كيف يتم الرد على الطعن فى سند القران برواية حفْص عن عاصِم ؟

تقليص

عن الكاتب

تقليص

THE HERO معرفة المزيد عن THE HERO
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كيف يتم الرد على الطعن فى سند القران برواية حفْص عن عاصِم ؟

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على اشرف المرسلين وعلى اله وصحبه اجمعين

    اخوانى الكرام

    ارجو الرد على هذا الموضوع الموجود فى الزريبة العربية


    المشاركة الأصلية بواسطة riyad مشاهدة المشاركة
    اذا ما اتينا للمسلم برواية لحديث ما .. وظهر بين سلسلة رواتها .. احد الضعفاء المتروكين .. ( بعد ان يوضع الحديث تحت مجهر الجرح والتعديل ) ..

    يرفضون هذا الحديث برمته .. وتلقون به جانباً ؟؟؟!!!

    حسنا وماذا عن القران ؟؟!!!
    اذ يرد في سلسلة سنده .. اكثر الاشخاص كذباً وضعفاً ..

    وهو :

    حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي


    لنقرأ معا :


    قال المزى فى "تهذيب الكمال" :
    " حفص بن سليمان "



    قال أبو قدامة السرخسى ، و عثمان بن سعيد الدارمى عن يحيى بن معين : ليس بثقة.
    و قال على ابن المدينى : ضعيف الحديث ، و تركته على عمد .
    و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : قد فرغ منه من دهر .
    و قال البخارى : تركوه .
    و قال مسلم : متروك .
    و قال النسائى : ليس بثقة ، و لا يكتب حديثه . و قال فى موضع آخر : متروك .
    و قال صالح بن محمد البغدادى : لا يكتب حديثه ، و أحاديثه كلها مناكير .
    و قال زكريا بن يحيى الساجى : يحدث عن سماك ، و علقمة بن مرثد ، و قيس بن مسلم
    و عاصم أحاديث بواطيل .
    و قال أبو زرعة : ضعيف الحديث .
    و قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت أبى عنه ، فقال : لا يكتب حديثه ، هو ضعيف الحديث ، لا يصدق ، متروك الحديث .قلت : ما حاله فى الحروف ؟ قال : أبو بكر بن عياش أثبت منه .
    و قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كذاب متروك يضع الحديث .و قال الحاكم أبو أحمد : ذاهب الحديث .
    و قال يحيى بن سعيد ، عن شعبة : أخذ منى حفص بن سليمان كتابا فلم يرده ، و كان
    يأخذ كتب الناس فينسخها
    .
    و قال أبو أحمد بن عدى ، عن الساجى ، عن أحمد بن محمد البغدادى ، عن يحيى بن
    معين : كان حفص بن سليمان ، و أبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم ،
    و كان حفص أقرأ من أبى بكر ، و كان كذابا ، و كان أبو بكر صدوقا .
    قال أبو أحمد : و لحفص غير ما ذكرت من الحديث ، و عامة حديثه عمن روى عنهم غير
    محفوظة .
    قيل : إنه مات سنة ثمانين و مئة و له تسعون سنة .
    و قيل : مات قريبا من سنة تسعين و مئة ، قاله أبو عمرو الدانى المقرىء ، و قال
    : قال وكيع : كان ثقة .
    روى له : الترمذى ، و النسائى فى " مسند على " متابعة ، و ابن ماجة . اهـ .



    راجع : تهذيب الكمال - للمزي
    ___________________________

    اذن
    حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي .. كذاب




    ولنقرأ ايضاً :


    وقال بن خراش كذاب متروك يضع الحديث وقال أبو أحمد الحاكم ذاهب الحديث وقال يحيى بن سعيد عن شعبة أخذ مني حفص بن سليمان كتابا فلم يرده وكان يأخذ كتب الناس فينسخها وقال الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن بن معين كان حفص وأبو بكر من أعلم الناس بقراءة عاصم وكان حفص أقرأ من أبي بكر وكان كذابا وكان أبو بكر صدوقا وقال بن عدي عامة حديثه عمن روى عنهم غير محفوظ قيل أنه مات سنة 18 وله تسعون سنة وقيل قريبا من سنة تسعين قاله أبو عمرو الداني وقال قال وكيع كان ثقة أخرج النسائي حديثه في مسند علي متابعة قلت وقرأ عليه هبيرة التمار وأبو شعيب القواس وعبيد بن الصباح وقال بن حبان كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل وحكى بن الجوزي في الموضوعات عن عبد الرحمن بن مهدي قال والله ما تحل الرواية عنه وقال الدارقطني ضعيف


    تهذيب التهذيب لإبن حجر العسقلاني ، حرف الحاء



    لنقرأ ايضا من يتخدون منه قرانهم


    وقال البخاري : تركوه . وقال أبو حاتم : متروك لا يصدق . وقال ابن خراش : كذاب يضع الحديث . وقال ابن عدى : عامة أحاديثه غير محفوظة . وقال ابن حبان : يقلب الاسانيد ، ويرفع المراسيل ، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع . وقال أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى القطان ، قال : ذكر شعبة حفص بن سليمان فقال : كان يأخذ كتب الناس وينسخها ، أخذ منى كتابا فلم يرده .

    ميزان الاعتدال في نقد الرجال - للذهبي


    كيف تثقون بهكذا كذاب .. ؟؟!!!!



    القران فمهما كان سنده قوياً ومتصلاً ..
    الا ان وجود اكبر الكذابين بينهم .. يدخل الشك والتكذيب في سنده ..
    فما بالكم وهو حفص "صاحب الرواية" الذي تجدون اسمه في نهاية مصحفكم ؟؟!!
    هكذا :
    كتب هذا المصحف الشريف وضبط على ما يوافق رواية حفص بن سليمان



    رواية حفص ..!!!

    بينما قيل عنه بانه :


    كذاب
    ليس بثقة
    والله ما تحل عنه الرواية
    يضع الاحاديث
    يرفع المراسيل
    يقلب الاسانيد

    التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:25 ص.
    وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام : 108]

  • #2
    جاري إعداد رد متكامل حول الموضوع.............وبعون الله أطرحه اليوم.....فانتظر ما يسرّك
    التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:24 ص.

    تعليق


    • #3
      أتعجّب دائما من الشبهات التي يحاول أن يثيرها النصارى.... ومثار عجبي هو أن هؤلاء القوم لا علم لهم بما ينقلونه..ولذلك فإنهم يقعون في أخطاء شنيعة كما قال أحدهم (وهذا خبر واقعي) أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – له علاقة بالسلاح النووي!!! بدلالة كتاب (الأربعين النووية ) ....فإذا كان هذا هو مستوى تفكيرهم فلا عجب إذاً أن تراهم متمسّكين بفكرة التثليث على الرغم من مخالفتها لأبسط قواعد العقل ...


      والجواب الذي سأسطّره هنا سيكون جواباً تأصيليّاً للمسألة كلّها حتى نفهم قواعد اللعبة (كما يقولون)... و حتى يتمكّن القاريء المسلم من الحصول على نظرة شمولية للمسألة كلّها.... وإلا فإن محاورة النصارى حول هذه الشبهة المتهافتة يحتاج إلى استراتيجيّة أخرى لعلِّي أُشير إليها في نهاية الجواب....


      ولا أزعم أبدا أن كلّ ما أقوله هنا هو من بُنيّات أفكاري أو محض جهودي.... فلابد من الإشارة إلى استفادتي من مقالات مختلفة.... ومشورة مشايخ في علم القراءات متخصّصين في هذا الشأن... إضافة إلى جهودٍ فرديّةٍ في البحث والتوثيق.... ثم قمت بإعادة صياغة كل ما وصل إليه مع وجود اقتباسات في محلّها.... ليخرج الجواب في ثوبه المناسب.... والله أسأل أن يجعل عملي هذا لوجهه خالصا.... وهو حسبي ونعم الوكيل....



      أولاً : قواعد عامّة لابد منها :


      القاعدة الأولى : أوّل فخ سقط فيه هؤلاء النصارى.... هو عدم معرفتهم أن القرآن متواتر كتابة ومشافهة.. والتواتر كما يعلمه كل مسلم...هو رواية جمع كبير يستحيل تواطؤهم عن الكذب عن جمعٍ مثله من مبتدأ السند إلى منتهاه.... ومعنى هذا أن يروي الآلاف عن الآلاف عن الآلاف إلى يومنا هذا.... كلّهم يروون القرآن على هذا الوجه.... ومثل هذه الصفة لم تجتمع في كتابٍ قط سوى كتاب الله تعالى .... مصداقاً لقول ربنا تبارك وتعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر -9)...



      القاعدة الثانية : إن نسبة القراءة لإمام من الأئمة ليست نسبة ابتداءٍ أو إنشاء.... بل هي نسبة اشتهار .... معنى ذلك... إذا قيل مثلا : قراءة عاصم.... ليس معناها أن الإمام عاصم هو الذي (اخترع) هذه الطريقة في قراءة القرآن.... أو أن معناها أنه (أوّل ) من قرأ القرآن على هذا النحو.... ولكن معناها أن أشهر من قرأ القرآن بالطريقة الفلانية و أتقنها من بيْن مُعاصِريه هو (عاصم) ... ولتوضيح هذا المعنى يقول إمام القراءات ابن الجزري :
      " وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الأمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به، فآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد " .


      إذا عُرِفت هاتين القاعدتين ... تبيّن تهافت الشبهة التي حاولوا بها أن يغطّوا شمس الحقيقة... ويبدو ماثلاً لمن تأمّل كلامهم أنهم لا يدرون ما الذي يقولونه.... انظر إليهم حينما قالوا :
      (فما بالكم وهو حفص "صاحب الرواية" الذي تجدون اسمه في نهاية مصحفكم ؟؟!! هكذا :كتب هذا المصحف الشريف وضبط علىما يوافق رواية حفص بن سليمان )..
      والسؤال الذي يطرح نفسه :
      - هل أخذ الناس القرآن عن طريق الإمام حفص؟؟؟


      - وإذا كان حفص – وحاشاه – أبدل شيئا من القرآنهل كان معاصروه سيسكتون عن ذلك ؟!


      - ألا يعلم النصارى أن الإمام حفص أخذ قراءته عن الإمام عاصم – حينما كان يدْرُس على يديه – وكان يشاركه في تلقّيه تلك الرواية الإمام شعبة.... فهل نقلت لنا المصادر استنكار شيخه عاصِم أو رفيق دربه شُعبة عن قراءته تلك ؟!

      - وكان حفْص واحِداً من أكثر من سبعين قارِئاً معاصِراً له ومن نفس طبقتِهِ جميعهُم أخذوا القراءة عن عاصِم , فهل كان سيشتهِر هو من بين هؤلاء القراء جميعاً إن كانت قِرائته غير صحيحة ؟!!!

      - وأخيرا : هل يستطيع النصارى أن ينقلوا لنا من مصدرٍ يُنْسَب إلى حفص تغييراً أو تبديلاً أو إضافة أو نقص حرفٍ ( ولا أقول كلمة ) من كتاب الله.... بحيث يقول عنه معاصروه أو من بعده ذلك؟؟؟؟ ... سيظل هذا السؤال معلّقا إلى يوم الدين ...




      وبضدّها تتميز الأشياء....
      فدعونا نطالع ما يُسمّى بالإنجيل عندهم ... فنرى أن مرويّات النصارى مختلفة بل ومتناقضة.... ونحن المسلمين لا نتكلم هنا عن اختلاف رسم كلمة مثلا .... بل عن تناقضٍ صارخ بين مدلولات النصوص الإنجيلية .... إلى حدٍ وصل فيه الاختلاف بين النسخ إلى عشرات الصفحات ... والأُخوة في هذا الموقع جزاهم الله خيرا متخصّصون في هذا الجانب وقادرون على توثيق الكثير من ذلك....



      وإتماما للفائدة ننتقل للحديث حول ما قيل في حقّ الإمام حفص رحمه الله .... وبيان حقيقته... وذلك من خلال ما يلي :


      القاعدة الثالثة : لا يجوز حمل كلام المتكلم على عرف غيره ، فمثلا : يتحدّث أهل اللغة عن (الذرّة) ويعنون بها الحبّة الصغيرة .... ويتحدّث أهل الفيزياء عن ( الذرّة) ويعنون بها جزيء العنصر.... ويقول أهل مصر : (فوت) ويقصدون به الدخول.... ويقول أهل السودان (فوت) ويقصدون به الطرد من المجلس ... فإذا جاء شخصٌ وحمل كلام أهل اللغة مثلا عن الذرّة على معنى الفيزيائيين فلا شك ولا ريب أن هذا العمل من الظلم والهوى والطغيان ، فحينما ينقل أهل الحديث تضعيف حفص أو عاصم في كتب الحديث فإن هذا الضعف في الحديث لا في الحروف والقراءات .


      القاعدة الرابعة : هناك فرق بين التوثيق للحديث و التوثيق للقراءة .... ويجِب مُراعاة التخصُّصيّة , فعالِم التاريخ لا يؤخذ عنه في الجُغرافيا , والمُتخصص في الجيولوجيا قد يكون ضعيفاً أو معدوم العِلْم في الفلك , وهكذا فقد يكون الإمام عالِماً في اللغة جاهِلاً بالفِقْه أو مُفسِّراً لِلقرآن ولا يُقْبَل فِقْهُه , و هكذا الأمر بالنسبة للقِراءات فقد يكون الإمام عالما في القراءات ولا يُقبل حديثه .. ذلك لأنه قد يكون متقناً لتلك القراءة ، ومُبَرِّزاً في علمها ، لكونه أنفق فيها جل حياته ، واعتنى بطلبها وتدريسها عناية فائقة ، بينما يكون مقصرا في فن الحديث لعدم إعطائه تلك العناية ، فيكون عمدة في فنه الذي ضبط معرفته وأتقنه ، وتنزل مرتبته فيما قصّر فيه ، بل قد يكون فيه غير معتمد ، والتخصّص في الفن أمرُ وارد جدّاً ومعروف في التاريخ ....
      وإن إطلالة سريعة في كتب التراجم تؤكّد لنا ذلك....

      فكم من إمام كان إماماً في التفسير مع ضعفه في الحديث كالإمام الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني ، وكم من إمام عمدةٍ في الحديث ضعيفٍ في القراءات كالإمام الأعمش ، وكم من إمام في السيرة والمغازي غير مجود في الحديث كالإمام ابن إسحاق والواقدي وغيرهما ، وكم من إمامٍ في الفقه ضعيفٍ في الحديث كالإمام الأشبيلي ، والأمثلة تطول .


      القاعدة الخامسة : بإجماع أهل العلم بأن حفصاً إمام في القراءات ولا يوجد طعنٌ واحدٌ فيما يتعلّق به في علم القراءات ، والجميع يقرون بإمامته في الاقراء وماتعرضوا لعدالته ، أو الطعن بقراءته قط .
      وتكاثرت نصوص الأئمة في إثبات إمامته والإجماع على قراءته.... ونكتفي هنا بقول الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام : " فأما في القراءة فثبتٌ إمام " ، وقول الإمام المناوي في فيض القدير : " حفص بن سليمان ابن امرأة عاصم ثبت في القراءة " .
      وإذا ادّعى أحد النصارى أن أحداً من الأئمة طعن في قراءته فليتفضّل بتلك المرويّة من مصدرها....ولن يستطيعوا ذلك .
      القاعدة السادسة : مما يشترطه أهل الحديث في الراوي أن يكون رواية الحديث أن يكون عدلاً ضابطاً . وحفص بن سليمان بالإجماع عدل لكنه ليس ضابطاً لذلك ترك حديثه ، و لا يقدح ذلك في عدالته ، وكل من ترجموا للإمام حفص تطرّقوا إلى ضعفه في الحديث وإمامته في القرآن ..
      فقد قال الحافظ ابن حجر :" متروك الحديث مع إمامته في القراءة " ( تقريب التهذيب )

      وقال الهيثمي :" وفيه حفص بن سليمان القاريء وثقه أحمد وضعفه الأئمة في الحديث ( مجمع الزوائد )

      وقال المناوي وغيره :" حفص بن سليمان ابن امرأة عاصمثبت في القراءة لا في الحديث (فيض القدير) .

      قال الذهبي في تاريخ الإسلام (وفيات سنة 130هـ ص 140) :" فأما في القراءة فثبتٌ إمام ، وأما في الحديث فحسن الحديث"
      وحتى الألفاظ الواردة في تهذيب الكلام كلّها تدور حول قضيّة ضبطه .. وبالتالي عدم الثقة بمرويّاته... وهي الألفاظ التالية : (ليس بثقة - ضعيف الحديث – تركوه - لا يكتب حديثه - أحاديثه كلها مناكير - )....



      بقي أمر آخر.... وهو ما ذُكر من قدحٍ في عدالة الإمام حفص واتهامه بالكذب....


      ويمكننا تناول تلك النسبيتين على حدة :

      النسبة الأولى : ما ذكره صاحب تهذيب الكمال : ((وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش كذاب متروك يضع الحديث )))....
      فهذا خبرٌ من رافضي مجروح في عدالته .... كما قال الإمام ابن زرعة : ((قال عبدان كان يوصل المراسيل وقال بن عدي كان يتشيع وقال أبو زرعة محمد بن يوسف الحافظ كان خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا)))

      وقال الإمام الذهبي في لسان الميزان : ((هذا والله الشيخ المعثّر الذي ضل سعيه .... وبعد هذا فما انتفع بعلمه)))
      والسؤال الذي يطرح نفسه ... هل يُقبل قول شخصٍ لا يُعتدّ به في حقّ آخر شهد له الجميع بعدالته ؟؟؟
      يقول الإمام الذهبي :

      " إن ضعف الراوي ولم يكن الطاعن من أهل النقد ،وقليل الخبرة بحديث من تكلم فيه ، فلا يعتد به ولا يعتبر ولا يعتد بجرحه مثال ذلك : أبان بن يزيد العطار أبي يزيد البصري الحافظ ، فقد روى الكديمي تضعيفه ، والكديميواهِ ليس بمعتمد " . ( ميزان الاعتدال 1/16) " .


      النسبة الثانية : نسبة تكذيب الإمام يحيى بن معين له ، فقال :" أنا الساجي ثنا أحمد بن محمد البغدادي قال سمعت يحيى بن معين يقول :" كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم وكان حفص أقرأ من أبي بكر وكان أبو بكر صدوقا وكان حفص كذابا " .


      والجواب على ذلك :

      أولا : ((من الملاحظ في السند أن الراوي والناقل عن الإمام يحيى هو ابن محرز أحمد بن محمد البغدادي ، ، فالراوي عن ابن معين هو ابن محرز أحمد بن محمد البغدادي وهو مجهول ، فلم يُذْكر في كتب الجرح والتعديل ولم يذكروا فيه لا جرحا ولاتعديلا فهو مجهول الحال , والسند ضعيف لا يثبت.))))


      ثانيا : (((بالرغم من أن السند لا يثبت فقد خالف الثقات الأثبات من تلاميذ ابن معين ، فقد روى عثمان بن سعيد الدارمي وأبو قدامة السرخسي كلاهما عن ابن معين أنه قال في شأن حفص بن سليمان :" ليس بثقة " ،))) وهذه اللفظة كما أُشير إليه سابقاً تتحدّث عن ضبطه .. ولا تتحدّث أو تطعن في عدالتِه ..!!


      ثالثا : جاء عن الإمام يحيى بن معين نفسه تعديل للإمام حفص بن سليمان ... فقد قال في معرض حديثه عن روايته للقرآن : (((قال يحيى بن معين : الرواية الصحيحة التي رُويت عن قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان (1/ 230 )غاية النهاية في طبقات القرّاء .)))
      فهل إن كان حفْص كذاباً – وحاشاه أن يكون كذلك ــ عِنْد يحيى بن معين , كما ادّعى الكذبة , فهل يُعقل أن يقول عنه الإمام يحيى بن معين نفسُه عنه في روايتِه للقرآن: أنه أصدق من روى ؟!!


