ايهما خلق اولا العظام ام اللحم للمسيحيين المضللين فى فهم اعجاز القرآن
 

معايير عقلانية لمعرفة العقيدة الحقة

(معايير عقلانية لمعرفة العقيدة الحقة)



بِسْم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى

أما بعد....

فهاهو سؤال وجهه لي أحد الملاحدة أثناء مناظرتي معه أراه و جيها بعد أن تحول من الإلحاد إلى الربوبية...
 

الرد علي نص " قال الرب الربي " نهاية الوهم !

بسم الله الرحمن الرحيم





فى هذا البحث سنحاول أن نلقي الضوء علي النص الذي يستشهد به النصاري علي ألوهية المسيح وهو " قال الرب لربي "
وسيتم الاستعانة بالآتي:-

1- رأى المسيحين في هذا النص .
2- رأى
...
 

بطلان عقيدة وراثة الخطيئة و الصلب و الفداء - الجزءالثاني

(بطلان عقيدة وراثة الخطيئة و الصلب و الفداء)
الجزء الثاني


بِسْم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله تعالى عن الصاحبة و الولد.. و جل عن الشبيه والند و النظير و التحيز في جسد...

قل هو الله أحد.. الله الصمد...لم يلد .. و لم يولد و لم يكن له كفوا...
 

هل الثالوث عقيدة توحيد أم عقيدة شركية وثنية؟؟؟

بِسْم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد و صلاة و سلاما دائمين متلازمين على جميع رسله و أنبيائه الموحدين و الذين ما جاءوا إلا بعقيدة التوحيد الخالص الخالية من دعوى الأقانيم...
 

مناظرة مصورة حول مخطوطات القرآن والإنجيل بين دكتور أمير و Apostle paul من منتدى الكنيسة العربية !

قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

الحوار الأول:
النص القرآني منقول نقلاً شفهيا بالصدور وليس بالمخطوطات؟ ..
واثبات أن المكتوب لا علاقة له بنقل النص او حفظه!


...
 

مدخل إلى النقد النصي للعهد الجديد (1) - د. أحمد الشامي


مدخل إلى النقد النصي (1)



تحميل المقال من المرفقات


- كتب ضرورية :
· كتاب "نص العهد الجديد: مقدمة للإصدارات النقدية ونظرية وتطبيق النقد النصي الجديد, تأليف كورت وباربارا ألاند"




"The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Editions and to the Theory and Practice
...
 

المخطوطة السينائية والاختلافات الهامة بينها وبين العهد الجديد الحالي

المخطوطة السينائية والاختلافات الهامة بينها وبين العهد الجديد الحالي (الحلقة الأولى)




أرجو نشر الفيديو على أوسع نطاق وجزاكم الله عني خير الجزاء.
...
 

مشكلات النص المستلم البيزنطي

بسم الله الرحمن الرحيم
مشكلات النص المستلم البيزنطي



النص المستلم( TR, Textus Receptus,Received Text):

هو مصطلح أطلقه مالكي أحدي أشهر المطابع في أوربا في سنة1633م ميلادية وهما ( بونافبنشور وإبراهام إلزيفر)على نسخة يونانية للعهد الجديد , هذه...
 

قانون المخطوطات الثلاثة الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم

قانون المخطوطات الثلاثة الكبرى
تحميل البحث كاملا من المٌرفقات أدناه










عندما يبدأ المدافعون عن قانون الكتاب المقدس دفاعهم من أجل إثبات قانونية الأسفار فإنهم يبدأون بمايسمى "الوثيقة...
 

قراءة في كتاب نولدكه عن تاريخ القرآن -محمد المختار ولد اباه

قراءة في كتاب نولدكه عن "تاريخ القرآن"

محمد المختار ولد اباه
جامعة شنقيط العصرية



1 نولدكه وكتاب تاريخ القرآن ومؤلفوه:

يعتبر تيودور نولدکه من أعلام المستشرقين البارزين أمثال بروكلمان وفیشر والنمساوي غولدتسهير وقد ملأ نشاطه العلمي...
 

الفاتيكان والتنصير بالهولوجراف..د. زينب عبد العزيز


الفاتيكان والتنصير بالهولوجراف..


ان كل ما دار ويدور من أحداث في كواليس الفاتيكان وعلنه، خاصة منذ 1965، يتم في نطاق خطته لتنصير العالم، وهو القرار المجمعي الذي لا
...
 

الحصون الفكرية

ما المقصود بالحصون الفكرية ومن أى شئ نتحصن ؟ وكيف نتحصن؟ هذا ما ستجده فى هذه القناة


الحلقة الثانية : مخاطر الغزو الفكري :




الحلقة الثالثة : أسباب الانحراف الفكري :




الحلقة الرابعة :علاج الانحراف الفكري



الحلقة الخامسة : علاج الانحراف الفكرى(2):

...
 

لماذا يرفض المسلمون سفر نشيد الانشاد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
فى هذا الموضوع نتطرق لموضوع لماذا يرفض المسلمون سفر نشيد الانشاد كسفر موحى به من الله
ولنبدا على بركة الله
السبب الاول: تضارب التفاسير
فعلماء المسيحيه لم يتفقوا على نمط معين للتفسير فمنهم من ادعى حرفية السفر وانها علاقة بين حبيب وحبيبه ومنهم من نادى
...
 

المرأة المسيحية والعـــــــار - وثائق مسيحية مصورة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


نكمل على بركة الله ... سلسلة قالوا عن المرأة فى المسيحية ...

شاهد الجزء الأول ....


شاهد الجزء الثانى




قـــــــــــــــــــــــــالو
...
 

الرد الساحق و النهائي على نص : قبل ان يكون ابراهيم انا كائن ((موثق))


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين


اين قال المسيح انا الله اعبدونى ؟؟... سؤال سألة ولا زال يسألة المسلمين للنصارى ....وتختلف اجابة هذا السؤال من مسيحى لأخر ...ربما يستشهد أحدهم بكلام من داخل...
 

بحث جديد جداً: عبادة النار وتمجيدها في المسيحية واليهودية, وهل يعبد النصارى النار ؟!

عبادة النار وتمجيدها في المسيحية واليهودية !!
هل يعبد النصارى النار ويقدسونها حقاً ؟
بقلم / معاذ عليان

المحاضرة صوتية بعنوان " عبادة النار في المسيحية واليهودية "
http://muslimchristiandialogue.com/modules/mysounds/singlefile.php?cid=31&lid=1220








الحمد لله رب العالمين...
 

تحريف نص التثليث.بإعتراف علماء ومخطوطات وترجمات وآباء المسيحية,رداً على البابا شنودة

الفاصلة اليوحناوية أم سلامات بولس
يوحنا الأولى 5/7 .. نظرات في الترجمات رداً على البابا شنودة
بقلم العبد الفقير إلى الله معاذ عليان



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه وسلم وبعد ..
ما هي الفاصلة اليوحناوية ؟



الفاصلة اليوحناوية...
 

نقل مُصور للمناظرة حالياً بين الفيتوري والنصراني فادي ..حول ألوهية المسيح


بسم الله الرحمن الرحيم
في إطار حوارات الحق كما نُسميها هنا .... وحوارات التحدي كما يحب أن يطلقها الأفاضل هناك


يتم حالياً عمل مناظرتين في وقت واحد ....
المناظرة الاولى في الإسلاميات ..على منتدانا هنا على هذا الرابط ...
http://www.hurras.org/vb/showthread....2275#post22275



والمناظرة الثانية ....في المسيحيات
...

Unconfigured Ad Widget

تقليص

تأصيلُ القواعد القانونيّةِ في الآيات القرآنيّةِ

تقليص
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تأصيلُ القواعد القانونيّةِ في الآيات القرآنيّةِ

    الحقيقة الصارخة

    دراسة أعدها لكم
    المهندس زهدي جمال الدين



  • #2
    تمهيد
    إن الخوف دولياً ومحليا من إقامة الدولة الدينية والدعوة إلى إقامة دولة مدنية يجعلنا نعيد النظر كرتين إذ أن
    الخوف يوجد - ليس فحسب - على المستوى القومي، بل على المستوى الدولي هو خوف من إقامة دولة دينية في بلد مثل مصر أو سوريا أو العراق.
    وقد تقبّل المجتمع الأوروبي على مضض دولات دينية مثل إسرائيل وإيران والسعودية-وإن كانت السعودية الآن بصدد التسارع الرهيب لنبذ فكرة الدولة الدينية لتلحق بركب الدولة العلمانية- وكان هناك في كل حالة من هذه الحالات ما يشفع لها أو يتقبلها قبول الأمر الواقع، ويغلب أن لو قامت في مصر دولة دينية، ألا تتقبّل القوى الخارجية ذلك، وستكيد لها بحيث لا يستقر أمرها.
    والحقيقة أن تطبيق الشريعة يمكن ألا يؤدّي إلى إقامة الدولة الدينية، لأن الشريعة هي مجموعة الأحكام التي يقتضيها العدل ويسعى الشعب لتطبيقها بالوسائل المتاحة داخل النظام وفي الدولة المدنية.
    ولكن هذه الحقيقة انسحقت تماماً تحت ضغط الفكرة المتأصلة لدى الجماعات الإسلامية عن أن الشريعة تساوي الدولة.. وهذا خطأ جسيم بحيث أصبح هذا الخطأ هو الأمر المسلّم به من الجميع، أي من الجماعات الإسلامية وغيرهم.
    ويتطلّب اقتلاع فكرة "الدولة الدينية" من الأذهان جهداً جباراً ومتّصلاً يقوم على مبدأين، أولهما أن تطبيق الشريعة في حد ذاته لا يعنى الدولة الدينية كما أشرنا، والمبدأ الثاني أن الدولة الدينية ليست من الإسلام أصلاً.

