المُخَوزَقون

تقليص

عن الكاتب

تقليص

د.أنس أبوهيام مسلم معرفة المزيد عن د.أنس أبوهيام
هذا الموضوع مغلق.
X
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المُخَوزَقون

    المُخوزَق الأول : كافر مغربي

    يُقال أن المدعو هيثم طلعت قد كشف أمري، و عرفَ أنني أسترزقُ و أتسوّلُ في دُور النصارى ، ياله من عثرةٍ في طريقي! لقد كشف أمري، كشف أنني بهلوان أكذب ليزدادَ مجدُ الإلحاد، الإلحاد الذي لم يقدم لي و لا فِلسا واحدا لأجل أن أشتري به سيجارة واحدة، و لولا ادّعائي التنصّر و اعترافي بأن هدفي إخراج المسلمين من الإسلام لما تواطَأَ عليّ وحيد و رشيد و باقي الشلة من النصارى غدقاً عليّ بما أسدُّ به رمقي !
    يجب عليّ أن أنتفض من جديد!!

    أبحر كافر مغربي على أمواج الشبكة العنكبوتية ليمارس نشاطه "التنويري"، وفتح ملفا يختزن فيه كل شبهة يظفر بها يراها قدحا في الإسلام، سمى هذا الملف " تفنيد الدين "، بدأ يقلب عينيه بين العناوين المثيرة، لكن سرعان ما اعتراه الملل! شعر أن كل شيء غدا بلا طعم.
    تذكر الأيام الخالية حين كان شابا مفعما بالحماس!
    يومها كان يشعر بأنه فيلسوف زمانه، وأن شيخ الأزهر نفسه لا يقوى على مناظرته لسعة اطلاعه وقوة حجته.
    أما اليوم فإنه أصبح يضرب ألف حساب قبل ولوج منتدى إسلامي، فإن ينس فلن ينسى هروبه المخزي آخر مرة لما دخل منتدى التوحيد وهو ينادي: "هلموا إلي هلموا، أنا مسلم سابق، أنا خريج الأزهر، حفظت القرآن والمتون، ودرست الفقه على المذاهب الأربعة، وجلست للفتوى فيما تعم به البلوى، إلى أن أبصرت النور أخيرا، وخلعت الخوف، وتخلصت من الوهم، أنا تحررت فألحدت، فهل من مناظر؟ ".
    يا ليته لم يتسرع في التحدي، يا ليته تجنب لفظ المناظرة، وما له والمناظرة؟
    إنه لا يذكر متى قرأ كتابا كاملا في حياته، غير أن مصنَّفه من أعلى المصنفات العلمية التي تعلم أتباعه (كيفية التكفات) ؟!
    كل ما يحسنه قراءة نتف هنا وهناك، في الجرائد والمجلات، والقفز الإفتراضي من موقع إلى موقع ومن صفحة إلى صفحة، أما المطالعة فإنه لا يملك الأناة التي تتطلبها.
    طلب المناظرة ففضحه فتى في مقتبل الزهور، فقيها لا زال يدرس في الأزهر الشريف بسؤال واحد.
    قال له: "ما دمت كما تصف نفسك فأنت أعلم مني بالفقه، فاسمح لي بسؤال - قد حيرني - قبل أن نبدأ المناظرة: ( هل يجوز العقد على الجلاّلة المطلقة طلاقا بائنا، أم لا بد من تمام العدة؟)".
    طبعا لم يتسرع في الجواب، فلا بد لفارس " الإلحاد الإفتراضي" المطليّ بالزيت أن يأخذ حِذره في كل حواراته، فكيف إذا كان في منتدى كمنتدى التوحيد ؟
    فتح كافر مغربي صفحة جديدة، وسأل إمام الشبكة العنكبوتية وبحر العوالم الإلكترونية وحجة العلوم الإنترنيتية "جوجل" : "هل يجوز نكاح المطلقة طلاقا بائنا قبل تمام العدة؟" ولم يخب ظنه، فقد جاء الجواب بإجماع الصحائف الإلكترونية المتخصصة في الفتوى: "لابد من تمام العدة".
    حين أرسل جوابه مذيلا بالأدلة النقلية التي تشهد باطلاعه، وتؤيد دعواه الإلمام بالفقه المقارن، حينها فات الأوان، لقد بلع كافر مغربي الطعم، وتقاطرت عليه الضحكات والتعليقات الساخرة من كل حدب و صوب: "يا فقيه الزمان! هل تكفي عدة #الجلاّلة أم لا بد أن تحبس؟و هل يصح العقد بدون ولي؟ وهل الحكم خاص بجلالة البقر، أم يعم الإبل كذلك؟
    وهل تحرم الجلّالة بالرضاع؟!
    حين استعان بالبحث الإلكتروني هذه المرة ليفهم سر تندُّر القوم عليه، كاد يصعق لهول ما قرأ في معجم المعاني على الإنترنت : "الجلاّلة : الدابة التي تتبع النجاسات وتأكل الجلة، وهي البعرة والعذرة..." ، و الجلّالة بهذا المفهوم هو كافر مغربي بالضبط!
    لم يستطع إتمام القراءة، دارت به الأرض، لم ير فرصة للتملص واختلاق الأعذار، فانسحب في صمت.

    مرّ عامٌ كاملٌ على الحدث و هو يوصي بعدم دخول هذا المنتدى، و يسخر بإدارته و أعضائه، لابد أن هناك شيئا مُخزيا بالنسبة له، إن المنتدى في كل يوم يعلن أحد أتباعه فيه الإسلام، قوم مجرمون؛ يأخذون مني فلذات كبدي، فمن سيُتابعني؟!
    يجب أن أفضحهم!!

    هاهو الآن يبحث عن بروفايل جديد!!
    هذه أول خطوة من خطوات "النضال الإلحادي الإلكتروني" بل هي أهمها على الإطلاق.
    البروفيل هو جواز سفرك إلى منتديات المتدينين، فيجب أن يكون البروفايل ناطقا بالإلحاد، لكنهم لا يقبلون الأسماء المستفزة!
    ثمة شبه بين بروفايلات الملاحدة وبين البهارات، فلكليهما نكهة خاصة، لكن لا بد من القصد، فلو أسرفت فيهما صار الطعم غير مستساغ.
    إذا فليجرب: "ملحد ولا فخر"، معذرة، يوجد مشترك بهذا الإسم.
    "فارس التطور" معذرة، يوجد مشترك بهذا الإسم.
    "مجرد صدفة" معذرة، يوجد مشترك بهذا الإسم.
    "لاديني ملتزم" معذرة، يوجد مشترك بهذا الإسم.
    "قبطان تائه"، معذرة، يوجد مشترك بهذا الإسم.
    "أبو طفرة" معذرة، يوجد مشترك بهذا الإسم.
    تبا!! هل هناك بروفايل لم يحجزه الزملاء؟
    طيب، لأجرب شيئا غريبا: "تراكتور"! ضغط الزر فأتم التسجيل: "مرحبا بك "تراكتور" سيتم تفعيل اشتراكك قريبا.
    ابتسم! و بدأ يهيئ السيناريو المناسب لهذا المنتدى!
    ترى هل يضع أسطوانة: "مسلم سابق" أم يعدل عنها إلى نشيد: "سئمت الإلحاد"؟
    لا هذا ولا ذاك، "تراكتور" يوحي بالقوة والثقة، تخيل نفسه جرارا ينسف العقائد ويزلزل الإيمان..
    فليدخل بشعار: "حتى متى تصدقون الخرافات؟"!
    لكنه تردد، فقد علمته التجارب أن هذه الإفتتاحية تنطوي على مجازفة كبيرة.

