إعـــــــلان

تقليص

تنويه

أخي الكريم ماتكتبه أمام الله إما لك وإما عليك، فاحرص على منهج أهل الحق باتباع الدعوة الى الله بالتي هي أحسن، واجتهد في التوثيق والإحالة وارفاق المراجع إن أمكن، ويُرجى الإلتزام بآداب الحوار، مع جميع الأعضاء باختلاف معتقداتِهم.
شاهد أكثر
شاهد أقل

إلى من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إلى من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم

    إلى من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم

    الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعـده ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :
    فقد أحزنتني فتوى لبعض الأفاضل تجيز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية، التي تقتضي حسن الصلة، ولطف المعاشرة التي يقرها العرف السليم ،و ادعوا هؤلاء الأفاضل أن مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة تتأكد إذا كانوا يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية وعللوا ذلك بأن الشرع قد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها ،و ادعوا أن مشروعية التهنئة تتأكد أيضا إذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه ، ونحبب إليهم المسلمين ، وأدعوا أن التهنئة لغير المسلم من باب حسن الأخلاق التي أمرنا بها و من باب بر غير المسلمين المسالمين ،ومن المثير للدهشة قولهم : " إذا كانت تهنئة النصارى بأعيادهم جائزة ، فإنه يجب التأكيد على أنه لا تجوز مشاركتهم في احتفالاتهم بأعيادهم ، فنحن لنا أعيادنا، وهم لهم أعيادهم" ،وسنبين بإذن الله في هذا السفر مجانبة كلام هؤلاء الأفاضل للكتاب والسنة والإجماع وأن ما اعتبروه مصلحة إنما هو مصلحة ملغاة لم يشهد لها الشرع بالاعتبار فهي مصلحة تنطوي على مفاسد عديدة و تفوت مصالح عديدة .

    مفهوم التهنئة

    ومن المعلوم أن التهنئة ضد التعزية [1] ،وَيُقَال : هنّيتُه على الشَّيْء الَّذِي يُسَرّ بِهِ تهنيةً. وهنّأتُه الطعامَ تهنئةً، إِذا قلت لَهُ هَنِيئًا[2] ،والمقصود من التهنئة التودد وإظهار السرور[3] بما نال الإنسان ، ومما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر المودة والخلطة بخلاف السلام فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف ،ومن هنا ندرك أن في التهنئة بأعياد الكفار مشاركتهم في السرور بأعيادهم وإظهار السرور بها ،ومن يظهر السرور بشيء لإنسان فهو مقر به له وراض به له ، وإن أدعى خلاف ذلك إذ كيف يهنيء إنسانا بشيء وهو يكرهه ويبغضه ولا يرضاه له ؟!!

    بغض الله سبحانه و تعالى للكفر وشعائره والتي من أخصها الأعياد

    و قد أخبر الله سبحانه و تعالى بأنه لا يرضى الكفر قال سبحانه و تعالى : ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [ الزمر:7 ] أي: أن الله سبحانه و تعالى يكره الكفر و لا يرضاه ،و يمنع الكفر ولا يبيحه بحال ،وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يكره الكفر و لا يرضاه لأحد فلا يجوز لإنسان أن يرضى بكفر إنسان آخر ؛ لأن الرضا بكفر الغير ما هو إلا رضا بما لا يرضاه الله سبحانه و تعالى ،وهذا لا يجوز ،و إذا كانت الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر[4] فالتهنئة بأعياد الكفار ما هي إلا تهنئة بشعائر دين يبغضه الله ولا يرضاه ،و التهنئة بأعياد الكفار ما هي إلا تهنئة بأخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره ؛ لأن الأعياد من أعظم الشعائر التي تختص بها الأمم والشرائع ،ومن هنا ندرك أن التهنئة بأعياد الكفار تهنئة بأخص شعائر الكفر الذي يبغضه و لا يرضاه ،وفيها رضا بأخص شعائر الكفر الذي يبغضه الله و لا يرضاه فالواجب اجتنابها وتركها لا التهنئة بها .