      رابعا : إذا تنزّلنا بقبول الرواية فهناك أمران ملفتان للنظر :

      1- فإن كلام الإمام يحيى يسلتزم منه توثيق الإمام حفص في عدالته....

      وإليكم بيان ذلك من نفس كلام يحيى بن معين : (((قال ابن معين رحمه الله تعالى :كان حفص بن سليمان و أبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم ، وكان حفص أقرأ من أبي بكر ، وكان كذابا وكان أبو بكر صدوقا ". فابن معين رحمه الله تعالى تكلم عن حالهما في القراءة وفي الحديث .

      أولا : أثبت له مع أبي بكر بن عياش كثير علم بقراءة عاصم فقال ( من أعلم الناس ) وهذه صيغة تفضيل.

      ثانيا : أثبت له أفضلية على أبو بكر بن عياش في القراءة فقال ( أقرأ منأبي بكر ) وهذه صيغة تفضيل كسابقتها ، ثم فرق ابن معين رحمه الله تعالى بينهما فيالحديث فقال عن حفص ( وكان كذابا ) وقال عن أبو بكر بن عياش ( وكان صدوقا) .


      بالله عليكم يا عرب أليس من كَذَّبَ الإمام حفص في الحديث هو ذاته من صدقه وقدمه في القراءة وهو يحيى بن معين؟ ))))
      2- أما الأمر الآخر فهو : أن ((((الكذب في اللغة قد يطلق على الخطأقال ابن حبان – رحمه الله - :" وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذِباً وقال ابن حجر في ترجمة برد مولى سعيد بن المسيب :" قال ابن حبان في الثقات :" كان من الثقات كان يخطيء ، وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذباً ، قلت : - أي ابن حجر - : يعني قول مولاه : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس – رضي الله عنهما))))



      (((بل إن الكذب يطلق في لغة العرب بمعنى الخطأ وهذا سائغ معروف لمن له ادنى بصيرة في علم العربية لا علم الشعوبية.

      انظر على سبيل المثال تاج العروس للزبيدي ولسان العرب لابن منظور وتهذيب اللغة للأزهري وغيرها
      قال ابن منظور رحمه الله تعالى في لسان العرب 1/709 : وفي حديث صلاة الوتر كذب أبو محمد ( رضي الله تعالى عنه ) أي أخطأ ؛ سماه كذبا لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب كما أن الكذب ضد الصدق ، وإن افترقا من حيث النية والقصد لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب ، والمخطىء لا يعلم ، وهذا الرجل ليس بمخبر ، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب ، والاجتهاد لا يدخله الكذب وإنما يدخله الخطأ ، وأبو محمد ( رضي الله عنه ) صحابي واسمه مسعود بن زيد .


      وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ ، وأنشد بيت الأخطل : كذبتك عينُك أم رأيت بواسط ٍ , وقال ذو الرمة : وما في سمعه كذب , وفي حديث عروة ، قيل له : إن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة بضع عشرة سنة ، فقال : كذب ، أي أخطأ .


      ومنه قول عمران لسمرة ( رضي الله تعالى عنهما ) حين قال : المغمى عليه يصلي مع كل صلاة صلاة ً حتى يقضيها ، فقال : كذبتَ ولكنه يصليهن معا ، أي أخطأت َ .انتهى من لسان العرب))))).



      خامسا : ((((أهل الحديث يتشددون في موضوع الكذب فكيف يقبلون قراءة الكذاب لكتاب الله ؟!!)
      فمن غير المقبول شرعاً ولا عقلاً عدم قبول رواية الكذاب ومن اتهم بالكذب في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بينما تقبل روايته في كتاب الله ، فأهل العلم قد ردوا رواية من جرى على لسانه الكذب في حديث الناس حتى لو لم يتعمد الكذب في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لاحتمال أنيكذب في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حماية وصيانة لحديث رسول الله – صلىالله عليه وسلم - ، فلا يتصور أن تقبل قراءته وروايته لكتاب الله))))


      انتهى الرد بحمد الله تعالى


      *********

      أما ما يتعلّق بالحوار مع النصارى في هذه القضية....فسياسته الناجحة أن تبدأ بالهجوم.... وذلك من خلال تحدّيه وإبداء الاستعداد للنقاش حتى النهاية.... بشرط أن يلتزم بالموضوعية وعدم الخروج عن الموضوع وإغراقه بشبهات جديدة.... ثم تحدّيه أن يعلم معنى المصطلحات الشرعية : التواتر ... ضعيف – تركوه – قول أهل الحديث أنا وثنا - ....إلخ .... الهجوم على كتابه المقدّس وبيان تحريفاته التي لا تنتهي .... بمعنى آخر .... لا تستخدم أسلوب ( قص – لصق) ... ولكن حاصره في الزاوية حتى يتلقّى درسا لا ينساه دون أن تترك له فرصة للهروب.


      بشرط مهم : لا تستخدم أبدا ألفاظا جارحة في حق من تحاوره.... لأن هذه هي أوسع بوابة تفتحها له للهروب من الحوار الناجح.... وسيدخلك في قضايا جانبية لا تنتهي.......ركّز على القضيّة واستعن بالله ولا تعجز....


      والحمد لله أولا وآخرا .
      التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:24 ص.

      تعليق


      • #4
        جزاكم الله خيرًا أخي الكريم السائب على الإجابة ..

        وأضيف للأخ الكريم هيرو إجابة الأخ أبي عبيدة؛

        كثيراً ما نرى الروافض والملاحدة عليهم من الله ما يستحقون يطعنون في القرآن ويصفونه بأنه محرف
        ومن ذلك طعنهم في " حفص بن سليمان بن المغيرة"

        الرد
        بالله نستعين
        وقبل تبيان امامة حفص في القرآءة
        أحب ان أبين لكم أن حفص هو أحد رواة لقرآءة عاصم ولعاصم الكثير من الرواة
        تلاميذ عاصم الذين قرؤوا عليه القرآن كثيرون جداً ، وقد قرأ على كل واحد منهم جماعة ، وبعض روايات عاصم الزائدة على روايتي شعبة وحفص ظلت أسانيدها متصلة بالقراءة والإقراء بها إلى زمن الإمام ابن الجزري في القرن التاسع الهجري والى الآن يعطى اجازة لبعض القرآء
        الذين يقرؤن بهذه الروايات
        تلاميذ عاصم الذين قرؤوا عليه عد منهم الإمام ابن الجزري في غاية النهاية في طبقات القراء ثلاثة وعشرين راوياً رووا عنه القرآن كاملاً ، ثم قال وخلقٌ لا يحصون ، ثم ذكر بعد ذلك بعض من قرأ عليه بعض الحروف [ أي الكلمات المختلف فيها بين القراء ] فقط ، فقال :
        عاصم بن بهدلة أبي النجود بفتح النون ..الكوفي الحناط بالمهملة والنون شيخ الإقراء بالكوفة وأحد القراء السبعة..... روى القراءة عنه أبان بن تغلب وأبان بن يزيد العطار وإسماعيل بن مخالد والحسن بن صالح وحفص بن سليمان والحكم بن ظهير وحماد بن سلمة في قول وحماد بن زيد وحماد بن أبي زياد وحماد بن عمرو وسليمان بن مهران الأعمش وسلام بن سليمان أبو المنذر وسهل بن شعيب وأبو بكر شعبة بن عياش وشيبان بن معاوية والضحاك بن ميمون وعصمة بن عروة وعمرو بن خالد والمفضل بن محمد والمفضل ابن صدقة فيما ذكره الأهوازي ومحمد بن رزيق ونعيم بن ميسرة ونعيم بن يحيى وخلق لا يحصون .
        وروى عنه حروفاً من القرآن أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد والحارث بن نبهان وحمزة الزيات والحمادان والمغيرة الضبي ومحمد بن عبد الله العزرمي وهارون بن موسى .اهـ( غاية النهاية 1/275، 276 )

        فلو أفترضنا أن عاصم لحن في أي صورة أو أية أو كلمة من آية فسوف يرد عليه اصغر طويلب علم
        لانا أثبتنا تواتر القرآءة وكثرة الرواة فهي لم تقتصر عليه وحده
        وعودا إلى موضوعنا نقول القرآن ليس منقولا بأسانيد آحاد، يعرف ذلك عوام المسلمين فضلا عن طلبة العلم.

        يبقى الكلام على الأسانيد، وهي دونت للحفاظ على السلسلة المتصلة لا أكثر، وحين تقول قراءة عاصم فأنت إنما تعني قراءة أهل الكوفة أو جماعة كبيرة منهم يستحيل تواطؤهم على الكذب في ذلك العصر. وإنما نسبت له لتصديه للإقراء وإتقانه وما بارك الله له فيه من طول العمر،

        نافع عمره 90 سنة

        ابن كثير 75 سنة

        أبو عمرو 86 سنة

        ابن عامر 100 سنة

        حمزة 76 سنة

        الكسائي 70 سنة

        أما عاصم عمر طويلا ومات سنة 127 هـ وهو شيخ قراء الكوفة بعد أبي عبد الرحمن السملي
        =============




        وقد جرى بين الإمام ابن الجزري والإمام الذي بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق عبدالوهاب بن السبكي الشافعي رضي الله عنه كلام كثير في موضوع القراءات فتوجه له ابن الجزري بالسؤال وقال:
        ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في القرآن والقراءات العشر التي يقرأ بها اليوم هل هي متواترة أو غير متواترة؟ وهل كل ما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا وإذا كانت متواترة فيما يجب عليى من جحدها أو حرفا منها.

        فأجاب ما نصه:

        الحمد لله، القراءات التي اقتصر عليها الشاطبي والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين بالصرورة وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ولو كان مع ذلك عاميا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا.
        ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا يسع هذه الورقة شرحه. وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه والله أعلم.


        وانظر منجد المقرئين لابن الجزري تجد أدلة تواتر قراءة كل واحد من السبعة والآثار الدالة على ذلك وكيف أنه لو انفرد أحد بحرف عن ناحية أهل ذلك البلد من القراء كيف كانوا ينكرون ذلك عليه حتى لو كان سنده الآحاد صحيحا. لأن القرآن تعريفه أنه كلام الله المكتوب بين الدفتين المنفول إلينا بالتواتر المعجز بتلاوته.

        أما عن أتهام حفص بالضعف والكذب
        إعلم أنه لايستلزم من كون الإنسان ثقة في علم القراءات أن يكون ثقة في علم الحديث، وهذا أمر معروف بداهة لأئمة الحديث والقراءات، وعلى كل فسوف أنقل لك ما قاله الإمام شمس الدين الذهبي ، في حفص، وقد اخترت أن أنقل لك كلام الإمام الذهبي دون غيره من الأئمة، لأنه كان إمامًا في علمي الحديث والقراءات ، فقال - رحمه الله تعالى - لما ترجم لحفص بن سليمان في كتابه معرفة القراء الكبار (1/140-141):
        (( المقرئ الإمام صاحب عاصم )) ثم قال بعد أن أورد كلام من تكلم فيه في الحديث: (( أما في القراءة فثقة ثبت ضابط لها بخلاف حاله في الحديث ... وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم. أقرأ الناس دهرًا )).
        وقال في السير ( 8/497): (( حجة في القراءة، لين في الحديث )).
        وقال في السير أيضًا ( 5/260 ): (( كان ثبتًا في القراءة ، واهيُا في الحديث )).
        وقال في التذكرة ( ص 1031): (( إمامًا في القراءة ، تالف في الحديث )).
        فتبين لك من ذلك – ايها الرافضي الخبيث – أن الضبط في الحديث شيئ، وفي القراءة شيئ آخر.

        أما اتهامه بالكذب
        الصواب أن الكذب هنا هو الإخبار بخلاف الواقع خطأً وسهواً وليس عن تعمد ، وكذلك قولهم لا يصدق يحمل على أنه يخبر بخلاف الصواب عن خطأ وسهو بسبب قلة ضبط للحديث ، لا أنه يتعمد الكذب ، مع ملاحظة أن من يصفه أئمة الجرح والتعديل بأنه يكذب ليس بالضرورة أنه يضع متونا من تأليفه وينسبها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما يقصد بها أحيانا أنه يرفع الموقوفات أو العكس ويسند المرسلات أو العكس ويركب أسانيد أحاديث على متون أحاديث أخرى ونحو هذا ،ولقد أورد تلك الأسباب علماء الجرح والتعديل ومثل هذه الأمور قد تقع بسبب قلة الضبط وعدم العناية بالحديث لا بسبب تعمد الكذب ، وهذا الذي يحمل عليه حال حفص ، وبهذا نوفق بين ثناء أئمة القراءة على دين حفص وخلقه وإتقانه للقراءة وإفنائه عمره في تعلم القرآن وتعليمه ، وبين وصف من وصفه من أئمة الحديث بالكذب .

        فعلم لو كان الطعن بالكذب أي بالكذب المتعمد عن الرسول وهذا محال لعدم وجود شواهد

        لم حكمت عليه بقول ابن معين وأبو أحمد الحاكم رحمهما الله تعالى وقول ابن خراش ، وتركت قول الأكثرين وأقوالهم مبثوثة في تهذيب الكمال في نفس الموضع أم أن الحكم تبع للهوى ، هل عندك دليل
        ولا اقول إلا
        عند الرهان يُعرف المضمار ويُعرف السابق والخوَّار ُ
        اتابع كلامي.
        * فرق عندنا بين من تركه أهل الحديث ـ ( لا بل أقول من اتفق على تركه أهل الحديث ) ـ وبين من اتهموه بالكذب ، الترك متعلَّق الضبط عند الراوي ، والكذب متعلَّق العدالة ، فالراوي إذا كان ضابطا لحديثه لا يهم إلا في النادر فهذا هو الثقة ، فإن زاد وهمه فهو إلى الصدق أقرب ، فإن رأيته أكثر التفرد بما لا يتابعه عليه الثقات وخالف فهو الضعيف ، فإن رأيته واظب الخطأ والوهم وقلب الأسانيد ورفع الموقوفات ووقف المرفوعات وجاء بما يخالف الثقات الأثبات ولم تجده يكاد يوافق ثقة إلا في النادر فهذا هو المتروك والله تعالى أعلم .

        *إذا عرفت أنه متروك الحديث بسبب عدم حفظه ، فاعلم أن منشأ ضعف الحفظ عنده كثرة اهتمامه بالقرآن على حساب الحديث ، وهذا بالطبع أمر عادي جبلي موافق للعقل السليم ، وإنكاره جحود ومكابرة إذ من النادر أن تجد إماما يشار له بالبنان في علم ما إلا وهو إلى الضعف قريب في علم غيره ، وليس في هذا منقصة له ولله الحمد ، ولو نظر في فروع الطب مثلا لوجد أن الأطباء غير المتخصصين دائما هم الأضعف لأنهم لا يحيطون بجملة علم الطب ولا بجزء كامل منه على عكس المتخصصين .