    تعليق


    • #3
      الفصل الأول
      وثيقة المدينة السياسية

      وثيقة "الصحيفة" بين مختلف طوائف المدينة
      دستور المدينة أول دستور مكتوب في التاريخ لقيام دولة مدنية، فمع بداية الهجرة إلى المدينة المنوّرة وجد النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسَه أمامَ ثلاثِ طوائفَ من السكان في المدينة:
      الطائفةُ الأولى: المهاجرون الذين ضحّوا بوطنهم وأموالهم وتجارتِهم وعلاقاتِهم طلباً للحرية وحرصاً على عقيدتهم والتزامهم الديني، فهاجروا من مكة إلى المدينة فُرادى وجماعاتٍ قبلَ وبعدَ هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
      الطائفةُ الثانية: الأنصارُ وهم الذين أحبّوا رسولَ الله ونصروه واتبعوا النورَ الذي أُنزلَ معه وهؤلاء كانوا من قبيلتي الأوس والخزرج سكانِ المدينةِ الأصليّين.
      الطائفة الثالثة: اليهودُ الذين طالما أشعلوا نارَ الفتنة والحرب بين الأوس والخزرج وتآمروا على الإسلام والمسلمين.
      هذه الطوائفُ الثلاثُ كانت تعيش في المدينة عندما هاجر النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليها، وكانت هناك مشكلاتٌ فيما بينها، فمن جهة: كان هناك تفاوتٌ اجتماعيٌ وثقافيٌ ونفسيٌ ومعيشيٌ بين المهاجرين والأنصار، وكان من المتوقع نتيجةَ هذا التفاوتِ حصولَ تناقضاتٍ في العلاقات بين الطرفين فكان لا بد من إيجاد صيغةٍ تُنظمُ العلاقةَ بينهما للتغلب على التناقضات المحتملةِ والمتوقعة.
      مجتمع المدينة : حصون عسكرية
      ومن جهة أخرى: كانت العلاقاتُ بين الأوس والخزرج من جانب وقبائلِ الأوس فيما بينها وقبائل الخزرج فيما بينها من جانب آخر, وبين هؤلاءِ جميعاً واليهودِ من جانب ثالث, علاقاتِ حربٍ وعِدَاءٍ لا تزالُ مفاعيلُها في السلوك والممارسات ظاهرةً وواضحة, بل لقد انعكست هذه العلاقاتُ المتوترةُ والعدائيةُ بين الأوس والخزرج من جهة وبينهما وبين اليهودِ من جهة أخرى, على التوزيع السكاني لهذه الجماعات بحيثُ كانت كلُ مجموعةٍ من هذه العشائر تسكنُ في مجمعٍ سكنيٍّ خاصٍّ بها, وكانت المجمعاتُ السكنيةُ متباعدةً بعضُها عن بعض. وكان الوضعُ الأمنيُ لهذه الجماعات مقلقاً ومهزوزاً وغيرَ مستقر. وهذا الأمرُ دفع بهذه الجماعات إلى أن تبني في مجمعاتها السكنية المنفصلة ما يُشْبِهُ الحصونَ العسكريةَ الدفاعيةَ سمّوها (الآطام)، بحيثُ يمكنُ اعتبارُ المدينةِ المنورة آنذاك مجموعةَ قُرىَ يسودُ علاقاتِها التوترُ والتربّصُ أكثرَ من اعتبارها بلداً مستقراً ذا مجتمعٍ متجانسٍ ومتعاون، وهذه مشكلةٌ كان لا بدّ لها من حل.
      هذه المشكلةُ مشكلةُ العلاقةِ فيما بينَ طوائفِ المدينة وسكانها هي مشكلةٌ مهمّةٌ وخطيرةٌ واجهتْ النبيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوقت الذي كان يسعى فيه لتنظيم المجتمع الإسلامي وبناءِ الدولة الإسلامية، فماذا فعل النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعالجة هذه المشكلة؟.
      إعداد وثيقة سياسية "الصحيفة" :
      في الواقعُ أنّ النبيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عالج هذه المشكلة بخطوةٍ بارعةٍ وسياسةٍ حكيمة, ففي السنة الأولى للهجرة وبعد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وقبل حصول معركة بدر وضع النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وثيقةً سياسيةً هامةً سمّيت "الصحيفة" وقد كتبها النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المسلمين المهاجرين والأنصار, وبينهم وبين اليهود, أي بين الطوائفِ الثلاثِ التي كانت تعيش في المدينة آنذاك, وقد تضمّنت هذه الوثيقةُ قواعدَ كليةً وأُسُساً عمليةً لتنظيم العلاقة بين المسلمين أنفسِهم أي بين المهاجرين والأنصار من جهة وبين المسلمين واليهود من جهة أُخرى, باعتبار أنّ الجميع يمثّلون مجتمعاً سياسياً واحداً متنوّعاً في انتمائِهِ الديني.
      وهذه الوثيقةُ تعدُ بمثابة دستورِ عملٍ تضمَّنَ أُسُسَ العلاقة بين طوائفِ المجتمع، وحُدِّدَتْ فيه الحقوقُ والواجباتُ لكلِ الأطراف، كما حُدِّدَتْ فيه حقوقُ وواجباتُ كلِ طرفٍ تجاه الآخر.
      وقد مثلت هذه الوثيقة عهدًا وميثاقاً قانونياً وحقوقياً يحدد العلاقة الاجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع اليثريبي وضوابطها وحدودها بتفصيل يوضح الحقوق والالتزامات المترتبة لكل عنصر من عناصر المدينة.
      كما تعتبر هذه الوثيقة أصلاً تفرعت عنه نصوص القانون الدولي في الإسلام، وتنظيم العلاقات بين مختلف الفئات باختلاف عقائدها ومواطنها.
      وهذا نصها الصريح الواضح الشامل الكامل:
      1- «بسم الله الرحمن الرحيم: هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ.
      2- إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ.
      3- الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ.
      4- وَبَنُو عَوْف عَلَى رِبْعَتِهِمْ (أي أمرهم وشأنهم الذي كانوا عليه) يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      5- وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا (العاني: الأسير) بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      6- وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      7- وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهِمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      8- وَبَنُو النّجّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      9- وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      10- وَبَنُو النّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      11- وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
      12- وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا (المفرح: المثقل بالدين والكثير العيال. قال الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ** وتحمل أخرى أفرحتك الودائع.) بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ (عقل: الدية التي تجب على عصبة القاتل، والمراد دية الخطأ).
      13- وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ.
      14- وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ (دَسِيْعَةَ ظُلْمٍ: أي دَفْعاً بِظُلْم.) أَوْ إثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ.
      15- وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ.
      16- وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ.
      17- وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ دُونَ النّاسِ.
      18- وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ.
      19- وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ.
      20- وَإِنّ كُلّ غَازِيَةٍ (غازية: أي الجماعة التي تخرج للغزو.) غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
      21- وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِيءُ (يبيء: من البواء، أي المساواة.) بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ.
      22- وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ.
      23- وَإِنّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ.
      24- وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا (اعتبط مؤمنا: أي قتله بلا جناية جناها، ولا ذنب يوجب قتله.) قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ (قود: القصاص.) بِهِ إلّا أَنْ يَرْضَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ.
      25- وَإِنّهُ لَا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا (المحدث: مرتكب الحدث، الجنابة أو الذنب) وَلَا يُؤْوِيهِ وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. و َلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.
      26- وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
      27- وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ.
      28- وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ (أوتغه: أهلكه، ووتغ وتغاً: هلك.) إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
      29- وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار ِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف.
      30- وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.
      31- وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.
      32- وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.
      33- وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف.
      34- وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
      35- وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.
      36- وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ.
      37- وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.
      38- وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ.
      39- وَإِنّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
      40- وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا.
      41- وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ.
      42- وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ.
      43- وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ.
      44- وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ (حرام: أي حرم.) جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.
      45- وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ.
      46- وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا.
      47- وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ.
      48- وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا.
      49- وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ.
      50- عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُم.
      51- وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ. مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.
      52- وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلّا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ.
      53- وَإِنّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِم
      54- وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ وَإِنّ اللّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى، وَمُحَمّدٌ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (سيرة ابن هشام، 2/368-370).

      تعليق


      • #4
        شملت هذه الوثيقة النبوية جملةً من البنود القانونية والحقوقية:
        1 - ففيها الدستور المدون، والمصاغ صياغة قانونية، والذي طبق منذ اللحظات الأولى لبناء مجتمع الإسلام بيثرب منذ 1440 عاماً. (نحن الآن في العام 1440للهجرة).
        2 - وفيها النصوص التي تبين علاقة الراعي برعيته، والقاضي وآدابه وضروراته اللازمة للوفاء بتحقيق المساواة والعدالة بين الناس بمختلف مللهم ونحلهم.
        3 - وفيها الصياغة البليغة للعلاقات الدولية بين مختلف الطبقات الاجتماعية بمختلف عقائدها وأصولها.
        4 - وفيها حق الأمة في العدل والأمن والتناصر والتعاون، والحقوق الإنسانية والاجتماعية لكل فرد من أفراد المجتمع.
        5 - وفيها مبدأ الشورى بين الحاكم والمحكومين والراعي ورعيته، وذلك من خلال هذه الوثيقة التي كانت ثمرةً لمشاورته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوجوه الرعية، الذين يسمون فيه «أهل هذه الصحيفة»، فالكتاب ينظم العلاقات بين مختلف مكونات مجتمع المدينة بكل فئاته، فرداً بفرد وجماعةً بجماعة وحاكماً بمحكومية، وهذا مما تجب فيه الشورى وفق منطوق القرآن الكريم ومفهومه ونصوص الحديث النبوي الشريف.
        6 - وفيها التكافل بين رعية الأمة وجماعتها في مختلف الميادين سواء المادية أم المعنوية (المعاهدة على نصرة المظلوم، وحماية الجار، مساعدة المدين، ورعاية الحقوق الخاصة والعامة..)، الأمر الذي يعني رفض حمية الجاهلية.
        7 - فالصحيفة أو الوثيقة تم بموجبها تنظيم العلاقات في هذا المجتمع الإسلامي الجديد سواء بين مكوناته أم بين من انضوى تحته وخاصة من كان بالمدينة من اليهود.
        8 - لقد وضعت الصحيفة المبادئ الأساسية لهذا المجتمع؛ باعتبار المسلمين أمةً واحدةً، بعضهم أولياء بعض، يتعاونون بينهم ويتحابون ويتراحمون، واضعين النُّعرات القبلية وحمية الجاهلية تحت أقدامهم، لا فرق بين أسود وأبيض ولا بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
        9 - كما بينت الصحيفة حقيقة الحرية معرضة عن التعصب... حتى ولو مع اليهود الذين أعطت لهم حقوقهم كاملةً، كحق الجوار ما التزموا ببنود الصحيفة.
        10 - كما نصت الصحيفة على أن الناس أمة واحدة، ولاحظوا استخدام لفظ «الأمة»، للمساواة بين جميع الأطراف في المواطنة، فالمؤمنون والمسلمون أمة واحدة، واليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، «وأنه من تبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة».
        11 - كما بيّنت هذه الوثيقة وطن هذه الأمة التي يشملها هذا الدستور، وأنه حرم آمن لرعية الدولة، كما قررت في نفس الوقت، أن لا حصانة لظالم أو آثم، حتى ولو كان معتصماً «بيثرب» عضوًا برعية دولتها.
        12 - كما رفضت الصحيفة الاستبداد والطغيان، وجعلت كتاب الله تعالى وسنة رسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفيصل والحاسم عند كل خلاف وتنازع بين كل فئات هذا المجتمع.
        13 - كما تضمنت الصحيفة بنودًا للدفاع عن المدينة إذا هاجم العدو فئةً من فئاتها.
        14 - ووافقت كل فئات المجتمع على نصوص هذا الدستور الجديد، بما فيهم يهود المدينة بمختلف قبائلهم.
        وبالعودة إلى تفصيلنا نجد أن أسبق النصوص والوثائق وثيقة المدينة، التي عقدها النبيّ المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع (أهل يثرب)، والتي لم تكن إلاّ دستوراً مدنياً ضامناً للحقوق والحرّيات، ومحدِّداً لسلطات الدولة، بحيث يمكن الاستناد لأصل من الأصول النظرية المدوّنة للخروج من هذه الثنائية التي يُراد للتجربة السياسية الإسلامية أن تنحشر فيها؛ إما ترك الشأن العام؛ أو تطبيق الدولة الدينية؛ لأن المهم في هذه الوثيقة أنها قد صدرت عن مقام النبوّة المعصومة التي تبلِّغ عن الله تعالى، وإن أفعال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنّة ملزمة، ومرجعٌ للتشريع.
        ثم إنها وثيقة مكتوبة في عام 622م، أو السنة الأولى للهجرة.
        وإنها ناتج مباحثات ومشاورات بين قطاعات دينية واجتماعية مختلفة، تشكل المكونات الاجتماعية في يثرب.ثم إنها وضعت للتطبيق العملي في بواكير تأسيس دولة جديدة، يتنوّع شعبها تنوعاً في الأديان والأعراق، فأقيمت على دستور مكتوب، وهو «الصحيفة»، التي لها ذاتية مستقلة تميِّزها عن غيرها من الدساتير والوثائق الدولية والمجتمعية.والأكثر أهمية في ذلك أن البنية الاجتماعية العربية آنذاك كانت تعتبر هذا التنوع شيئاً غريباً وغير مألوف اجتماعياً في حياة العرب وتقاليدهم؛ لأن الأساس السائد في التجمعات البشرية كانت رابطة الدم والقرابة، بينما كان مجتمع المدينة المنورة إبّان تأسيس الدولة مكوّناً من أديان وقوميات، فكانت رابطة المواطنة.وكذلك فإن الافتراض بأن دولة يترأسها نبيٌّ مرسَل له دينٌ يعدّ خاتم الأديان، وناسخاً لكلّ الشرائع السماوية، كان يفترض أن تكون الرابطة الاجتماعية فقط هي الرابطة الدينية،إلاّ أنّ كلّ هذا لم يحصل، إنما الذي حصل هو مشروعية التنوُّع والتعدُّد، ونمط المشاركة الدستورية، وكانت الرابطة هي رابطة المواطنة،وعليه فإن المنهج الذي نتعامل على وفْقَهِ في هذا البحث لا يغفل عن الملحظ الزمني التاريخي الموجود في ذات النصّ، فأيّ رواية أو نصّ صادر من المعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يمكن أن ينفصل عن عصره، لكنه لما كان جزءاً من دين، أو جزءاً من خطاب ربّاني للإنسان، فلا بُدَّ أن تكون له ديمومة داخل جيولوجيا النصّ، يمكن تحويلها مجرَّدة عن ارتباطها بأزمان الصدور إلى موجهات فلسفية وفكرية وقانونية لعصور تالية، وإنْ اختلفت في التركيب والتشكُّل.