    النهي عن الجلوس في مجالس الكفر والعصيان والتي منها أعياد الكفار

    وقد نهى الشرع عن الجلوس في مجالس الكفر والعصيان دون إنكار على أهلها قال سبحانه و تعالى : ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [ النساء : 140] يعني: وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثله يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله. فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه ،وفي هذه الآية، الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسَقة، عند خوضهم في باطلهم . وبنحو ذلك كان جماعة من الأئمة الماضين يقولون، تأوُّلا منهم هذه الآية أنه مرادٌ بها النهي عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه[5] .

    و قال القرطبي – رحمه الله - : قَوْلُهُ تَعَالَى : (( ﴿ فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ أَيْ غَيْرِ الْكُفْرِ . ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ﴾ فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى وُجُوبِ اجْتِنَابِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُنْكَرٌ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُمْ فَقَدْ رَضِيَ فِعْلَهُمْ، وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ﴾ . فَكُلُّ مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ مَعْصِيَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ يَكُونُ مَعَهُمْ فِي الْوِزْرِ سَوَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إِذَا تَكَلَّمُوا بِالْمَعْصِيَةِ وَعَمِلُوا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ عَنْهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ ))[6] .

    وإذا كان الإنسان مأمور باجتناب مجالس الكفر والعصيان وتركها واعتزالها إلا إن يكون جلوسه للإنكار عليهم فمن خالف ذلك وجلس في مجالس الكفر والعصيان ولم ينكر على أهل هذه المجالس وسكت - وإن كان يبغض ذلك ويكرهه في قلبه - فإنه يكون مثلهم ،و حكمه حكمهم فالراضي بالمنكر كمرتكبه ، والراضي بالكفر كافر ، ومادام الشخص يشارك أهل الكفر في السرور بأعيادهم والتهنئة على أعيادهم فهذا فيه إقرار منه ورضا بأعيادهم التي رضوها لأنفسهم ولم يرضاها الله لهم وفيه إدخال السرور على قوم في إقامتهم شعائر دين لا يرضاه الله ،وقد تكون هذه التهنئة عونا لهم على التمسك بدينهم الباطل ،وبدل من إنكار المسلم عليهم دينهم الباطل والتي من ضمنها العيد و بدل من هجر المسلم لهم حال احتفالهم بإحدى شعائر الكفر – ألا وهي العيد – يهنئهم على عيدهم وهذا أعظم إثما و أشد مقتا من مجرد مجالستهم حال احتفالهم بإحدى شعائر الكفر وعدم الإنكار عليهم ،واجتناب ذلك أشد وجوبا من مجرد اجتناب مجالستهم حال احتفالهم بإحدى شعائر الكفر .

    النهي عن التعاون على الإثم والعدوان يدخل فيه التهنئة بأي أمر محرم والتي منها التهنئة بأعياد الكفار


    والشرع نهى عن التعاون على الإثم والعدوان مع أي إنسان مسلماً كان أو غير مسلم قال الله سبحانه و تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2] فلا يجوز لمسلم أن يعين أحد من الكفار على شيء من المحرمات والمنكرات في ديننا لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ولما في ذلك من التناصر على الباطل ،وتهنئة الكفار بأعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل والكفر و في التهنئة تقوية نفوسهم على باطلهم وكفرهم ،وقد تكون عونا لهم على التمسك بكفرهم و دينهم الباطل ،والشرك بالله والكفر به هو أعظم المنكرات فلا يجوز الإعانة عليه بأي وجه من الوجوه .