    ماذا عساه يفعل إذا؟!
    آه، هذه فكرة جيدة.
    بدأ يكتب موضوعه....
    بدأ بالعنوان: "أوشك أن أسلم، لولا حديث "صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عنْزة" وكتبها بسكون النون، وسأل: "أليست الصلاة إلى الحيوان ذريعة إلى الشرك.. وبدأ يتحدث عن التوحيد والرواسب الوثنية، وعن الحج والحجر الأسود..."..
    إلى أن أرشده أول مجيب إلى الفرق بين العنَزة والعنْزة فانسل هاربا كعادته.
    وكانت هذه نهاية بروفايل آخر لم يعمر إلا يوما أو بعض يوم،
    وبقي الموضوع اليتيم شاهدا على أزمة كافر مغربي أو "تراكتور".

    لابد أن أفتح صفحة خاصة على الفايسبوك ، أضع فيها أبحاثي العلمية، و على رأسها (علم التكفات) ، و أنشر فيها مقالاتي الفلسفية ، و في قمتها (فلسفة دار فاطنة فيها كنا كنبولوا)، و بيان كذب الأديان و إسقاط الإسلام ، و الإعجاز العلمي المفترض في حديث المفاصل، فهاهو باب بيتي له ثلاث مفاصل، و بالتالي العلم يخالف 360 مفصلا ، فالدين بشري، و لا يهمني من كونه بشري أو إلهي، ما يهمني هو أن أحصُد الأموال فقط، فلا أنا بملحد و لا نصراني ، و لا حتى أغنوستيك كما أدّعي ، فأنا حشّاشٌ زانٍ لوّاط ، شارب خمر، مدمن على البهلوانية، كل ذلك لأجل الدرهم و الدولار، و سأفعل ما بوُسعي حتى أستقطب الكثير لأجل دعم قضيتي في الأمم المتحدة، أريد أن أكون مليار دير، فهل آل روتشيلد يرضونَ عني؟!

    الله يرحم إيامات الملك الملحد دراكولا الذي غزاه محمد الفاتح ، فلو كان حيا لأجلسك على الخازوق الحقيقي ! و فينك يا بول بوت و يا ماوتسي!

  • #2
    ( المُخوزَق الثاني : أحمد حرقان )

    جلس أحمد حرقان القرفصاء يلملم أفكاره ويراكم أوزاره، لم يفتح عليه اليوم بشيء، يا له من يوم عقيم من أيام "الإلحاد الإلكتروني"!! وياله من نهار مظلم من أيام "التنوير اللاديني"!!
    ترى لم غاب عنه اليوم شيطانه؟
    ربما لأنه مال شيئا قليلا عن جادة الإلحاد.
    تصوروا!! لقد خطر بباله لوهلة أن الإسلام قد يكون حقا دين الحق!
    كيف يحدث مثل هذا لمثله؟
    إنه يتصفح أمهات كتب الملة الإسلامية كالعالم النحرير، ويغوص في أحشائها كالغواص البصير، يتصيد العثرات، ويقتنص الهفوات، ويفرح بالتصحيف، ولا يبالي بتصحيح ولا تضعيف، يرى الجمال فيتوهم قبحه، ويرى الدليل كالشمس فيحسبه شبهة، يفعل ذلك كله ثم لا يشك في دينه طرفة عين.
    تذكر نفسه يوما وهو في رحلة في بطون السنن والمسانيد، وبين المتون والأسانيد، يحملق في الأسماء والكنى، ويتتبع أخبرنا وحدثنا، وليس له في علم الرواية من أرب، ولا لعنائه من سبب؛ إلا الطمع في اقتناص الشبهات المُردية، لبثها في الأمة المحمدية.
    طفق حرقان يقلب مئات الصحائف دون طائل، فكاد أن ييأس، وقال كالمحدث نفسه: "سحقا سحقا! لقد فضح المنصرون الملاحدة.. لم يتركوا لنا شيئا يصلح شبهة إلا استخلصوه وبثوه على مواقع الشبكة، ثم انبرى له المسلمون ففروه ونقضوه ثم حرّقوه وذروه.".

    فجأة وجد شيئا جديدا لم يسبق إليه، جحظت عيناه وتسمرت على الشبهة الموعودة، شبهة بكر، يا ليتهم ابتكروا نظاما لتسجيل "براءات الشبهات"!!
    بدأ بنسخ ولصق الحديث "الغريب".. ابتسم في شماتة وهو يحدث نفسه: "كيف يصدق المسلمون مثل هذا الكلام": [لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إلا مع بــغــل]!!! بدأ يفرع وجوه بيان الشبهة.. "، كيف يكون هذا كلام نبي: المرأة تسافر على بــغــل، فكيف تسافر مع بــغــل؟
    بدأ بحثا "جوجليا" سريعا عن معاني حروف الجر: كتب: "هل تأتي "مع" بمعنى "على"؟ لم يفض بحثه إلى شيء ذي بال، فزاد سروره.
    بدأ يذبح مقالته بكلام الأخفش والفراء.
    حين فرك وجهه أحس بنتوء دقيق على أرنبة أنفه، حاول النظر إليه كهيئة الأحول فرأى سوادا، قام إلى المرآة فشرع يحك البثرة السوداء حتى تفتتت، ثم عاد ليتم مقالته.
    لما نظر إلى شاشة حاسوبه لم ير "بغلا" وإنما رأى "بعلا"، ترى أين ذهبت النقطة؟
    نظر مرة أخرى إلى موضع البثرة من أنفه؛ ففهم أن نقطة "البغل" زالت من على أنفه، وأن ليس في المكان بغل إلا هو، لم يدر أيضحك أم يبكي، رأى شبهته تتلاشى أمام عينيه كالسراب، تتبع آثارها بفأرة الحاسوب ليلقيها في مثواها الأخير في "سلة المهملات".

    حتى في ذلك اليوم المخزي، لم يشك في إلحاده، فما الذي دهاه اليوم؟
    آه لقد تذكر، إنه جاره سليمان، إنه جاره منذ عشر سنين، يحييه، يتبسم في وجهه، يتفقده إن غاب، يهنئه كل عيد، يرسل إليه بين الحين والآخر بعض السمك والمحار، سليمان بحار.
    تصوروا!! إنه لم يعبس في وجهه يوما، ولم يسمع منه كلمة عتاب، ولم ينظر إليه يوما نظرة شزراء.
    أيعقل أن يكون بهذه الأخلاق، ثم لا يكون لدينه دخل في ذلك؟
    فرك أبو الإلحاد جبينه، وشرد للحظات، فعاوده السؤال: "ماذا لو كان هؤلاء على الحق؟"!!
    انتفض في مكانه مرتعبا.
    صفع وجهه مرات لعله يعود لرشده، بعثر أوراقه، أقعى وهو يضع كفه تحت ذقنه، فجأة تبسم، نعم الأمر واضح، كيف شك في إلحاده لأمر كهذا؟
    كل ما هنالك أن سليمان إنسان يتصرف بمقتضى آليات التطور التي قرأ عنها في الويكيبيديا .
    سليمان خلايا ذكية تجمعت عبر بلايين السنين واجتازت أهوال العصور الجليدية، واصطفت بمحض الصدفة لتشكل كائنا متطورا يحييه ويبتسم في وجهه.
    تخيل إنسان "البلتداون" وهو يجري في الأدغال مبتسما،
    وأي شيء في الابتسامة؟ التطور يفسر كل شيء.
    لا بد أن أجداد سليمان اكتشفوا أن البسمة تضاعف من فرص النجاة في معركة البقاء.
    لابد أنهم شهدوا انقراض بعض القبائل العابسة.
    لابد أنهم جلسوا في الكهوف يتمرنون على هذه الحركة الغريبة، التي لا يكاد يجد لها تفسيرا ماديا إلا بعد مشقة وتكلف وعنت.
    تخيل "لوسي" وهي تستقي الماء لتغسل أول مولود لها يولد من غير ذيل.
    لا بد أنها استغربت من هذا الجنين المشوه!! وحُق لها، فإن التطور بقي سرا دفينا حتى أفشاه الإمام الأكبر أبو الطفرات شارل دارون.
    يالهم من مكابرين هؤلاء المسلمون!!
    حتى متى تظل الغشاوة على أعينهم؟
    ألم يروا "آردي" كيف أحاط الشعر الناعم وجهها الأسمر؟
    لعلها "أفروديت" زمانها.
    ألم يكفهم جمال عينيها وهي تكتسي شيئا فشيئا ببريق عيون البشر؟
    ماذا يريدون منا؟
    أيريدون أن نحيي لهم إنسان "أسترالوبيثيكس" حتى يصدقوا العلم؟
    طيب لينتظروا قليلا ليروا نهاية الوهم بأعينهم.
    كريك فينتر سيبهر العالم بابتكار أول "كائن حي مصنع"، بعدما "صنع أول خلية صناعية".