        تعليق


        • #5
          المطلب الأول
          مصادر التشريع الإسلامي
          مفاهيم يجب أن تصحح


          غياب المصطلحات
          إن غياب المصطلحات المتخصصة وعدم إدراك مدلولاتها يوقع الكل في أخطاء جسيمة لا يُحمد عقباها..
          خذ على سبيل المثال مصطلح: (نظام الحكم في الإسلام) و (مبادئ نظام الحكم في الإسلام). والخلط بينهما.. ثم مصطلح (مقاصد الشريعة الإسلامية).
          إن معرفة دلالة كل لفظ له أهميته من حيث النتائج والآثار المترتبة عليها..
          فالإسلام في نظام الحكم مثلاً لم يأت بنظام معين أو بصورة معينة أو قالب معين مفروض على الأمة وقال هذا هو نظام الحكم في الإسلام فطبِقوه. أبداً.. لم يحدث هذا.. فالحكم الملكي صورة من صور الحكم، والحكم السلطاني صورة من صور الحكم، والحكم الجمهوري صورة من صور الحكم، والخلافة صورة من صور الحكم. كل هذه صور من صور الحكم تخضع لدستور الدولة والذي يحكمه مجموعة من مبادئ نظام الحكم..
          فالإسلام في نظام الحكم إنما جاء بمجموعة من المبادئ والنظريات تصلح للتطبيق في كل مكان وفي كل زمان، على أن تترك صور الحكم تبعاً لكل بلد طالما التزم النظام بمبادئ الحكم في الإسلام..
          يراجع بالتفصيل كتاب " مبادئ نظام الحكم في الإسلام" للدكتور عبد الحميد متولي.. ومن الضروري جداً قراءة المقدمة والتي لأهميتها قام بطبعها منفصلة عن الكتاب..
          هذا عن مصطلح (نظام الحكم في الإسلام) والخلط بينه وبين (مبادئ نظام الحكم في الإسلام).
          أما الحديث عن مقاصد الشريعة الإسلامية والمحددة في المادية الثانية من الدستور الرسمي للدولة فالأمر فيها مختلف تماماً، ولا شك أن دستور الدولة يعكس فلسفتها السياسية والاجتماعية أيا كانت تلك الفلسفة ومن ثم فانه على ذلك يعتبر الأساس الشرعي لكل الأنظمة القانونية في الدولة.
          ومن ثم يجب على دعاة الفكر أن يفهموا المصطلح الفقهي لمفهوم: مقاصد الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان. وهو موضوع المبحث التالي..

          تعليق


          • #6
            الفرع الأول
            مقاصد الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان

            يرتبط إحقاق حقوق الإنسان بالإصلاح الاجتماعي، فلا إحقاق للحقوق في ظِلِّ الفساد والإفساد القائم على الجور والظلم، ولذلك فإن الشريعة الإسلامية الغراء قد أقرَّت المقاصد الشرعية الإسلامية لتحقيق الإصلاح الاجتماعي القائم على إنصاف الإنسان وإعطائه كامل حقوقه في ظلِّ العدل والمساواة، وبناءً على ذلك تتطابق نتائج حِكْمَةِ الْحُكم وعلته، ويتجلى ذلك في المقصد الذي ترمي إليه الأحكام من خلال درء المفاسد، وجلب المصالح للمخلوقات.
            وإن استقراء المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية يوضح أن الشريعة قد جاءت من أجل حماية الكون، وفي مقدمته إنصاف الإنسان، وتحريره من الظلم، وفرضت أحكام الحلال والحرام، وأباحت الرخص بشروطها المعقولة في حالات استثنائية من أجل حفظ المهجة، ورعاية المصالح العامة والخاصة، واعتماد تقعيد العموم والخصوص، وإقرار فقه الحقوق الإنسانية العامة والخاصة عملا بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
            ومَن يستقرئ أصول الأحكام الشرعية وفروعها يجد توافقاً عقلياًّ وشرعياًّ على ضرورة توفر الشروط الخاصة بكل حُكم، والشرطُ العامّ هو توفر الأهلية باعتبارها مناط التكليف الشرعي القائم على الأمرِ بطاعةٍ، والنهي عن معصيةٍ، واشتراطُ الأهلية لوجوب التكليف هو الضمان الأساسي لحقوق الإنسان لأن انعدام الأهلية يُسقط التكليف لعدم وجود الاستطاعة.
            وبمعنى آخر : إن طاعة الحاكم الشرعي، أو غير الشرعي لا تقتضي ظلم الرعية لأن ظلمها يتعارض مع مقاصد الشريعة الشرعية، ومع شرعة حقوق الإنسان الوضعية، والفارق كبير بين طاعة الخالق، وطاعة المخلوق، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب طاعة المخلوق من أجل طاعة الخالق، وبناء على ذلك يتضح الواجب الشرعي القاضي بالإنصاف، والناهي عن الظلم، وميزان تقييم تأدية الواجب هو مدى التزام الحكام عامةً وخاصّةً بتطبيقِ العدل المأمور به شرعاً وعقلاً ونقلاً، وتَجَنُّبِ الْجَور المنهي عنه شرعاً وأخلاقياًّ وإنسانياًّ وفلسفياًّ.
            إن رصد وقائع الأحداث في عالمنا المعاصر يوضِحُ وجود حراك وجدال ومناظرات في الميادين الفكرية والتشريعية والسياسية والفلسفية، وكل فريق يدعي أنه يمتلك الحل السحري للمعضلات البشرية، ويضمن حقوق الإنسان من العدوان، ويتمسك بالديمقراطية التي تخدمه، ولو ألغت الفريق المعارض له، وفي خضم الجدال نجد بعض المجادلين الناقمين على الإسلام يعادون أفكار الآخرين بسبب التعصب الذاتي، وبسبب جهلهم ما عند الآخر، والإنسان عدو ما يجهل بالغريزة، ومن هنا نجد من يعادي الشريعة الإسلامية ويعتبرها خطراً على حقوق الإنسان لأنه يجهل أحكام الشريعة وأسبابها وشروطها وعللها.
            وهنالك مَن يدعي مسّ الشريعة الإسلامية بحقوق الإنسان، وسبب الادعاءات هو أن ذلك الْمُدّعي لم يقرأ التراث الشرعي الإسلامي، ويهاجم بدوافع الحقد والكراهية، والأحكام المسبقة دون اعتبار للأدلة الواضحة للمنصفين، ولكن المنصف الذي درس التراث، واعتنى بتأصيل العلوم، ومعرفة سياقها التاريخي بشكل دقيق يعلم عدالتها، ويتأكد من شرعيتها بإسنادها إلى المصدر الأول في عهد النبوة، إذ أن العمل بما هو شرعي يقتضي النصَّ قولاً أو عملاً أو إقراراً، ولدى استقراء ما وصلنا من عهد النبوة والخلافة الراشدة، ثم الخلافة الأموية فالعباسية فالعثمانية نجد تسلسل انتقال العلوم من التأصيل إلى التفريع، ومن الإجمال إلى التفصيل، وفي استقراء وقائع الأحداث في جميع المراحل التاريخية منذ فجر الإسلام حتى الآن نجد أن حفظ حقوق الإنسان منوط بالتمسك بمقاصد الشريعة التي يُعبَّرُ عنها بالمصالح، وقد وصلتنا نصوص مخطوطة لعلماء أجلاء تدعم الروايات الشفوية المتواترة بالسماع الصحيح الذي أخذه الخلف عن السلف.
            ومن العلماء المؤلفين الذين تركوا لنا نصوصا مضيئة حول المصالح الإنسانية الإمام العزّ بن عبد السلام المتوفى عام 660 ﻫ / 1262م، وضمّنها كتابه ‏(‏قواعد الأحكام في مصالح الأنام) وبيَّن كيفية "جَلْبِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا"، وقال: "لِلدارَيْنِ مَصَالِحُ إذَا فَاتَتْ فَسَدَ أَمْرُهُمَا، وَمَفَاسِدُ إذَا تَحَقَّقَتْ هَلَكَ أَهْلُهُمَا" وفي هذا الكلام إشارة إلى حفظ حقوق الإنسان في الدنيا والآخرة.
            ومن كتب التراث الإسلامي الرائدة في إيضاح حقوق الإنسان كتاب الموافقات الذي ألفه الإمام الشاطبي المالكي، وضمَّنه مقاصد الشريعة الإسلامية التي تضمن حقوق الإنسان، وكانت وفاة الشاطبي سنة 790 ﻫ / 1388م في عهد السلطان العثماني مراد الأول الذي استشهد بعد الانتصار في معركة كوسوفو، ومصطلح المقاصد عند الأصوليين مُواز لمصطلح المصالح، وما فيه مقصد للشريعة فيه مصلحة للبشر، ومجيء المصالح بمعنى المقاصد وارد عند الإمام الزركشي الشافعي( 745 - 794 ﻫ / 1344 - 1392م) حيث يستخدم مصطلح المصالح بدل مصطلح المقاصد، وهذا واضح في كتاب البحر المحيط في أصول الفقه حيث يقول:
            "قَالَ أَصْحَابُنَا: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَحْكَامَ كُلَّهَا شَرْعِيَّةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ, إجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ, إمَّا عَلَى جِهَةِ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ عَلَى أَصْلِنَا, أَوْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ, فَنَحْنُ نَقُولُ: هِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ, وَلا لأَنَّ خُلُوَّ الأَحْكَامِ مِنْ الْمَصَالِحِ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ, وَإِنَّمَا نَقُولُ: رِعَايَةُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَمْرٌ وَاقِعٌ فِي الشَّرْعِ, وَكَانَ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ لا يَقَعَ كَسَائِرِ الأُمُورِ الْعَادِيَّةِ".
            ويستخدم الزركشي مصطلح الاستصلاح في قوله: "وَلَكِنَّ الَّذِي عَرَفْنَاهُ مِنْ الشَّرَائِعِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى الاسْتِصْلَاحِ , ودَلَّتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى مُلاءَمَةِ الشَّرْعِ لِلْعِبَادَاتِ الْجِبِلِيَّةِ، وَالسِّيَاسَاتِ الْفَاضِلَةِ، وَأَنَّهَا لا تَنْفَكُّ عَنْ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ"، وتتعدد المصطلحات المرتبة بالمقاصد والمصالح عند الأصوليين المسلمين، وهذا واضح عند الزركشي في معرض البحث في موضوع "[ الْمَسْلَكُ ] الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ [الْمُنَاسَبَةُ]" حيث يقول الزركشي:
            "وَهِيَ مِنْ الطُّرُقِ الْمَعْقُولَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِـ " الإِخَالَةِ " وَبِـ " الْمَصْلَحَةِ " وَبِـ " الاسْتِدْلالِ " وَبِـ " رِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ ".
            وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا " تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ " لأَنَّهُ إبْدَاءُ مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ، وَغَمْرَتُهُ، وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ.
            وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ، أَيْ: الْمُنَاسَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُلاءَمَةُ" وفي هذا الكلام إيضاح عدد من المرادفات التي استعملها العلماء للتعبير عن مراعاة المقاصد الشرعية ورعاية المصالح الإنسانية، وهذا دليل على قِدَم الاهتمام بالمقاصد والمصالح رغم تنوع المصطلحات المعبرة عنها عبر القرون التي سبقت القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ومازالت معتبرة حتى العصر الحاضر.

