنًا من المتبنى بخمس عشرة سنة ميلادية على الأقل.
                              مادة (١١٣): لا يجوز أن يتبنى الولد أكثر من شخص واحد، ما لم يكن التبني حاصلا من زوجين.
                              مادة (١١٤): لا يجوز التبني إلا إذا وجدت أسباب تبرره، وكانت تعود منه فائدة على المتبنى.
                              مادة (١١٥): إذا كان الولد المراد تبنيه قاصرًا وكان والداه على قيد الحياة فلا يجوز التبني إلا برضاء الوالدين، فإذا كان أحدهما متوفيًا أو غير قادر على إبداء رأيه، فيكفى قبول الآخر، وإذا كان قد صدر حكم بالتطليق فيكفى قبول من صدر الحكم لمصلحته أو عهد إليه بحضانة الولد منهما.
                              أما إذا كان القاصر قد فقد والديه أو كان الوالدان غير قادرين على إبداء رأيهما، فيجب الحصول على قبول وليه، وكذلك يكون الحكم إذا كان القاصر ولدًا غير شرعي لم يقر أحد ببنوته، أو توفى والداه أو أصبحا غير قادرين على إبداء رأيهما بعد الإقرار ببنوته.
                              مادة (١١٦): لا يجوز لأحد الزوجين أن يتبنى إلا برضاء الزوج الآخر ما لم يكن هذا الأخير غير قادر على إبداء رأيه.
                              مادة (١١٧): يحصل التبني بعقد رسمي، يحرره رجل دين الجهة التي يتم فيها راغب التبني، ويثبت به حضور الطرفين وقبولهما التبني أمامه، فإذا كان الولد المراد تبنيه قاصرًا قام والداه أو وليه مقامه.
                              مادة (١١٨): يجب على رجل الدين الذى حرر عقد التبني أن يرفعه إلى رئيس الطائفة الذى يباشر عمله في التصديق عليه بعد التحقق من توافر الشروط التي يتطلبها القانون، ويسجل الموافقة النهائية القاضية بالتصديق على التبني في دفتر يعد لذلك في الجهة الرئيسية الدينية، على أن يوثق هذا المحرر بالشهر العقاري، (أو حكم محكمة أيهما أيسر)، شرط أن يكون الابن المتبنى ولدا لأبوين مسيحيين.
                              مادة (١١٩): يخول التبني الحق للمتبنى أن يلقب بلقب المتبنى وذلك بإضافة اللقب إلى اسمه الأصلي.
                              مادة (١٢٠): التبني لا يخرج المتبنى من عائلته الأصلية، ولا يحرمه من حقوقه فيها، ومع ذلك يكون للمتبنى وحده حق تأديب المتبنى وتربيته وحق الموافقة على زواجه إن كان قاصرا.
                              مادة (١٢١): يجب على المتبنى نفقة المتُبنى إن كان فقيرا، كما أنه يجب على المتُبنى نفقة المتبنى الفقير. ويبقى المتُبنى ملزمًا بنفقة والديه الأصليين ولكن والديه لا يلزمان بنفقته، إلا إذا لم يمكنه الحصول عليها من المتُبنى.
                              مادة (١٢٢): لا يرث المتبنىَ في تركة المتبنىِ إلا بوصية منه.