        الرد على قول ابن خراش في حفص
        * قول ابن خراش كذاب متروك يضع الحديث فيه تحامل ، والتحامل سمة من سمات ابن خراش ، وابن خراش أصلا متكلم فيه ، يتوقف في قوله إذا انفرد فكيف إذا خالف ، قال ابن عدي رحمه الله تعالى في الكامل 1/518 سمعت عبدان نسبه غلى الضعف ، سمعت عبدان يقول ثنا خالد بن يوسف السمني ثنا أبو عوانة عن عاصم عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال : الحلال بين والحرام بين ... الحديث . قال لنا عبدان : وحدث به ابن خراش عن خالد بن يوسف مرفوعا ، وقد ذكر لي عبدان أن ابن خراش حدث بأحاديث مراسيل أوصلها ومواقيف رفعها مما لم يذكرها هنا .
        قال أبو أحمد بن عدي رحمة الله عليه : سمعت عبدان يقول قلت لابن خراش حديث لا نورث ما تركناه صدقة . قال : باطل ، قلت من تتهم في هذا الإسناد رواه الزهري وأبو الزبير وعكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان أتتهم هؤلاء ؟ قال : لا . إنما أتهم مالك بن أوس .
        قال أبو أحمد : سمعت عبدان يقول : وحمل ابن خراش إلى بندار جزأين صنفهما في مثالب الشيخين فأجازه بألفي درهم فبنى بذلك حجرة ببغداد ليحدث فيها ، فما متع بها ومات حين فرغ منها .
        قال أبو أحمد : وسمعت أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة يقول : كان ابن خراش في الكوفة إذا كتب شيئا من باب التشيع يقول لي : هذا لا ينفق إلا عندي وعندك يا أبا العباس .
        قال أبو أحمد : وسمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش هذا وقال : ما رأيت أحفظ منه ، لا يذكر له شيخ من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه .
        قال أبو أحمد بن عدي رحمه الله : وابن خراش هذا هو أحد من يذكر بحفظ الحديث من حفاظ العراق ، وكان له مجلس مذاكرة لنفسه على حدة وإنما ذكر عنه شيء من التشيع كما ذكره عبدان ، فأما الحديث فأرجو أنه لا يتعمد الكذب .
        وقال الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال 5014 قال أبو زرعة محمد بن يوسف الحافظ كان خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا ، وذكر الذهبي سؤال عبدان له عن حديث مالك بن أوس ثم قال ( أي الذهبي ) لعل هذا بدأ منه وهو شاب فإني رأيته ذكر مالك بن أوس بن الحدثان في تاريخه فقال ثقة ، ثم ذكر الذهبي قصة الجزأين مع بندار ثم قال هذا والله الشيخ المعثر الذي ضل سعيه فإنه كان حافظ زمانه وله الرحلة الواسعة والإطلاع الكثير والإحاطة وبعد هذا فما انتفع بعلمه فلا عتب على حمير الرافضة وحواثر جزين ومشغرا .
        وذكره ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الضعفاء والمتروكين 1912 فهو ضعيف متروك عنده .
        ومما يدلك على صحة ما أقول من تحامل ابن خراش ماجعتك لترجمة أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي ، من الحفاظ الثقات ، كذبه ابن خراش ، قال الذهبي رحمه الله تعالى : وقد آذى بذلك نفسه .
        والخلاصة أن ابن خراش في أصله مجروح لا يحل الاحتجاج به ، وهو مسرف جدا تكلم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحري أن لا يعتد بقول من هذه حاله .
        الرد على قول الحاكم
        * قول أبو أحمد الحاكم رحمه الله تعالى ذاهب الحديث لا يعني أنه كذاب بل يعني أنه لا يلتفت إلى حديثه بمعنى قولنا متروك وقد بينا فيما مضى أن الترك شيء والكذب شيء آخر .
        ذاهب الحديث هي عبارة جرح شديد تتجاذب بين الترك والتكذيب حتى عند الإمام الواحد أحيانا ، لكن الأعم الأغلب أنها تدل على ذهاب حديثه أي أن حديثه لا شيء ، أي تفيد الترك ، إذا عرفت هذا فهنا مسألة مهمة وهي أننا عند النظر في حال الراوي علينا مرعاة كلام الأئمة وعرض بعضه على بعض ودفع التعارض بينه ما أمكن ، فإذا رأينا راو الجمهور على تضعيفه جدا وتركه ولم يتهمه أحد ورأينا أحدهم قال فيه ذاهب الحديث ، فهل من المعقول أن نعارض كلامه بكلامهم ونقول تركوه وكذبه فلان أم الأولى أن نحمل قوله ذاهب الحديث على الترك ، وهذا موافق لكلامهم واللغة لا تأباه من حيث المعنى .
        فائدة واستطراد :
        ومثل هذا الأمر إذا وجدت عن إمام كبير قولين متعارضين الأول موافق لقول الجمهور والثاني مخالف له ، فالأولى أن تنسب إلى هذا الإمام ما يليق به من القول الموافق لغيره وأن تجعل قوله الثاني عُرضة لخطأ النقل أو النسخ وغير ذلك ، والله تعالى أعلم .
        ومما يدل على أن قولهم ذاهب الحديث جرح ضبط لا جرح عدالة :
        1- قال أبو عيس الترمذي رحمة الله عليه في الجمعة في باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب بع أن ساق الحديث : وحديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل بن عطية ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف ذاهب الحديث عند أصحابنا .
        2- وقال أيضا في الطلاق واللعان في باب طلاق المعتوه بعد أن ساق الحديث : هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث .
        3- وقال أيضا في الاستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب ما جاء في السلام قبل الكلام : وسمعت محمدا يقول عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب .
        وللاستزادة راجع تراجم هؤلاء في الجرح والتعديل :
        جراح بن المنهال ، خالد بن عبد الرحمن المخزومي ، داود بن الزبرقان ، داود بن المحبر ، ربيع بن بدر ،
        سليمان بن أرقم ، عمر بن أبي بكر العدوي ، موسى بن مطير ، نافع أبو هرمز . وغيرهم كثير يطول ذكرهم .
        أقول والأولى ههنا حمل هذا التركيب على الترك لا على الوضع ، لموافقته لقول غيره من الأئمة رحمة الله عليهم
        ومما يدلك على أن قول أبو أحمد الحاكم رحمه الله تعالى ذاهب الحديث يعدل قول غيره متروك في الغالب هو مطالعتك لتراجم هؤلاء :
        عبد الله بن شبيب الربعي ، راجع ميزان الاعتدال ، والعمل على ضعفه .
        حبيب بن أبي الأشرس ، راجع لسان الميزان ، والعمل على تركه .
        فرات بن السائب ، راجع لسان الميزان ، والعمل على تركه .
        جويبر بن سعيد الأزدي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه .
        عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه .
        عبد الحكيم بن منصور الخزاعي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه ، وقد كذبه ابن معين .
        على أن أبو أحمد الحاكم رحمه الله قد يستخدم هذا التركيب ( ذاهب الحديث ) في بعض الأحيان للوضع ، ومنه
        عبد الله بن زياد المخزومي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه وتكذيبه .
        عبد الرحمن بن قيس الضبي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه وتكذيبه .
        الخلاصة أن قولهم ذاهب الحديث متجاذب بين الترك والتكذيب كما ذكرت لكم سابقا ، والأكثر حمله على الترك وقد ذكرت لكم أمثلة كافية إن شاء الله ، والأولى ههنا حمله على الترك لا على التكذيب ، لموافقته لعموم ما قاله الأئمة رحمة الله عليهم ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا .
        8* قال ابن معين رحمه الله تعالى :كان حفص بن سليمان و أبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم ، وكان حفص أقرأ من أبي بكر ، وكان كذابا وكان أبو بكر صدوقا .
        الصحيح أن قول ابن معين رحمه الله تعالى يجب حمله على الخطأ ، وهذا بين ظاهر لمن تأمل كلامه وأنصف ، فابن معين رحمه الله تعالى تكلم عن حالهما في القراءة وفي الحديث ، أولا أثبت له مع أبو بكر بن عياش كثير علم بقراءة عاصم فقال ( من أعلم الناس ) وهذه صيغة تفضيل ، ثانيا أثبت له أفضلية على أبو بكر بن عياش في القراءة فقال ( أقرأ من أبي بكر ) وهذه صيغة تفضيل كسابقتها ، ثم فرق ابن معين رحمه الله تعالى بينهما في الحديث فقال عن حفص ( وكان كذابا ) وقال عن أبو بكر بن عياش ( وكان صدوقا ) .
        قلت أبو بكر بن عبد الوهاب : من آتاه الله فهما بكلام الأئمة رحمة الله عليهم لا يظن أن قوله ( كذابا ) بمعنى الافتراء والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كيف نجمع بين النقيضين معا ، نجعله كذابا في الحديث وإماما صادقا في القراءة ، هذا محال ، لأن العقل السليم يقول بأن من استحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رادع يردعه عن الكذب على الله تبارك وتعالى ، قد يورد علينا الخصم أن تكذيب ابن معين رحمه الله له في الحديث دليل على كذبه بالجملة فيسري كذبه إلى القرآن ، والجواب بسيط نقول : لكم ذلك لو أن ابن معين كذبه في الحديث فقط ، عندها يكون كَذِبَه في القرآن من باب أولى ، لكن هذا لم يقع ، فإن من كذبه في الحديث هو ذاته من صدقه وقدمه في القراءة ( أي ابن معين ) ، فهذا يعني أحد أمرين لا ثالث لهما إما أن ابن معين رحمه الله لا يعي ما يقول فيكذبه ويصدقه في آن ٍ معا ـ وهذا تخريف أن يقال مع إمام من أئمة أهل السنة كابن معين ـ والثاني أن نصحح قوله رحمه الله تعالى وندفع التعارض بين المعنيين ، عندها سنجد أن المقصود بتكذيبه تخطئته ، وهذا هو المعنى اللائق الذي تصح نسبته إلى هذا الإمام رحمة الله عليه ، وبالطبع لغتنا لا تأباه ولله الحمد ، قال ابن منظور رحمه الله تعالى في لسان العرب 1/709 : وفي حديث صلاة الوتر كذب أبو محمد ( رضي الله تعالى عنه ) أي أخطأ ؛ سماه كذبا لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب كما أن الكذب ضد الصدق ، وإن افترقا من حيث النية والقصد لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب ، والمخطىء لا يعلم ، وهذا الرجل ليس بمخبر ، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب ، والاجتهاد لا يدخله الكذب وإنما يدخله الخطأ ، وأبو محمد ( رضي الله عنه ) صحابي واسمه مسعود بن زيد .
        وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ ، وأنشد بيت الأخطل :
        كذبتك عينُك أم رأيت بواسط ٍ
        وقال ذو الرمة :
        وما في سمعه كذب
        وفي حديث عروة ، قيل له : إن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة بضع عشرة سنة ، فقال : كذب ، أي أخطأ .
        ومنه قول عمران لسمرة ( رضي الله تعالى عنهما ) حين قال : المغمى عليه يصلي مع كل صلاة صلاة ً حتى يقضيها ، فقال : كذبتَ ولكنه يصليهن معا ، أي أخطأت َ .انتهى من لسان العرب .
        قلت أبو بكر بن عبد الوهاب : وليس كل من قال في راو ( كذاب ) يعني أنه يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان الأصلُ في قولهم كذاب هو يضع الحديث ـ فمن ذا الذي يقول إن ابن إسحاق رحمه الله تعالى إمام المغازي يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يقول بهذا أحد ، ثم نجد مالك بن أنس رحمة الله عليه إمام أهل المدينة ، ويحيى بن سعيد القطان رحمه الله تعالى يكذبانه ، فهل هو ممن يستحل وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معاذ الله أن يفعل مثله هذا ، إذن كيف نوجه قولهما بتكذيبه ؟ الجواب أنهما أرادا بالكذب تدليسه ، وهذا استخدمه الأئمة رحمة الله عليهم إذ قالوا التدليس أخو الكذب ، فلا حرج إذن في قولهما ، إنما الحرج والإشكال في فهمنا لكلام الأئمة عليهم رحمة الله .
        مثال آخر ، قال الإمام مسلم رحمة الله عليه في مقدمة الصحيح ص19حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال حدثني الحارث الأعور الهمداني وكان كذابا.
        قال الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء 4/153 فأما قول الشعبي الحارث كذاب محمول على أنه عنى بالكذب الخطأ لا التعمد و إلا فلماذا يروي عنه ويعتقده يتعمد الكذب في الدين ...... انتهى كلامه رحمه الله .
        قلت أبو بكر بن عبد الوهاب : وقيل إنهم كذبوا رأيه ، وقيل إنهم كذبوا حكاياته ، وما قاله الذهبي رحمه الله تعالى أولى بالصواب .
        والحمد لله رب العالمين.
        [glow="Black"]
        « كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْماً أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ »
        جامع بيان العلم وفضله - ابن عبد البر
        [/glow]

        [glow=Silver]
        WwW.StMore.150m.CoM
        [/glow]

        تعليق


        • #5
          الاخ السائب سلمت يمينك جزاك الله خير وجعله في ميزان حسناتك

          جزا الله الاخ عمرو خير
          التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:22 ص.

          تعليق


          • #6
            مجهود رائع , بارك الله فيك وجعله فى ميزان حسناتك.
            *الإسلام دين الله به تستقيم الحياه*

            تعليق


            • #7
              الاخ الفاضل السائب

              جزاك الله خيرا رد منسق ومتكامل يدحض الشبهة تماااااااااااااااما

              والاخ الفاضل م.عمرو المصرى بارك الله فيك على هذه الاضافة

              جزاكم الله خيرا اخوانى الكرام وجعلكم الله ذخرا للاسلام والمسلمين
              التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:22 ص.
              وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام : 108]

              تعليق


              • #8
                الاخ الفاضل سائب

                بارك الله فيك وانار قلبك بنور العلم بالله

                جزاك الله خيرا اخ عمرو

                نفع الله بكما وبارك فيمن نقلتم عنهم

                اللهم امين
                التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:22 ص.

                :: للبحث عن كل شيئ وأى شيئ ::










                إِذا كُنْتَ لاَ تَدْرِي ، وَلَمْ تَكُ بِالَّذِي ** يُسائِلُ مَنْ يَدْرِي ، فَكَيْفَ إِذاً تَدْرِي

                تعليق


                • #9
                  جزاكم الله خيرا على هذا الرد الجميل
                  التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:21 ص.
                  لا اله الا الله محمد رسول الله

                  وليس في إسلامنا ما نخجل منه، وما نضطر للدفاع عنه، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسساً، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته ،ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجراً. ولا نريد علوّاً في الأرض ولا فساداً. ولا نريد شيئاً خاصاً لأنفسنا إطلاقاً، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس. إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبهم ونريد لهم الخير، مهما آذونا..

                  تعليق


                  • #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة السهم مشاهدة المشاركة
                    طب نشوف ايضا عن حفص بن سليمان



                    وقال ابن معين أيضا ليس بثقة وقال البخاري تركوه وقال أبو حاتم متروك لا يصدق وقال ابن خراش كذاب يضع الحديث
                    وقال ابن عدي عامة محفوظة
                    وقال ابن حبان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها سماع
                    وقال أحمد بن حنبل حدثنا يحيى القطان قال ذكر شعبة حفص بن سليمان فقال كان يأخذ كتب الناس وينسخها أخذ مني كتابا فلم يرده
                    وقال أحمد بن محمد الحضرمي سألت يحيى بن معين عن حفص بن سليمان أبي عمر البزار فقال ليس بشيء
                    حفص بن أبي داود هو بن سليمان قال بن عدي كذا يسميه أبو الربيع الزهراني لضعفه.
                    تهذيب التهذيب ج2 ص344


                    كما راينا فان حفص بن سليمان كذاب متروك (المتروك لفساد العقيده بحسب قول امير) بل يسرق الكتب( أخذ مني كتابا فلم يرده )

                    فهل القران برواية الكذاب سارق الكتب حفص بن سليمان


                    هل شخص يتهم بالكذب والسرقه يروى عنه القران فيصبح صادق امين

                    غريب هذا الامر ؟؟؟؟؟

                    الم اقل انها اراء ومجرد اراء

                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                    يبدو أن العضو السهم من هواة القص واللصق فهو لا يعي ما يقول على الأطلاق وهو غير معذور على الأطلاق لأنه ينبغي أن يكون ملما بعلم القرءات والحديث قبل أن ينقل هذا الكلام ولكن للأسف فقد نقله عن جهل وعمد في محاولة منه لأيهام القارئ بالطعن على حفص بن سليمان القارئ رحمه الله .

                    كما نرى أن كل ما تقدم به الضيف في الكلام على حفص بن سليمان كان في مجال الحديث وليس في علم القرءات فهو حتى الأن لم يقدم أي دليل واحد على أن العلماء قد ضعفوا حفص بن سليمان في القرءاة .

                    بل على العكس فالواقع وأقوال العلماء في حفص بن سليمان في علمه بالقرءات تمتدحه وقد تفضل الأخ الفاضل المهندس الدخاخني بتوضيح عددا من أقوال العلماء في هذا الأمر وسوف نزيد للعلم والمعرفة :-

                    لقد نقل لنا الأمام الذهبي وهو من الأئمة في علم القراءات والحديث سويا في كتابه معرفة القراء الكبار (1/140-141):

                    ( أما في القراءة فثقة ثبت ضابط لها بخلاف حاله في الحديث ... وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم. أقرأ الناس دهرًا )

                    وقال أيضا في كتابه السير ( 8/497): (حجة في القراءة، لين في الحديث ).

                    وقال في السير أيضًا ( 5/260 ): ( كان ثبتًا في القراءة ، واهيُا في الحديث ).

                    وقال في التذكرة ( ص 1031): ( إمامًا في القراءة ، تالف في الحديث ).

                    ومن هنا يتبين لنا أن الضبط في القراءة شئ والضبط في رواية الحديث شئ أخر .
                    ولكن السؤال الذي يطرح نفسه قويا .... لماذا كان حفص بن سليمان رحمه الله متروك الحديث ؟؟



                    كان متروك الحديث بسبب ضعف حفظه ومنشأ ذلك كثرة اهتمامه بالقرآن على حساب الحديث ، وهذا بالطبع أمر عادي جبلي موافق للعقل السليم ، وإنكاره جحود ومكابرة إذ من النادر أن تجد إماما يشار له بالبنان في علم ما إلا وهو إلى الضعف قريب في علم غيره ، وليس في هذا منقصة له ولله الحمد ، ولو نظر في فروع الطب مثلا لوجد أن الأطباء غير المتخصصين دائما هم الأضعف لأنهم لا يحيطون بجملة علم الطب ولا بجزء كامل منه على عكس المتخصصين .

                    ولنا في ذلك عدة أمثلة من هؤلاء العلماء الذين كانوا متميزين في علم معين وضعفاء في علم أخر وهذا لا يقدح فيهم على الأطلاق :-

                    1- عالم في القراءات ضعيف في علم الحديث :-
                    أبو بكر بن عياش الأسدي و حفص بن سليمان و عمر بن هارون بن يزيد الثقفي البلخي

                    وقد ذكر الأمام الذهبي ذلك في سير أعلام النبلاء عن أبو بكر بن عياش فقال ... ( وكذلك أبو بكر بن عياش الأسدي إمام في القراءات أما الحديث فيأتي بغرائب ومناكير )

                    وقال عن عمر بن هارون في كتابه ( تذكرة الحفاظ 1/341) :" ولا ريب في ضعفه ، وكان إماماً حافظاً في حروف القراءات " .

                    2-عالم في التفسير وغير قوي في الحديث :-
                    الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني

                    قال الذهبي عنه في سير اعلام النبلاء (4/598) : " صاحب التفسير .... وليس بالمجود لحديثه " .

                    3-عالم في الحديث ضعيف في القراءات :-
                    الأعمش

                    قال الذهبي عنه في سير أعلام النبلاء ( 5 / 260 ) : " وكان الأعمش بخلافه- أي حفص - كان ثبتاً في الحديث ، ليناً في الحروف ، فإن للأعمش قراءة منقولة في كتاب " المنهج " وغيره لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع ، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر والله أعلم " .

                    4-عالم في المغازي غير مجود في الحديث : -
                    ابن إسحاق و سلمة بن الفضل الرازي و الواقدي

                    قال الذهبي عن ابن اسحاق :" فله ارتفاع بحسبه ولا سيما في السير ، وأما في الأحاديث فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن ، إلا فيما شذ فإنه يعد منكرا "

                    وقال أيضا :" قد كان في المغازي علامة " ( سير أعلام النبلاء 7/37) .

                    وقال عن سلمة بن الفضل الرازي " كان قوياً في المغازي ... وقد سمع منه ابن المديني وتركه " ( سير أعلام النبلاء 9/50) وقال البخاري :" عنده مناكير " وقال النسائي :" ضعيف " .

                    وكذلك قال الذهبي عن الواقدي :" لا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم ".وقال النسائي :" ليس بثقة " وقال مسلم وغيره :" متروك الحديث "

                    5-عالم في الفقه ضعيف في الحديث :-
                    الإمام أبو حنيفة رحمه الله صاحب أشهر المذاهب الفقهية الأربعة

                    قال الذهبي :" الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام ، وهذا أمر لا شك فيه " ( السير 6/403)

                    وضعفه من جهة حفظه في الحديث النسائي وابن عدي والخطيب .قال النسائي :" ليس بالقوي في الحديث " ( الضعفاء والمتروكون 237 ) .

                    إمام الحرمين الشافعي الجويني : يقول الذهبي :" كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع والأصول وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به ، لا متناً ولا إسناداً " ( سير أعلام النبلاء 18/471) .

                    محمد بن عبد الله الإشبيلي المالكي (ت586هـ ) : قال الذهبي :" وكان كبير الشأن ، انتهت إليه رئاسة الحفظ في الفتيا ، وقُدم للشورى من سنة إحدى وعشرين ، وعظم جاهه ، ونال دنيا عريضة ، ولم يكن يدري فن الحديث ... وكان فقيه عصره " ( سير أعلام النبلاء 21/178) .

                    وكذلك الخصيب بن جحدر البصري : قال الذهبي :" وكان من الفقهاء لكنه متروك الحديث " ( تاريخ الإسلام وفيات سنة 150هـ ص 125 ) .

                    6-عالم في الحديث ضعيف في الفقه :-
                    سعيد بن عثمان التجيبي

                    قال الذهبي :" وكان ورعاً زاهداً حافظاً ، بصيراً بعلل الحديث ورجاله ، لا علم له بالفقه " ( تاريخ الإسلام وفيات سنة 301 -310 هـ ص 159 ) .

                    7-عالم في اللغة ضعيف في الحديث :-عمر بن حسن ابن دحية

                    قال الذهبي :" كان الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة ، وفي الحديث على ضعف فيه " ( سير أعلام النبلاء 22/391 ) .


                    8-عالم في الحديث ضعيف في اللغة :-
                    إبراهيم بن يزيد النخعي

                    قال الذهبي :" لا يحكم العربية ، وربما لحن .. " ( ميزان الاعتدال 1/75) .

                    نكتفي فقط بذكر هذه الأمثلة لهؤلاء العلماء الذين كانوا يتقنون فرعا معينا من العلوم وضعفاء في أخر وهذا بالطبع لا يقدح فيهم ولا في علمهم .

                    ان كل ما ذكره الضيف حول حفص بن سليمان كان حول أنه متروك الحديث وذلك لأنه بالطبع غير ضبط للحديث ولكن حتى الأن لم يأتي لنا بدليل واحد من العلماء أنهم ضعفوه في القراءات .