            تعليق


            • #7
              لاشك أن العلوم قد تطورت، وتفرعت عن الأصول فروع كثيرة، ولم تتخلف الشريعة الإسلامية عن مواكبة العصر حسبما يراه بعض المتخلفين الذين لم يفهموا الشريعة، فللشريعة مقاصد حيوية مناسبة لكل عصر، والمقاصد تتعلق بالفرد وبالمجتمع، وهي بذلك تحفظ حقوق الإنسان الفرد الضرورية المتمثلة بحفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، كما تحفظ الشريعة الإسلامية حقوق الجماعة الإنسانية التي تبدأ بالأسرة، وتتسع لتشمل الإنسانية عامة، وتبدأ بحفظ الحقوق الإنسانية ابتداءً بالعلاقات الأُسَريّة التي تشمل حفظ النوع البشري بتنظيم العلاقة بين الجنسين، وحفظ النسب، وتحقيق السكن والمودة والرحمة جراء التعاون علمياًّ وعملياًّ في كافة المناشط الإنسانية العاطفية والدينية والاقتصادية، وبالإضافة للعلاقات الأسرية أوجبت الشريعة في حلقة أوسع حقوق الأُمّة، وفرضت قيام مؤسسات الدولة لإقامة العدل بين الناس، ولحفظ الأمن والأمان، ورعاية مكارم الأخلاق، وإقرار التكافل الاجتماعي، ونشر العلوم، ومكافحة الجهل، والمحافظة على المال الخاص والعام، والتعاون مع الأمم الأخرى لتحقيق إعمار الأرض المأمور به شرعاً، ومكافحة التدمير والتخريب المنهي عنه شرعا، والأدلة الشرعية على ذلك ثابتة بنصوص القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية المطهرة، وأدلة إجماع السلف الصالح، وما يتضمنه التراث الشرعي الإسلامي من المنقول والمعقول.
              ولا تقتصر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية على الضروريات، بل تتجاوزها إلى الحاجيات والتحسينيات والتكميليات.
              فأما الحاجيّات فهي ما يُفْتَقَرُ إليه من حيث التَّوْسِعة على الناس، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، وتشمل ما يتعلق بالحاجات العامة، ولا يصل إلى مرتبة الضروريات.
              وأما التحسينات فتشمل مكارم الأخلاق، ومُستحسَن العادات والتقاليد، وتستبعد ما يؤذي الذوق العام مما يأنفه العاقلون، واستقراء ما تضمنته الشريعة الإسلامية من مقاصد الشريعة وما انطوت عليه من الضروريات والحاجيات والتحسينيات والتكميليات يُوضح لنا أن الشريعة الإسلامية قد ضمنت حقوق الإنسان كأفضل ما يكون، وأن دعاوى النقاد المعادين ما هي إلا غمامة صيف لا مطر فيها ولا خير للإنسانية، بل هي دعاوى شاذة تقوم على الجهل والتجني.
              وتضمنت الشريعة الإسلامية آلية لحفظ الحقوق الإنسانية، وذلك بفرض العقوبات على المخالفين لتردعهم عن إلحاق الأذى بغيرهم، وتناسبت الحدود الشرعية مع نوعية المخالفة وما تنتجه من ضرر خاص أو عام، فهنالك حَدُّ الردة لحفظ الدين، وحَدُّ القتل العمد العدوان قصاصاً لحفظ النفس، وحَدُّ الزنا لحفظ النسب أو النسل، وحَدُّ شرب الخمر لحفظ نعمة العقل، وحَدُّ قطع السارق لحفظ المال، وحَدُّ القذف لحفظ العِرْض والسُّمعة من افتراء المفترين، وتطبيق هذه الحدود هو من أجل ردع من تسول له نفسه تدمير القيم الإنسانية، وليست من أجل التنكيل بالمجرم.
              إن المنقول والمعقول الشرعي الإسلامي قد نصَّ على حفظ حقوق الإنسان في الحياة، والدليل قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} المائدة32
              وحق الإنسان في الحرية التي أشار إليها الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوله لابن الأكرمين: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" وحق المساواة بين الناس والحكم بالعدل، والدليل قوله تعالى:
              {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} سورة النساء، الآية:58.
              وحق الدفاع عن النفس والعرض والمال، وذلك بالرد على المعتدي، والدليل قوله تعالى:
              {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} سورة البقرة، الآية: 194.
              وهنالك حقوق كثيرة ضمنها الشريعة لكي يحيا الإنسان حياة حرة كريمة دون أن يؤذى، أو يُلحق الأذى بالآخرين عملا بالقاعدة الشرعية التي تقول: "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة" ويكون ذلك بالحكمة، وليس اعتباطاً.
              لقد أوضح الإمام ابن تيمية الطريقة القويمة والمنهاج الواضح في كيفية التعامل مع كافة القضايا حيث يقول: "والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، فيُفَرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدِّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويَدْفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويَجْتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يَعْرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين: لم يَعْرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يَعْرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومَن عبدَ الله بغير علم كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح" ومن هنا وجب على مَن يتصدى للحديث في شؤون الأمة بشكل عامّ ، وحقوق الإنسان بشكل خاص أن يعلم مضمون الشريعة، وكيفية تعاملها في الحقوق والواجبات كي يستطيع أن يكون مُنصفا، وليس مُتجنياًّ كما هو حال الكثيرين الذين يتشدقون بحقوق الإنسان، ويدعون أن الشريعة الإسلامية هي السبب، والراجح أن الذي يدفعهم إلى اتخاذ تلك المواقف هو سبب واحد من اثنين لا ثالث لهما: إما الحقد على الإسلام والمسلمين، وإما الجهل المطلق بمضمون الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان.






              تعليق


              • #8
                المطلب الثاني
                المبادئ والنظريات

                سبق وأن قلت إن الخلط عند الكل يظهر نتيجة للخلل والخلط بين المصطلحات فهناك فارق كبير بين (نظام الحكم في الإسلام) و(مبادئ نظام الحكم في الإسلام)..
                فالإسلام في نظام الحكم لم يأت بنظام معين أو بصورة معينة أو قالب معين مفروض على الأمة وقال هذا هو نظام الحكم في الإسلام فطبِقوه. أبداً.. لم يحدث هذا.. فالحكم الملكي صورة من صور الحكم، والحكم السلطاني صورة من صور الحكم، والحكم الجمهوري صورة من صور الحكم، والخلافة صورة من صور الحكم. كل هذه صور من صور الحكم تخضع لدستور الدولة والذي يحكمه مجموعة من مبادئ نظام الحكم..
                فالإسلام في نظام الحكم إنما جاء بمجموعة من المبادئ والنظريات تصلح للتطبيق في كل مكان وفي كل زمان، على أن تترك صور الحكم تبعاً لكل بلد طالما التزم النظام بمبادئ الحكم في الإسلام..
                وسوف نعرض الآن طائفة من النظريات والمبادئ الشرعية التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا أخيراً، أو لم تعرفها بعدُ، تتوفر فيها جميعاً كل المميزات التي تسمو بها الشريعة الإسلامية على باقي القوانين الوضعية، والتي تنحصر في خمسة مبادئ نعرض لها على الترتيب التالي:

                أولاً: مبدأ المساواة
                ثانياً: مبدأ الحرية
                ثالثاً: مبدأ الشورى
                رابعاً: العدل
                خامساً: مبدأ السيادة العليا Sovereignty ونظرية تقييد سلطة الحاكم
                والحديث على فروع كالتالي:

                تعليق


                • #9
                  الفرع الأول
                  من مبادئ نظام الحكم في الإسلام
                  مبدأ المساواة
                  أ ـ جاءت الشريعة الإسلامية من وقت نزولها بنصوص صريحة تقرر نظرية المساواة وتفرضها فرضاً، فالقرآن الكريم يقرر المساواة ويفرضها على الماس جميعاً في قوله تعالى:
                  [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)] الحجرات: 13.
                  والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرر هذا المعنى في قوله:" الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". ثم يؤكد هذا المعنى تأكيداً في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم لأن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمكم عند الله أتقاكم".
                  ويلاحظ على هذه النصوص أنه فرضت المساواة بصفة مطلقة، فلا قيود ولا استثناءات، وأنها المساواة على الناس كافة أي على العالم بصفة مطلقة، فلا فضل لفرد على فرد، ولا لجماعة على جماعة، ولا لجنس على جنس، ولا للون على لون، ولا لسيد على مسود، ولا لحاكم على محكوم..
                  وهذا هو نص القرآن الكريم يذكر الناس أنهم خلقوا من أصل واحد من ذكر وأنثى ولا تفاضل إذا استوت الأصول وإنما مساواة، وهذا هو قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يذكر الناس أنهم جميعاً ينتمون لرجل واحد خلق من تراب فهم متساوون ويشبههم في تساويهم بأسنان المشط الواحد، ولم يعرف أن سنًّا من مشط فضلت على سنة أخرى..
                  وقد نزلت نظرية المساواة على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يعيش في قوم أساس حياتهم وقوامها التفاضل فه يتفاضلون بالمال والجاه، والشرف واللون، ويفاخرون بالآباء والأمهات، والقبائل والأجناس، فلم تكن الحياة الاجتماعية وحاجة الجماعة هي الدافعة لتقرير نظرية المساواة، وإنما كان الدافع لتقريرها من وجه آخر ضرورة تكميل الشريعة بما تقتضيه الشريعة الكاملة الدائمة من مبادئ ونظريات..
                  ولا جدال في أن عبارة النصوص جاءت عامة مرنة إلى آخر درجات العموم والمرونة، فلا يمكن مهما تغيرت ظروف الزمان والمكان والأشخاص أن تضيق عبارة النصوص بما يستجد من الظروف والتطورات، والعلة في وضع نصوص الشريعة على هذا الشكل أن الشريعة لا تقبل التعديل والتبديل فوجب أن تكون نصوصها بحيث لا تحتاج إلى تعديل أو تبديل.
                  وإذا كانت نظرية المساواة قد عرفت في الشريعة الإسلامية من خمسة عشر قرناً فإن القوانين الوضعية لم تعرفها إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
                  إذن فقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير المساواة بثلاثة عشر قرناَ، ولم تأت القوانين الوضعية بجديد حين قررت المساواة، وإنما سارت في أثر الشريعة واهتدت بهداها، وسيرى القارئ فيما بعد أن القوانين الوضعية تطبق نظرية المساواة تطبيقاً محدوداً بالنسبة للشريعة الإسلامية التي توسعت في تطبيق النظرية إلى أقصى حد.
                  أما مصطلح المساواة (Equality) في الفكر العلماني، فيشير إلى حالة التماثل بين الأفراد في المجتمع.
                  والمساواة بالمفهوم البرجوازي تعني المساواة بين المواطنين أمام القانون، بينما يبقى الاستغلال والتفاوت بين أفراد الشعب دون مساس.
                  أما الماركسية فترى أن المساواة الاقتصادية والثقافية مستحيلة بدون الغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتصفية الطبقات المستغِلة.
                  ويشيع أيضاً مصطلح (التفاوت)، أو عدم المساواة (Inequality)، الذي يعني التفرقة بين الأفراد على أساس العنصر، أو الجنس، أو اللغة، أو الرأي السياسي، أو أسس التمييز الأخرى في التعليم والعمل وأمام القانون، وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
                  وينظر إلى التفاوت الاجتماعي على أنه نتيجة للفروق بين الخصائص الشخصية للأسر (كالقوة والذكاء والحافز)، ولإنتاجية أعضاء الأسرة، كما يظهر التفاوت بسبب وراثة الثروة Wealth والقوة (النفوذ) Power والهيبة Prestige داخل الأسرة، وبسبب أن الجماعات المسيطرة في كل المجتمعات الطبقية تكوّن أفكاراً ومعتقدات تبرر لها الأوضاع الاقتصادية والسياسية القائمة.
                  هذه هي نظرية المساواة كما تطلع علينا بها القوانين الوضعية الحديثة لا تزال مهيضة الجناح، مقصوفة الأطراف، لم تسمو بين الرؤساء والمرؤوسين، والحاكمين والمحكومين، لم تسو بين الأفراد، ولا بين الجماعات، ولا بين الغني والفقير.
                  وقد يدهش بعض الذين لا يعلمون أن نظرية المساواة التي لم يتم نضجها وتكوينها في القانون الوضعي الحديث قد نضجت تمام النضج، وتكونت تمام التكوين ووصلت إلى أقصى مداها في الشريعة الإسلامية ولا تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بهذا فقط، بل تتميز عليها أيضاً بأنها عرفت نظرية المساواة على هذا الوجه منذ خمسة عشر قرناً، بينما لم تبدأ القوانين الوضعية بمعرفتها إلا في آخر القرن الثامن عشر.

                  تعليق


                  • #10
                    ب ـ المساواة بين رؤساء الدول والرعايا: ونطبق الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة إلى أوسع مدى يتصوره العقل البشري، ولهذا لا تفرق نصوصها بين الرؤساء والمرؤوسين، ولا بين الملوك والسوقة، ولا بين ممثلي الدول السياسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده ولا بين الغني ولا الفقير، وسنبين فيما يلي حكم هذه الحالات التي جعلناها أمثلة على انعدام المساواة في القوانين..
                    تسوي الشريعة بين رؤساء الدول والرعايا في سريان القانون، ومسئولية الجميع عن جرائمهم، ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول في الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يمتازون على غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد.
                    ولقد كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازاً، وكان يقول دائماً:[إنما أنا بشر يوحى إلى] ، [وهل كنت إلا بشراً رسولا].
                    وكان قدوة لخلفائه وللمسلمين في توكيد معاني المساواة بين الرؤساء والمرؤوسين..
                    دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد) وتقاضاه غريم له دينا فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال له الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر).
                    وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن عباس وعلى حتى جلس على المنبر، ثم قال:
                    ( أيها الناس من كنت جلت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فليأخذ منه ،ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس) ..ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى..ـ تاريخ ابن الأثير ج2 ص 154ـ.
                    وجاء خلفاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعده رضي الله تعالى عنهم فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة، فتكون أول كلمة يقولها توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز..
                    قال: أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، أن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.. ثم يعلن في آخر كلمته أن من حق الشعب الذي اختاره أن يعزاه.. فيقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم..ـ تاريخ ابن الأثير ج2 ص 160ـ.
                    وهذا عمر بن الخطاب يولي الخلافة فيكون أكثر تمسكاً بهذه المعاني، حتى إنه ليرى قتل الخليفة الظالم.. خطب يوما فقال: لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت وإن تعوج عزلوه، فقال: لا، القتل أنكل لمن بعده. ـ تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 30ـ.
                    وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وال رعيته إلا أقاد من الوالي للمظلوم، وأعلن على رءوس الأشهاد مبدأه هذا في موسم الحج، حيث طلب من ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس فقال: أيها الناس، أني ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم، وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلىّ فوالدي نفس عمر بيده لأقصنه منه..
                    فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟.
                    فقال: أي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه! وقد رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقص من نفسه. ـ تاريخ ابن الأثير ج3 ص 208 وكتاب الخراج لأبي يوسف ص 66ـ. ويقص علينا التاريخ أن المأمون وهو خليفة المسلمين اختصم مع رجل بين يدي يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طنفسة لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة على أحد أفراد رعيته، وقال: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فاستحيا المأمون، ودعا للرجل بطنفسة أخرى.
                    وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا يشترطون في الإمام أي رئيس الدولة الإسلامية شروطاً لا تتوفر في كل شخص، إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شيء، وهذا متفق عليه فيما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك الذين يخضعون للخليفة أو يستمدون سلطتهم منه.

                    تعليق


                    • #11
                      ج ـ رؤساء الدول الأجنبية: وإذا كانت الشريعة لا تميز رئيس الدولة الإسلامية الأعلى فهي من باب أولى لا تميز رئيس دولة أجنبية، وإذن فالشريعة تسري على رؤساء الدول الأجنبية، وعلى رجال حاشيتهم، فإذا ارتكبوا أية جريمة عوقبوا عليها.

                      د ـ رجال السلك السياسي:
                      تسري الشريعة على رجال السلك السياسي فيما يرتكبون من جرائم، سواء تعلقت الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد، وليس في قواعد الشريعة ما يسمح بإعفائهم من تطبيق الشريعة عليهم وليس في أخذ رجال السلك السياسي بجرائمهم ما يعيب الشريعة، مادامت الشريعة تسوي بينهم وبين غيرهم من رعايا الدولة، وتجعل حكمهم حكم رئيس الدولة، ولكن العيب في التفرقة التي تأخذ بها القوانين الوضعية بحجة حمايتهم، وتمكينهم من أداء وظائفهم، لأن الممثل السياسي الذي يرتكب الجرائم لا يستحق الحماية، ولا يصلح لأداء وظيفته.

                      ھ ـ أعضاء الهيئة التشريعية:
                      لا تسمح قواعد الشريعة بإعفاء أعضاء البرلمان من العقاب على الجرائم القولية التي يرتكبونها في دار البرلمان، لأن الشريعة تأبى أن تميز فرداً على فرد، أو جماعة على جماعة، ولأنها تأبى أن تسمح لفرد أو هيئة بارتكاب الجرائم مهما كانت وظيفة الفرد أو صفة الجماعة، وعليه فلا مجال للحصانة البرلمانية هنا فالكل سواسية أمام القانون..

                      و ـ المسلمون وغيرهم من أرباب الديانات الأخرى:
                      وتسوي الشريعة الإسلامية بين المسلمين وغيرهم في تطبيق نصوص الشريعة في كل ما كانوا فيه متساوين، أما ما يختلفون فيه فلا تسوي بينهم فيه، لأن المساواة في هذه الحالة تؤدي إلي ظلم غير المسلمين والذين لا يختلفون عن المسلمين إلا فيما يتعلق بالعقيدة، ولذلك كان كل ما يتصل بالعقيدة لا مساواة فيه، والواقع أنه إذا كانت المساواة بين المتساوين عدل خالص فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح، ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة، بل هو تأكيد للمساواة، إذ المساواة لم يقصد بها إلا تحقيق العدالة، ولا يمكن أن تتحقق العدالة إذا سوي بين المسلمين وغيرهم فيما يتصل بالعقيدة الدينية، لأن معنى ذلك هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم، وحمل غيرهم على ما يختلف مع عقيدتهم، ومعناه أيضاً عدم التعرض للمسلمين فيما يعتقدون، والتعرض لغير المسلمين فيما يعتقدون وإكراههم على غير ما يدينون،ـ ومعناه أخيراً الخروج على نص القرآن الصريح :[ لا إكراه في الدين] البقرة : 256.
                      والجرائم التي تفرق فيها الشريعة بين المسلمين وغيرهم هي الجرائم القائمة على أساس ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فالشريعة الإسلامية تحرم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ومن العدل أن يطبق هذا التحريم على المسلم الذي يعتقد طبقاً لدينه بحرمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ولكن من الظلم أن يطبق هذا التحريم على غير المسلم الذي يعتقد بأن شرب الخمر غير محرم وأن أكل لحم الخنزير لا حرمة فيه. ولكن يعاقب غير المسلمين على الجرائم القائمة على أساس ديني إذا كان إتيانها محرماً في عقيدتهم، أو يعتبرونها رذيلة، أو كان إتيان الفعل مفسداً للأخلاق العامة، أو ماساً بشعور الآخرين، فمثلاً شرب الخمر ليس محرماً عند غير المسلمين ولكن السكر محرماً عندهم، أو هو رذيلة، فضلاً عن أنه مفسد للأخلاق العامة، ومن ثم شرب كان غير المسلمين معاقبين على السكر دون الشرب، فمن شرب حتى سكر عوقب، ومن شرب ولم يسكر فلا عقوبة عليه.
                      ويترتب على التفرقة في تطبيق نصوص الشريعة بين المسلمين وغيرهم أن تكون الجرائم في الشريعة قسمين:
                      قسم عام يعاقب على إتيانه كل المقيمين داخل الدولة..
                      وقسم خاص يعاقب على إتيانه المسلمون دون غيرهم، ولا يمكن أن يقع إلا منهم، وأساس هذا القسم هو الدين.
                      والخلط بين القسمين هو الذي جعل المنظمات العلمانية تقع في خطأ فاحش حينما أرادوا أن يحققوا المساواة ويطبقوا مبدأ حرية الاعتقاد، فلم يروا وسيلة لتطبيق هذين المبدأين معاً إلا أن يجردوا القانون من كل ما يمس العقائد والأخلاق والأديان فأدى بهم هذا التطبيق السيئ إلى هذه النتائج المحزنة، ولو أنهم أخذوا بطريقة الشريعة الإسلامية لضمنوا ما شاءوا من مبادئ ولمنعوا من وقوع هذه المساوئ.
                      ولعل عذر المشرعين الوضعيين فيما حدث أن القوانين الوضعية كانت إلى ما قبل الثورة الفرنسية تقوم على أساس ديني يراعى فيه مذهب الحاكم واعتقاده، لا مذهب المحكومين جميعاً وعقائدهم.
                      ومن هنا نشأت نظرية المواطنة.