    بدأ حرقان يغوص في تأملاته المادية حتى كاد يفقد صلته بالواقع، ففك إقعائه ثم انبطح على بطنه.
    أحس بنفسه ملتصقا بالأرض حتى كاد وجهه يتهشم.
    شعر بالغثيان!!

    أحس كأن "انفجارا عظيما" يحصل في رأسه، اهتزت أفكاره، اضطربت نفسه، جلس يرتل ترانيم إلحادية "مهدئة" : "يا أيتها الصدفة العمياء، لك ندين وبك نستعين، يامن لا نعرف لك مكانا فنأتيك، ولا نعرف لك وجها فنقصده، أزيلي عنا الغم وأفيضي علينا العلم.".
    ردد الكلمات التي وجدها في توقيع أحد صناديد منتديات "الجرب والجذام" على أمل أن يشعر بشيء من السكينة.
    تصور "نيتشه" وهو يعزف مقطوعة شيطانية على "الأوتار الفائقة" فتتموج أشكال مرعبة تكاد تتخطى "حاجز بلانك" حينها انفصل حرقان عن عالمنا تماما واستحال كالهباء المبثوث يسبح في "العوالم المتوازية".

    تعليق


    • #3
      ( المُخوزَق الثالث : أحمد سامي )

      بعد رحلة طويلة من قفزات اليوتيوب، و رياضة العقل مع أحد الإخوة الأشاعرة، خرج أحمد سامي من بيته في ذلك المساء متعطرا في كامل زينته.
      سار إلى بيت صديقه وهو يمني النفس بليلة بألوان الطيف.
      يا له من عفريت صاحبه عماد ! إنه يعرفه منذ أيام الثانوية!!
      إنه عملة نادرة في هذا الزمان!!
      إنه آخر الصعاليك، لا يتهيب من شيء، ولا ينكص أمام نزوة، ولا يضع لرغائبه حدودا ولا فواصل.
      ظل أحمد سامي يأتيه منذ سنوات آخر الأسبوع لينعم بساعات ينضبط فيها المزاج.
      طرق الباب وهو يتوقع أقذع الشتائم، فإن قاموس التحية الذي تعارف عليه الرجلان من الصنف الذي ينبه عليه في وسائل الإعلام بأنه لا يصلح للأطفال.
      فتح عماد الباب وكان وجهه غريبا، كان غريبا جدا، كان على وجهه معنى لم يره عليه من قبل، أو لنقل لقد غاب عنه شيء طالما لازمه.
      لم تتح له المفاجأة أن يتعرف أي شيء هو بالضبط، لكنه اختار أن يتجاهل الأمر، فبادر صاحبه على عادته: "ماذا جرى لك يا ثور؟ كأنك ما قمت بعد من النوم".
      فأجابه: "لا أبدا، كنت أصلي."
      فغر سامي فاه، وألجمته الصدمة برهة، ثم راجعه في ذهول: "كنت تعمل إيش؟"
      فأعاد عليه كلامه: "كنت أصلي العشاء"..
      فانفجر ضاحكا: "نعم نعم، كيف انطلى علي مكرك؟ أنت تمزح، يا شيطان، أفزعتني!"
      قاطعه عماد قائلا: "أنا لا أمزح، لقد تبت إلى الله."
      مضت لحظات في صمت استعاد فيها سامي شريط ذكرياته في هذا البيت، تذكر المجون والفجور.
      كان دوما يتوقع من عماد كل شيء، يتوقع منه كل سوء، فهو متقلب المزاج، وتمر به ساعات يكون فيها أشرس من ذئب، لكنه لم يتوقع شيئا كهذا الذي يحصل الآن أبدا.
      تأمل مرة أخرى في وجه صديقه، فوجد هدوءا لم يره عليه من قبل.
      فقال له مداعبا يريد تدارك ما جاء من أجله، ويتمنى أن ينتهي هذا الموضوع الغريب الذي يوشك أن يقلب لون ليلته من الأحمر إلى الرمادي فالأسود.
      قال له: "حسنا مادمت قد فرغت من الصلاة، فدعنا ندخل، الليلة لنا ونحن لها...".
      نظر إليه عماد في سكينة وقال: "انتهت تلك الليالي إلى غير رجعة."
      فسأله أحمد سامي : "ماذا تعنى؟"
      فرد عليه: "أعني أني اليوم إنسان جديد".
      أمسك بكتفه وهو يقول: "نعم، لكنك لن تصبح متزمتا، تعال، هذا مستحيل. ليس أنت."
      فقاطعه قائلا: "لا تخف لا أنوي أن أصير متزمتا لكني مسلم، هذا كل شيء."
      فحاول سامي إلى آخر رمق أن ينقذ ليلته؛ فقال وهو يتكلف الضحك: " حسنا يا شيخ، صليت العشاء، فافعل ما تشاء، شوية لربه وشوية لعبده"
      وحاول الدخول فحال عماد بينه وبين الباب.
      حينها أحس أحمد سامي بشيء غريب، أحس لأول مرة بتفاهة إلحاده.
      إنه يقف أمام رجل يعرفه دهرا ولا يستطيع أن يمنعه من أن يشق طريقه بعيدا عنه.
      بدا له عماد كأنه سفينة تبحر أمامه، وهو يقف في المرسى عاجزا ينظر إليها، ولا يملك أن يوقفها ولا أن يصعد إليها.
      أحس برغبة في الصياح أو البكاء أو الفرار، لكن نفسه كانت في غاية الضعف.
      نظر إلى صديقه وسأله: "وماذا عن صداقتنا؟"
      فأجابه: "تستطيع أن تزورني متى شئت، لكن انس ما كنا نجتمع عليه."
      حينها استدار أحمد ومضى يجر رجليه، مضى وهو لا يكاد يصدق ما جرى.
      أحس بريح تعصف في رأسه.
      مشى يحدث نفسه: "إنه زمان صعب يا أحمد!! إن التّزمّت يزحف من كل حدب وصوب."
      أينما ولى رأى أصحاب اللحى، وسمع الأذان وتلاوة القرآن.
      حتى التلفزيون لم يعد آمنا، بالأمس كان يقلب القنوات وهو يحمل بيسراه سيجارة، فجأة بدا شيخ وقور ينظر إلى عينيه مباشرة ويقول له معاتبا: "ليش تدخن يا ابني، حرام عليك!"
      قفز في موضعه، وأطفأ الجهاز.
      ثم هاهو الساعة يمضي أمام المسجد، يجب أن يسرع.
      هذا أوان انصراف الناس من صلاة العشاء.
      فجأة وجد نفسه في بحر بشري.
      مر به شاب في العشرين!!
      فأهداه ظرفا مغلقا، أخذه منه وانصرف مسرعا.
      وقبل أن يدخل حارته مر برجل عجوز نزل من سيارة أجرة، وهو يحمل حقيبة كبيرة، لم يشعر بنفسه إلا وهو يساعد العجوز في حمل متاعه، وضعه أمام باب بيته وهم بالإنصراف، فالتفت إليه الشيخ فدعا له: "الله يرزقك شربة من حوض النبي يا ابني."
      ارتبك ولم يدر بأي شيء يجيب، خرجت من أحشائه كلمة طرقت أذنيه وهو لا يكاد يصدق ما قال، لقد قال سامي: "آمين!" لو نطق هذه الكلمة في مجلسه مع زملائه، إذن لظنوه جن.