                    وحول الشبهات التي أثارها العضو السهم في حق حفص بن سليمان نفند بعض ما ورد فيها :-

                    وقال ابن خراش كذاب يضع الحديث
                    فمن هو صاحب الخبر الذي يقدح في حفص بن سليمان بالكذب والذي استشهد به الضيف ؟؟

                    انه ابن خراش
                    فماذا قال الأمام الذهبي عن ابن خراش ؟؟؟



                    يقول الذهبي في كتابه لسان الميزان ..... ( هذا والله الشيخ المعثّر الذي ضل سعيه .... وبعد هذا فما انتفع بعلمه )

                    لقد كان رافضيا كما قال لنا الإمام ابن زرعة ..... ( قال عبدان كان يوصل المراسيل وقال بن عدي كان يتشيع وقال أبو زرعة محمد بن يوسف الحافظ كان خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا)

                    وهنا السؤال الذي يطرح نفسه
                    هل يُقبل قول شخصٍ لا يُعتدّ به في حقّ آخر شهد له الجميع بعدالته ؟؟؟



                    بالطبع لا

                    وقال أحمد بن حنبل حدثنا يحيى القطان قال ذكر شعبة حفص بن سليمان فقال كان يأخذ كتب الناس وينسخها أخذ مني كتابا فلم يرده
                    وللرد على هذه النقطة نقول:-

                    يبدو أن العضو السهم التبس الأمر عليه كما التبس عن من كان قبله ويبدو أنه لا يعلم أن هناك أكثر من شخص يدعى حفص بن سليمان .
                    الأول .... حفص بن سليمان البصري المنقري
                    والثاني ... حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر القارئ



                    ولا يخفى على القارئ أن حفص بن سليمان المذكور في قول شعبة هو المنقري ، وليس حفص بن سليمان الأسدي راوي قراءة عاصم ، لكن بعض العلماء نقل هذا القول في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي بعد ذلك، وصار دليلاً على ضعفه في الحديث ، ولعل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري هو أقدم من وقع في هذا الوَهْمِ ، في ما اطلعت عليه من المصادر، وذلك في كتاب الضعفاء الصغير ، حيث قال :"حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر ، عن علقمة بن مرثد ، تركوه ، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، قال يحيى : أخبرني شعبة قال : أخذ مني حفص كتاباً فلم يرده ، قال وكان يأخذ كتب الناس فينسخها" .

                    واستقرت هذه الرواية في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي القارئ بعد ذلك ، ولم يتنبه المؤلفون إلى أنها رواية بصرية تخص أحد رواة الحديث من البصريين ، كيف لا وقد اعتمدها شيخ المحدثين البخاري ، معتمداً على روايته عن الإمام أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن شعبة بن الحجاج ، ولا يكاد يجد المتتبع للموضوع سبباً لتضعيف حفص القارئ غير هذه الرواية، وصار كثير من المؤلفين في الجرح والتعديل يذكرون تضعيف حفص القارئ من غير ذكر العلة ، على نحو ما مر في النص المنقول عن ابن الجوزي ، باعتبار أن تضعيفه أمر ثابت قرَّره كبار علماء الجرح والتعديل ، ولم يدركوا أن ذلك التضعيف انبنى على أساس غير صحيح .

                    يتبع بأمر الله تعالى .
                    التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:21 ص.
                    اعرف دينك

                    دينك دين عظيم جدا تجاوزت عظمته حدود الإدراك والتخيل ويكفيك شرفا أنك مسلم فقل الحمد لله الذي جعلني من المسلمين


                    يا ربُّ ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك ، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة ، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ ، والزائغين عن السبيل إلى هداك

                    تعليق


                    • #11
                      وهذا رد من الاخ الشيخ أبو بكر ماهر بن عبد الوهاب علوش

                      هذا جواب سؤال أرسله لي أحد الإخوة منذ فترة
                      يتعلق بنصراني يتكلم في إسناد قراءتنا
                      وذكر تكذيب بعض أهل العلم لحفص بن سليمان رحمه الله



                      بسم الله الرحمن الرحيم
                      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                      أحبك الذي أحببتني به ، ولا تنسى أني طالب علم ، فوالله لست أستحق ( شيخا ).
                      توكلت على الله

                      1* جمهور أهل العلم على ترك حديث حفص بن سليمان لا على تكذيبه .

                      2* قل لهذا النصراني ( قبحه الله ) لم حكمت عليه بقول ابن معين وأبو أحمد الحاكم رحمهما الله تعالى وقول ابن خراش ، وتركت قول الأكثرين وأقوالهم مبثوثة في تهذيب الكمال في نفس الموضع أم أن الحكم تبع للهوى ، هل عندك دليل ، لن يستطيع أن يفعل شيئا إن شاء الله تعالى ، ولن يأتيك بدليل ، بل هو محض تحكم منه ، عندها أخي الحبيب تمثل له بقول الشاعر :
                      عند الرهان يُعرف المضمار ويُعرف السابق والخوَّار ُ
                      ثم تابع الكلام معه .

                      3* فرق عندنا بين من تركه أهل الحديث ـ ( لا بل أقول من اتفق على تركه أهل الحديث ) ـ وبين من اتهموه بالكذب ، الترك متعلَّق الضبط عند الراوي ، والكذب متعلَّق العدالة ، فالراوي إذا كان ضابطا لحديثه لا يهم إلا في النادر فهذا هو الثقة ، فإن زاد وهمه فهو إلى الصدق أقرب ، فإن رأيته أكثر التفرد بما لا يتابعه عليه الثقات وخالف فهو الضعيف ، فإن رأيته واظب الخطأ والوهم وقلب الأسانيد ورفع الموقوفات ووقف المرفوعات وجاء بما يخالف الثقات الأثبات ولم تجده يكاد يوافق ثقة إلا في النادر فهذا هو المتروك والله تعالى أعلم .

                      4* ثم قل له بعد أن يوافقك على هذه المقدمة : إذا عرفت أنه متروك الحديث بسبب عدم حفظه ، فاعلم أن منشأ ضعف الحفظ عنده كثرة اهتمامه بالقرآن على حساب الحديث كما ذكرتم في رسالتكم ، وهذا بالطبع أمر عادي جبلي موافق للعقل السليم ، وإنكاره جحود ومكابرة إذ من النادر أن تجد إماما يشار له بالبنان في علم ما إلا وهو إلى الضعف قريب في علم غيره ، وليس في هذا منقصة له ولله الحمد ، ولو نظر في فروع الطب مثلا لوجد أن الأطباء غير المتخصصين دائما هم الأضعف لأنهم لا يحيطون بجملة علم الطب ولا بجزء كامل منه على عكس المتخصصين .

                      5* بعد أن يوافق على هذه المقدمات كلمه في شيء من الحديث على حذر ، فعامة هؤلاء يكيدون للإسلام ويتربصون له ثغرة ، فاحرص على أقل الكلام .

                      6* قول ابن خراش كذاب متروك يضع الحديث فيه تحامل ، والتحامل سمة من سمات ابن خراش ، وابن خراش أصلا متكلم فيه ، يتوقف في قوله إذا انفرد فكيف إذا خالف ، قال ابن عدي رحمه الله تعالى في الكامل 1/518 سمعت عبدان نسبه غلى الضعف ، سمعت عبدان يقول ثنا خالد بن يوسف السمني ثنا أبو عوانة عن عاصم عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال : الحلال بين والحرام بين ... الحديث . قال لنا عبدان : وحدث به ابن خراش عن خالد بن يوسف مرفوعا ، وقد ذكر لي عبدان أن ابن خراش حدث بأحاديث مراسيل أوصلها ومواقيف رفعها مما لم يذكرها هنا .

                      قال أبو أحمد بن عدي رحمة الله عليه : سمعت عبدان يقول قلت لابن خراش حديث لا نورث ما تركناه صدقة . قال : باطل ، قلت من تتهم في هذا الإسناد رواه الزهري وأبو الزبير وعكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان أتتهم هؤلاء ؟ قال : لا . إنما أتهم مالك بن أوس .
                      قال أبو أحمد : سمعت عبدان يقول : وحمل ابن خراش إلى بندار جزأين صنفهما في مثالب الشيخين فأجازه بألفي درهم فبنى بذلك حجرة ببغداد ليحدث فيها ، فما متع بها ومات حين فرغ منها .
                      قال أبو أحمد : وسمعت أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة يقول : كان ابن خراش في الكوفة إذا كتب شيئا من باب التشيع يقول لي : هذا لا ينفق إلا عندي وعندك يا أبا العباس .
                      قال أبو أحمد : وسمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش هذا وقال : ما رأيت أحفظ منه ، لا يذكر له شيخ من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه .
                      قال أبو أحمد بن عدي رحمه الله : وابن خراش هذا هو أحد من يذكر بحفظ الحديث من حفاظ العراق ، وكان له مجلس مذاكرة لنفسه على حدة وإنما ذكر عنه شيء من التشيع كما ذكره عبدان ، فأما الحديث فأرجو أنه لا يتعمد الكذب .
                      وقال الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال 5014 قال أبو زرعة محمد بن يوسف الحافظ كان خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا ، وذكر الذهبي سؤال عبدان له عن حديث مالك بن أوس ثم قال ( أي الذهبي ) لعل هذا بدأ منه وهو شاب فإني رأيته ذكر مالك بن أوس بن الحدثان في تاريخه فقال ثقة ، ثم ذكر الذهبي قصة الجزأين مع بندار ثم قال هذا والله الشيخ المعثر الذي ضل سعيه فإنه كان حافظ زمانه وله الرحلة الواسعة والإطلاع الكثير والإحاطة وبعد هذا فما انتفع بعلمه فلا عتب على حمير الرافضة وحواثر جزين ومشغرا .
                      وذكره ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الضعفاء والمتروكين 1912 فهو ضعيف متروك عنده .

                      ومما يدلك على صحة ما أقول من تحامل ابن خراش ماجعتك لترجمة أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي ، من الحفاظ الثقات ، كذبه ابن خراش ، قال الذهبي رحمه الله تعالى : وقد آذى بذلك نفسه .
                      والخلاصة أخي يوسف أن ابن خراش في أصله مجروح لا يحل الاحتجاج به ، وهو مسرف جدا تكلم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحري أن لا يعتد بقول من هذه حاله .

                      7* قول أبو أحمد الحاكم رحمه الله تعالى ذاهب الحديث لا يعني أنه كذاب بل يعني أنه لا يلتفت إلى حديثه بمعنى قولنا متروك وقد بينا فيما مضى أن الترك شيء والكذب شيء آخر .
                      أخي الكريم ، ذاهب الحديث هي عبارة جرح شديد تتجاذب بين الترك والتكذيب حتى عند الإمام الواحد أحيانا ، لكن الأعم الأغلب أنها تدل على ذهاب حديثه أي أن حديثه لا شيء ، أي تفيد الترك ، أخي يوسف إذا عرفت هذا فهنا مسألة مهمة وهي أننا عند النظر في حال الراوي علينا مرعاة كلام الأئمة وعرض بعضه على بعض ودفع التعارض بينه ما أمكن ، فإذا رأينا راو الجمهور على تضعيفه جدا وتركه ولم يتهمه أحد ورأينا أحدهم قال فيه ذاهب الحديث ، فهل من المعقول أن نعارض كلامه بكلامهم ونقول تركوه وكذبه فلان أم الأولى أن نحمل قوله ذاهب الحديث على الترك ، وهذا موافق لكلامهم واللغة لا تأباه من حيث المعنى .

                      فائدة واستطراد :
                      ومثل هذا الأمر إذا وجدت عن إمام كبير قولين متعارضين الأول موافق لقول الجمهور والثاني مخالف له ، فالأولى أن تنسب إلى هذا الإمام ما يليق به من القول الموافق لغيره وأن تجعل قوله الثاني عُرضة لخطأ النقل أو النسخ وغير ذلك ، والله تعالى أعلم .

                      ومما يدل على أن قولهم ذاهب الحديث جرح ضبط لا جرح عدالة :

                      1- قال أبو عيس الترمذي رحمة الله عليه في الجمعة في باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب بع أن ساق الحديث : وحديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل بن عطية ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف ذاهب الحديث عند أصحابنا .

                      2- وقال أيضا في الطلاق واللعان في باب طلاق المعتوه بعد أن ساق الحديث : هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث .

                      3- وقال أيضا في الاستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب ما جاء في السلام قبل الكلام : وسمعت محمدا يقول عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب .

                      وللاستزادة راجع تراجم هؤلاء في الجرح والتعديل :
                      جراح بن المنهال ، خالد بن عبد الرحمن المخزومي ، داود بن الزبرقان ، داود بن المحبر ، ربيع بن بدر ،
                      سليمان بن أرقم ، عمر بن أبي بكر العدوي ، موسى بن مطير ، نافع أبو هرمز . وغيرهم كثير يطول ذكرهم .
                      أقول والأولى ههنا حمل هذا التركيب على الترك لا على الوضع ، لموافقته لقول غيره من الأئمة رحمة الله عليهم
                      ومما يدلك على أن قول أبو أحمد الحاكم رحمه الله تعالى ذاهب الحديث يعدل قول غيره متروك في الغالب هو مطالعتك لتراجم هؤلاء :
                      عبد الله بن شبيب الربعي ، راجع ميزان الاعتدال ، والعمل على ضعفه .
                      حبيب بن أبي الأشرس ، راجع لسان الميزان ، والعمل على تركه .
                      فرات بن السائب ، راجع لسان الميزان ، والعمل على تركه .
                      جويبر بن سعيد الأزدي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه .
                      عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه .
                      عبد الحكيم بن منصور الخزاعي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه ، وقد كذبه ابن معين .
                      على أن أبو أحمد الحاكم رحمه الله قد يستخدم هذا التركيب ( ذاهب الحديث ) في بعض الأحيان للوضع ، ومنه
                      عبد الله بن زياد المخزومي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه وتكذيبه .
                      عبد الرحمن بن قيس الضبي ، راجع التهذيب ، والعمل على تركه وتكذيبه .
                      الخلاصة أخي يوسف أن قولهم ذاهب الحديث متجاذب بين الترك والتكذيب كما ذكرت لكم سابقا ، والأكثر حمله على الترك وقد ذكرت لكم أمثلة كافية إن شاء الله ، والأولى ههنا حمله على الترك لا على التكذيب ، لموافقته لعموم ما قاله الأئمة رحمة الله عليهم ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا .

                      8* قال ابن معين رحمه الله تعالى :كان حفص بن سليمان و أبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم ، وكان حفص أقرأ من أبي بكر ، وكان كذابا وكان أبو بكر صدوقا .
                      الصحيح أن قول ابن معين رحمه الله تعالى يجب حمله على الخطأ ، وهذا بين ظاهر لمن تأمل كلامه وأنصف ، فابن معين رحمه الله تعالى تكلم عن حالهما في القراءة وفي الحديث ، أولا أثبت له مع أبو بكر بن عياش كثير علم بقراءة عاصم فقال ( من أعلم الناس ) وهذه صيغة تفضيل ، ثانيا أثبت له أفضلية على أبو بكر بن عياش في القراءة فقال ( أقرأ من أبي بكر ) وهذه صيغة تفضيل كسابقتها ، ثم فرق ابن معين رحمه الله تعالى بينهما في الحديث فقال عن حفص ( وكان كذابا ) وقال عن أبو بكر بن عياش ( وكان صدوقا ) .

                      قلت أبو بكر بن عبد الوهاب : من آتاه الله فهما بكلام الأئمة رحمة الله عليهم لا يظن أن قوله ( كذابا ) بمعنى الافتراء والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كيف نجمع بين النقيضين معا ، نجعله كذابا في الحديث وإماما صادقا في القراءة ، هذا محال ، لأن العقل السليم يقول بأن من استحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رادع يردعه عن الكذب على الله تبارك وتعالى ،

                      قد يورد علينا الخصم أن تكذيب ابن معين رحمه الله له في الحديث دليل على كذبه بالجملة فيسري كذبه إلى القرآن ، والجواب بسيط نقول : لكم ذلك لو أن ابن معين كذبه في الحديث فقط ، عندها يكون كَذِبَه في القرآن من باب أولى ، لكن هذا لم يقع ، فإن من كذبه في الحديث هو ذاته من صدقه وقدمه في القراءة ( أي ابن معين ) ، فهذا يعني أحد أمرين لا ثالث لهما إما أن ابن معين رحمه الله لا يعي ما يقول فيكذبه ويصدقه في آن ٍ معا ـ وهذا تخريف أن يقال مع إمام من أئمة أهل السنة كابن معين ـ والثاني أن نصحح قوله رحمه الله تعالى وندفع التعارض بين المعنيين ، عندها سنجد أن المقصود بتكذيبه تخطئته ، وهذا هو المعنى اللائق الذي تصح نسبته إلى هذا الإمام رحمة الله عليه ، وبالطبع لغتنا لا تأباه ولله الحمد ، قال ابن منظور رحمه الله تعالى في لسان العرب 1/709 : وفي حديث صلاة الوتر كذب أبو محمد ( رضي الله تعالى عنه ) أي أخطأ ؛ سماه كذبا لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب كما أن الكذب ضد الصدق ، وإن افترقا من حيث النية والقصد لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب ، والمخطىء لا يعلم ، وهذا الرجل ليس بمخبر ، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب ، والاجتهاد لا يدخله الكذب وإنما يدخله الخطأ ، وأبو محمد ( رضي الله عنه ) صحابي واسمه مسعود بن زيد .

                      وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ ، وأنشد بيت الأخطل :
                      كذبتك عينُك أم رأيت بواسط ٍ
                      وقال ذو الرمة :
                      وما في سمعه كذب
                      وفي حديث عروة ، قيل له : إن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة بضع عشرة سنة ، فقال : كذب ، أي أخطأ .
                      ومنه قول عمران لسمرة ( رضي الله تعالى عنهما ) حين قال : المغمى عليه يصلي مع كل صلاة صلاة ً حتى يقضيها ، فقال : كذبتَ ولكنه يصليهن معا ، أي أخطأت َ .انتهى من لسان العرب .

                      قلت أبو بكر بن عبد الوهاب : وليس كل من قال في راو ( كذاب ) يعني أنه يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان الأصلُ في قولهم كذاب هو يضع الحديث ـ فمن ذا الذي يقول إن ابن إسحاق رحمه الله تعالى إمام المغازي يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يقول بهذا أحد ، ثم نجد مالك بن أنس رحمة الله عليه إمام أهل المدينة ، ويحيى بن سعيد القطان رحمه الله تعالى يكذبانه ، فهل هو ممن يستحل وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معاذ الله أن يفعل مثله هذا ، إذن كيف نوجه قولهما بتكذيبه ؟ الجواب أنهما أرادا بالكذب تدليسه ، وهذا استخدمه الأئمة رحمة الله عليهم إذ قالوا التدليس أخو الكذب ، فلا حرج إذن في قولهما ، إنما الحرج والإشكال في فهمنا لكلام الأئمة عليهم رحمة الله .
                      مثال آخر ، قال الإمام مسلم رحمة الله عليه في مقدمة الصحيح ص19حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال حدثني الحارث الأعور الهمداني وكان كذابا.
                      قال الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء 4/153 فأما قول الشعبي الحارث كذاب محمول على أنه عنى بالكذب الخطأ لا التعمد و إلا فلماذا يروي عنه ويعتقده يتعمد الكذب في الدين ...... انتهى كلامه رحمه الله .
                      قلت أبو بكر بن عبد الوهاب : وقيل إنهم كذبوا رأيه ، وقيل إنهم كذبوا حكاياته ، وما قاله الذهبي رحمه الله تعالى أولى بالصواب .

                      والحمد لله رب العالمين

                      وكتبه أخوكم أبو بكر ماهر بن عبد الوهاب علوش
                      التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 06:27 ص.
                      اعرف دينك

                      دينك دين عظيم جدا تجاوزت عظمته حدود الإدراك والتخيل ويكفيك شرفا أنك مسلم فقل الحمد لله الذي جعلني من المسلمين


                      يا ربُّ ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك ، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة ، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ ، والزائغين عن السبيل إلى هداك

                      تعليق


                      • #12
                        لمزيد من المراجع حول هذا الموضوع أنصح جميع الأعضاء بالرجوع الى هذه الأبحاث التي قدمها الشيخ العلامة عثمان الخميس حفظه الله
                        الرد الأول من الاخ سعود الزامنان:
                        نسف الشبهات عن عاصم وحفص إمامي القراءات :


                        بسم الله الرحمن الرحيم
                        الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
                        أما بعد:

                        إن الرد على أهل البدع والضلال وكشف عوارهم وفضح خبث معتقدهم منهج شرعي و أصل من أصول هذا الدين بل ومن أسمى أنواع الجهاد في سبيل الله
                        وإنه من الواجب والفرض اللازم على كل مسلم صادق آتاه الله يد باسطة في العلم وبيان الحق وردع الباطل أن يطلق صيحات النذير والتحذير منهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، ومن الفرق التي عرفت بضلالها وتعديها على كتاب الله عز وجل والقول بوقوع التحريف فيه: الشيعة الإمامية الاثنا عشرية وذلك واضح بين يعرفه كل من له أدنى خبرة وإطلاع على مذهب القوم

                        ولقد حاول علماؤهم على مر العصور إخفاء معتقدهم الخبيث وكتمانه وعدم الجهر به أمام عموم المسلمين خشية التصدي من علماء أهل السنة والجماعة الذين حباهم الله عز وجل بشرف الإسناد وخصهم بإعلاء كتابة الكريم وسنة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم فكانوا حملة بحق هم حملة هذا الدين وحماته الذين نقلوه إلينا بالإسناد المتواتر الوضاء جيلا بعد جيل حتى وصلوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام إلى رب العزة سبحانه وتعالى

                        فالشيعة الامامية الاثنا عشرية الذين يدعون كذبا وزورا إتباعهم لآل البيت لا يملكون سندا ولو ضعيفا لكتاب الله عز وجل بل هم في ذلك عيال على أهل السنة والجماعة .