                      تعليق


                      • #12
                        ز ـ نظرية المواطنة:
                        فالمواطنة ‹‹ كلمة مستحدثة في اللغة العربية اختارها المعربون للتعبير عن كلمة Politeia اليونانية، Citoyenneté الفرنسية، Citizenship الإنجليزية، والوطنية من المواطن والوطن، وحسب ابن منظور في لسان العربي، فالوطن يعني "المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله".
                        كما أن المواطنة مصطلح يحمل مدلولات تاريخية، تحكمت ظروف بروزه في تحديدها، فهذا المفهوم لا علاقة له بروما، ولا أثينا ولا المجتمع الإسلامي، إنه نتاج صراع بين الإمبراطورية الإيطالية، والإمبراطورية المقدسة من جهة، وإفرازات عصر النهضة في القرن الثامن عشر، نتيجة ذلك، فإن موضوع المواطنة كما تبلورت في السياق الأوروبي لا نجد له قياس في الموروث الإسلامي فالمواطنة كلمة حديثة نسبياً في التاريخ ولم تتبلور إلا مع الثورة الفرنسية (1789)، ذلك أن المواطن في أثينا وفى روما قديما هو ذلك الذي ينحدر من الصفوة (الأشراف، والنبلاء، والفرسان..) في مقابل العبيد والأقنان والأتباع والرعايا وظل الأمر كذلك رغم التعاليم الدينية مسيحية وإسلامية التحى تنادى بالمساواة بين البشر.
                        وأما مصطلح "المواطنة" بمعنى المساواة القانونية بين أبناء الوطن الواحد فلم يتبلور إلا مع مبادئ الثورة الفرنسية في إعلان 1789 الخاص بأن البشر يولدون أحراراً ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، وإعلان 1793 بشأن الحفاظ على الحقوق الطبيعية الأبدية للإنسان واعتبار المواطن تحت حماية الدولة بشكل متساو مع الجميع طبقا للقانون وفى ظل الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية انتهى تعريف المواطنة بأنها تعنى تمتع كل المواطنين بالحقوق نفسها وعليهم الوفاء بالالتزامات نفسها والخضوع للقوانين السائدة دون اعتبار للعرق أو النوع أو الدين أو الوضع الاجتماعي.
                        وعلى الدولة بمؤسساتها أن تعمل على تحقيق المساواة، وعلى المجتمع المدني أن يقدم النموذج في القدرة على تجاوز الانقسامات لتحقيق مبدأ المواطنة بإتاحة الفرصة للجميع أن يعملوا في إطاره لتحقيق المصالح العامة للوطن، وبالتالي خلق المواطن الصالح..
                        هذا المواطن الصالح يختلف مفهومه من بلد إلى أخر فقد يكون هو الجندي الشاكي للسلاح أو قد يكون غير ذلك طبقاً لمفهوم الإعداد، فالروسي الذي يقتل الشيشانيين مواطن صالح في عرف قومه! واليهودي الذي يقتل المسلمين ويغتصب أرضهم وديارهم وكرامتهم مواطن صالح في عرف قومه! والهندي الذي يقتل أهالي كشمير ويحرم عليهم أن يقرروا مصيرهم لأنفسهم مواطن صالح في عرف قومه! وما أبأسهم جميعا وما أبعدهم عن صفة الإنسانية فضلا عن صفة الإنسان الصالح!..
                        أما الإسلام فهو يسعي إلى خلق (الإنسان الصالح) بجوهره الكامن فيه.. (الإنسان الصالح) من حيث هو إنسان وليس من حيث هو (مواطن)
                        كما يتوجه الخطاب في القرآن الكريم في 56 موضع إلى (الإنسان) لا إلى قوم بعينهم من بني الإنسان:
                        1ـ {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} النساء28.
                        2ـ {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يونس12.
                        3ـ {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ} هود9.
                        4ـ {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} إبراهيم34.
                        5ـ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }الحجر26.
                        من الواضح في المضامين القرآنية اعتبار الإنسان محوراً للخلق العاقل «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (البقرة: 34) وكذلك «ولقد كرّمنا بني آدم» (الإسراء: 70) ولكن هل يعني ذلك إمكان أن ينتج النص الديني ما يساوق المفهوم الفلسفي الحديث لحقوق الإنسان؟..
                        ح ـ نظرية المساواة بين الرجل والمرأة:
                        هذه النظرية ليست إلا فرعاً من النظرية العامة للمساواة أو تطبيقاً لها، وقد فضلنا أن نجعل لها مكاناً خاصاً لأهميتها ولأنها دليل ظاهر على عدالة الشريعة وسموها وحكمتها في تقرير الحقوق وتوزيع الواجبات، وأن الشارع لا يطبق المبادئ العامة تطبيقاً آلياً، وإنما يطبقها ليحقق بها نفعاً أو يدفع بها ضراً.

                        تعليق


                        • #13
                          القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية:
                          أن المرأة تساوي الرجل في الحقوق والواجبات، فلها مثل ما له وعليها مثل ما عليه، وهي تلتزم للرجل بما يقابل التزاماته لها، فكل حق لها على الرجل يقابله واجب عليها للرجل، وكل حق للرجل عليها يقابله واجب على الرجل لها، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: [وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ] البقرة: 238.
                          ولكن الشريعة مع تقريرها المساواة بين الرجل والمرأة كقاعدة عامة ميزت الرجل على المرأة بميزة واحدة، فجعلت له على المرأة درجة في قوله تعالى: [وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ] البقرة: 228 وقد بين القرآن الكريم حدود هذه الميزة أو الدرجة التي اختص بها الرجل في قوله تعالى: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ] النساء:34 فبين ذلك أن الدرجة هي درجة الرئاسة والقوامة على شئونهما المشتركة.
                          ولا شك أن الرجل وهو المكلف طبقاً للشريعة بالإنفاق على المرأة وتربية الأولاد والمسئول الأول عن الأسرة أحق بالرئاسة والقوامة على شئون البيت، لأن مسئوليته عن هذه الشئون تقتضي أن يكون صاحب الكلمة العليا فيها.
                          فالسلطة التي أعطيت للرجل إنما أعطيت له مقابل المسئولية التي حملها ليتمكن من القيام بمسئولياته على خير وجه، وهذا تطبيق دقيق لقاعدة شرعية عامة هي القاعدة التي تقول: (السلطة بالمسئولية) تلك القاعدة التي جاءت بها الشريعة لتحكم علاقة أصحاب السلطان بغيرهم، ولتبين مدى سلطتهم ومسئوليتهم والتي قررها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها).
                          وإذا كان للرجال درجة على النساء في شئونهما المشتركة فإن الرجل لا يتميز على المرأة في شئونها الخاصة، وليس له عليها أي سلطان فهي تستطيع مثلاً أن تتملك الحقوق وتتصرف فيها دون أن يكون للرجل ولو كان زوجاً أو أباً أن يشرف عليها أو يتدخل في أعمالها.
                          هذا هو مفهوم الرجل والمرأة في نظر الشريعة الإسلامية.. وأكتفي بهذا القدر وإلا الحديث عن المرأة والرجل يطول وحتى لا نخرج عن دائرة البحث فنحن نتحدث عنهما في إطار محدد ذلك الإطار الخاص بمبدأ نظام الحكم في الإسلام، أما في الحكومات العلمانية فالتطرف في الفكر قد يكون كبيراً إذ أنهم قد ألغوا التمييز بين الرجل والمرأة وراحوا يطلقون في العنان.

                          تعليق


                          • #14
                            مصطلح الجندر GENDER.
                            "الجندر مصطلح ابتكرته وفرضته وثائق المؤتمرات الدولية والاتفاقيات الخاصة بالمرأة، ليجدوا بديلا من مصطلح الجنس - أي نوع الإنسان ذكر أو أنثى - والذي لا يقبل احتمالا ثالثاً، لتتسع الدائرة لتشمل الشواذ والجنس الثالث والأجناس الأخرى!!! فأوجدوا بهذا المصطلح فرصة لتعبير كل إنسان عن نفسه وميوله، بدون النظر إلى أصل خلقه ذكراً أو أنثى.
                            فالجندر.. دعوة خبيثة تكرس الشذوذ الجنسي بذريعة إزالة الفوارق بين الرجل والمرأة، وإنصاف جنس المرأة!! حيث تم إدراج مصطلح مساواة النوع "الجندر" لضمان حصول الشواذ على حقوق الأسوياء أو التقليديين نفسها، وهذا ما تجلى مؤخرا في قرار الأمين العام للأمم المتحدة في مارس 2004 بحصول المتزوجين الشواذ على حقوق المتزوجين "التقليديين" أنفسهم، وذلك من حيث الميراث والضرائب والتأمينات الاجتماعية !!..

                            الظهور الأول للمصطلح: ظهر المصطلح لأول مرة في وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية المنعقد في القاهرة عام 1994، ثم أثير مرة ثانية ولكن بشرط واضح في مؤتمر بكين للمرأة عام 1995، وقد شاع استخدام هذا المصطلح في المؤتمرات الدولية بغية التدرج في فرضه على الدول، ويسعى دعاة الجندر إلى تمرير هذا المصطلح في كافة مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية لجعل الشواذ مقبولين اجتماعيا ولهم شرعية قانونية!!.
                            وتعريف هذا المصطلح خالطه الغموض في وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة التابعة لها بل إن النسخة الإنجليزية لمؤتمر بكين الدولي المشهور ذكرت المصطلح 254 مرة دون أن تعرفه! وتحت ضغط الدول المحافظة تم تشكيل فرق عمل لتعريفه وخرجت لجنة التعريف بعدم تعريف المصطلح!!.
                            "الجندر" وفخ المصطلح:
                            رغم استخدامه بكثرة في الآونة الأخيرة إلا أنه ظل مفهوما غامضاً، ويتم تعريبه وترجمته إلى اللغة العربية إلى مصطلحات عدة منها: " الجنس البيولوجي، والجنس الاجتماعي، والدور الاجتماعي، والنوع الاجتماعي"، ويستخدمه بعضهم حالياً للتعبير عن عملية دراسة العلاقة المتداخلة بين المرأة والرجل في المجتمع.
                            وما زال يستخدم هذا المفهوم أداة في تقارير مؤتمرات الأمم المتحدة للمرأة ليس لتحسين دورها في التنمية ولكن أيضاً لفرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته والأدوار المترتبة عليها والاعتراف بالشذوذ الجنسي وفتح الباب إلى إدراج حقوق الشواذ من زواج المثليين وتكوين أسر ـ غير نمطية ـ كما يقولون !!. وفي ذلك المصطلح أرادونا أن نستسلم للمسمى الفاسد في مضامينه ومعانيه ودلالاته ، بل والقبول في التعامل معه لإعطاء الشواذ كل الحقوق باعتبار أن ذلك الفعل من الحرية الشخصية التي لا تمس، فالشاذ جنسياً في بريطانيا كان يعاقب بالحبس والغرامة، وبعد أن طرحت المؤتمرات الدولية ذلك المصطلح خففت العقوبة وصارت غرامة بغير حبس، وبمضي الوقت وبعد أن فرضته تلك المؤسسات ألغيت العقوبتان وأصبح الشذوذ مباحاً، وتطورت المسألة وطالب الشاذون بحقوقهن في الوظائف العامة، وأصبح التعريض بهم تمييزاً عنصرياً يحاسب عليه القانون وأصبحت دور العبادة عندهم تبارك مثل هذا الزواج وتعطيه الحقوق المتبعة في الزواج الطبيعي من ميراث وحقوق مالية والتبني … ووصل الأمر في هولندا باتهام من ينتقد الشذوذ بأنه تعدى على القيم !!، حيث رفعت أكثر من خمسين منظمة في هولندا العرائض على رجل انتقد الشذوذ علنا . بل امتد الأمر إلى أقصى درجات الضغط التي يمارسها النظام العالمي الجديد، حيث أصبح من شروط انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ـ مثلا ـ الاعتراف بالشذوذ الجنسي.