    التهنئة بأعياد الكفار مناقضة لما يجب القيام به نحو الكفر وشعائره من الإنكار

    ومما أوجب الشرع تغيير المنكر قدر الاستطاعة ،والمنكر هو كل ما نهى عنه الشرع و ذمه وذم أهله ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع ،والواجب عند رؤية أي منكر الإنكار قدر الاستطاعة فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[7] وقد دل الحديث أن المسلم يجب عليه تغيير المنكر في جميع الأحوال و أن أقل درجات الإنكار المطلوبة هو الإنكار القلبي و التغيير بالقلب ،ومعنى التغيير بالقلب هو الكراهة وعدم المخالطة[8] وعدم الرضا بالمنكر والنفور منه مما يدل على أن من ليس له سلطة التغيير باليد و عاجز عن التغيير باللسان لا أقل من أن يجتنب الدخول إلى أماكن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة فلا يجوز البقاء في مكان فيه منكر من غير ضرورة ما دام الإنسان ليس له سلطة التغيير باليد و عاجز عن التغيير باللسان ،ولا يجوز مخالطة فاعل المنكر والجلوس معه حال مواقعته المنكر من غير ضرورة ما دام الإنسان ليس له سلطة التغيير باليد و عاجز عن التغيير باللسان و من باب أولى لا يجوز تهنئة فاعل المنكر بمواقعته للمنكر ؛ لأن التهنئة أشد من مجرد الجلوس والمخالطة من غير نكير فهي تحمل معنى الإقرار والرضا بالمهنأ به ،ورأس المنكرات الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى ،وعليه فلا يجوز تهنئة الإنسان على كفره بالله و لا يجوز تهنئة الإنسان على احتفاله بشعيرة من شعائر كفره و التي من أخصها الأعياد ،والذي يهنيء كافرا على احتفاله بشعيرة من شعائر كفره يكون مناقضا ومخالفا لما يجب القيام به نحو الكفر وشعائره من الإنكار وليس الرضا بشعائر الكفر والإقرار عليها .

    النهي عن التشبه بالمشركين فيما هو من خصائصهم يدخل فيه النهي عن تهنئتهم بأعيادهم

    تضافرت النصوص الشريعة على حرمة التشبه بالمشركين و من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : « خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا اللِّحَى، واحفوا الشَّوَارِبَ »[9] ،و عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[10] ،و الشرع قد أمر بمخالفة المشركين و نهي عن التشبه بهم و مشابهتهم ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين في الظاهر كما هو حاصل في الباطن، فإن الموافقة و التشبه في الظاهر ربما تجر إلى محبتهم وتعظيمهم والشعور بأنه لا فرق بينهم وبين المؤمنين ويقود المتشبِّه إلى أن يتخلق بأخلاق من تشبه به وأن يعمل مثل أعماله . و مخالفة المشركين تستلزم عدم موافقتهم فيما هو من خصائصهم ،والتي منها تهنئة بعضهم بعضا بعيدهم .

    ترك التناهي عن المنكر سبب لاستحقاق اللعنة والعقاب من الله ومن جملة المنكرات الكفر وشعائره

    وقد دلت نصوص الشرع أن عدم التناهي عن المنكر من أسباب الهلاك واستحقاق اللعنة والعقاب من الله ، قال الله سبحانه و تعالى : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْراءيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذالِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [ المائدة: 78، 79] أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوا [11] فقد استحق بنو إسرائيل العقاب و اللعن و الطرد من رحمة اللَّه بسبب تقصيرهم في النهي عن المنكر مما يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب من أسباب البعد عن العقاب و اللعن و الطرد من رحمة اللَّه و قد قال الله سبحانه و تعالى في شأن القرية التي كانت بقرب البحر وكان محرم على أهلها صيد السمك يوم السبت لكنهم كانوا يصطادون فيه السمك : ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف : 165] أي أن النجاة من العذاب والعقاب كانت للمصلحين الذين كانوا ينهون عن السوء .

    وقد وردت نصوص من السنة تبين أن العقاب يعم جميع أفراد المجتمع إذا ظهر المنكر بين فئة منهم مع سكوت الآخرين القادرين على تغييره، وتخليهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان الآخرون رجالا صالحين ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوَا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» [12] .

    و إذا كان الكفر هو أعظم المنكرات فمن يهنيء الكافر بشعيرة من شعائره ، ويتخلى عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،و لا ينهي عن السوء فهو داخل في وعيد من لا يتناهى عن المنكر .


    حكاية ابن القيم للإجماع على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم

    حكي ابن القيم الإجماع على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم فقال – رحمه الله - : (( وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه ))[13].


    الزعم بأن تهنئة الكفار بأعيادهم ليست من باب المشاركة زعم باطل


    من يزعم أن تهنئة الكفار بأعيادهم ليست من باب المشاركة في أعيادهم زعمه باطل ؛ لأن من رضي بأمر أو حرض عليه أو أعان عليه كان كمن شارك فيه ،ومن رضي بمنكر أو حرض عليه أو أعان عليه فهو مؤيد للمنكر ومساهم في انتشاره ، وهذا لا يجوز .