                        ونسمع في هذه الأيام بعض أذنابهم يتعالون بصيحات كاذبة متناقضة تارة بالطعن فى قراء كتاب الله واللمز فيهم والغمز في عدالتهم ، خاصة في حفص بن سليمان الأزدي أحد رواة كتاب الله ، وتارة أخرى نسمع من بعضهم تعديله ونسبته إلى التشيع والرفض ، في محاولة يائسة لسرقة إسناد أهل السنة والجماعة يبتغون وراء ذلك نسبة السند الثابت إلى كتاب الله إلى الرافضة .

                        ومن هنا رأيت انه من أوجب الواجب علينا أن نتصدى لمثل هذه النعرات الكاذبة وتفنيد شبههم وإظهار خبث طويتهم .

                        ولنبدأ ببيان الشبهة الأولى :

                        الشبهة الأولى :
                        كيف يكون عاصم وحفص إمامين في القراءات وهما ضعيفان ؟


                        الرد :

                        - أولا : لا يجوز حمل كلام المتكلم على عرف غيره ، فحينما ينقل المخالفون أمراً معيناً ضد مخالفيهم لا يجوز شرعا ولا عقلا أن يحمل كلام مخالفيهم على عرفهم وأفهامهم ، ولا شك ولا ريب أن هذا العمل من الظلم والهوى والطغيان ، فحينما ينقل أهل السنة والجماعة تضعيف حفص أو عاصم فإن هذا الضعف في الحديث لا في الحروف والقراءات .

                        ثانياً : . يجب فهم مصطلحات أئمة الحديث المتقدمين حسب استعمالهم لها عَن طريق الجمع والاستقراء والدراسة والموازنة ، فعاصم وحفص الضعف الذي قيل فيهما إنما هو في الحديث وليس في الحروف والقراءات .

                        قال ابن الجوزي عن عاصم :" وكان ثبتا في القراءة واهيا في الحديث لأنه كان لا يتقن الحديث ويتقن القرآن ويجوده وإلا فهو في نفسه صادق " [1].

                        وقال الذهبي:" فأما في القراءة فثبتٌ إمام ، وأما في الحديث فحسن الحديث " [2].

                        وقال الذهبي :" كان عاصم ثبتاً في القراءة ، صدوقاً في الحديث ، وقد وثقه أبو زرعة وجماعة ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وقال الدارقطني : في حفظه شيء ، يعني : للحديث لا للحروف " [3].

                        أما عن حفص بن سليمان الأسدي فقد قال الحافظ ابن حجر :" متروك الحديث مع إمامته في القراءة " [4].

                        وقال الهيثمي :" وفيه حفص بن سليمان القاريء وثقه أحمد وضعفه الأئمة في الحديث " .

                        وقال المناوي وغيره :" حفص بن سليمان ابن امرأة عاصم ثبت في القراءة لا في الحديث " .

                        ثالثا : بإجماع أهل العلم بأن حفصاً وعاصماً إمامان في القراءات ولا يوجد طعن واحد فيهما في الحروف والقراءات ، والجميع يقرون بإمامتهما في الاقراء وماتعرضوا لعدالتهما ، أو الطعن بقراءتهما .

                        رابعاً : هناك فرق بين التوثيق للحديث و التوثيق للقراءة
                        - قد يكون الإمام متقناً لفن من الفنون ، ومُبَرِّزاً في علم من العلوم ، لكونه أنفق فيه جل حياته ، واعتنى بطلبه وتدريسه عناية فائقة ، بينما يكون مقصرا في فن آخر لعدم إعطائه تلك العناية ، فيكون عمدة في فنه الذي ضبط معرفته وأتقنه ، وتنزل مرتبته فيما قصّر فيه ، بل قد يكون فيه غير معتمد

                        - قواعد إسناد الحديث ليست كإسناد القرآن، وكم ترى من هو متقن للقراءات حافظا لآلاف الأبيات المتداولة كمتون الشاطبية والدرة والطيبة وغيرها لا يخرم منها حرفا، ويخبرك بأسانيد القرآن ومعرفة الأئمة منهم في القراءة ومعرفة كل حرف من العشرة بطرقه ثم إن ناقشته في الحديث فلعله لا يستطيع أن يروي لك حديثا صحيحا بإسناده هذا إن لم يخلط في متنه.

                        - أما الضعف في رواية الحديث واختلاط الألفاظ والأسانيد، فكم ممن رأيناهم لا يغادرون حرفاً أو حركة من كتاب الله ويحفظ الطرق والتحريرات الدقيقة ويسرد المئات من الشواهد الشعرية ويحفظ آلاف الأبيات لمتون القراءات كم من هؤلاء لا يفرق بين حديث رسول الله الصحيح وبين الضعيف ولا يحفظ الأسانيد، بالرغم من كونهم أعمدة في أسانيد القرآن.

                        - فشروط رواية الحديث أن يكون راويه عدلاً ضابطاً .وحفص بن سليمان بالإجماع عدل لكنه ليس ضابطاً لذلك ترك حديثه ، و هناك الكثير من العلماء الأجلاء يكونون ضعافاً في الحديث بسبب قلة ضبطهم و لا يقدح ذلك في عدالتهم .

                        قال الذهبي في تاريخ الإسلام (وفيات سنة 130هـ ص 140) :" فأما في القراءة فثبتٌ إمام ، وأما في الحديث فحسن الحديث " .

                        وكذلك أبو بكر بن عياش الأسدي إمام في القراءات أما الحديث فيأتي بغرائب ومناكير .( سير أعلام النبلاء 8/505) .

                        وكذلك عمر بن هارون بن يزيد الثقفي البلخي قال الذهبي في " تذكرة الحفاظ 1/341) :" ولا ريب في ضعفه ، وكان إماماً حافظاً في حروف القراءات " .
                        وقال الذهبي في النقاش :" والنقاش مجمع على ضعفه في الحديث لا في القراءات " ( سير أعلام النبلاء 17/506) .

                        وكذلك الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي :" كان رأساً في القراءات معمرا بعيد الصيت صاحب حديث ورحلة وإكثار وليس بالمتقن له ولا المجود بل هو حاطب ليل " ( سير أعلام النبلاء 18/13) .

                        قد يكون إماماً في التفسير ولكنه غير قوي في الحديث :
                        مثال الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني قال الذهبي في سير اعلام النبلاء (4/598) :" صاحب التفسير .... وليس بالمجود لحديثه " .

                        قد يكون ثبتاً في الحديث ضعيفاً في القراءات :
                        وكذلك الأعمش كان ثبتاً في الحديث ليناً في الحروف والقراءات . قال الذهبي 5/260: " - وكان الأعمش بخلافه- أي حفص - كان ثبتاً في الحديث ، ليناً في الحروف ، فإن للأعمش قراءة منقولة في كتاب " المنهج " وغيره لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع ، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر والله أعلم " .

                        قد يكون إماماً في المغازي غير مجود في الحديث :
                        مثال ابن إسحاق : قال الذهبي :" فله ارتفاع بحسبه ولا سيما في السير ، وأما في الأحاديث فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن ، إلا فيما شذ فإنه يعد منكرا " وقال أيضا :" قد كان في المغازي علامة " ( سير أعلام النبلاء 7/37) .

                        وكذلك سلمة بن الفضل الرازي قال عنه الذهبي :" كان قوياً في المغازي ... وقد سمع منه ابن المديني وتركه " ( سير أعلام النبلاء 9/50) وقال البخاري :" عنده مناكير " وقال النسائي :" ضعيف " .

                        وكذلك الواقدي قال عنه الذهبي :" لا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم ".وقال النسائي :" ليس بثقة " وقال مسلم وغيره :" متروك الحديث " [5].

                        قد يكون إماماً في الفقه ضعيفاً في الحديث :

                        ألإمام أبو حنيفة : إليه المنتهى في الفقه والناس عليه عيال في الفقه ، قال الذهبي :" الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام ، وهذا أمر لا شك فيه " ( السير 6/403) وضعفه من جهة حفظه في الحديث النسائي وابن عدي والخطيب .قال النسائي :" ليس بالقوي في الحديث " ( الضعفاء والمتروكون 237 ) .

                        إمام الحرمين الشافعي الجويني : يقول الذهبي :" كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع والأصول وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به ، لا متناً ولا إسناداً " ( سير أعلام النبلاء 18/471) .

                        محمد بن عبد الله الإشبيلي المالكي (ت586هـ ) : قال الذهبي :" وكان كبير الشأن ، انتهت إليه رئاسة الحفظ في الفتيا ، وقُدم للشورى من سنة إحدى وعشرين ، وعظم جاهه ، ونال دنيا عريضة ، ولم يكن يدري فن الحديث ... وكان فقيه عصره " ( سير أعلام النبلاء 21/178) .

                        وكذلك الخصيب بن جحدر البصري : قال الذهبي :" وكان من الفقهاء لكنه متروك الحديث " ( تاريخ الإسلام وفيات سنة 150هـ ص 125 ) .

                        قد يكون إماماً في الحديث ضعيفا في الفقه :
                        سعيد بن عثمان التجيبي : قال الذهبي :" وكان ورعاً زاهداً حافظاً ، بصيراً بعلل الحديث ورجاله ، لا علم له بالفقه " ( تاريخ الإسلام وفيات سنة 301 -310 هـ ص 159 ) .

                        قد يكون إماماً في اللغة ضعيفا في الحديث :
                        عمر بن حسن ابن دحية ( ت 633هـ ) : قال الذهبي :" كان الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة ، وفي الحديث على ضعف فيه " ( سير أعلام النبلاء 22/391 ) .

                        قد يكون إماماً في الحديث ضعيفا في اللغة :
                        إبراهيم بن يزيد النخعي : قال الذهبي :" لا يحكم العربية ، وربما لحن .. " ( ميزان الاعتدال 1/75) .


                        شبهة الثانية:
                        عاصم وحفص شيعيان وهما من أسانيد الشيعة الإمامية .


                        الرد :

                        - أولاً : القول بأن سند قراءة عاصم كلهم كوفيون شيعة هذا من الهذيان و ليس كلاما موثقاً .

                        - ثانياً : إذا كان سند قراءة عاصم وحفص من الشيعة و على عقيدة الرفض كما يزعمون ، فهم مطالبون بأمرين
                        أولهما : النقل من كتب الجرح والتعديل وتراجم الرجال الخاصة بأهل السنة والجماعة بأن عاصماً أو حفصاً كانا من الرافضة .
                        ثانيهما : فإن لم يستطيعوا إثبات ذلك من كتبنا فهم مطالبون أن يثبتوا ذلك من كتبهم وأن يبينوا لنا توثيقهم من كتب الرجال الامامية ، كرجال الكشي أو رجال الطوسي او غيرها من كتب الرجال عندهم لنرى ان كانوا يعدونهم من رجالهم أم لا .

                        - ثالثاً : حفص بن سليمان لم يترجم له الكشي ولا النجاشي ولا ابن داود الحلي ولا الخاقاني ولا االبرقي في " رجالهم " ( هذه من أوثق الكتب المعتمدة في الرجال للرافضة ).
                        - غاية ما في الأمر أن ذكر الطوسي حفص بن سليمان في رجاله (181) في أصحاب الصادق ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وذكره القهبائي في " مجمع الرجال " (2/211) والحائري في " منتهى المقال " (3/92) وجميعهم ينقلون عن الطوسي ولم يذكروا فيه جرحاً أو تعديلاً ولم يذكروا أنه كان من الإمامية .
                        - وقد ترجم لحفص أحد علمائهم في الجرح والتعديل وهو آية الله التستري في كتابه " قاموس الرجال " ( 3/582) :" ولم يشر فيه إلى تشيع – أي حفص – " ، ... ثم قال : " وقد قلنا إن عنوان رجال الشيخ أعم - أي رجال الطوسي - "

                        قلت : أي نفى التستري أن يكون حفص رافضياً من الشيعة الإمامية، وليس كل من ذكره الطوسي في رجاله يكون رافضيا ، بل هو أعم فقد ذكر حتى النواصب في رجاله .

                        - رابعاً : هل قول الرافضة أن فلاناً من أصحاب الصادق توثيق للرجل أم دليل على إماميته ؟
                        - قال ىية الله التستري أن هذا لا يعتبر توثيقاً للرجل ، ولا حتى كونه من الشيعة الإمامية .( قاموس الرجال 1/29-34 وكذلك 1/180) .
                        - فقد عدّ شيخ الطائفة " أحمد بن الخصيب " في أصحاب الهادي مع أنه ناصبي ( قاموس الرجال للتستري 1/180) .
                        - فقد ذكروا جملة من الرواة من أصحاب الأئمة ومع ذلك جهلوهم أو ضعفوهم .
                        - شيخ الطائفة وضع عبيد الله بن زياد في أصحاب علي بن أبي طالب ( قاموس الرجال 1/29 ) .
                        - هناك فرق بين الرافضي والشيعي ، والشيعي عند المتقدمين هو من فضل علياً على عثمان بن عفان – رضي الله عنهما - ، والتشيع في ذاته ليس قادحا إنما يكون كذلك إذا صاحبه سب للشيخين أو ارتبط بالغلو في آل البيت وصرف العبادات لغير الله .
                        - - ثم ليس كل من صاحب عليا فهو رافضي ، فعلي كان معه كثير من الصحابة و التابعين و العلماء الأفاضل و القول بأن كل من تعلم من علي أو آل البيت أو اتصل بهم هو شيعي هو قول بالباطل .

                        - خامساً : فإن لم يستطيعوا أن يثبتوا هذا ولا ذاك فهو ادعاء و الإدعاء سهل لكل إنسان وكما قيل والدعاوى إن لم يقيمواعليها البينات فأبناؤها أدعياء.

                        - سادساً : محاولة " اختطاف " و " سطو " أسانيد السنة للقرآن ونسبتها لهم محاولة فاشلة من الرافضة تدعو إلى رثاء حالهم و تدل بما لا يدع مجالاً للشك أن الرافضة ليسوا أهل قرآن ، وليسوا أهل إسناد ، فلا يملكون سنداً واحداً للثقل الأكبر و أنهم عالة على أهل السنة والجماعة في ذلك وعالة على أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .

                        - سابعاً : أين أسانيد الرافضة للثقل الأكبر ( القرآن الكريم ) إلى آل البيت المتصلة في الائمة الاثني عشر ؟هل مراجعكم عندهم اسانيد متصلة الى آل البيت .انتم تقولون ان التلقي لا يكون الا من آل البيت اين اسانيدكم الى الحسن أين أسانيدكم إلى الحسين و بقية الائمة متسلسة في قراء من الامامية الاثني عشرية ؟ .

                        - هل يوجد سند عند الشيعة متصل بالقرآن الى اليوم ينقلونه عن العترة الى علمائهم ، هل يملكون سنداً متصلاً بقراء ثقات أو حتى غير ثقات يتصل سنده برسول الله من طريق آل البيت .
                        -


                        الشبهة الثالثة : اتهام حفص بالكذب :

                        الرد :

                        * اتهمه ابن خراش بالكذب والرد عليه كما يلي :

                        - أولا ً : ابن خراش اتهم حفصاً بالكذب فقال " كذاب متروك يضع الحديث "[6] .

                        - ابن خراش هذا هو عبد الرحمن بن يوسف بن خراش ، وهو رافضي ، قال أبو زرعة : " محمد بن يوسف الحافظ كان خرج مثالب الشيخين وكان رافضياً " وقال الذهبي :" هذا والله الشيخ المعثر الذي ضل سعيه .... وبعد هذا فما انتفع بعلمه " [7]

                        - اتهامه بالكذب من قبل ابن خراش الرافضي لا يعتد به ولا بجرحه ، كما قال الذهبي رحمه الله :" إن ضعف الراوي ولم يكن الطاعن من أهل النقد ، وقليل الخبرة بحديث من تكلم فيه ، فلا يعتد به ولا يعتبر ولا يعتد بجرحه مثال ذلك : أبان بن يزيد العطار أبي يزيد البصري الحافظ ، فقد روى الكديمي تضعيفه ، والكديمي واهِ ليس بمعتمد " . ( ميزان الاعتدال 1/16) " .


                        ونقل ابن عدي تكذيب ابن معين له فقال :
                        أنا الساجي ثنا أحمد بن محمد البغدادي قال سمعت يحيى بن معين يقول :" كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم وكان حفص أقرأ من أبي بكر وكان أبو بكر صدوقا وكان حفص كذابا "[8] .

                        -أولاً : يجب دراسة حال الراوي عن ابن معين وهو ابن محرز أحمد بن محمد البغدادي ، فهل هذا الراوي ثقة أم غير ثقة ، ثم هل تلاميذ ابن معين وافقوه في هذا النقل أم خالفوه ، وهل تلاميذ ابن معين متساوية مراتبهم في الوثاقة أم أن بعضهم أقوى من بعض .

                        ثانياً : الرواية منكرة ، فالراوي عن ابن معين هو ابن محرز أحمد بن محمد البغدادي وهو مجهول ، فلم يذكر في كتب الجرح والتعديل ولم يذكروا فيه لا جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال والسند ضعيف لا يثبت.

                        - ثالثاً : بالرغم من أن السند لا يثبت فقد خالف الثقات الأثبات من تلاميذ ابن معين ، فقد روى عثمان بن سعيد الدارمي وأبو قدامة السرخسي كلاهما عن ابن معين أنه قال في شأن حفص بن سليمان :" ليس بثقة "[9] .

                        - الدارمي هو : عثمان بن سعيد قال عنه الذهبي :" الإمام العلامة الحافظ الناقد .... وأخذ علم الحديث وعلله عن علي ويحيى وأحمد وفاق أهل زمانه وكان لهجاً بالسنة بصيراً بالمناظرة " [10] وأبو قدامة هو عبيد الله بن سعيد السرخسي قال بو حاتم :" كان من الثقات " وقال أبو داود :" ثقة " وقال النسائي :" ثقة مأمون قل من كتبنا عنه مثله "[11] وقال الحافظ في التقريب :" ثقة مأمون سني " بينما ابن محرز لم يذكر له أي توثيق أو حتى جرح في كتب الجرح والتعديل فهو مجهول الحال .

                        - رابعاً : لم يوافق أحد ممن روى عن ابن معين أو في سؤالاتهم له بما تفرد به ابن محرز بتكذيب حفص ، كالدوري الحافظ الإمام الثقة الذي أكثر من ملازمة ابن معين وطول صحبته له حتى قال ابن معين عن الدوري :" صديقنا وصاحبنا "[12] وقال عنه الحافظ في التقريب :" ثقة حافظ " . بل لم يوافقه الآخرون ممن رووا عن ابن معين وكابن الجنيد والدقاق وغيرهم .