      ندم أشد الندم أنه ساعد الشيخ، بل ندم على خروجه من بيته هاته الليلة العجيبة.
      لا بد أن الصدفة تعبث بليلته وتحيك له مؤامرة تكاد تذهب بصفاء إلحاده.
      نعم كل ما جرى له صدفة، مروره أمام المسجد صدفة لا شك في ذلك، دعاء الشيخ أمر يحصل مع أمثاله من الأميين كل يوم، يدعون ويتمتمون بأشياء لا معنى لها طيلة نهارهم وليلهم، وما له ولهم؟..
      كل ذلك حصل اتفاقا، لكن أن يصلي عماد ليلة الأحد، وأن يصمد أمام إغراء السمر ورنين الكؤوس ودخان الشيشة كأنه راهب في كنيسة، هذا قطعا مما يأبى عقلي أن يصدقه بسهولة، فكيف يكون صدفة؟
      لا بد لي من تفسير لهذا الإنقلاب المفاجئ، ولا بد من عمل شيء أمام هذا الطوفان المتشدد، لا بد من تكثيف جهود دعاة التنوير، لا بد لهم من الوقوف في وجه زحف القنوات الدينية!!
      استرسل في أفكاره حتى وصل بيته.
      وحين استلقى على فراشه، وأحس بشيء من الهدوء يعود إلى أفكاره، تذكر الظرف.
      فتحه في شرود، فوجد فيه سواكا وقطعة مسك، شعر بالإشمئزاز، ثم أخذ منه قرصا إلكترونيا كتب على غلافه بخط كوفي عريض: "لماذا لا تصلي؟ خالد الراشد ".
      ألقى به بعيدا كأنه جمرة ملتهبة، وتسارع تنفسه، وأحس بضيق في صدره، أشعل سيجارة، وقال يحدث نفسه: "لن ينفعني في اجتياز هذه الليلة المشئومة إلا النوم، فلأنم كي ينتهي هذا الكابوس. "
      خلع حذاءه وأطفأ السراج..
      وتمنى لو كان يؤمن بإله فيدعوه بشيء واحد لا ثاني له: "أن يلقي عليه طوفانا من النوم".
      لكن الإلحاد يضرب جذوره في أعماق نفسه، فأي إله يدعو؟..
      أغمض عينيه فظهر له وجه عماد الجديد مستنيرا، وهو يقول له: "لقد كنت ميتا فولدت من جديد."
      اجتهد في دفع هذا الخاطر، فظهر له الشيخ وهو يمسك يده ويقول: "الله يرزقك شربة من حوض النبي يا ابني."
      تخيل الصراط وخطاطيفه، تخيل نفسه يتحدر في جهنم، فتح عينيه، تصبب عرقا، تخيل أن صديقه عماد جاءه وهو يلبس قميصا أبيض وقال له: "ليش ما تصلي؟"
      عندها قام سامي وأحضر كوب ماء وأخرج من جيبه علبة، أخذ منها حبتين، بلعهما ثم أتبعهما ماء، وما هي إلى دقائق حتى سمع له غطيط.

      تعليق


      • #4
        شحرور : الشخصية المؤثرة في الظلام

        إن الظروف المشبوهة التي رافقت الشحرور في رحلته إلى موسكو أثناء دراسته وتأليفه لكتابه المشبوه تروي لنا قصة رجل اُختير ليكون معول هدم في هذا الدين، فالدكتور شحرور كان في الأصل شيوعياً واشتراكياً قبل أن يبتعث إلى روسيا، وكان سبب بعثته إلى روسيا انتسابه للحزب الشيوعي.
        ابتُعث لدراسة هندسة ميكانيكا التربة والأساسات في روسيا اواخر الخمسينات، زمن وجود الإتحاد السوفياتي، وهذا يعني اطلاعه تأكيدا أكيدا على الفكر الماركسي والشيوعية عندما كان مبتعثًا إلى روسيا لدراسة الهندسة المدنية ما بين ( 1958 - 1964م ) .
        وقد اكتمل تأثره بالمستشرقين خلال دراسته في إيرلندا ( دبلن ) لدراسة الماجستير والدكتوراه ما بين ( 1970م - 1980م ) في الهندسة المدنية أيضًا.
        وهو رجل سوري شهد ما سمي بالصحوة الإسلامية السلفية، وشهد وهو في سوريا بعد عودته من روسيا انهيار الإتحاد السوفياتي، ومع انهيار الإتحاد السوفياتي برزت للعيان الدعوة للتخلص من الكيانات الشمولية ، والعودة للرأي والرأي الآخر ـ أي الدعوة للحريات الديمقراطية ـ تلك هي الظروف التي أثرت في نمط تفكيره : شيوعية مفككة، إسلام متشدد ، رأسمالية ديمقراطية نشطة تسيطر على فكر المفكرين وخاصة العرب ، من هنا كان المولود الأول كتابه ( الكتاب والقرآن ـ قراءة معاصرة ـ )؛ والذي قام فيه الدكتور شحرور بوضع تساؤل حول المنهج المتبع في الكتاب ، فهذا الكتاب مؤلف وفق منهج معين سنعرفه من أقواله هو فقط لا غير!
        والدكتور شحرور يقر أن النتائج التي توصل لها الكتاب لا توجد في كتب السلف!!
        فمن هم مراده من السلف؟
        لم يصرح!!
        إذن ستبقى كلمة السلف بدون قيد!!!
        لذا نستطيع القول : أن كل كلام قاله الشحرور هو كلام سلف أيضا: سلف لغوي؛ سلف فلسفي مغرق في الزمن الماضي - يوناني - ؛ سلف ماركسي، ولا بد لكل من أراد أن يقوم بأي قراءة عصرية للقرآن من سلف يعتمد عليه في تشكيل فكرة معينة يريدها هو.
        فسلفته الذي اعتمد عليها هو سلف فلسفي قديم اطلع عليه واستفاد منه، وسلف ماركسي تأثر بأفكاره يوم ابتُعث للإتحاد السوفياتي للدراسة؛ حيث اطلع بشكل واف على الماركسية بأوسع معانيها فتأثر بها وطبق منهجها على كتاب الله تعالى.
        غالبا ما يقصد الشحرور انتقاد منهج السلف الصالح، والتي شكلت هاجسا عند الدكتور شحرور كون الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان يدرس في بيت والده في القبو، فلما أرسله أبوه لروسيا حدثت لديه الأزمة الفكرية التي ولّدت كتابه.
        إن من عجائب آراء شحرور أنه يستخدم منهجا هو أصلا منهج موروث لهدم منهج موروث آخر، تحت مسمى وادعاء التجديد، فهو يتنكر لأصول وقواعد الفقه الإسلامي، ويطالب بتجديدها بعد هدمها من جذورها، ويستخدم في ذلك اللغة العربية التي ورث قواعدها أيضاً، فقد وضعت قواعدها في ذات الحقبة الزمنية التي وضعت فيها قواعد الفقه الإسلامي. فما الذي دفعه إلى المطالبة بهدم العلوم الشرعية والفقهية، وعدم التجرؤ إلى هدم قواعد وأصول علم النحو والصرف؟! هل هو الهوى يا ترى، أم هي قلة الحجة والحيلة؟
        إن احتمال حصول تلك الأخطاء الشحرورية عند واحد متخصص في الهندسة أكثر من حصولها عند واحد قضى طول عمره بين يدي العلماء يبحث عن المعرفة والحكمة في الدين و أصوله !!
        وأضف إليها تضلعه الواضح كحال من تربوا في المدارس الماركسية والمادية والإلحادية، وشربوا منها حتى الثمالة؛ فخرجت منهم الأفكار مشوهة ممسوخة كحال تلك التي أوردها شحرور ومناصروه ووجدوا فيها منقذا من " تكلس التشريعات " وثبات الثوابت ووضوح الواضحات في ديننا الإسلامي.
        لقد درس شحرور الرأسمالية وعشق مبدأ الحريات المنبثق عنها، و (انصبغ ) بالواقـع الظاهر لهـذه الحريات، بيـد أنـه لم يتعمق في المبدأ الرأسمالي وبطريقة تطبيقه بدقـة ، ولو فعل ذلك لوجد أن الديمقراطيات الغربية بما فيها أمريكا؛ هي أعتى ديكتاتورية وجدت على وجه الأرض، وأن الدستور والقانون يضعه أصحاب رؤوس الأموال الصناعيون والبنكيون!!
        لكن محمد شحرور مع الولايات المتحدة!!!
        واسألك بالله عليك أي جزء أو فصل في الكتاب دعا لتغيير النظام السياسي المسيطر نظام الولايات المتحدة وشركائها؟؟؟!
        ولذلك يزول عجبنا حين نرى بيليترو ـ أحد مستشاري الخارجية الأمريكية في خطاب ألقاه أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك بتاريخ 8/ 5/ 1996 ـ يثني على مجموعة من الكتاب العلمانيين الذين أُطلق عليهم عمداً لقب الباحثين الإسلاميين والمجددين ومنهم الدكتور محمد شحرور.
        لقد كان في نظر الكاتب الشحرور أنه لا بد من نظرية جديدة لإنهاض العرب والمسلمين ، تقوم على تلبيس الإسلام طاقية الماركسية ، بعد إدخال بعض التعديلات الجوهرية على الماركسية والإسلام ، وأن يغلف ذلك بالحريات التي أطلقها المبدأ الرأسمالي.
        ولماذا لا يطعّم فلسفته السفيهة تلك ببعض مبادئ رياضة اليوغا البوذية وعليها قليل من قصيدة الهوى غلاب فتصير طبخة ؟! ولكن طبخة غير معتبرة طبعا!!