    ومن صور المشاركة شرعا وقانونا المشاركة بالتحريض والتشجيع ،ولا شك أن في تهنئة الكفار بأعيادهم نوع من المشاركة والموافقة لهم في أعيادهم ،و نحن مأمورون بمخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم ،و الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر ،وعلى فرض أن تهنئة الكفار بأعيادهم ليس فيها نوع من المشاركة لهم في أعيادهم فالتهنئة بأعيادهم لا تجوز ؛ لأن التهنئة بالعيد الباطل كالمشاركة في العيد الباطل فكلاهما تأييد للباطل ،وتأييد للمنكر و تأييد الباطل وتأييد المنكر لا يجوز ،وإن كان من يهنيئهم بأعيادهم لا يقصد مشاركتهم في شركهم ، وإنما يدفعه إليه المجاملة حينا ، والحياء أحيانا أخرى ، ولكن المجاملة على الباطل لا تجوز ، بل الواجب إنكار المنكر والسعي في تغييره ،وأقل الإنكار اعتزال المنكر وعدم الرضا به ،ومن يهنئهم فكأنه يهنئهم على سجودهم للصليب وصلاتهم في الكنيسة .

    تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم لا يستلزم الاعتداء عليهم

    تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم ليس معناه و لا يستلزم الاعتداء عليهم في أعيادهم بالضرب أو السب وغير ذلك فالإسلام يحرم الظلم والعدوان إلا على من اعتدى و ظلم ،وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ظلم المعاهد فقال في التحذير من ظلم المعاهدين وانتقاص حقوقهم : « ألا من ظلم معاهداً أو انتقضه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة »[14] ،وقد ورد وعيد شديد لمن قتل ذمِّيا أو معاهدا أو مستأمنا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَن قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما »[15].


    ترك تهنئة الكفار بأعيادهم ليس فيها تنفير للكفار من الإسلام مادام المسلمون يتعاملون معهم بالبر والإحسان


    ترك تهنئة الكفار بأعيادهم ليس فيها تنفير للكفار من الإسلام مادام المسلمون يتعاملون معهم بالبر والإحسان بل في ترك تهنئة الكفار بأعيادهم عدم تأييدهم على باطلهم وكفرهم و عدم إقرارهم على باطلهم وكفرهم ،و أن الإسلام لا يحابي أحد في الحق ،و لا يجامل أحد في الحق ،وأنه لا يقر أحد على باطله ،ومن المعروف اليوم أن الشعوب لاتجامل ،و لاتحابي أحد على حساب قوانينها .

    لا يستلزم بر الكافر المسالم إقراره على باطل أو فعل محرم

    لا يستلزم بر الكافر المسالم إقراره على باطل أو فعل محرم فالذي أمر بالبر و الإحسان هو الذي أمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان و أمر بتغيير المنكر قدر الاستطاعة و أمر باجتناب مجالس الكفر والعصيان دون إنكار على أهلها ،والإحسان والبر يكون بميزان الشرع وليس بأهواء الناس ،والإحسان يكون بما لا يخالف الشرع ،وبما لا يكون فيه الإقرار على باطل أو فعل منكر ،ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أبر الناس و أحسن الناس خلقا إلا أنه لم يرد عنه تهنئة أي كافر بعيد من أعياده رغم معايشته للكفار فترة من الزمن مع وجود السبب المقتضي لذلك ، ولو كان من البر لفعله ولو مرة أو حث عليه أو أقره ،و لو كان شيء من ذلك قد حدث لنقل إلينا لتوافر الهمم والدواعي على نقله .

    تهنئة الكفار بأعيادهم ليست مثل إجابة دعوتهم وزيارتهم

    تهنئة الكفار بأعيادهم ليست مثل إجابة دعوتهم وزيارتهم إذا مرضوا أو تهنئتهم بالمولود والزواج ونحو ذلك فهذه أمور مشتركة لا علاقة لها بشعيرة من شعائر دينهم، بخلاف الاحتفال بالعيد والتهنئة به، فالعيد أحد شعائر الديانات ورموزها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا »[16] و قال تعالى : ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [ المائدة :48 ] ، فشريعتنا غير شريعتهم وأعيادنا غير أعيادهم ، فلا نشاركهم أعيادهم ، ولا يشاركوننا أعيادنا ، وقال الذهبي – رحمه الله - : « فإذا كان للنَّصارى عيد ، و لليهود عيد ، مُخْتَصِّين بذلك ، فلا يُشَارِكُهُمْ فيه مسلمٌ ، كما لا يُشَارِكُهُمْ في شِرْعَتِهِمْ ولا في قِبْلَتِهِمْ »[17] .
    و إن هنئنا الكفار بأعيادنا فلا يجوز أن نهنئهم بأعيادهم فأحكام الشرع ليست مبادلة ،وأعيادنا حق من ديننا الحق بخلاف أعيادهم الباطلة التي هي من دينهم الباطل، فإن هنئونا على الحق فلن نهنئهم على الباطل ؛لأن أحكام الشرع لا تقبل التنازلات والمداهنة .