                        - خامساً : من المعلوم في حال وجود اختلاف على الراوي ؛ فإنه يتعين التحقق من الرواية الراجحة، و الموازنة بين الروايات وبيان الراجح وأسباب الترجيح ، ومن القرائن والقواعد العلمية للموازنة بين الروايات هي الترجيح بالحفظ والاتقان والضبط فنجد أن من رووا عن ابن معين تضعيف حفص دون ذكر التكذيب هم الأحفظ والأتقن والأضبط والأكثر ملازمة لشيخهم من ابن محرز فترجح روايتهم .

                        سادسا : من القرائن المرجحة والقواعد العلمية للترجيح بين الروايات هي الترجيح بالعدد والأكثر ، ونجد أن من نقل تكذيب ابن معين لحفص هو ابن محرز ( المجهول ) بينما الذين لم يذكروا التكذيب أكثر .

                        سابعاً : كل من ترجم لحفص من أئمة الجرح والتعديل تطرقوا إلى ضعفه في الحديث وإمامته في القرآن ولم يشر أحد منهم إلى اتهامه بالكذب ومثل هذا لو ثبت لطارت به الركبان .

                        - ثامناً : باستقراء جميع أقوال أهل العلم وسبرها وتتبعها فإنهم وصفوا حفصاً بأنه متروك أو ضعيف الحديث ولم يثبت اتهامه بالكذب ممن يعتد قوله في هذا الباب .

                        - تاسعاً : أهل الحديث يتشددون في موضوع الكذب فكيف يقبلون قراءة الكذاب لكتاب الله ، فمن غير المقبول شرعاً ولا عقلاً عدم قبول رواية الكذاب ومن اتهم بالكذب في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بينما تقبل روايته في كتاب الله ، فأهل العلم قد ردوا رواية من جرى على لسانه الكذب في حديث الناس حتى لو لم يتعمد الكذب في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لاحتمال أن يكذب في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حماية وصيانة لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، فلا يتصور أن تقبل قراءته وروايته لكتاب الله .

                        - عاشراً :من اتهمه بالكذب فقد أخطأ خطأ بينا وقوله مردود عليه ولا كرامة له كائنا من كان، بل ولو شاهد واقع الأمة اليوم لاستحى من نفسه أن يتسرع في تلك الأوصاف التي رمى بها حفصا رضي الله عنه.

                        - أحد عشر : من باب التنزل مع الخصم فلو افترضنا صحة النقل عن ابن معين لتكذيبه لحفص فالكذب في اللغة قد يطلق على الخطأ قال ابن حبان – رحمه الله - :" وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذباً "[13] وقال ابن حجر في ترجمة برد مولى سعيد بن المسيب :" قال ابن حبان في الثقات :" كان من الثقات كان يخطيء ، وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذباً ، قلت : - أي ابن حجر - : يعني قول مولاه : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس – رضي الله عنهما " [14].


                        نتائج البحث والخلاصة :
                        - بإجماع أهل العلم أن عاصم بن أبي النجود وحفص بن سليمان إمامان ثبتان في القراءة .
                        - الضعف الذي نسب لحفص وعاصم في الحديث لا في القراءات .
                        - هناك فرق بين التوثيق للحديث والتوثيق للقراءات ، وقد يكون أحد العلماء متقنا لفن من الفنون مقصراً في فن آخر .
                        - قواعد إسناد الحديث ليست كإسناد القرآن فكم من هو متقن للقراءات حافظاً لأسانيد القرآن ومعرفة كل حرف من القراءات العشر وقد لا يكون حافظاً لحديث صحيح بإسناده هذا إن لم يخلط في متنه .
                        - عاصم بن أبي النجود وحفص بن سليمان من أئمة أهل السنة والجماعة ولا يستطيع الرافضة أن يثبتوا أنهما من الرافضة لا من كتب أهل السنة والجماعة ولا من كتب الرافضة .
                        - محاولة الرافضة نسبة الإمامين عاصم وحفص لهما إنما هي محاولة فاشلة لسرقة أسانيد أهل السنة والجماعة ونسبتها إليهم .
                        - لا يمتلك الرافضة إسناداً واحداً حتى لو كان ضعيفاً يتصل برسول الله في جميع كتبهم .
                        - اتهام حفص بالكذب لا يصح فقد رماه بالكذب ابن خراش الرافضي ولا يعتد به ولا بجرحه .
                        - الرواية عن ابن معين في اتهام عاصم بالكذب رواية ضعيفة منكرة لأن الراوي عن ابن معين مجهول .

                        وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
                        كتبه أبو عبد العزيز سعود الزمانان
                        الكويت في 5 ذي القعدة 1425 هـ
                        17/12/2004 .

                        التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 03:56 ص.
                        اعرف دينك

                        دينك دين عظيم جدا تجاوزت عظمته حدود الإدراك والتخيل ويكفيك شرفا أنك مسلم فقل الحمد لله الذي جعلني من المسلمين


                        يا ربُّ ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك ، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة ، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ ، والزائغين عن السبيل إلى هداك

                        تعليق


                        • #13
                          وهذا البحث الرائع الذي قدمه لنا الأخ الأستاذ غانم قدوري الحمد.

                          وإن كان لا يجب أن يُقرأ منفردًا عن رد الدكتور يحيى الشهري ومناقشته له في الرسالة التي تليه.



                          حفص بن سليمان الأسدي راوي قراءة عاصم بين الجرح والتعديل
                          بسم الله الرحمن الرحيم




                          مقدمة

                          شهرة عاصم بن أبي النجود وتلميذه حفص بن سليمان الأسدي تملأ الآفاق اليوم ، فعاصم صاحب القراءة التي يقرأ بها المسلمون القرآن في معظم البلدان اليوم ، وحفص هو صاحب الرواية عنه ، لكن المرء يعجب مما ورد في كتب رجال الحديث من وصف حفص بن سليمان بأنه ضعيف ، متروك الحديث ، وصار ذلك الوصف من المسلمات لدى معظم من كتب عن حفص ، وحاول بعض العلماء التخفيف من أثر ذلك الوصف بالقول : " إن العالم قد يكون إماماً في فن مقصراً في فنون " ، ولا عجب بناء على ذلك أن يتقن حفص القرآن ويُجَوِّدَهُ ، ولا يتقن الحديث (1).

                          ولو أن الأمر توقف عند وصف حفص بعدم إتقان الحديث لكان مقبولاً ، لكنه تجاوز ذلك إلى الطعن في عدالته ، واتهامه بالكذب عند بعض العلماء. وكيف يكون المرء مؤتمناً على القرآن ، متهماً في الحديث ؟ إنه أمر أشبه بالجمع بين النقيضين !

                          وكنت أتتبع الروايات المتعلقة بهذه القضية وأقاويل العلماء فيها ، في محاولة لتفسيرها على نحو يخفف من أثرها (2) ، حتى لا تكون وسيلة للطعن في قراءة القرآن الكريم ، وقد انكشفت لي جوانب جديدة حول هذه القضية جعلتني أعود إلى دراستها وعرض نتيجة ما توصلت إليه حولها على المهتمين بالموضوع ، وهي نتيجة أحسب أنها تَسُرُّ حملة القرآن ، والمهتمين بدراسة القراءات ، إن شاء الله تعالى ، وأرجو أن تبعث السرور في نفوس المتخصصين بدراسة الحديث أيضاً ، والحق أحق أن يتبع ، والحكمة ضالة المؤمن . وتتلخص تلك النتيجة في أن تضعيف حفص بن سليمان القارئ في الحديث انبنى على وَهْمٍ وقع فيه بعض كبار علماء الحديث الأوائل ، وانتشر عند مَن جاء بعدهم ، وأُضيف إليه ، حتى صار كأنه حقيقة مسلمة لا تقبل النقاش .

                          وسوف أعرض عناصر الموضوع الأساسية على نحو مختصر من خلال بحث الفقرات الآتية :
                          (1) ترجمة حفص بن سليمان القارئ .
                          (2) أشهر أقاويل المُجَرِّحِين .
                          (3) أقوال المُوَثِّقِين .
                          (4) مناقشة واستنتاج .

                          أولاً : ترجمة حفص بن سليمان القارئ

                          لعل من المفيد للقارئ الاطلاع على ترجمة ملخصة لحفص بن سليمان ، قبل عرض فقرات الموضوع المتعلقة بتوثيقه وتجريحه ، وسوف أقتصر على إيراد نصين لترجمته يمثلان وجهتي نظر متقابلتين لكل من علماء القراءة وعلماء الحديث ، الأول من كتاب غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري الذي حاول إبراز النقاط المضيئة في شخصية حفص ، والثاني من كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ، الذي جمع فيه من أقوال التجريح التي يمكن أن تُخْرِجَ حفصاً - لو صحت - من الدين !

                          قال ابن الجزري : " حفص بن سليمان بن المغيرة ، أبو عمر الأسدي الغاضري البزَّاز ، ويعرف بحُفَيْص ، أخذ القراءة عرضاً وتلقيناً عن عاصم ، وكان ربيبه ابن زوجته ، وُلِدَ سنة تسعين ، قال الداني : وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، وجاور بمكة فأقرأ أيضاً بها ، وقال يحيى بن معين : الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان ، وقال أبو هشام الرفاعي : كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم ، وقال الذهبي : أما القراءة فثقة ثَبْتٌ ضابط لها ، بخلاف حاله في الحديث ، قلت : يشير إلى أنه تُكُلِّمَ فيه من جهة الحديث ، قال ابن المنادي : قرأ على عاصم مراراً ، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش ، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ على عاصم ... توفي سنة ثمانين ومئة على الصحيح ، وقيل بين الثمانين والتسعين ... "(3) .

                          وقال ابن الجوزي : " حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي القارئ البزَّاز ، وهو صاحب عاصم ، ويقال له الغاضري، وهو حفص بن أبي داود ، كوفي ، حدَّث عن سماك بن حرب ، وليث ، وعاصم بن بهدلة ، وعلقمة بن مرثد ، قال : يحيى : ضعيف ، وقال مرَّة : ليس بثقة ، وقال مرة : كذَّاب . وقال أحمد ومسلم والنسائي : متروك الحديث . وقال البخاري : تركوه ، وقال السعدي: قد فُرِغَ منه منذ دهر ، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كذَّاب متروك يَضَعُ الحديث ، وقال ابن حبان : كان يَقْلِبُ الأسانيد ويرفعُ المراسيل ، وقال أبو زرعة والدارقطني : ضعيف "(4).

                          ثانياً : أشهر أقاويل المُجَرِّحين :

                          قال ابن كثير : " إنَّ أول مَن تصدَّى للكلام على الرواة شعبة بن الحجاج ، وتبعه يحيى بن سعيد القطَّان ، ثم تلامذته: أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وعمرو بن الفلاس ، وغيرهم "(5).

                          ويكاد معظم الأقاويل في تجريح حفص القارئ يستند إلى ما قاله هؤلاء العلماء الأعلام الذين ذكرهم ابن كثير، وسوف أعرض ما نُقِلَ عن شعبة ويحيى بن معين خاصة ، لأن اللاحقين اعتمدوا على أقوالهما، أما الإمام أحمد فإنه وَثَّقَ حفصاً في ثلاث روايات وضَعَّفَهُ في أخرى ، وسوف أعرض أقواله عند الكلام على المُوَثِّقين .

                          (1) شعبة بن الحجاج الواسطي ، نزيل البصرة ( ت 160 هـ ) :
                          نقل محمد بن سعد البصري نزيل بغداد ، كاتب الواقدي ، ( ت 230 هـ ) وأحمد بن حنبل البغدادي ( ت 241 هـ ) عن يحيى بن سعيد القطان البصري ( ت 168 هـ ) رواية عن شعبة بن الحجاج تتعلق بحفص بن سليمان المِنْقَرِيِّ البصري ، لكنها نُسبت بعد ذلك إلى حفص بن سليمان الأسدي القارئ الكوفي الأصل ، راوية عاصم .

                          ذكر ابن سعد في كتاب الطبقات مَن نزل البصرة مِن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم –ومَن كان بها بعدهم من التابعين وأهل العلم والفقه ، وذكر في الطبقة الرابعة منهم:" حفص بن سليمان مولى لبني مِنْقَر ، ويكنى أبا الحسن، وكان أعلمهم بقول الحسن ، قال يحيى بن سعيد ، قال شعبة : أخذ مني حفص بن سليمان كتاباً فلم يَرُدَّهُ عليَّ، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها "(6).

                          وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل :" حدثني أبي، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول : عطاء بن أبي ميمون مات بعد الطاعون ، وكان يرى القَدَرَ ، وحفص بن سليمان قبل الطاعون بقليل ، فأخبرني شعبة قال : أخذ مني حفص بن سليمان كتاباً فلم يَرُدَّهُ، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها"(7).

                          ولا يخفى على القارئ أن حفص بن سليمان المذكور في قول شعبة هو المنقري ، وليس حفص بن سليمان الأسدي راوي قراءة عاصم ، لكن بعض العلماء نقل هذا القول في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي بعد ذلك، وصار دليلاً على ضعفه في الحديث ، ولعل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري هو أقدم من وقع في هذا الوَهْمِ ، في ما اطلعت عليه من المصادر، وذلك في كتاب الضعفاء الصغير ، حيث قال :"حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر ، عن علقمة بن مرثد ، تركوه ، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، قال يحيى : أخبرني شعبة قال : أخذ مني حفص كتاباً فلم يرده ، قال وكان يأخذ كتب الناس فينسخها"(8).

                          واستقرت هذه الرواية في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي القارئ بعد ذلك ، ولم يتنبه المؤلفون إلى أنها رواية بصرية تخص أحد رواة الحديث من البصريين ، كيف لا وقد اعتمدها شيخ المحدثين البخاري ، معتمداً على روايته عن الإمام أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن شعبة بن الحجاج ، ولا يكاد يجد المتتبع للموضوع سبباً لتضعيف حفص القارئ غير هذه الرواية(9)، وصار كثير من المؤلفين في الجرح والتعديل يذكرون تضعيف حفص القارئ من غير ذكر العلة ، على نحو ما مر في النص المنقول عن ابن الجوزي ، باعتبار أن تضعيفه أمر ثابت قرَّره كبار علماء الجرح والتعديل ، ولم يدركوا أن ذلك التضعيف انبنى على أساس غير صحيح .

                          (2) يحيى بن معين ، أبو زكريا البغدادي ( ت233هـ) :
                          يبدو أن يحيى بن معين لم يكن يعرف حفص بن سليمان الأسدي الكوفي معرفة شخصية ، وليس هناك ما يؤكد أنهما التقيا في بغداد أو في غيرها من المدن، واعتمد يحيى في الحكم على حفص القارئ على قول أيوب بن المتوكل البصري القارئ (ت200هـ) فيه ، فقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد :" قال ابو زكريا ، يعني يحيى بن معين : زعم أيوب بن المتوكل قال : أبو عمر البزاز أصح قراءة من أبي بكر بن عياش ، وأبو بكر أوثق من أبي عمر . قال أبو زكريا : وكان أيوب بن المتوكل بصرياً من القراء ، سمعته يقول ذلك"(10).

                          ونقل بعض المؤلفين في الجرح والتعديل قول أيوب بن المتوكل السابق الذي رواه عنه يحيى بن معين منسوباً إلى ابن معين نفسه مع تغيير فيه أدى إلى وصف حفص بأنه ليس ثقة ، فقد نقل ابن عدي في كتابه الكامل عن الليث بن عبيد أنه قال :" سمعت يحيى بن معين يقول : أبو عمر البزاز صاحب القراءة ليس بثقة ، هو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش ، وأبو بكر أوثق منه"(11).

                          وجاء في كتاب تاريخ ابن معين من رواية عثمان بن سعيد الدارمي (ت280هـ) :" وسألته عن حفص بن سليمان الأسدي الكوفي : كيف حديثه ؟ فقال : ليس بثقة "(12) . وجاء في بعض الروايات عن يحيى بن معين أنه قال : ليس بشيء(13)، وصارت العبارة في رواية أخرى :"كان حفص كذَّاباً"، فقد نقل ابن عدي في كتابه الكامل ، عن الساجي ، عن أحمد بن محمد البغدادي، قال سمعت يحيى بن معين يقول : كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم ، وكان حفص أقرأ من أبي بكر ، وكان أبو بكر صدوقاً، وكان حفص كذَّاباً"(14). وانتهى الأمر عند ابن الجوزي إلى القول :" قال يحيى : ضعيف ، وقال مرة : ليس بثقة ، وقال مرة : كذاب "(15).

                          ويترجح لدي أن ذلك كله قراءة غير دقيقة لقول أيوب بن المتوكل في حفص القارئ ، سواء كانت تلك القراءة من يحيى بن معين نفسه أو من الرواة عنه ، وعَزَّزَ تلك القراءة غير الدقيقة لقول أيوب ما كان قد انتشر من القول بتضعيفه نتيجة لنسبة كلمة شعبة بن الحجاج في حفص المنقري إليه ، لكن ابن الجزري نقل قول ابن معين على نحو آخر ، قال :" وقال يحيى بن معين : الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان"(16).

                          والخلاصة هي :
                          أن علماء الجرح والتعديل نسبوا حفص بن سليمان القارئ إلى الضعف في الحديث ، مستندين إلى قول شعبة : إنه كان يستعير كتب الناس فينسخها ، ولا يردها . وإلى قول أيوب : أبو بكر أوثق من أبي عمر . وكلا الأمرين لا يصلح أن يكون علة لتضعيفه ، أما الأول فقد بان أنه وَهْمٌ ، وأما الثاني فإن قول أيوب يمكن أن يعني أن حفصاً ثقة لكن شعبة أوثق منه . وسوف أعود لمناقشة ذلك بعد عرض أقوال الموثقين لحفص .

                          ثالثاً : أقوال المُوَثِّقين :

                          لا تخلو كتب التراجم وكتب الجرح والتعديل من أقوال في توثيق حفص بن سليمان القارئ ، لكنها قليلة ، غطَّت عليها أقاويل المجرحين ، ولعل ما ذهب إليه العلماء من " أن تقديم الجرح على التعديل مُتَعَيِّنٌ"(17) قد حجب ما ورد من أقوال في توثيقه . وما ورد من أقوال في توثيقه على قلتها تدل على أن حفصاً كان موضع ثقة من علماء عرفوه أو أخذوا عنه . ومن العلماء الذين وثقوه :

                          (1) وكيع بن الجراح ، الكوفي (ت 196هـ) :
                          نقلت مجموعة من كتب الجرح والتعديل عن أبي عمرو الداني الأندلسي (ت 444هـ) قوله في حفص القارئ:" مات قريباً من سنة تسعين ومئة ، قال : وقال وكيع : كان ثقـة "(18). وللداني كتاب في طبقات القراء ، لعله ذكر قول وكيع فيه .

                          وقول وكيع هذا مهم جداً في توثيق حفص لسببين : الأول : كونه من الكوفة ، وأهل الكوفة أعرف بعلمائهم ، والثاني : كونه معاصراً لحفص ، وما رَاءٍ كمَنْ سَمِعَ !

                          (2) سعد بن محمد بن الحسن العوفي ، تلميذ حفص :
                          انتقل حفص بن سليمان الأسدي القارئ من الكوفة إلى بغداد ، ولعل ذلك حصل في منتصف القرن الثاني الهجري أو بعده بقليل ، وكان له من العمر قريباً من ستين سنة ، ونزل في الجانب الشرقي منها ، ونقل الخطيب البغدادي عن ابن مجاهد (ت 324هـ) قوله:"حدثنا محمد بن سعد العوفي ، حدثنا أبي ، حدثنا حفص بن سليمان ، وكان ينزل سُوَيْقَةَ نصر، لو رأيته لَقَرَّتْ عَيْنُكَ به علماً وفهماً "(19).