        جمع الردود على شعوذات شحرور في منتديات حراس العقيدة 👇 👇
        https://cutt.us/2dpBZ

        ثم للمزيد من التعرّف على شحرور و جوانب خبيثة من حياته، و خُبث منهجه ؛ و تفنيد مزاعِمه يُرجى الإطلاع على كامل الردود في موقع أهل الحديث 👇👇
        http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=371797

        تعليق


        • #5
          ( المُخوزَق الرابع : شريف جابر )

          عاد شريف جابر من عمله كمُهرّج في سيرك الغجر وهو يفكر في مقالة جديدة يذبجها، ثم يضعها لبنة في بناء "التنوير" الذي لا يفهم معناه خفافيش الظلام.
          تفكر في تراجع القيم الإنسانية البحتة لحساب القيم البالية الموروثة.
          تفكر في عودة "الميتافيزيقا" إلى عالم يحلم رواده باستيطان المريخ.
          عجبا لهؤلاء المتعلقين بالأوهام، كيف يصدقون المحال؟
          كيف يسلمون عقولهم للخرافة؟
          تصور "الميتافيزيقا" امرأة ذميمة تركب حصانا بلا سرج تُغير على الأميين وأنصاف المتعلمين لتسلبهم "الفكر الحر" و"الشك المنهجي".
          توقف عند هذه النقطة قليلا وتساءل: هل صحيح أن خصوم "التنوير" وحدهم يصدرون عن فكر موروث؟
          هل غيرهم بريء من التقليد؟
          "المتنورون" يدعون التحرر والإستقلال الفكري، فهل تصمد هذه الدعوى أمام النقد؟
          وهل تسلم من الإعتراضات نفسها التي يرمون بها خصومهم؟
          أحس بأن تفكيره يقوده في وجهة طالما هرب منها.
          دعته غريزة حب البقاء "الداروينية" إلى توخي الحذر.
          خشي على إلحاده أن يتدنس بشوائب "الهرطقة الدينية".
          أحس باقترابه من مأزق.
          هم بالنكوص، لكنه تذكر تشدقه الممجوج بالحرية الفكرية والموضوعية والنقد الذاتي فأصر على أن يمضي خلف تأملاته إلى آخر الطريق، مهما كلفه الأمر.

          حينها شغل حاسوبه وافتتح صفحة جديدة.
          بدأ يكتب مقالته: " إسهاما في جهود "التنوير" التي يقودها جنود مجاهيل في العالم الإفتراضي، وإتماما لسلسلة مقالاتي السابقة الموسومة ب"نقد الفكر الديني من منظور لاديني"، أعرض اليوم لأكبر شعار يحمله رواد "التزمّت الديني المعاصر" ألا وهو "السلفية"، إنه شعار يصيبني بالسّعار، إنه سيف قدّ من كلمات، فماذا يقصد بهذا الشعار أصحابه؟
          وسترون أني لن أحيد عن المنهج العلمي في هذا البحث، وأني سأتحرى الموضوعية إلى أبعد حد حتى أصل إلى رؤية واضحة للمسألة المطروحة.
          إن الفكر الديني يتهم بأنه يحتكر الحقيقة، ولست أدري من استعمل هذا التعبير "السوقي" أول مرة، لعله بقّال أو خضار، وإلا كيف نفسر أن يتهم أحد باحتكار الحقيقة؟
          وهل الحقيقة سلعة في دكان؟
          طبعا يقصدون أن المتدينين يعتقدون أن ما معهم هو الحق، لكن هل يوجد صاحب فكرة يحسب نفسه على باطل؟
          يجب في رأيي المتواضع -أنا المُخوزَق جابر- أن نراجع هذه التهمة التي أراها منافية لأصول المنهج العلمي.
          فلنحتكم جميعا في نقاشنا للمتدينين إلى الموضوعية العلمية، وإلى الحجج العقلية، أما الحقيقة فكل يدعي بها وصلا، وإلا ففيم الخلاف أصلا؟
          إذن الفكر الديني يدعي معرفة الحق، فيخالفه الفكر اللاديني فينسب ما معه إلى الحق، لكن ليس هذا موضوعنا، إنما أردت أن أضع مصطلح "السلفية" على طاولة البحث، أو على مشرحة "الأفكار الميتة".
          حسنا، ماذا لدينا؟ سين و لام و فاء.
          المعاجم تقول "سلف" أي "تقدم"، والسلف أي المتقدمون.
          أصحاب الفكر الديني إذن يدعون أنهم أتباع لسلف ما.
          إنهم لا يمتلكون فكرا خاصا بهم أصلا.
          فكيف يجدون لقولهم صدى في زمان ما بعد الحداثة وفي عصر التكنولوجيا؟
          لماذا تنتشر "سلفيتهم" في مجتمعاتنا المتمدنة انتشار النار في الهشيم؟".