                              الدفاع عن فكرة "التبني" لم يقتصر فقط على الطائفة الانجيلية التي تتمسك به في مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية للمسيحيين.. فهناك أيضا من يدافع عن هذا الأمر ويتمسك به داخل الكنيسة الارثوذوكسية.. حيث يؤكد القمص عبد المسيح بسيط استاذ اللاهوت وراعي كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد ان التبني يعد مبدأ أصيلاً في الديانة المسيحية.. ويقول: المسيحية تقوم على أساس أن المؤمنين تبناهم الله وفداهم بدم المسيح.. وبما اننا كلنا قد تبنانا الله.. فإننا أولاد لله بالتبني لأن الكتاب المقدس يقول: "جاء إلي خاصته وخاصته لم تقبله أما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أبناء الله أي المؤمنين باسمه" "يوحنا الاصحاح الأول".
                              ونظرا لأن المسيحيين يدينون لله بالفضل لأنه تبناهم بفداء المسيح لهم.. فمن الطبيعي أن يكون التبني جزء اصيلاً في المسيحية.. إذا كان الله تبنانا من خلال السيد المسيح.. فيجب علينا نحن كمؤمنين خاصة الذين لم ينجبوا أولادا أو بنات أن يتبنوا الاطفال الذين ليس لهم أسر مثل الاطفال الذين فقدوا أباءهم أو أمهاتهم أو اللقطاء الذين لم يعرف لهم أب ولا أم.. وفي هذه الحالة يوفر السعادة لطرفين.. وهما الطرف الذي لم ينجب عندما يتبني طفلا ويعيش معه كابنه يشعر بالأبوة أو الأمومة من خلال تبنيه لطفل أو طفلة.. كما أن الطفل الذي ليس له أب أو أم يشعر بحنان الأبوة والأمومة من خلال من يتبنونه.
                              وهناك نقطة جوهرية أخري وهي أن السيد المسيح وصف المحتاجين والأرامل والأيتام بأنهم أخوته الاصاغر. فإذا كان المسيح نفسه بعد تجسده واتخاذه الطبيعة الإنسانية يعتبر هؤلاء إخوته كإنسان. وهو نفسه فدي البشرية وقدمها لله الذي تبناها فصار المؤمنون أبناء الله.. فمن الطبيعي أن يكون من حق الأيتام أن يكون لهم آباء إذا أرادوا ان يتبنوهم وهذا قمة الحب والعطاء في المسيحية.
                              وفي سنة 1917 صدر عن قداسة بابا روما مجموعة خاصة بالطائفة الكاثوليكية بالغرب وفي عام 1949 صدرت مجموعة خاصة بالطائفة الكاثوليكية بالشرق، إذ جاء في هاتين المجموعتين أحكام بالإحالة تخص التبني على القانون المدني في كل دولة توجد فيها الطائفة الكاثوليكية وعليه فإنه كلما كان القانون المدني لدولة ما يجيز التبني يشترط أن توجد فيها الطائفة الكاثوليكية سواء بالغرب أو بالشرق فان الكنيسة تبيح ذلك. وبموجب هذه الإحالة تجيز تطبيق التبني بطريقة غير مباشرة ولكن تبقي السلطة الكنسية لها الحق في الرقابة والحق في التدخل، إذا ما عرض عليها أمر يتعارض مع قواعد الشريعة مثلا: إذا ما رغب الشخص المتبني في دولة ما توجد بها الطائفة الكاثوليكية، ليتزوج بامرأة من أسرته الطبيعية فإن الكنيسة ترفض بشدة إتمام هذا الزواج حتى ولو قطع علاقته بأسرته الحقيقية.
                              الحكمة من ذلك: رغم إقرار الطائفة الكاثوليكية بالتبني عن طريق الإحالة إلا أن السلطة الكنسية من أجل الحفاظ على الأنساب وعدم اختلاطها وتقديس الأسرة إذ أنها دائما تفرض رقابتها على التبني. ثالثا: التبني في الشريعة الإسلامية