                            مصطلح "الجندر" في بطاقات الطيران:
                            في بطاقات الطيران ـ في الغرب والولايات المتحدة ـ كان يكتب مصطلحا لتحديد نوع الراكب: ذكر أو أنثى، ويصطلح عليها بكلمة الجنس، اختفى هذا المصطلح ليحل محله مصطلح جديد وهو : GENDER “ ـ جندر ـ والسر في هذا التبديل أن كلمة الجنس تعني الوضع التشريحي ـ أي الأعضاء التناسلية التي تميز الذكر من الأنثى ـ أما كلمة GENDER فلا يهمها الوضع التشريحي، بل يقصد بها ميول الشخص لعله يكون ذكرا يشعر بمشاعر الأنثى أو العكس، وعليه أن يظهره بلا حياء ولا خجل، من باب الحرية الشخصية !!.

                            الأسرة في مفهوم " الجندر":
                            كانت الأسرة في الماضي ـ في الشرق والغرب ـ تضم ثلاثة أجيال الجد والجدة، والأبناء وزوجاتهم، والأحفاد، ومن ثم انكمشت الأسرة إلى الأسرة التي تضم رجلاً وزوجته وطفليهما، وأطلق عليها مصطلح " الأسرة النووية "!! ويقصدون بذلك الأسرة الأساسية، أي نواة تكوين الأسرة.
                            أما الآن فأصبحت تظهر مسميات وأنماط لأسر مختلفة ـ غريبة الأطوار والفطرة والإنسانية ـ لتكريس المفهوم الغربي للأسرة، وأنها تتكون من شخصين يمكن أن يكونا رجلاً وامرأة أو من نوع واحد، نذكر نماذج لتكوينها:
                            - أب مع أطفاله وصديقته أو أطفالهما.
                            - أم وصديقها مع أطفالها أو أطفالهما.
                            - أم وصديقتها مع أطفالها أو أطفالهما.
                            - أب وصديقه مع أطفاله أو أطفالهما.
                            - أم وأب وصديقه وأطفالهم، وبذلك حدث تعديل طفيف إذ انضم للأسرة عشيق الأب، ووافقت الأم على ذلك.
                            - أم وأب وصديقتها وأطفالهم !!.
                            و" الأطفال غير الشرعيين “كانوا يسمون بهذا الاسم، ولكنهم أصبحوا يسمون " أطفال أم غير متزوجة "، ثم اكتسبوا أخيراً اسماً حتمياً لطيفاً هو " أطفال طبيعيون " يعني أن الحادث تم قيده ضد مجهول أو أنه ثمرة الطبيعة.
                            وأخيراً أصبحوا يسمون " أطفال الحب/ الجنس " مع أنه في واقع الأمر هؤلاء الأطفال لا علاقة لهم بالحب أو الكره، فهم نتيجة علاقات عابرة لقضاء شهوة آنية، ومهما كان المعنى المقصود فإن تلك المصطلحات تخفي الأصول، وتجعل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين ظاهرة طبيعية تماماً، والانتقال من الحرام إلى الحياد ثم إلى الحلال.
                            الفلسفة الجندرية والحرب على الرجال
                            الفلسفة الجندرية فلسفة غربية جديدة تتبناها منظمات نسويّة غربيّة استطاعت أن تخترق بعض المستويات العليا في منظمات عالميّة، مثل منظمة الأمم المتحدة، وأفلحت كذلك في عقد مؤتمرات دوليّة تخص قضايا المرأة، كان من أشهرها مؤتمر بكين عام 1995م.
                            والسياسات الجندريّة تسعى إلى الخروج على الصيغة النمطيّة للأسرة، وتريد أن تفرض ذلك على كل المجتمعات البشرية، وتسعى إلى تماثل كامل بين الذكر والأنثى، وترفض الاعتراف بوجود الفروقات، وترفض التقسيمات، حتى تلك التي يمكن أن تستند إلى أصل الخلق والفطرة. فهذه الفلسفة لا تقبل بالمساواة التي تراعي الفروقات بين الجنسين، بل تدعو إلى التماثل بينهما في كل شيء. وهذه الفلسفة لا تقوم على أسس علميّة، بل هي تصورات فلسفيّة تتناقض مع معطيات العلم الحديث، وتتناقض مع الواقع الملموس للرجل والمرأة.
                            ولا تملك هذه الفلسفة الدليل على إمكانية إلغاء الفروق بين الرجال والنساء، وليس لديها الضمانات التي تجعلنا نطمئنّ إلى أنّ تطبيق هذه الفلسفة سيأتي بنتائج إيجابيّة.
                            وهذه الحركات الأنثوية المتطرفة أعلنت بفلسفتها الحرب ضد الرجال والمطالبة بعالم بلا رجال!. رادف ذلك الهجوم بشكل مكثف على مؤسسة الأسرة باعتبارها مؤسسة قمع وقهر للمرأة، والبديل هو الارتباط الحر والحرية الجنسية، بل تجاوز الأمر إلى الدعوة إلى الشذوذ الجنسي "السحاق" باعتباره شكلا ملائما للخروج من سيطرة الرجل العدو !!.
                            ومن ضمن ما دعت إليه تلك الحركات إلغاء دور الأب في الأسرة ورفض السلطة الأبوية كما رفضت الأسرة والزواج وأباحت الإجهاض ورفضت الأمومة والإنجاب، وأباحت الشذوذ الجنسي، وبناء الأسرة الغير النمطية حيث رأت الحركة الأنثوية أن إباحة الشذوذ وسيلة لكي تتخلص المرأة من تبعيتها للرجل ومن سطوته أيضا، وتخلصها من مشكلات الإنجاب والولادة والأمومة وتثبت المرأة من خلالها أنها تستطيع أن تستقل بذاتها وتستغني عن الرجل تماما !!.

                            رأي الشرع في "الجندر"
                            جاء في الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية للدكتور علي جمعة ما يفيد أن "مساواة الجندر" والتي تعني التساوي المطلق بين الرجل والمرأة يرفضها الإسلام، والشأن بين آدم وزوجته حواء المساواة في الحقوق والواجبات، وفي الإنسانية وفي التكليف، وليس الشأن بينهما هو التساوي في الخصائص والوظائف؛ ولذا نرى الشرع الإسلامي قد نهى عن تشبه كل فريق بالآخر التشبه الذي يخل بتوازن الكون وبمراد الله من خلقه".
                            وفي بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف جاء القول: " تستخدم كلمة نوع "جندر" عشرات المرات بمعان محرفة ترمي إلى إلغاء الفوارق بين الذكور والإناث وتحويل الإنسان إلى مسخ لا هو بالذكر ولا بالأنثى وذلك مع الإيهام ببراءة القصد وسلامة الهدف ".
                            سبل المواجهة
                            لخطورة هذا المصطلح وما يتضمنه من معانٍ ودلالات ، لابد من التنبيه على خطورته وبيان مراميه ومخالفاته الشرعية، والمسؤولية الأكبر تلقى على عاتق ولاة الأمر من الحكام، وكذلك العلماء والدعاة وطلاب العلم والمثقفين والإعلاميين والمؤسسات التربوية والمراكز النسائية؛ لتوعية عامة المسلمين بأهداف الحركات الأنثوية الجديدة ومخططاتها ومن يقف وراءها من خلال وسائل الإعلام المختلفة والندوات والمحاضرات، وإصدار الفتاوى والبيانات التي تستنكر هذه المؤتمرات الدولية ونشرها إعلاميا، وإقامة أسابيع ثقافية في المدارس والجامعات لبيان مخالفة مثل تلك المصطلحات لمقاصد الشريعة. ولا مناص من النصح والتوجيه للحكومات الإسلامية ومراكز القرار حتى لا توقع على أية اتفاقيات متضمنة تلك المعاني المخالفة لشريعتنا الغراء.

                            تعليق


                            • #15
                              الفرع الثاني
                              من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة

                              مبدأ الحرية
                              من المبادئ الأساسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية مبدأ الحرية، فقد أعلنت الشريعة الحرية وقررتها في أروع مظاهرها فقررت حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، وحرية القول، وسنتكلم عن هذه الحريات واحدة بعد أخرى فيما يلي:
                              1ـ حرية التفكير:
                              جاءت الشريعة الإسلامية معلنة حرية التفكير محررة للعقل من الأوهام والخرافات والتقاليد والعادات، داعية إلى نبذ كل مالا يقبله العقل، فهي تحث على التفكير في كل شيء وعرضه على العقل فإن أمن به العقل كان محله إيمان، وإن كفر به كان محله كفران فلا تسمح الشريعة للإنسان أن يؤمن بشيء إلا بعد أن يفكر فيه ويعقله، ولا تبيح له أن يقول مقالاً أو يفعل فعلاً إلا بعد أن يفكر فيما يقول ويفعل ويعقله.
                              ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل فها هو القرآن الكريم يعتمد في إثبات وجود الله، ويعتمد في إقناع الناس بالإسلام، ويعتمد في حملهم على الإيمان بالله ورسوله وكتابه، يعتمد القرآن الكريم في ذلك كله اعتماداً أساسياً على استثارة تفكير الناس وإيقاظ عقولهم ويدعوهم بشتى الطرق والوسائل إلى التفكير في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم وفي غير ذلك من المخلوقات،ويدعوهم إلى التفكير فيما تقع عليه أبصارهم وما تسمعه آذانهم ليصلوا من وراء ذلك كله إلى معرفة الخالق وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل.
                              ونصوص القرآن الكريم في هذا الصدد لا تحصى منها على سبيل المثال:
                              قوله تعالى : [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] البقرة : 164.
                              وقوله تعالى : [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] سبأ: 46.
                              وقوله تعالى : [أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى] الروم: 8.
                              وقوله تعالى : [فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ] الطارق: 5ـ 7.
                              وقوله تعالى : [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ق: 37.
                              وقوله تعالى: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)] آل عمران :190 ـ 191.
                              ويعيب القرآن الكريم على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويقلدوا غيرهم، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد دون تفكير فيما يتركون وما يدعون، وينعي عليهم ذلك كله، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام بل أضل سبيلاً من الأنعام لأنهم يتبعون غيرهم دون تفكير ولا يحكمون عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، ولأن العقل هو الميزة الوحيدة التي ميز الله بها الإنسان على غيره من المخلوقات فإذا ألغي عقله أو عطل فكره تساوى بالأنعام بل كان أضل منها.
                              ونصوص القرآن الكريم صريحة في تقرير هذه المعاني، واقرأ إن شئت قوله تعالى : [وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)] البقرة: 170 ـ 171
                              وقوله تعالى: [يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)] الحج: 46.
                              وقوله تعالى : [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)] الأعراف: 179.
                              وللإنسان أن يفكر فيما شاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير ولو فمر في إتيان أشياء تحرمها الشريعة، والعلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من أقوال أو أفعال محرمة ، وغنما تؤاخذه على ما أتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم).