          توقف عن الكتابة وتمعن فيما كتبه للتو: "سلفيتهم" وهل لغيرهم "سلفية"؟ أخذته قشعريرة.
          هم بإلقاء الموضوع في سلة المهملات، لكنه أصر على الإنسياق وراء حبل أفكاره، فاستأنف الكتابة: "ماذا لو وضعنا فكرنا "اللاديني" "الإلحادي" بدوره على المشرحة؟
          دعونا نعامل أنفسنا بما نعامل به الخصم، فصاحب الحق لا يخشى شيئا، والمنهج العلمي لا يحابي أحدا.
          إذن نحن نرمي "المتدينين" باجترار فكر قديم بال، فدعونا نتأمل فكرنا "التقدمي المتحرر"، دعونا ننفذ إلى جذوره، حتى يتبين لنا بالبرهان الساطع أن "سلفية" القوم بدعة في ميزان العلم، وأننا أهل الحداثة والإبداع والإبتكار.
          لا شك أن مجتمعاتنا المدنية المعاصرة "بثرة حسناء" في جبين الزمان..
          إنها مجتمعات تنزهت عن كل الأديان، وتنكرت للإيمان بالغيب وآمنت بما في الجيب.
          لكن دعونا نقلب صحائف التاريخ لنفتش عن جذور مذهبنا.
          هل هو وليد اليوم أم أن له أصلا وسلفا؟
          هل كان ثمة من يخالف سلف هؤلاء "المتدينين" في الزمن الغابر ويرد عليهم؟
          أم أن العصور القديمة كانت أرضا خصبة لأديانهم لا ينازعهم فيها أحد؟
          لا شك أن الفلاسفة عاشوا جنبا إلى جنب مع قساوسة الأديان ورهبانه.
          لقد كانوا حقا فرسان "التنوير" ربما كان أولئك "سلفنا الصالحين"، فأعظم بهم وأكرم بتراثهم، سقراط، أفلاطون، أرسطو... كانوا فلاسفة أنوار غير متدينين، لكن مهلا، إنهم لم يكونوا ملحدين أيضا، لا يصح لنا أن ننسب مذهبنا "الإلحادي الراديكالي" إلى هؤلاء، هذا تدليس، فنحن بُرءاء من تهمة "السلفية" نحن "متنورون أقحاح" إذن.
          يبدو الأمر كذلك لولا أن الفلاسفة انبروا للرد على طائفة أخرى ينبغي أن نلقي على فكرها نظرة عابرة.
          فكلنا نعلم أن السوفسطائيين كانوا متحررين من كل حقيقة.
          لقد كانوا لا يرون لشيء حقيقة ألبتة.
          كانوا يرون السواد بياضا والبياض سوادا، والحق باطلا والباطل حقا، لقد تركوا لكل فرد أن يرى حقيقته، فلا حقيقة على الحقيقة.
          لقد كانوا رواد النسبية، نسبية الحقيقة ونسبية المعرفة.
          هل يعقل أن يكون هؤلاء "سلفنا"؟
          قوم ينكرون بداهات العقول؟
          إن كثيرا من الفلاسفة يرون الإيمان بعلة أولى لهذا الكون من العلوم الضرورية التي يُشك في عقل من يقدح فيها، أما رواد المذهب السوفسطائي فإنهم لم يعترفوا قط بشيء اسمه "علم ضروري" فلا ضرورة في العلم ولا العلم ضرورة.
          إنهم حقا عظماء.
          إنهم فرسان شجعان حطموا كل الثوابت وجعلوا معرفة الحق أمرا موكولا لكل إنسان، فما رآه فهو الحق، وليس له أن ينكر على غيره أبدا.
          هكذا تقوم المجتمعات المنطلقة المتحررة، تصبح بحرا تعوم فيه ملايين الجزر البشرية بآرائها المتناقضة وأخلاقها المتضاربة.
          ألا يحق لنا أن نفخر بسلفنا الأولين؟
          يا لها من نتيجة غير متوقعة!
          إن المتدينين كانوا يدلسون علينا باحتكار "السلفية" فإن السلفية كما بينا بالبرهان القاطع أمر مشترك بين أهل كل ملة ومذهب.
          إننا لم نخترع إلحادنا اختراعا، بل إن له جذورا في الفلسفات والوثنيات القديمة.
          بل إن كتب المتدينين حوَت طرفا من تاريخ "سلفنا".
          كيفلا فكتبهم "المقدسة" ليست إلا نصوصا موروثة تشهد لمراحل تاريخية منقرضة.
          إننا إذ نطالع أخبار إبليس ومناظراته "العقلانية" ونتأمل "أقِيسته المنطقية"، وحين نتدبر ردود قوم نوح وعاد وفرعون على أنبيائهم، نكاد نلمس إرهاصات نشأة مذهبنا الذي نعتز به اليوم، بل إننا حين ننظر في سِير فرعون وأبي جهل نكاد نجزم أن هؤلاء عظماء ذووا مناهج فكرية مصيبة بخسهم "المتدينون" فضلهم.
          لقد مهدوا لنا طريق الكفر والإلحاد، وأمدّونا بإرث "تنويري" عظيم لا نزال نستقي منه حججنا في نقدنا للأديان.
          هؤلاء آبائي فجيئوني بمثلهم أيها المؤمنون.

          وختاما ألخص فكرة هذا البحث قائلا: إن "السلفية" فكرة إنسانية لا يصح أن نتركها للمتزمتين يشنعون بها علينا فيرموننا بالإبتداع، فكما أن لهم دينهم فإن لنا لادينيتنا، وكما أن لهم سلفيتهم فإن لنا سلفيتنا.
          وشتان بين "دين" و"لادين" وشتان بين "سلفية" و"سلفية".
          وما أبعد البون بين "سلفية النور" و"سلفية الظلام" وشتان بين "سلفية الإيمان " وبين "سلفية الإلحاد ".
          أعلم أنكم أيها الزملاء قد تختلفون معي، لكني نقضت للتو إحدى أكبر وأعتى آليات الفكر الديني المعاصر، وسلبت المتزمتين أمضى سلاح يشهرونه في وجوهنا. ".

          ختم بهاته الكلمات مقاله، نظر إليه في زهو، وأعاد قراءته مرة أخيرة ثم كتب العنوان: "نظرات في سلفية الإلحاد" ثم ضغط على الزر فأرسله إلى أكبر منتديات الإلحاد على الإنترنت.
          ذهب ليحضر فنجان قهوة و لفافة دخان، ثم تفقد موضوعه فلم يجده.
          عبثا حاول أن يفهم الذي جرى.
          بعد دقائق استلم رسالة خاصة من مشرف الموقع، فتحها فإذا فيها: "عزيزي جابر ، لقد تم إلغاء اشتراكك. لمزيد من التوضيح يرجى مراسلة المشرف العام.".
          تواصَل مع المشرف العام فاستفهمه حول الأمر، فتلقى التالي :
          عزيزي جابر، إنك بهذه المقالَة قد هدمتَ إلحادنا الذي بنيناه لسنين كثيرة، و نغّصتَ عنا معيشتنا، و لا يمكن لمقالتك هذه أن تُنشَر عندنا، فأنت في نظرنا مسلم و لستَ ملحدا نظراً لِما أتيتَ به على هدم ركائز الإلحاد عندنا، فابقَ في سلفيتك خير لك و لنا، و لا مكان لك بيننا.

          تعليق


          • #6
            (المُخوزَقُ الخامس : حليمة دارين)

            حليمة دارين!! 40 عامًا، ولدت بدمشق، ودرست الصحافة هناك، ثم عملت في إذاعة محلية إلى جانب التدريس في مدرسة أطفال خاصة، وركزت على تعلم الإخراج والتصوير والمونتاج من أجل خدمة القضايا النسوية (الفيمينيست) ، هي الآن مخرجة وكاتبة ومتحدثة محفزة في القضايا النسوية، لادينية ملحدة ، و تفتخرُ بكون جسدها مِلكٌ للجميع، بل و تفتخرُ بأنها مارَست الجنس مع شخصيات بارزة بدون عُقود شرعية و لا ضوابط خاصة ، إلى جانب كونها مُنتقدة للمجتمع الذكوري؛ و للدين الإسلامي بصفة خاصة.
            إنها المُخوزَقة التالية بعد كافر مغربي و أحمد حرقان، و أحمد سامي و شريف جابر.
            فتابعوا معي!!