                          وسعد بن محمد العوفي هذا أحد تلامذة حفص بن سليمان القارئ في بغداد ، وأخذ عنه قراءة عاصم ، قال ابن مجاهد في كتابه السبعة :" حدثني محمد بن سعد العوفي ، عن أبيه ، عن حفص ، عن عاصم : أنه كان لاينقص نحو ( هزواً ) و(كفواً)، ويقول : أكره أن تذهب مني عشر حسنات بحرف أدَعُهُ إذا هَمَزْتُهُ "(20) .

                          (3) الإمام أحمد بن حنبل (ت241 هـ) :
                          ذكر الخطيب البغدادي أربع روايات منقولة عن الإمام أحمد ، في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي المقرئ ، ثلاث منها فيها توثيق ، ورواية فيها تضعيف ، والروايات المُوَثَّقَةُ له هي قوله:

                          أ- هو صالح (21).
                          ب- ما كان بحفص بن سليمان المقرئ بأس (22).
                          ج- عن حنبل، قال سألته ، يعني أباه، عن حفص بن سليمان المقرئ ، فقال هو صالح (23)، وقوله : ( أباه ) يعني عمه أحمد بن حنبل .

                          أما الرواية التي ورد فيها تضعيف لحفص فقال فيها عنه وأبو عمر البزاز متروك الحديث (24).

                          ونقل ابن أبي حاتم رواية التضعيف على هذا النحو :" أنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ، في ما كتب إليَّ ، قال سمعت أبي يقول : حفص بن سليمان ، يعني أبا عمر القارئ ، متروك الحديث"(25).

                          ويبدو لي أن عبارة ( يعني أبا عمر القارئ ) مما أضافه ابن أبي حاتم إلى الرواية ، حتى لا ينصرف الذهن إلى حفص آخر ، ولكن من المحتمل أن يكون ابن أبي حاتم قد وَهِمَ في إضافة هذه العبارة ، كما وَهِمَ في نسبة قول شعبة في استعارة حفص للكتب إلى حفص بن سليمان القارئ في الموضع نفسه(26) ، فقد يكون المقصود بذلك حفص بن سليمان المنقري .

                          (4) عُبيد بن الصبَّاح الكوفي ثم البغدادي ، تلميذ حفص :
                          نقل الذهبي عن أحمد بن سهل الأشناني (ت307هـ)أنه قال :" قرأت على عبيد بن الصباح ، وكان من الورعين المتقين ، قال قرأت القرآن كله على حفص بن سليمان ، ليس بيني وبينه أحد"(27). ويدل قول عبيد هذا على افتخاره بأخذه القراءة عن حفص مباشرة ، ولو كان حفص بالصورة التي تصورها كتب الجرح والتعديل من كونه متروك الحديث ، كذاباً ، لما كان لقوله معنى ، لاسيما أن تلميذه أحمد بن سهل وصفه بأنه كان من الورعين المتقين .

                          (5) الفضل بن يحيى الأنباري ، تلميذ حفص :
                          ذكر أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنه أخذ رواية أبي عمر حفص بن سليمان ، عن أبيه ، وقال أبوه :" أقرأني عمي أحمد بن بشار بن الحسن الأنباري ، عن الفضل بن يحيى الأنباري ، عن أبي عمر ، عن عاصم . قال أبي : قال لي عمي: كان الفضل قد أقام بمكة مجاوراً حتى أخذ القراءة عن أبي عمر"(28).

                          ونقل ابن الجزري عن الفضل أنه قال :" قرأت على حفص وكتب لي القراءة من أول القرآن إلى آخره بخطه"(29)، وفي قول الفضل هذا من الفخر والاعتزاز ما يدل على ثقته بشيخه أبي عمر حفص بن سليمان القارئ .

                          رابعاً : مناقشة واستنتاج :

                          إن ما تقدم من بيان لأقاويل المُجَرِّحِينَ لحفص بن سليمان الأسدي ، وأقوال المُعَدِّلِينَ له، يقتضي إعادة النظر في الموضوع كله ، في ضوء الحقائق التي تكشفت من خلال البحث ، وعلى النحو الآتي :

                          (1) إن تضعيف حفص بن سليمان القارئ في الحديث يحتاج إلى مراجعة ، بل قد يحتاج إلى تعديل وتصحيح ، وذلك بتغليب أقوال المعدِّلين له، لأن التعديل يُقبل من غير ذكر سببه ، على الصحيح المشهور ، ولا يُقبل الجرح إلا مُبَيَّن السبب(30).

                          وقد اتضح أن سبب تضعيف حفص بن سليمان القارئ الرئيس هو قول شعبة بن الحجاج ، وقد بان أن شعبة كان يعني حفص بن سليمان المنقري البصري ، ويؤكد ذلك أن ابن سعد نقل عن شعبة أن حفصاً المنقري كانت لديه كتب استفاد منها أخو زوجته أشعث بن عبد الملك في معرفة مسائل الحسن ، لأن حفصاً هذا كان أعلمهم بقول الحسن (31).

                          ولا يخفى أن تضعيف يحيى بن معين لحفص القارئ كان مبنيا ًعلى فهم غير دقيق لقول أيوب بن المتوكل ، على نحو ما بيَّنت من قبل . وبناء على ذلك ينبغي أن يعتمد قول الإمام أحمد بن حنبل في توثيق حفص القارئ ، ويحمل ما ورد من تضعيف على حفص آخر ، لأن وجود عدد من الأشخاص يحملون اسم حفص بن سليمان قد أوقع بعض العلماء في الخلط بينهم ، على نحو ما سنوضح بعد قليل .

                          أما أقوال علماء الجرح والتعديل الذين جاءوا بعد الجيل الأول من طبقة شعبة ويحيى بن معين والإمام أحمد والبخاري ، فإنهم كانوا ينقلون ما قاله هؤلاء الأعلام ، على ما فيه من أوهام وخلط ، وقد يتصرفون في العبارة بما يزيد من شدة النقد والتجريح لحفص بن سليمان القارئ ، وغَطَّتْ أقاويل التجريح أقوال التوثيق حتى نُسِيَتْ تقريباً ، على نحو ما لاحظنا في النص الذي نقلناه عن ابن الجوزي من قبل .

                          (2) ذكرت كتب التراجم عدة أشخاص من رواة الحديث باسم حفص بن سليمان ، عاشوا في القرن الثاني ، ذكر البخاري منهم في كتابه التاريخ الكبير أربعة ، هم :(32)
                          أ . حفص بن سليمان البصري المنقري ، عن الحسن .
                          ب . حفص بن سليمان الأزدي ، روى عنه خليد بن حسان .
                          ج . حفص بن سليمان ، سمع معاوية بن قرة عن حذيفة ، مرسل ...
                          د . حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر القارئ ...

                          وقد وقع خلط بين هؤلاء الرواة للحديث، لا سيما بين حفص المنقري البصري ، وحفص الأسدي الكوفي ،على نحو ما ذكرنا من نسبة قول شعبة في حفص البصري ، وحمله على حفص الكوفي . ووقع مثل هذا الخلط بينهما في تاريخ وفاتهما ، على نحو ما فعل ابن النديم حين ذكر حفص بن سليمان القارئ ، وقال :" مات حفص قبل الطاعون ، وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة "(33). وقد نبَّه ابن الجزري إلى ذلك فقال في وفاة حفص القارئ:" تُوُفِّيَ سنة ثمانين ومئة على الصحيح ، وقيل بين الثمانين والتسعين ، فأما ما ذكره أبو طاهر بن أبي هاشم [ عبد الواحد بن عمر ت 349هـ ] وغيره من أنه توفي قبل الطاعون بقليل ، وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين و مئة ، فذاك حفص المنقري بصري ، من أقران أيوب السختياني ، قديم الوفاة ، فكأنه تصحف عليهم ، والله أعلم "(34).

                          وقد يعثر المتتبع على أمثلة أخرى من الخلط بين هؤلاء ، فقد نقل الهيثمي حديثاً قال عنه :" رواه الطبراني في الكبير ، وفيه حفص بن سليمان المنقري ، وهو متروك ، واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه ، والصحيح أنه ضعفه ، والله أعلم ، وذكره ابن حبان في الثقات "(35).

                          ويثير هذا النص أكثر من إشكال ، منها أن الطبراني ذكر في الإسناد " حدثنا حفص بن سليمان ، عن قيس بن مسلم "(36) ، والذي يروي عن قيس بن مسلم هو حفص بن سليمان القارئ ، وقد تكون كلمة ( المقرئ ) تصحفت إلى (المنقري)، لكن الإشارة إلى أن ابن حبان ذكره في الثقات يؤكد أن المقصود هو ( المنقري)(37)، ويكاد الهيثمي ينفرد بالنص على تضعيف حفص المنقري .

                          ولعل في ما قاله ابن حبان عن حفص بن سليمان المقرئ ما يشير إلى ذلك الخلط ايضاً ، ونصه :" كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل ، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ، ويرويها سماع (كذا) "(38)، فلا شك في أن الذي يأخذ كتب الناس هو المنقري ، أما الذي يرفع المراسيل فقد يكون حفص بن سليمان الأزدي، فقد وصفه ابن حبان بأنه:" يروي المراسيل "(39)، ولعل كلمة (يروي) تصحفت عن كلمة( يرفع ) .

                          وكان أبو زرعة ( عبيد الله بن عبد الكريم ت 264هـ ) قد تخوَّف من الخلط بينهما ، فقال البرذعي :" وقال لي أبو زرعة : ليس هذا من حديث حفص ، أخاف أن يكون أراد حفص بن سليمان المنقري"(40) .

                          وإذا كان الأمر بهذه الصورة فإن تضعيف حفص بن سليمان القارئ به حاجة إلى المراجعة ، لأن كثيراً مما رُمِيَ به يرجع إلى البصريين المُسَمَّيْنَ باسمه ، لكن تتابع الأقوال في تجريحه قد حجب الأقوال التي توثقه ، لا بل إن الأمر وصل إلى حد تغيير مفهوم قول أيوب بن المتوكل الذي أثبت فيه أن حفصاً أصح قراءة من أبي بكر شعبة ، فقال ابن أبي حاتم :" قلت ما حاله في الحروف ؟ قال : أبو بكر بن عياش أثبت منه "(41). ومما يؤكد عدم دقة هذا التعبير قول أبي هشام الرفاعي (ت248هـ) :" كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم"(42)، وقل ابن المنادي (ت 336هـ) :" وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش ، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم "(43) ، ولعل ابن المنادي يشير إلى قول أيوب بن المتوكل الذي نقلناه من قبل : " أبو عمر أصح قراءة من أبي بكر بن عياش " .

                          (3) ذكر المزي في ( تهذيب الكمال ) سبعة وعشرين شيخاً روى عنهم الحديث حفص بن سليمان القارئ (44) ، وقد تتبعتهم في (تقريب التهذيب) لابن حجر فوجدته يصف خمسة عشر منهم بـ( ثقة ) ، وعشرة منهم بـ (صدوق ) ، وواحد بـ ( لا بأس به ) ، وواحد وصفه بمجهول ، وهو كثير بن زاذان ، الذي سأل عثمان بن سعيد الدارمي يحيى بن معين عنه ، فقال :" قلت يروي ( أي حفص القارئ ) عن كثير بن زاذان من هو ؟ قال : لا أعرفه"(45)، لكن ابن حجر ذكره في التهذيب وقال : كثير بن زاذان النخعي الكوفي ، وذكر جماعةً من الرواة الذين رووا عنه سوى حفص ، وذكر نقلاً عن الخطيب البغدادي أنه كان مؤذن النخع (46).

                          وذكر المزي خمسة وثلاثين راوياً أخذوا عن حفص بن سليمان القارئ، وقد تتبعت ما قاله فيهم ابن حجر في تقريب التهذيب ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، فوجدت أن معظمهم موصوف بأنه ( ثقة ) أو (صدوق) .

                          وإذا نظرنا إلى حال شيوخ حفص القارئ وحال معظم تلامذته من حيث وصفهم بالثقة والصدق فإن من المناسب أن يكون حفصٌ كما وصفه وكيع بأنه : ثقة ، أو كما وصفه الإمام أحمد بأنه : صالح ، وأن نَعُدَّ كل ما وُصِفَ به من ألفاظ التجريح من باب الوهم والخلط الذي كان سببه نسبة القول بأخذ كتب الناس ونسخها إليه ، وعدم الدقة في فهم قول أيوب بن المتوكل : إن أبا بكر شعبة أوثق منه .

                          (4) لعل مما يُعَزِّزُ هذه النتيجة أن تُعْقَدَ دراسة لمرويات حفص بن سليمان القارئ من الأحاديث ، ومروياتِ مَن يشاركه في الاسم ، ويُدْرَسَ حال رجالها ، وتُوَازَنَ بمرويات غيرهم من المحدثين ، للتحقق مما ورد عند ابن حبان من أن حفصاً كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ، أو نحو ذلك مما نسبه إليه بعض العلماء بعد أن صنفوه في الضعفاء والمتروكين ، وأرجو أن أتمكن من القيام بمثل هذه الدراسة في المستقبل ، أو يقوم بها غيري ممن هو أكثر معرفة مني بعلم الحديث .

                          (5) والخلاصة التي يمكن ننتهي إليها من العرض السابق ونختم بها هي القول : إن حفص بن سليمان الأسدي كان إماماً في القراءة ، ضابطاً لها ، أفنى عمره في تعليمها ، بدءاً ببلدته الكوفة التي نشأ فيها ، ومروراً ببغداد التي صارت عاصمة الخلافة ، وانتهاء بمكة المكرمة مجاوراً بيت الله الحرام فيها ، وهو في أثناء ذلك أبدى اهتماماً برواية الحديث النبوي الشريف ، لكنه لم يتفرغ له تفرغه للقراءة ، ومن غير أن يتخصص فيه ، لكن ذلك لا يقلل من شأنه أو يكون سبباً للطعن في عدالته (47)، بعد أن اتضح أن تضعيفه في الحديث كان نتيجة البناء على وَهْمٍ وقع فيه بعض العلماء المتقدمين ، ويكفيه فخراً أن القرآن الكريم يُتْلَى اليوم بالقراءة التي رواها عن شيخه عاصم بن أبي النجود في معظم بلدان المسلمين ، ونرجو أن ينال من الثواب ما هو أهل له ، وما هو جدير به ، شهدنا بما علمنا ، ولا نزكي على الله أحداً .
                          المراجع :
                          (1) ينظر: الذهبي : سير أعلام النبلاء 5/560 ، وميزان الاعتدال 2/ 319.
                          (2) ينظر : كتابي : محاضرات في علوم القرآن ص 155 هامش 5 .
                          (3) غاية النهاية 1/254 – 255 .
                          (4) كتاب الضعفاء والمتروكين 1/221 .
                          (5) الباعث الحثيث ص 137 .
                          (6) الطبقات الكبرى 7/256 .
                          (7) العلل ومعرفة الرجال 2/503 .
                          (8) كتاب الضعفاء الصغير ص 32 .
                          (9) ينظر : العقيلي : كتاب الضعفاء 1/270 ، وابن أبي حاتم : الجرح والتعديل 1/140 و3/320 ، و المزي : تهذيب الكمال 7/15 ، والذهبي : ميزان الاعتدال 2/ 320 ، وابن حجر : تهذيب التهذيب 2/345 .
                          (10) تاريخ بغداد 8/186 ، وينظر : المزي : تهذيب الكمال 7/13 ، وابن حجر : تهذيب التهذيب 2/ 345.
                          (11) الكامل في الضعفاء 2/380 .
                          (12) تاريخ ابن معين ص 97 ، وينظر : ابن حبان : كتاب المجروحين 1/255 ، وابن عدي : الكامل في الضعفاء 2/380، والخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 8/ 186 ، والمزي : تهذيب الكمال 7/13 ، وابن حجر : تهذيب التهذيب 2/ 345 .
                          (13) ينظر : العقيلي : كتاب الضعفاء 1/270 ، والذهبي : ميزان الاعتدال 2/320 .
                          (14) الكامل 2/380 ، وينظر : المزي : تهذيب الكمال 7/15، وابن حجر : تهذيب التهذيب 2/345 .
                          (15) كتاب الضعفاء والمتروكين 1/221 .
                          (16) غاية النهاية 1/254 .
                          (17) ينظر : ابن الجوزي : كتاب الضعفاء والمتروكين 1/7 ، والسيوطي : تدريب الراوي 1/ 204 .
                          (18) ينظر : علم الدين السخاوي : جمال القراء 2/466 ، والمزي : تهذيب الكمال 7/15 ، والذهبي : ميزان الاعتدال 2/ 321 ، والهيثمي : مجمع الزوائد 10/163 ، وابن حجر : تهذيب التهذيب 2/ 345 .
                          (19) تاريخ بغداد 8/186 ، وينظر :المزي : تهذيب الكمال 7/12، وابن حجر : تهذيب التهذيب 2/345 .
                          (20) كتاب السبعة ص 159 ، وينظر : ابن الجزري : غاية النهاية 2/142 .
                          (21) تاريخ بغداد 8/186 ، وينظر : المزي : تهذيب الكمال 7/13 ، والذهبي : ميزان الاعتدال 2/320 .
                          (22) تنظر : المصادر المذكورة في الهامش السابق .
                          (23) تاريخ بغداد 8/186 .
                          (24) تاريخ بغداد 8/186 ، وينظر : العقيلي : كتاب الضعفاء 1/270 .
                          (25) الجرح والتعديل 3/173 ، وينظر : الذهبي : ميزان الاعتدال 2/320 .
                          (26) ينظر : الجرح والتعديل 3/173 .
                          (27) معرفة القراء الكبار 1/249 .
                          (28) إيضاح الوقف والابتداء 1/113 .
                          (29) غاية النهاية 2/11 .
                          (30) ينظر : السيوطي : تدريب الراوي 1/202 .
                          (31) ينظر : الطبقات الكبرى 7/276 .
                          (32) التاريخ الكبير 2/363 ، وينظر : ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل 3/ 173-174 .
                          (33) الفهرست ص 31 .
                          (34) غاية النهاية 1/255 .
                          (35) مجمع الزوائد 1/328 .
                          (36) المعجم الكبير 12/209 .
                          (37) ابن حبان : الثقات 6/195 .
                          (38) كتاب المجروحين 1/255 ، وينظر : الذهبي : ميزان الاعتدال 2/320 .
                          (39) الثقات 6/197 .
                          (40) سؤالات البرذعي ص 8 .
                          (41) الجرح والتعديل 3/174 .
                          (42) الذهبي : معرفة القراء 1/141 ، وابن الجزري : غاية النهاية 1/254 .
                          (43) المصدران السابقان .
                          (44) تهذيب الكمال 7/11- 12 .
                          (45) ينظر : ابن عدي : الكامل في الضعفاء 2/ 380 ، والخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 8/168 .
                          (46) تهذيب التهذيب 8/369 .
                          (47) نقل الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (8/186) أن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (ت 283هـ) قال : " حفص بن سليمان كذَّاب ، متروك ، يضع الحديث " . ولا يخفى على القارئ أن ابن خراش قد أتى بألفاظ في تجريح حفص لم يأت بها أحد من قبله ، وهي تطعن في عدالته وتنسبه إلى الكذب ووضع الحديث . وهذا أمر لا يوجد ما يشير إليه في أقوال المعاصرين لحفص أو يدل عليه . ولعل من المناسب أن نذكر هنا أن ابن خراش هذا كان رافضياً يطعن على الشيخين ، فما بالك بمن هو دونهما ( ينظر : السيوطي : طبقات الحفاظ ص 297 ) .
                          التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 04:47 ص.
                          اعرف دينك

                          دينك دين عظيم جدا تجاوزت عظمته حدود الإدراك والتخيل ويكفيك شرفا أنك مسلم فقل الحمد لله الذي جعلني من المسلمين


                          يا ربُّ ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك ، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة ، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ ، والزائغين عن السبيل إلى هداك

                          تعليق


                          • #14
                            وهذا البحث الرائع والمناقشة العلمية التي أدلى بها الأخ الأستاذ الدكتور يحيى الشهري، تدقيقا وتصحيحا واضافة الملاحظات على ما جاء في رسالة الدكتور غانم قدوري الحمد:

                            بسم الله الرحمن الرحيم

                            الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: فقد سعدت بجوار أخي الحبيب الدكتور عبدالرحمن الشهري (سلمه الله) في مكة في الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك 1426هـ ، وأيام عيد الفطر المباركة، فليس فرحي بصحبة أبي عبدالله ، والنهل من علمه ، والإفادة من أدبه الجم ، بأقل من فرحي بالمجاورة في تلك العشر المباركة.