    مصلحة تأليف قلوب الكفار وتحبيبهم في ديننا لا تكون على حساب مخالفة شرعنا

    البعض يزعم أن من المصلحة تهنئة الكفار بأعيادهم فهي من باب تأليف قلوبهم وتحبيبهم في ديننا ،وهذا مجانب للصواب فمصلحة تأليف قلوبهم وتحبيبهم في ديننا لا تكون على حساب مخالفة أحكام شرعنا ،وإذا تضافرت الأدلة على تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم فهذا معناه أن الشرع شهد برد هذه المصلحة وشهد بإلغائها، وعدم اعتبارها فهي لا تعتبر من المصالح الراجحة بسبب أنها مصلحة مرجوحة من حيث الصلاح ، ومغلوبة من حيث النفع، وبالنسبة لما ستؤول إليه من المفاسد الكثيرة ،و ليس كل ما يراه الناس مصلحة يمكن أن يكون مصلحة مقصودة للشرع في حقيقة الأمر ،و ليس كل ما يراه الناس مفسدة يمكن أن يكون مفسدة مقصود الشرع رفعها في حقيقة الأمر فالعقول قاصرة عن إدراك جميع المصالح والمفاسد والعقول متفاوتة في تقدير المصالح والمفاسد و أهواء الناس متباينة ورغباتهم مختلفة .

    بين مصلحة تأليف قلوب الكفار بالتهنئة بأعيادهم ومصالح ترك التهنئة بأعيادهم

    إن تحريم الشرع التهنئة بأعياد الكفار من الأدلة الواضحة على أن هذا الشرع من عند الله وليس من عند بشر قال تعالى : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ [ النساء :82 ] فلو كان الشرع من عند بشر لانساق وراء الأهواء ولجامل المخالفين له على حساب تعاليمه ولتنازل عن بعض مبادئه ليكسب ودهم لكن الشرع لا ينساق وراء رغبات الناس وأهوائهم فكل رغبة أو مصلحة تنطوي على الشر والفساد ، وتخفي في طياتها الضرر والخراب على الناس - و إن كان ظاهرها المصلحة والمنفعة – ألغى الشرع اعتبارها حفاظا على الناس في دينهم أو دنياهم أو كلاهما .
    ومما لا يعتبر من المصالح النافعة مصلحة تأليف قلوب الكفار و تحبيبهم في الإسلام بتهنئتهم بأعيادهم الكفرية فهذه مصلحة شهد الشرع ببطلانها لما تنطوي عليه من مفاسد كثيرة ولتفويتها مصالح أرجح منها ومن المفاسد التي تنطوي عليها : 1- الاقرار والرضا بأعياد الكفار و هذا يبغضه الله ولا يرضاه 2- عدم التسليم للنصوص الواردة في تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم وتقديم الهوى على النقل 3- عدم التناهي عن المنكر إذ بدل إنكار الكفر وشعائره يهنيء الكفار بشعيرة من شعائره 4- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بدل دعوة الكفار للإسلام و نهيهم عن الكفر والعصيان يهنئهم على الاحتفال بشعائرهم 5- إعانة الكفار على التمسك بدينهم فتهنئتهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الكفر و تقوي نفوسهم عليه والواجب علينا تقليل الكفر والشر لا تكثيره 6- التشبه بالكفار في تهنئة بعضهم بعضا بشعائرهم الدينية و في هذا إشعار بذل المسلمين و عزة الكافرين لتقليد المسلمين لهم والتقليد من شيم المغلوبين 7- رمي المسلمين بالتناقض والنفاق فالمسلم يعتقد أن الكفر أعظم المنكرات ومع ذلك يهنيء الكافر على احتفاله بشعيرة من شعائر كفره وقد يكون هذا مدعاة للسخرية من المسلمين فيقول أحد الكفار لأحد المسلمين عجبا لكم أيها المسلمون كيف تعتقدون أن ديننا دين كفر وغي وضلال و في نفس الوقت تهنئونا بأحد أعيادنا؟!!
    8- تعطيل أحد الوسائل التي شرعها الله لمقاومة الكفر وتقليله ألا وهي وسيلة الهجر هجر الكفر وشعائره 9- مخالفة سبيل المؤمنين في اجتناب التهنئة بالكفر وشعائره
    و ترك تهنئة الكفار بأعيادهم فيها العديد من المصالح منها :
    1- المحافظة على مقاصد الشرع باجتناب الكفر و شعائره 2- التسليم للنص الشرعي وتقديم النقل على الرغبة والهوى 3- التناهي عن المنكر 4- التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الاثم والعدوان 5- مخالفة الكفار والمشركين فيما هو من خصائصهم
    6- زجر الكافر عن كفره باجتنابه يوم عيده وعدم تهنئته به وقد يكون ذلك باعثا على تنفيره من دينه أو إعادة النظر في معتقداته 7- موافقة سبيل المؤمنين في اجتناب التهنئة بالكفر وشعائره
    وفي النهاية نقول أن ما ظنه البعض أن تهنئة الكافر بعيده سترضيه وتحببه في الإسلام يعتبر ظنا غير صحيح ؛ لأن ذلك سيجعله يزداد تمسكا بدينه ،وأنه أدعي لسخريته من المسلمين وإتهامهم بالتناقض والنفاق والمداهنة ،ونحب أن نبين أن كل الأدلة الدلالة على تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم يدخل فيها من باب أولى الاحتفال بأعيادهم ،ومساهمتهم في الاحتفال بأعيادهم .

    هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات





    [1] - مختار الصحاح لزين الدين بن أبي بكر الرازي ص 328 المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت – صيدا طبعة سنة 1420هـ / 1999م
    [2] - جمهرة اللغة لأبي بكر بن دريد الأزدي 2/997 دار العلم للملايين – بيروت طبعة سنة 1987 م
    [3] - الملخص الفقهي لصالح فوزان الفوزان 1/280 دار العاصمة، الرياض ، المملكة العربية السعودية طبعة سنة 1423هـ
    [4] - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية 1/528 دار عالم الكتب، بيروت، لبنان طبعة سنة 1419هـ - 1999م
    [5] - تفسير الطبري 9/320 مؤسسة الرسالة طبعة سنة 1420 هـ - 2000 م
    [6] - تفسير القرطبي 5/418 دار الكتب المصرية ، القاهرة ،مصر طبعة سنة 1384 هـ - 1964 م
    [7] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 49 كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان
    [8] - شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين ص 710 دار الوطن للنشر، الرياض طبعة سنة 1426 هـ
    [9] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 5892 بَابُ تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ ، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 259 بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ
    [10] - رواه أبو داود في سننه حديث رقم 4031
    [11] - تفسير ابن كثير 3/160 دار طيبة للنشر والتوزيع طبعة سنة 1420هـ - 1999 م
    [12] - رواه ابن حبان في صحيحه حديث رقم 305 قال شعيب الأرناؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين مؤسسة الرسالة – بيروت طبعة سنة 1414 ه - 1993 م
    [13] - أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 441 رمادى للنشر – الدمام طبعة سنة 1418 هـ - 1997م
    [14] - رواه أبو داود في سننه حديث رقم 3052
    [15] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 3166
    [16] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 952 بَابُ سُنَّةِ العِيدَيْنِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ ، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 892 بَابُ الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ
    [17] - تشبّه الخسيس بأهل الخميس للذّهبيّ ص27
    د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
    بعض كتاباتي على الألوكة
    بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

  • #2
    رابط المقال من هنا
    إلى من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم  الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد أحزنتني فتوى لبعض الأفاضل تجيز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية التي تقتضي حسن الصلة، ولطف المعاشرة التي يقرُّها العُرْف السليم، وادَّعى هؤلاء الأفاضل أن مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة تتأكَّد إذا كانوا يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية، وعلَّلُوا ذلك بأن الشرع قد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة،...
    د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
    بعض كتاباتي على الألوكة
    بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

    تعليق

    يعمل...
    X