            فرغت الإباحية دارين من مقالها الأسبوعي، رفعت فيها مذهبها وخفضت مخالفها، وذكرت امتعاضها المتفاقم من تعاظم أمواج الفكر الجامد، وحذرت من الأخطار المحدقة بالمجتمع المدني، وبينت أنها بدأت تنحت في صبر حروف اليقين الديني في بيئة نشأت على الشك المنهجي، وأنها بدأت تصبغ حياة الناس بصبغة البداوة وبألوان ما قبل الحداثة الباهتة.
            تنهدت حسرة على تغير الأحوال، وتعجبت من انقلاب الموازين، ثم نشرت مقالها في صفحتها الكالحة، فما لبثت أن جاءها تعليق من أبي هيام!
            اعتدلت في جلستها فرحة تترقب، وبدأت تقرأ: " عزيزتي داروين (عفوا دارين) ، بغض النظر عن مضمون أفكارك إلا أنني بصفتي متخصصا في اللغة العربية أخبرك أن قراءة مقالتك أصابتني بالصداع النصفي، إن كلماتك تئن تحت ركام من اللحن والركاكة، خذيها مني نصيحة مشفق: لا تنشري بعدُ شيئا قبل المراجعة اللغوية الدقيقة.
            تحياتي! ".
            شعرت بالحنق لأن التعليق لم يلق بالا لا إلى تحليله العميق للتحولات التي تكاد تعصف بمكتسبات الحداثة، ولا إلى رؤاه التقدمية الثاقبة التي تعيد الأمل إلى النخبة المتنورة.
            قالت كأنها تُحدث نفسها : "لا بد أن هذا المعلق المغرور منهم (من الذكوريين الإسلاميين) ، لا أكاد أشك في ذلك، فليمُت هو ونحوه غيظا، لا يلتفتون إلا إلى القشور، متى يدركون حقائق الأشياء؟".
            جلست تفكر في علاقة اللغة العربية بتنامي الفكر الديني، فعنت لها فكرة سرعان ما استهوتها واستحوذت على فكرها: لِم لا يكون هذا موضوع مقالتها التالية: "نحو تنوير النحو من يد الذكوريين أتباع سيبويه"؟
            غضبت لتذكر التعليق الوقح وتسارعت أنفاسها وغاظها تقريعها على الخطأ المتكرر في كتابة الهمزة فوق السطر أو فوق الألف أو فوق الياء، فلتكن فوق السقف فما الذي يتغير؟
            يا لهم من متنطعين!
            فتحت مذكرتها لتدون أولى أفكارها، لتكون لبِنات لمقالتها القادمة.

            كتبت رؤوس أقلام: "الإلحاد و الفيمينيست منهج حياة... اللغة رداء الفكر... علوم العربية نشأت تحت قهر الفكر الديني الذكوري... لا بد من مراجعة الإرث اللغوي في ضوء مذهب التنوير... النحو يرزح تحت ركام القرون المتطاولة... النحو وُضع لتكريس هيمنة الخطاب الديني المنغلق".
            تأملت جملتها هاته فانتبهت لهذه العبارة الغريبة: "النحو وُضع...".
            حكّت جبهتها بقلمها وفغرت فاها متفكرة: من وضعه؟..
            لماذا نقبل مثل هذا الأسلوب الغامض؟
            لماذا ننساق وراء هذا التلبيس؟
            ومن أدرانا أن أحدهم وضعه؟
            كل ما هنالك أنه هنا كالسيف مصلَّتا في وجه التحرر والإنعتاق الفكري.
            تأملت تدفق أفكارها وابتسمت فبدت أسنان علاها القلح :
            "وجدتها، وجدتها."
            لقد عثرت لتوها على قلب مقالتها الوليدة.
            شرعت تبحث عن الشرايين والأوردة ليضخ إليها بنات أفكارها المتنورة.
            بدأت تتتبع خيوط فكرتها لتنسج منها هيكلا لمقالتها.
            النحو الذي يشنع به عليه مخالفوه مرة تلو أخرى ليس منزها عن النقد.. وكيف يكون كذلك؟
            إذا كانت لا تتورع عن الطعن في القرآن، فكيف تقبل بالنحو دون نقده وتمحيصه ؟
            استغربت أنها لم تر الأمر على هذا النحو من قبل.
            كانت تكتب وتجتهد أن يوافق ما قيل لها إنه يوافق النحو، وكانت تضحي من أجل ذلك بكثير من العبارات المتألقة خيفة اللحن.
            لا شك أن كثيرا من أفكارها التنويرية العبقرية قد ضاع بسبب الحرص الزائد على اتباع هذا النحو العتيق.
            ثم هاهي ذي تأملاتها تفضي بها إلى هذا الكشف العلمي الفريد.
            هاهي تُخرج مناقيشها لتستل هذا الأسلوب اللغوي المتدنس بأوحال الميتافيزيقيا و الأحوال الذكورية.
            "المبني للمجهول" انظر كيف يسمونه، إنهم لا يريدون لنا أن نقبل بالجهالة فحسب.. بل يريدوننا أن نبني عليها.
            كم يستخفنا هؤلاء؟
            لكن لن نقبل بتدليسهم بعد اليوم.
            لا بد من تطبيق الفيمينيست على العلوم.
            فلأبدأ بالعربية.
            وليكن النحو بداية رحلة الألف فن.
            قد أموت قبل أن أفلح في تحرير العربية من شوائب الميتافيزيقا ومن رواسب الخرافة.
            لكن حسبي أن أكون شمعة تضيء لتنير للزملاء المتنورين الطريق.
            سأنتهي حتما سمادا يغذو الأرض فتنبت حشائش تأكلها البغال والحمير، أو أصير وَقودا يدير عجلة الإقتصاد المادي في مجتمع متنور، لكني سأخفف من وطأة الجهل والتزمّت بفتوحاتي الإباحية؛ أقصد العلمية، فإن مذهب الظلام لن يدوم طويلا.
            أنا أوقن يقينا ماديا أن الإباحية ستنتصر في النهاية.
            لكن كيف أستطيع أن أزيح "المبني للمجهول" عن ساحة النحو ريثما أزحزح النحو برمته عن عرشه؟
            بحثت قليلا فوجدت أن أهل العربية يدعونه أيضا: "ما لم يسمَّ فاعله" فتريثت قليلا.
            وقارنت الإسمين، ثم حركت رأسها في استغراب وهي تقول: "لا ينقضي عجبي من تدليس القوم: مبني للمجهول أو ما لم يُسمَّ فاعله، هذا تدليس بيّن، إنه استدلال بموطن النزاع، النزاع ليس على جهالة الفاعل، بل على وجوده من عدمه، فلا فرق إذن بين قولهم عن الفاعل أنه مجهول، وقولهم إنه لم يُسمّ، ثم إنهم دسّوا تدليسهم في التعريف عينه، "لم يُسم" كم يُغيظها هذا التعبير.
            حاولت أن تبني جسرا يجمع بين شتات أفكارها فتأملت في أصل مقالة الفيمينيست التي تعتز بها وتكررها في نفسها كلما تسربت إليها وساوس الإيمان، وكلما قذفتها الشبكة الإلكترونية بشبهات الإسلام، و كلما سمِعت عن الطهارة و العَفاف و الزواج و الإنجاب و تربية الأسرة.
            حينها تُكرر ما غدا مثل الشهادتين في ملتها: "لا إله والكون مادة، والمادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، و جسدي بطيخة مُش عورة".
            نظرت إلى معاني التنوير في الأصل الأعظم لملتها، فلم تبصر إلا ظلاما دامسا، لا بد أنها مرهقة بسبب الجهد الذي بذلته.
            تفكرت في أنها إنما تنكر الخالق لأنها لم تره قط، وتنكر الخلق لأنها لم تشهده، فخطر لها أن هذا سر ابتداع المتدينين لصيغة "المبني للمجهول" إنهم أسسوا لفكرهم الديني من داخل النحو.
            اعترفت في نفسها بعبقرية النُّحاة من هذا الوجه.
            تملكها الإعجاب بروحها الإباحية العلمية وبإقرارها بمكر الخصم وفضله.
            حاولت أن تطبق مبادئ ما تحصّل لها حتى الساعة من ثمرات مشروعها في تنقية النحو من شوائبه الدينية، فكتبت: "لو تركنا هذا الأسلوب الذكوري الظلامي يعيث الفساد داخل اللغة، فإننا سنرتد مؤمنين يوما ما.
            كيف؟
            إليكم الجواب:
            تنشأ في بيئة التقليد على المعتقد الموروث، فتتوهم معانقة الحقيقة وامتلاك اليقين، ثم تهب عليك نسائم التنوير فترتاب وتشك.ثم تنسلخ من الإيمان شيئا فشيئا حتى تبلغ مبلغي من الإلحاد، وتجرب تجربتي فيه فتحس بمعنى الحرية من كل دين وخُلق، فتقول: أنا لم أر لا الخلق ولا الخالق، إذن النتيجة المنطقية التي يمليها عليك التنوير المادي الذي يكفر بكل ما غاب عن الحس: "لا خلق ولا خالق" ومن جادلك فقل له هات برهانا علميا واحدا على دعواك.
            حينها تكون قد قطعت أشواطا من رحلة التنوير تكلّ عنها أبصار المتدينين، وتكون قد ذقت مذاق الإلحاد الذي لا يدركه الوصف، إنما يعرفه من ذاقه، ومن ذاق فقد عرف.
            لكن انتبه! إذا كنت ممن يصدقون بن آجروم وبن مالك وأضرابهما، فإنك توشك أن ترتد على عقبيك، خصوصا إذا بلغت إلى باب [باب المفعول الذي لم يسمّ فاعله: وهو الإسم المرفوع الذي لم يُذكر معه فاعله، فاِن كان الفعل ماضيا ضُمَّ أوله وكُسر ما قبل آخره، واِن كان مضارعا ضُمَّ أوله وفُتِحَ ما قبل آخره.]
            قرأت هذه الفقرة من الآجرومية ثم تساءلت: كيف ندع أمثال هؤلاء يستخفوننا بالنحو على هذا النحو؟
            انظر كيف يقول: يُذكر... ضُمَّ... فُتح... لو غفلت عن الخطر الذي أتخوفه عليك فإنك ستقول يوما ما في لحظة ضعف: لحظة بدء الحياة في هذا الكون مجهولة والذي جرى في الأزل كله مجهول، إذن تطبيقا لمبادئ النحو قد نقول تجوّزا: "ابتدئ الكون... أو أنشئ الكون... أو خُلق الكون..." طبعا سيستعمل الملحد المتنور ذلك كله من باب المجاز.
            استطردت في أفكارها: "المجاز يصلح ليكون حلقة أخرى من سلسلة تنوير النحو" انتهى الإستطراد.
            ثم يرتفع الملحد على هذا النحو درجة درجة ليبلغ سقف الوهم الذي نصبه له النحاة في مكر، فيقول: "حسنا: خُلق الكون. هذا مبني للمجهول ولم يسم فاعله، إذن أنا أقر من ناحية لغوية نحوية بحتة بالجهل بالخالق، كما أقر -دائما من داخل النحو- بوجوده. فلا يبقى بعد إلا أن يتعرض من مر بهذه المراحل أو بعضها إلى هزة عاطفية كأن يموت له قريب، أو يجتاز محنة نفسية فتغلبه رواسب التدين الموروث فينتكس مرة أخرى إلى التفكير الجدي في ارتداء ثياب الإيمان، وهكذا تكتمل خيوط الفخ المحكم الذي نصبه النحاة لمن لم يؤت فهما ثاقبا كفهمي، ولم يعرف مثل معرفتي، فتتحقق على أيدي أولئك الخصوم الأفذاذ نهاية جهود التنوير".

