إذا كانت الخطيئة الأصلية هى السبب فى فساد الطبيعة البشرية، وبصرف النظر عن تناقض هذه العقيدة مع المنطق الصحيح والعقل الصريح؛ لأن المفترض أن الطبيعة الفاسدة هى التى تؤدى إلى ارتكاب الخطيئة وليس العكس، كما أنه إذا لم يكن هناك استعداد فطرى عند الإنسان لارتكاب الخطيئة فمن المستحيل أن يرتكب هذا الإنسان الخطيئة لأن طبيعتة لا تسمح بذلك أصلا.

ولكن سنفترض جدلا وتنزلا أن هذا المنطق صحيح، وأن ارتكاب الخطيئة يمكن أن يسبق فساد الطبيعة، ففى هذه الحالة سوف يكون فساد الطبيعة ((صفة مكتسبة)) نتيجة لارتكاب الخطيئة، والصفات المكتسبة تعرف بأنها صفات ((غير وراثية)) بمعنى أن الأبناء لا يرثونها عن الآباء، وقد أثبتت التجارب العملية فشل نظرية توريث الصفات المكتسبة، لذلك سوف نتكلم عن هذه الخرافة المسماة بالخطيئة الأصلية من منظور علمى بحت من خلال نظرية توريث الصفات المكتسبة على أساس أن الخطيئة الأصلية أدت إلى ظهور صفة مكتسبة لدى الإنسان وهى ((فساد الطبيعة))

والواقع أن فكرة توريث الصفات المكتسبة سادت واشتهرت منذ قرون على يد الفرنسي جان بتيست لامارك Jean-Baptiste Lamarck والذي ((افترض)) أن التغييرات التي تحدث في جسد الكائن الحي أثناء حياته يتم توريثها لأبنائه!

فهو مثلا ((افترض)) أن الزرافة لم تكن طويلة العنق في بداية ظهورها وإنما كائن عادي العنق مثل الغزال مثلا، ثم مع مدها لعنقها إلى الأعلى لأكل الثمار المرتفعة فوق الأشجار، بدأ عنقها في الاستطالة بمقدار صغير، ولكن مع تعاقب الأجيال والأبناء الذين يرثون تلك الاستطالة مرة من بعد مرة ويزيدون عليها استطالات جديدة في كل مرة، وصلت الزرافة إلى الشكل الحالي الذي نراها به!
(وطبعا هذا الكلام لا يدعمه أي دليل لا من الهياكل العظمية والحفريات نفسها ولا من العلم نفسه كما سنرى الآن)

والداروينيون والتطوريون لهم إسهاماتهم الطريفة فى هذا الباب أيضا، فداروين كان له كلامه المضحك عن تخيله لتطور الدب القطبي إلى حوت عن طريق ممارسة الدب لبعض السلوكيات المائية بكثرة وبقائه في الماء لمدد أطول وفتحه فمه لأكل هوام الماء مثلما تفعل الحيتان.

فإذا ثبت لدينا خطأ هذه الأفكار أصلا فقد انهدمت هذه الخرافة التي تستخف بعقول الناس والذين لا يحتاجون إلى التعمق العلمي حتى للرد عليها!

يكفي أن ينظر العاقل إلى الحداد أو النجار مثلا والذين تظهر لهم عضلات في ذراعهم من كثرة استخدامها والسؤال: هل يتخيل عاقل يحترم عقله أو نظره وبصره أن يلد هؤلاء أطفالا بعضلات بدون عمل أو مجهود مثل آبائهم؟!!

الإجابة معروفة بطبيعة الحال، وكذلك كل الذين يتعرضون لظروف حياتية معينة تتسبب في تغييرات في أجسامهم، فمثلا من يصاب بالحدب في ظهره نتيجة كثرة الانحناء أو حمل الأمتعة منذ صغره كوظيفة يومية؛ فهؤلاء قطعا سيلدون أبناء عاديين ولا يمكن لرجل أبيض البشرة تعرض باستمرار لأشعة الشمس حتى تحول لون بشرته إلى اللون الأسود، لا يمكن لمثل هذا الرجل أن يلد طفلا أسود البشرة لمجرد أنه اكتسب هذه الصفة من تعرضه لأشعة الشمس ولا يمكن لعاقل يحترم عقله أن يعتقد بمثل هذه الخرافات.

ومن أقدم وأشهر التجارب العملية التى أثبتت فشل نظرية توريث الصفات المكتسبة، هى تلك التجربة التى قام بها عالم الأحياء التطوري الألماني أوجست وايزمان August Weismann (توفي 1914) وهذه التجربة هدمت من الأساس خرافة توريث الصفات المكتسبة، وكانت الفكرة هي قطع ذيول الفئران لمدة 20 جيل (وهو ما يعادل في عمر البشر أكثر من 600 سنة تقريبا) وكان العجيب أن كل مرة كان تولد فئران بذيول غير متأثرين بقطع ذيول آبائهم وأمهاتهم!

وبالطبع كانت التجربة فريدة من نوعها وقوية الدلالة في هدم إحدى أكبر خرافات وأخطاء التطور التي اعتمد عليها داروين فى بناء نظريته.

وإذا تأملنا نجد أن المسلمين يختتنون منذ 14 قرنا والكثير من اليهود يختتنون منذ 30 قرنا، وهناك قبائل كاملة تلتزم بعمل تغييرات جسدية في أجسمها ومنذ الصغر مثل قبائل الكايان على حدود بورما وتايلاند ونساؤها صاحبات أطول أعناق في العالم لتعمدهم إلباس الفتيات منذ الصغر حلقات كثيرة في أعناقهن تؤثر على شكل الرقبة والصدر والأكتاف، ولكن مازال أبناء هذه القبائل يولدون عاديين!

والخلاصة أنه حتى إذا خالفنا المنطق وقلنا أن ارتكاب الخطيئة أدى إلى فساد الطبيعة وليس العكس، فالنتيجة النهائية حتى مع هذا الافتراض الخاطئ هى أن الخطيئة الأصلية أدت إلى فساد طبيعة مرتكبها وهو الإنسان الأول وقد وقف تأثيرها عند هذا الحد ولم يتعداه إلى نسل آدم لأن فساد الطبيعة هو فى هذه الحالة صفة مكتسبة والصفات المكتسبة لا تورث كما قررت التجارب.

ويبقى التفسير الوحيد لهذه الطبيعة الإنسانية القابلة لفعل الخير والطاعات وفعل الشر والمعاصى هو أنها ببساطة هى الطبيعة التى فطر الله الإنسان عليها، ولا ينبغى لإنسان عاقل يحترم عقله أن يستجيب لتدليس الشيطان بمثل هذه الخرافات.