                              لقد عرف العرب قبل الإسلام نظام التبني فكان الرجل إذا ما أعجبه فتى لوسامته أو حبا في الرفعة والانتساب إلى ولد شريف الأصل أو ذي عزة وجاه، تبناه وألحقه بنسبه وأعطاه كل الحقوق مثل الأولاد الصلبين وله نصيب في الميراث وكما ينسب إلى المتبني لذلك يقال فلان بن فلان.
                              و تماشيا مع هذه الظاهرة تبنى محمد بن عبد الله قبل أن يصبح رسولا بالرسالة الإلهية شابا من سبايا بلاد الشام ، سباه رجل من تهامة فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد ، ثم وهبه إلى عمته خديجة زوجة النبي ثم وهبته إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقه و تبناه ،وهو زيد بن الحارثة الذي آثر البقاء مع النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذا النحو على العودة إلى أهله و قومه في بلاد الشام و حينما تبناه النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( يا معشر قريش اشهدوا إنه ابني أرثه و يرثني).
                              وهذا الوضع المتعلق بالتبني كشأنه في كثير من الأوضاع والمسائل التي ظلت سائدة فترة زمنية بعد ظهور الإسلام مثل الخمر والربا وبعض عادات الجاهلية، وكان زيد هذا يدعى (زيد بن محمد) ثم حرم الإسلام التبني تحريما صريحا لأن رسالة الإسلام والقرآن الإصلاحية كانت تعالج أوضاع المجتمع العربي تدريجيا، فقال النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
                              وفي السنة الخامسة للهجرة أبطل الله جلت حكمته التبني، وقد وردت آيات عديدة بهذا الحكم منها قوله سبحانه وتعالى:
                              ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ *ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب 4-5).
                              الخلاصة:
                              الحكمة من تحريم التبني في الشريعة الإسلامية: تتجلى الأهمية من تحريم التبني في النقاط الآتية:
                              - منع اغتصاب الأنساب وتجريد الطفل من نسبة الأصلي في قوله تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ. إذ إن رابطة المودة والرحمة النابعة من صلة الرحم الأصلية لا تتجسد في القرابة عن طريق البنوة مهما بلغت درجة الإنسانية إذ أن الأبوة والأمومة ليست ألفاظا تتردد ولا عقد يعقد ولكنها حنان وشفقة وارتباط لحم ودم.
                              - عدم التوريث للحفاظ على أرزاق الغير : إن تحريم التبني هو غاية في حد ذاته إذ يمنع توريث من ليس له حق الإرث لأن الميراث له شروطه وأحكامه منها القرابة مثلا ،وفي تحريمه عدم الاعتداء على حقوق الغير لأن إقرار التبني وثبوت التوريث يجعل منه تعدي على تركة الغير بغير وجه حق وهذا من شأنه إن يثير الضغينة والأحقاد بين الأقارب الحقيقي بسبب هذا الدخيل الذي اغتصب حقوقهم وبالتالي قطع الأواصر والأرحام ، وقد أكد الله عز ذكره في آية أخرى : ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا . الأحزاب:40.
                              وقال صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في (باب تحريم انتساب الإِنسان إِلَى غير أَبيه وَتَولِّيه إِلَى غير مَواليه):
                              1/1802- عَنْ سَعْدِ بن أَبي وقَّاصٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرامٌ. متفقٌ عليهِ.
                              2/1803- وعن أبي هُريْرَة رضي الله تعالى عنه" عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أبيهِ فَهُوَ كُفْرٌ" متفقٌ عليه.
                              3/1804- وَعَنْ يزيدَ شريكِ بن طارقٍ قالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا رضي الله تعالى عنه عَلى المِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتهُ يَقُولُ: لاَ واللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ نَقْرؤهُ إلاَّ كِتَابَ اللَّه، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإذا فِيهَا أسْنَانُ الإبلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحاتِ، وَفيهَا: قَالَ رَسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أحْدَثَ فيهَا حَدَثًا، أوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَة وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة صَرْفًا وَلا عَدْلًا، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه والمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّه مِنْهُ يَوْم الْقِيامَةِ صَرفًا وَلاَ عدْلًا. وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبيهِ، أَوْ انتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَاليهِ، فَعلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالملائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يقْبَلُ اللَّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامةِ صَرْفًا وَلا عَدْلًا. متفقٌ عليه.
                              4/1805- وَعَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللَّه صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيْسَ منْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْر أبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلاَّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَليَتَبوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أوْ قالَ: عدُوَّ اللَّه، وَلَيْسَ كَذلكَ إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ متفقٌ عليهِ، وَهَذَا لفْظُ روايةِ مُسْلِمِ.
                              إذا فإن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أكدت على تحريم التبني وأنهت أمره الذي كان سائدا قبل الإسلام، مؤكدة انه لا يترتب على التبني أي حكم شرعي وان من أقدم عليه كان آثما وهو نفس الشيء الذي سار عليه الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وذلك بإجماعهم على تحريمه بصفة أبدية.


                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة المهندس زهدي جمال الدين, 11 أغس, 2020, 09:40 ص
                              ردود 58
                              133 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة المهندس زهدي جمال الدين  
                              أنشئ بواسطة إيمان يحيى, 2 يول, 2020, 03:16 ص
                              ردود 27
                              81 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة إيمان يحيى
                              بواسطة إيمان يحيى
                               
                              أنشئ بواسطة إيمان يحيى, 29 يون, 2020, 05:46 ص
                              ردود 9
                              67 مشاهدات
                              1 معجب
                              آخر مشاركة رحاب صبري
                              بواسطة رحاب صبري
                               
                              أنشئ بواسطة إيمان يحيى, 28 يون, 2020, 09:55 م
                              ردود 2
                              50 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة إيمان يحيى
                              بواسطة إيمان يحيى
                               
                              أنشئ بواسطة إيمان يحيى, 6 ينا, 2020, 03:17 م
                              ردود 20
                              198 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة رحاب صبري
                              بواسطة رحاب صبري
                               

                              Unconfigured Ad Widget

                              تقليص
                              يعمل...
                              X