            ستسألونني حتما: وكيف نخرج من هذا الإشكال؟
            فأقول -أنا زميلة ميا خليفة -: لا يجبرنا شيء أن نؤمن بالمحال ولا أن نتعلق بالأوهام.
            لذا أقترح من يوم المتنورين هذا، أن نعدل عن هذا الأسلوب المحفوف بالأخطار "الميتافيزيقية" والمتلبس بالعقائد الغيبية إلى أسلوب متحرر من ذلك كله، فنسمي ما لم نشهد له فاعلا: "المنفعل" فنستعمل مثلا: بدل "بُني": "انبنى" وبدل "فُعل": "انفعل" وبدل "ضُمّ": "انضمَّ" وهكذا... فلا نقول: "ضُرب زيد" بل نقول: "انضرب زيد" ولا نقول: "قيست المسافة." بل: "انقاست." ولا نقول: "طُرح في سلة المهملات" بل نقول: "انطرح فيها" وهكذا دواليك حتى نؤسس لصيغة "المنفعل" التي ستزيح البساط من تحت أقدام النحاة ومبنيهم للمجهول.
            ولو أخذنا مثالا من درس التاريخ، فلا ينبغي أبدا أن نقول "بُنيت صخور (ستون هنج) في إنجلترا." بل نقول إنها: "انبنت."
            ولو شنع علينا متدين واعترض باستحالة هذا المعنى، فنجيبه بإمكانية تضافر عوامل مادية طبيعية متعددة عبر بلايين السنين، ونؤيد نظرياتنا المتعددة حول الموضوع بحساب احتمالات الصدفة الدقيقة حيث الأرقام الفلكية التي لا تفصل أصفارها عن يمين وشمال إلا فاصلة.
            نعم إنها مقادير أخفّ من هباء وأوهى من هواء، لكن الإيمان بها يجعل الإيمان بالغيب بلا فائدة.
            لا تهم الوسائل، المهم هو نسف العقائد الغيبية التي استوطنت بنيان النحو العربي.
            حينها دخلت أمّ دارين الغرفة وسألت بعلها الذي لا يُعرف لن مكان : "عزيزي لحُّود، أريد أن أكتب رسالة تهنئة لحليمة بمناسبة نجاح ابنها، فماذا يقال في هذه المناسبة؟"
            فبدل أن يُجيب أبوها أغلقت دارين مذكرتها ونظرت إليها وهمّت بالجواب.. ثم تريثت لحظة وقالت: "ينقال: ألف ألف مبروك."
            نظرت أمها إليها في استغراب ثم انصرفت دون أن تنطق بكلمة!
            ينقال أن دارين فيمينيست🙄

            تعليق

            مواضيع ذات صلة

            تقليص

            المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
            مغلق, ثابت: المُخَوزَقون بواسطة د.أنس أبوهيام
            أنشئ بواسطة د.أنس أبوهيام, 11 ينا, 2020, 02:28 م
            ردود 5
            143 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة د.أنس أبوهيام  
            أنشئ بواسطة د.أنس أبوهيام, 13 أغس, 2019, 05:09 م
            ردود 7
            432 مشاهدات
            2 معجبون
            آخر مشاركة د.أنس أبوهيام  
            أنشئ بواسطة د.أنس أبوهيام, 22 يون, 2019, 12:56 م
            ردود 0
            91 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة د.أنس أبوهيام  
            أنشئ بواسطة هشام المصرى, 30 ماي, 2018, 02:33 ص
            ردود 0
            188 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة هشام المصرى
            بواسطة هشام المصرى
             
            أنشئ بواسطة هشام المصرى, 7 ماي, 2018, 04:29 ص
            ردود 2
            260 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة هشام المصرى
            بواسطة هشام المصرى
             

            Unconfigured Ad Widget

            تقليص
            يعمل...
            X