                              2ـ حرية الاعتقاد: والشريعة الإسلامية هي أول شريعة أباحت حرية الاعتقاد وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى آخر الحدود، فلكل إنسان طبقاً للشريعة الإسلامية أن يعتنق من العقائد ما ساء وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته أو اعتناق غيرها أو يمنعه من إظهار عقيدته.
                              وكانت الشريعة الإسلامية عملت حين قررت حرية الاعتقاد فلم تكتف بإعلان هذه الحرية وإنما اتخذت لحمايتها طريقين:
                              أولاهما: إلزام الناس أن يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء وفي تركه يعمل طبقاً لعقيدته، فليس لأحد أن يكره آخر على اعتناق عقيدة ما أو ترك أخرى ومن كان يعارض آخر في اعتقاده فعليه أن يقنعه بالحسنى، ويبين له وجه الخطأ فيما يعتقد، فإن قبل أن يغير عقيدته عن اقتناع فليس عليهما حرج، وإن لم يقبل فلا يجوز إكراهه ولا الضغط عليه، ولا التأثير عليه بما يحمله على تغيير عقيدته وهو غير راض، ويكفي صاحب العقيدة المضادة أنه أدى واجبه فبين الخطأ، وأرشد إلى الحق، ولم يقصر في إرشاد خصمه وهدايته إلى الصراط المستقيم.
                              واقرأ إن شئت هذه المعاني صريحة واضحة في قوله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم:
                              [ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] البقرة : 256
                              وقوله تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] يونس: 99
                              وقوله تعالى: [فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ] الغاشية: 22
                              وقوله تعالى : [ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ] النور: 54

                              ثانيهما: إلزام صاحب العقيدة نفسه أن يعمل على حماية عقيدته، وألا يقف موقفاً سلبياً، فإذا عجز عن حماية نفسه تحتم عليه أن يهاجر من هذه البلدة التي لا تحترم عقيدته إلى بلد آخر يحترم أهله عقيدته، ويمكن فيه من إعلان ما يعتقده، فإن لم يهاجر وهو قادر على الهجرة فقد ظلم نفسه قبل أن يظلمه غيره، وارتكب إثماً عظيماً، وحقت عليه كلمة العذاب، أما إذا كان عاجزاً عن الهجرة فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وهذا هو القرآن الكريم ينص صراحة على ذلك في قوله تعالى:
                              [ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)] النساء: 97ـ 99
                              وقد بلغت الشريعة الإسلامية غاية السمو حينما قررت حرية العقيدة للناس عامة مسلمين وغير مسلمين، وحينما تكفلت بحماية هذه الحرية لغير المسلمين في بلاد الإسلام، ففي أي بلد إسلامي يستطيع غير المسلم أن يعلن عن دينه ومذهبه وعقيدته، وأن يباشر طقوسه الدينية ، وأن يقيم المعابد والمدارس لإقامة دينه ودراسته دون حرج عليه، فلليهود في البلاد الإسلامية عقائدهم ومعابدهم وهم يتعبدون علنا وبطريقة رسمية، ولهم مدارسهم التي يتعلمون فيها الدين الموسوي، ولهم أن يكتبوا ما يشاءون عن عقيدتهم وأن يقارنوا بينها وبين غيرها من العقائد ويفضلوها عليها في حدود النظام العام والآداب والأخلاق الفاضلة.
                              وكذلك الحال مع المسيحيين مع اختلاف مذاهبهم وتعددها، فلكل أصحاب مذهب كنائسهم ومدارسهم، وهم يباشرون عباداتهم علناً، ويعلمون عقائدهم في مدارسهم ويكتبون عنها وينشرون ما يكتبون في البلاد الإسلامية.

                              3ـ حرية القول: أباحت الشريعة الإسلامية حرية القول وجعلتها حقاً لكل إنسان، بل جعلت القول واجباً على الإنسان في كل ما يمس الأخلاق والمصالح العامة والنظام العام وفي كل ما تعتبره الشريعة منكراً، وذلك قوله تعالى:[ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] آل عمران: 104
                              وقوله تعالى: [الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ] الحج: 41
                              وإذا كان لكل إنسان أن يقول ما يعتقد أنه الحق ويدافع بلسانه وقلمه عن عقيدته فإن حرية القول ليست مطلقة، بل هي مقيدة بأن لا يكون ما يكتب أو يقال خارجاً عن حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة أو مخالفاً لنصوص الشريعة.
                              وقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها وقيدت في الوقت نفسه هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان وإساءة الاستعمال، وكان أول من قيدت حريته في القول محمد صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله الذي جاء معلناً للحرية مبشراً بها وداعياً إليها، ليكون قوله وعمله مثلاً يحتذى، وليعلم الناس أنه لا يمكن أن يعفى أحد من هذه القيود إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قيد بها مع ما وصفه به ربه من قول تعالى:[ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] القلم:4
                              ولقد أمر الله رسوله أن يبلغ رسالته للناس وأن يدعو الناس جميعاً إلى الإيمان بالله وبالرسالة، وأن يحاجّ الكفار والمكذبين ويخاطب عقولهم وقلوبهم.
                              ولكن الله جلّ شأنه لم يترك لرسوله صلى الله عليه وسلم حرية القول على الإطلاق فرسم له طريق الدعوة، وبين له منهاج القول والحجاج، وأوجب عليه أن يعتمد في دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن يعرض عن الجاهلين ، وأن لا يجهر بالسوء من القول، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله، فرسم الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حدود حرية القول، وبيِّن لنا أن الحرية ليست مطلقة وإنما هي حرية مقيدة بعدم العدوان وعدم إساءة الاستعمال.
                              ونستطيع أن نبين مدى صلاحية نظرية الشريعة إذا علمنا أن المشرعين الوضعيين بعد تجاربهم الطويلة ينقسمون اليوم إلى قسمين:
                              قسم يرى حرية القول دون قيد إلا فيما يمس النظام العام وهؤلاء لا يعيرون الأخلاق أي اهتمام، وتطبيق رأيهم يؤدي دائماً إلى التباغض والتنابذ والتحزب ثم القلاقل والثورات وعدم الاستقرار.
                              وقسم يرى تقييد حرية الرأي في كل ما يخالف رأي الحاكمين ونظرتهم للحياة، وتطبيق رأي هؤلاء يؤدي إلى كبت الآراء الحرة وإبعاد العناصر الصالحة عن الحكم، ويؤدي في النهاية إلى الاستبداد ثم القلاقل والثورات.
                              ونظرية الشريعة الإسلامية تجمع بين هاتين النظريتين اللتين تأخذ بهما دول العالم، ذلك أن نظرية الشريعة تجمع بين الحرية والتقييد، وهي لا تسلم بالحرية المطلقة، ولا بالتقييد المطلق..
                              فالقاعدة الأساسية في الشريعة هي حرية القول، والقيود على هذه الحرية ليست إلا فيما يمس الأخلاق أو الآداب أو النظام.
                              والواقع أن هذه القيود قصد منها حماية الأخلاق والآداب والنظام ولكن هذه الحماية لا تتيسر إلا بتقييد حرية القول، فإذا منع القائل من الخوض فيما يمس هذه الأشياء فقد منع من الاعتداء ولم يحرم من أي حق لأن الاعتداء لا يمكن أن يكون حقاً .
                              ويمكننا بعد ذلك أن نقول إن الشريعة الإسلامية تبيح لكل إنسان أن يقول ما يشاء دون عدوان فلا يكون شتاماً ولا عياباً ولا قاذفاً ولا كاذباً، وأن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن لا يجهر بالسوء من القول، ولا يبدأ به، وأن يعرض عن الجاهلين.
                              ولا جدال في أن من يفعل هذا يحمل الناس على أن يسمعوا قوله ويقدروا رأيه فضلاً عن بقاء علاقاته بغيره سليمة ثم بقاء الجماعة يداً واحدة تعمل للمصلحة العامة.
                              والنصوص القرآنية الآتية تعتبر دستور القول في الشريعة وهي قوله تعالى:
                              [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] النحل: 125.
                              [خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ] الأعراف: 199.
                              [وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا] الفرقان: 63.
                              [وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] الأنعام: 108.
                              [لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا] النساء: 148.
                              [وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] العنكبوت : 46.
                              هذه هي نظرية الحرية بشعبها الثلاث جاءت بها الشريعة الإسلامية في وقت كان الناس لا يفكرون بعقولهم ولا يحفلون إلا بما وجدوا عليه آباءهم, وقد جاءت النصوص المقررة للحرية والمبينة لحدودها نصوصاً عامة مرنة بحيث لا يمكن أن تحتاج إلى تعديل أو تبديل.وهذا يتفق مع الأساس الذي قامت عليه الشريعة وهو عدم قابليتها للتعديل والتبديل، ولا شك أن النصوص من العموم والمرونة بحيث لا يمكن أن تضيق بأي حال مهما تغيرت الظروف والأمكنة وطال الزمن.
                              ولقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير نظرية الحرية بسبعة عشر قرناً، لأن القوانين الوضعية لم تبدأ بتقرير هذه النظرية إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
                              أما قبل ذلك فلم تكن هذه القوانين تعترف بالحرية بل كانت أقسى العقوبات تخصص للمفكرين ودعاة الإصلاح ولمن ينتقد عقيدة تخالف العقيدة التي يعتنقها أولو الأمر.
                              هذا هو الواقع وهذه هي حقائق التاريخ، فمن شاء بعد ذلك أن يعرف كيف نشأت الأكذوبة الكبرى التي تقول إن الأوروبيين هم أول من دعا للحرية فليعلم أنها نشأت من الجهل بالشريعة الإسلامية، وقد يعذر الأوربيون في هذا الجهل أما نحن فلن نجد لأنفسنا عذراً.

                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة هنا خالد, منذ أسبوع واحد
                              رد 1
                              11 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة أشرقت أشرقت
                              بواسطة أشرقت أشرقت
                               
                              أنشئ بواسطة تقي الدين 11, 23 ماي, 2020, 04:32 م
                              رد 1
                              18 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة د.أمير عبدالله  
                              أنشئ بواسطة شهد السبت, 11 أبر, 2020, 09:06 م
                              ردود 0
                              6 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة شهد السبت
                              بواسطة شهد السبت
                               
                              أنشئ بواسطة هنا خالد, 10 أبر, 2020, 05:59 م
                              ردود 0
                              10 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة هنا خالد
                              بواسطة هنا خالد
                               
                              أنشئ بواسطة ناردين خليل, 3 أبر, 2020, 04:28 م
                              رد 1
                              11 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة wael_ag
                              بواسطة wael_ag
                               

                              Unconfigured Ad Widget

                              تقليص
                              يعمل...
                              X