                            ومما أفادني به بحثٌ كتبه أحد رواد الدراسات القرآنية واللغوية في هذا العصر الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد (الأستاذ بكلية التربية بجامعة تكريت) بعنوان : حفص بن سليمان الأسدي راوي قراءة عاصم بين الجرح والتعديل. والمنشور بملتقى أهل التفسير ، وطلب مني إبداء وجهة نظري في هذه القضية المهمة، بعد تأكيده برغبة أ. د. غانم (سلمه الله) في ذلك. وبعد قراءتي للبحث وجدت أنه لا يستند إلى قواعد الجرح والتعديل كما ينبغي ، وهو في مجملة مبني على العاطفة الطيبة تجاه هذا المقرئ العَلَم رحمه الله.

                            كما أنه يعوزه (الجانب التطبيقي) ، وقد عَبَّرَ عن ذلك الأستاذُ الفاضل بقوله:(ولعل مما يعزِّز هذه النتيجة أن تعقد دراسة لمرويات حفص بن سليمان القارئ من الأحاديث، ومرويات من يشاركه في الاسم، ويُدرس حال رجالها، وتُوازن بمرويات غيرهم من المحدثين ... وأرجو أن أتمكن من القيام بمثل هذه الدراسة في المستقبل، أو يقوم بها غيري...)). اهـ.

                            وتحقيقًا لرغبة الأستاذين الكريمين فسأقوم (بعون الله تعالى) بدراسة حال حفص بن سليمان الكوفي مستعينًا بالله تعالى . وسوف تكون المناقشة والتعقيب وفق تسلسل بحث الدكتور غانم بناء على ما وصلني في نسخته الورقية ، وسأحرص على نقل جميع كلامه مضمنًا في ثنايا هذا البحث متصل العبارات غير مخروم ولا محذوف منه شيء ، وعلامته ما تحته [خط] وأختمه [بـ(اهـ.)].

                            وستتضمن المناقشة والمباحثة الجانب النظري وذلك بتحرير النقول في جرحه وتعديله، مع تعليل الألفاظ ومعرفة معانيها ودلالاتها، مع الفصل بينه وبين غيره ممن يتفق أو يشتبه به، وتحرير بعض الأوهام المتعلقة بالترجمة.

                            ثم أتعرض للجانب التطبيقي ، وذلك بدراسة مروياته والتنبيه على أفراده وغرائبه ، مرتبًا لها على أسماء شيوخه. وبالله أستعين سبحانه وتعالى، وأسأله العدل والإنصاف، والتوفيق والسداد لما يحب ويرضى.

                            وسوف أتناول هذه المباحثة والمناقشة في جملة وقفات ، مبتدأ بنقل كلام الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد ، ثم أردفه بكلامي معقبًا عليه ، أو مناقشًا له :

                            الوقفة الأولى : حول فهم مصطلحات المحدثين المفردة والمركبة، وتنـزيلها على أحوال الرواة

                            قال أ . د. غانم قدوري:(شهرة عاصم بن أبي النجود وتلميذه حفص بن سليمان الأسدي تملأ الآفاق اليوم فعاصم صاحب القراءة التي يقرأ بها المسلمون القرآن في معظم البلدان اليوم، وحفص هو صاحب الرواية عنه، ولكن المرء يعجب مما ورد في كتب رجال الحديث من وصف حفص بن سليمان بأنه ضعيف، متروك الحديث، وصار ذلك الوصف من المسلمات لدى معظم من كتب عن حفص، وحاول بعض العلماء التخفيف من أثر ذلك الوصف بالقول: "إن العالم قد يكون إمامًا في فن مقصرًا في فنون"، ولا عجب بناءً على ذلك أن يتقن حفص القرآن ويجوده، ولا يتقن الحديث). اهـ.

                            ينبغي أن نعلم أن عبارات المحدثين مصطلحات ذات دلالة، تختلف في معانيها باختلاف تركيبها وإضافتها، وإجمالها وتفصيلها.

                            فمثلاً بعضهم يطلق لفظة (ضعيف) ـ كالحال في حفص بن سليمان على ما ذكر الأستاذ الفاضل ـ وهي لفظة مجملة بابها الجرح غير المفسر، ويمكن أن تفسر من لفظ الناقد نفسه إذا كان له أكثر من قول في الراوي، أو من إطلاقها على غيره، ولا يكون ذلك إلا بعد الاستقراء ومعرفة مراده من هذا الإطلاق.

                            وإذا أطلقت بدون إضافة أو تركيب فإنها قد تنصرف للضعف في العدالة أو الضعف في الرواية وتبين ذلك القرائن.

                            وكذلك معنى قولهم (متروك) ليس كمثل قولهم (متروك الحديث) فيما أحسب:
                            فقولهم الأول قد ينصرف للديانة أوللرواية أو هما معًا، أما الثاني فلا أراه ينصرف إلا إلى الرواية.

                            وحال الراوي هو الذي يفسر المراد من إطلاق هذه اللفظة، وستأتي أمثلة من ألفاظ النقاد المفردة والمركبة في الكلام على حفص، وسنشرحها في محلها.
                            وهنا أجزم في حال حفص أن المراد بالترك العدالة في الرواية لا العدالة الدينية.

                            وعليه فلا تضاد بين الضعف في الرواية والشهرة على ما سيأتي بيانه في الوقفة التالية.

                            الوقفة الثانية : شهرة الراوي وعدم أثرها على قبول حديثه، وأن العبرة بالإتقان لا بغيره.

                            الشهرة في أي فن من الفنون ، أو علمٍ من العلومِ ولا سيما علم رواية الحديث لا تكون سببًا في إتقان فن الرواية ؛ لأنه يقوم على المعرفة والممارسة بالدرجة الأولى ، فالذي لا يمارس فن الحديث ولا يعتني به لا يمكن أن يَمهَرَ فيه.

                            فكيف إذا اشتغل بغيره ، وتصدر له ؟ لا شك أنه سيكون أقل مهارة ومعرفة بقوانين وأصول الرواية من المختص.

                            فلو نظرنا هنا في حال حفص لوجدنا أنه تصدر للإقراء ولم يتصدر للرواية، ومن هنا وقع الوهم والغلط والتفرد في حديثه، والذي من أجله ترك المحدثون حديثه.

                            إذا ظهر لك هذا فأنا لا أرى أن هناك تناقضًا بالمعنى الذي أثاره الأستاذ الفاضل بين إتقان القراءة وعدم إتقان الرواية.

                            ومن هنا كان اعتذار المؤرخ العظيم الذهبي عن حفص وشيخه عاصم أبلغ ما يمكن أن تبرأ به ساحته، وهو قوله: ((وما زال في كل وقت يكون العالم إمامًا في فن مقصرًا في فنون))([1]).

                            ثم هذا الإمام العلم سليمان بن مهران الأعمش كان ثبتًا في الحديث ضعيفًا في القراءة، فإن له قراءة لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع([2])، ومع ذلك ما ضره هذا عند أهل الحديث، كما أن ضعف حفص في الحديث لم يضره عند أهل القراءات.

                            ومما يحكى عنه أنه قال لأبى حنيفة: يا نعمان ما تقول في كذا كذا ؟ قال: كذا وكذا. قال: من أين قلت ؟ قال: أنت حدثتنا عن فلان بكذا، قال الأعمش: ((أنتم يا معشر الفقهاء الأطباء ونحن الصيادلة))([3]).

                            وعن الشافعي مثله، قال الربيع: سمعت الشافعي قال لبعض أصحاب الحديث: ((أنتم الصيادلة ونحن الاطباء))([4]).

                            وقال أبو سليمان ابن زبر الربعي: كان أبو جعفر الطحاوي قد نظر في أشياء كثيرة من تصانيفي وباتت عنده وتصفحها فاعجبته! وقال لي: ((يا أبا سليمان أنتم الصيادلة ونحن الأطباء))([5]).

                            فالرَّاوية غير الفقيه، كما أن القارئ غير المحدث، فلا نشترط في القارئ أن يكون محدثًا إلا ما يخص أحرفه مما ثبت له روايته ونقله عن شيوخه.
                            مع أنه قد يجمع بعض أهل العلم بين الحديث والفقه كحال الإمام أحمد (رحمه الله)، أو بين الحديث والمعرفة بالقراءات كحال الدارقطني([6])، كل ذلك مع المعرفة والإتقان، ولكن هذا الضرب من الناس قلة.

                            وكم رمي أهل الحديث بأنهم زوامل لا يفقهون ما يروون! لكنا لا نعده عيبًا في ميزان العلم الصحيح؛ فقد صح عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((نضَر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)). أخرجه أبو داود([7])، وابن حبان([8])، والحاكم([9]).

                            ولم يغضبنا هذا القصور كما أغضب غيرنا، فنحن نطالب بالإنصاف !؟ فكما أنا لا نشترط في المحدث أن يكون فقيهًا، لا نشترط في الفقيه أن يكون محدثًا ناقدًا عارفًا بالعلل والجرح والتعديل، أنما يكفي معرفته بالصحيح من الضعيف ولو بالتقليد.

                            قال عبدالله بن أحمد: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: ((يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا حتى نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا))([10]).

                            فهذا الشافعي على جلالته ومعرفته بحديث أهل الحجاز يطلب من الإمام أحمد تعليمه بما صح من أحاديث البلدان.

                            ومن هنا ينبغي أن نسلم بالتخصص، وعدم تجاوز أهل الشأن، فكم بلينا بأراء شاردة من غير أهل الاختصاص، وممن يوسم بالمشاركة والتفنن حتى من كبار العلماء في تاريخنا الطويل.

                            والخلاصة أن التسليم لأهل الفن سلامة كما سلم الشافعي لأحمد، وسلم الأعمش لأبي حنيفة.

                            -- الحواشي ---
                            ([1]) سير النبلاء (5/260).
                            ([2]) انظر معرفة القراء الكبار (1/217).
                            ([3]) انظر الثقات لابن حبان (8/467 ـ 468)، والكامل (7/7)، ونصيحة أهل الحديث (ص45).
                            ([4]) انظر سير أعلام النبلاء (10/23).
                            ([5]) انظر تاريخ دمشق (53/ 318)، تذكرة الحفاظ (ص3/997)، والسير (16: 441).
                            ([6]) حكي عنه قوله: ((كنت أنا والكتاني نطلب الحديث ، فكانوا يقولون يخرج الكتاني محدث البلد، ويخرج الدارقطني مقرئ البلد، فخرجت أنا مُحدثًا والكتاني مقرئًا)). المنتظم (7/148). وقد ترجم له ابن الجزري في الغاية (1/558 ـ 559) ومما ذكر: عرض القراءة على أبي بكر النقاش، وأبي الحسن أحمد بن جعفر بن المنادي، ومحمد بن الحسين الطبري، ومحمد بن عبدالله الحربي، وأبيه عمر بن أحمد، وأبي القاسم علي بن محمد النخعي، وأبي بكر محمد بن عمران التمار، ومحمد بن أحمد بن قطن، وأبي بكر محمد بن الحسين بن محمد الديبني، وأبي الحسن بن بويان، وأحمد بن محمد الديباجي، وعلي بن سعيد بن ذؤابة. وسمع كتاب السبعة من ابن مجاهد وهو صغير.
                            وقال ابن خلكان في الوفيات (3/297): أخذ القراءة عن محمد بن الحسن النقاش عرضًا وسماعًا.
                            وتذكر بعض المصادر أنه تصدر في آخر أيامه للإقراءة . انظر سير النبلاء (16: 451)، معرفة القراء الكبار (2/666).
                            وقال ابن الجزري في غاية النهاية (1/559): وألف في القراءات كتابًا جليلاً لم يؤلف مثله، وهو أول من وضع أبواب الأصول قبل الفرش، ولم يعرف مقدار هذا الكتاب إلا من وقف عليه، ولم يكمُل حسن كتاب (جامع البيان) إلا لكونه نُسج على منواله.
                            قال الخطيب في التاريخ (12/34 ـ 35): سمعت بعض من يعتنى بعلوم القرآن يقول: لم يسبق أبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الأبواب في أول القراءات، وصار القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم ويحذون حذوه. اهـ.
                            ([7]) أخرجه أبو داود في السنن (3: 322/ برقم 3660).
                            ([8]) أخرجه ابن حبان في الصحيح (الإحسان) (1: 270/ برقم 67).
                            ([9]) أخرجه الحاكم في المستدرك (1: 164/ برقم 297).
                            ([10]) سير النبلاء (11/214).

                            الوقفة الثالثة : حول أثر هذا الطعن على قراءة حفص.

                            قال أ.د. غانم وفقه الله : (ولو أن الأمر توقف عند وصف حفص بعدم إتقان الحديث لكان مقبولاً، ولكنه تجاوز ذلك إلى الطعن في عدالته، واتهامه بالكذب عند بعض العلماء. وكيف يكون المرء مؤتمنًا على القرآن، متهمًا في الحديث؟ إنه أمر أشبه بالجمع بين النقيضين!
                            وكنت أتتبع الروايات المتعلقة بهذه القضية وأقاويل العلماء فيها، في محاولة لتفسيرها على نحو يخفف من أثرها، حتى لا تكون وسيلة للطعن في قراءة القرآن الكريم
                            ). اهـ.


                            الحقيقة أن الأمر لا يعدو ما ذكر الأستاذ من أن حفصًا موصوف بعدم الإتقان في الحديث، وما حصل من بعض النقاد في تكذيبه، يعود إما بسبب تشدد الناقد فلا نقبل ذلك منه، أو يمكن توجيه ذلك بما يعود على التساهل في الرواية من قبل حفص مما جعله يروي بعض الأحاديث الباطلة لتساهله في التحمل والأداء، وقد تكون العلة فيها من غيره.

                            فالأولى في نظري توجيه عبارات المحدثين والاعتذار بطريقة علمية عن الطرفين.. وهذا ما عسانا نحققه في هذه المقالة.

                            أما كيف يكون المرء مؤتمنًا على القرآن، متهمًا في الحديث ؟ (إنه أمر أشبه بالجمع بين النقيضين!) فالأمانة موجودة عند حفص بن سليمان لا نشك في هذا، ولكن التساهل في الرواية وعدم معرفة طرائق القوم والتحفظ من رواية الغرائب والمنكرات، هو الذي جعله لقمةً سائغة في أفواه النقاد المهرة، فلو كان اقتصر على معرفة بالقراءة لكان خيرًا له، وهو ما قصر عليه عنوةً بعد ذلك فلا نقبل منه الرواية ونقبل منه القراءة.

                            ويشكر الدكتور على حرصه وغيرته على كتاب الله ، لكن ينبغي أن يكون التفسير لألفاظ نقاد المحدثين وفق أصولهم وطريقتهم ، فالمحدثون وفق منهجهم وقواعدهم لم يضعفوا قراءة حفص عن عاصم بل هي عندهم حجة في القديم والحديث ، فإذا أخذ بعض الجهلة ضعفه في الحديث سببًا لتضعيف قراءته فلا يكون هذا حجة لنا لتوهيم كبار النقاد وزعم تواردهم على الخطأ، خشية من حصول طعن مبناه على التصور النظري، الذي لا أظنه يحدث، فقراءة حفص طبَّقت الآفاق منذ ما يزيد على اثني عشر قرنًا، ولم يجرؤ أحد على ردها أو الطعن فيها.

                            الوقفة الرابعة: حول النتيجة المسبقة التي بشر بها الدكتور غانم بين يدي بحثه.

                            قال أ.د.غانم وفقه الله : (وقد انكشفت لي جوانب جديدة حول هذه القضية جعلتني أعود إلى دراستها وعرض نتيجة ما توصلت إليه حولها على المهتمين بالموضوع، وهي نتيجة أحسب أنها تسرُّ حملة القرآن، والمهتمين بدراسة القراءات، إن شاء الله تعالى، وأرجو أن تبعث السرور في نفوس المتخصصين بدراسة الحديث أيضًا، والحق أحق أن يُتبع. والحكمة ضالة المؤمن. وتتلخص تلك النتيجة في أن تضعيف حفص بن سليمان القارئ في الحديث أنبنى على وهمٍ وقع فيه بعض كبار علماء الحديث الأوائل، وانتشر عند من جاء بعدهم، وأضيف إليه حتى صار كأنه حقيقة مسلمة لا تقبل النقاش) اهـ.

                            قلتُ : الذي انكشف للدكتور الفاضل هو وَهمٌ وقعَ في الخلط بين حفص المنقري البصري، وحفص المقرئ الكوفي. والواهم في ذلك هو محمد بن إسماعيل البخاري([1]) ومن تابعه من النقاد([2]) والمؤرخين (وأنا لا أبرئهم من الخطأ).. وأشدهم خطأً في ذلك ابن حبان إذا أحال العبارة إلى جرح بقوله: (كان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع).

                            وممن أخطأ في حمل هذا الوهم الذهبي في (تاريخ الإسلام) ([3]) إذا قال في ترجمة حفص المقرئ: إنما دخل عليه الداخل في الحديث لتهاونه به. قال أحمد بن حنبل ... (فذكر القصة). وبقيتهم إنما تواتروا على النقل ولم يعدوا هذه القصة من قبيل الجرح.

                            والمهم هنا والذي أجزم به أن هذه القضية ليست هي سبب الضعف، كما نص عليه الأستاذ، ويشكر لطرحه ما توصل إليه على المختصين، وهذا من تواضعه وتسليمه لأهل الفن.

                            وإن سرَّت نتيجة بحثه حملة القرآن، والمهتمين بدراسة القراءات، فإنها لا تسرنا معاشر المحدثين بصورتها هذه ؛ لأنه لا يسرنا براءة حفص مقابل تخطئة كبار النقاد ، وهدم قواعدهم في الجرح والتعديل ، ومحاولة إبراز منهجهم على أنه قائم على التقليد الصرف.

                            فلا أتفق مع الأستاذ في هذا مطلقًا؛ لأن التقليد عند كبار النقاد غير صحيح ، فكم عورض شعبة في نقده لبعض الرجال ، وكم اختلفت أقوال عبدالرحمن بن مهدي ويحيى القطان في الرواة ، وكم تنازع ابن معين والإمام أحمد في شأن رجل ضعفه أحدهما وقبله الآخر، وكم تعقب أبو زرعة وأبو حاتم محمد بن إسماعيل البخاري.. ولو شئت لسودت لك من هذا عشرات بل مئات الصفحات. فلكل ناقد ذوقه الخاص ونظرته الفاحصة في أحوال الرجال، كما أنهم على طبقات في المعرفة والإتقان، وفي التشدد واللين، وفي الورع وسلاطة اللسان.

                            لكن العجيب اتفاقهم جميعًا على تضعيف حفص بن سليمان القارئ ، مما يدل على أن وراء الأكمة ما وراءها.

                            أما ما ورد من ذكر توثيق له فهذا له وجه وتأويل يأتي في محاله، وهو لم يصدر عمن يعتد بقوله عند أهل الفن لو سلمنا بذلك.

                            قال الحافظ ابن حجر : قال الذهبي ـ وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال ـ :((لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة))([4]).

                            أما دعوى أن هذا الوهم أضيف له حتى صار كأنه حقيقة مسلمة لا تقبل النقاش، فهذا غير صحيح؛ لأن الجرح والتعديل مبناه على المعرفة لا التقليد، وله ضوابطه وشروطه المعروفة عند أهله.

                            أما من حيث عدم التسليم بالنقاش، فلا أظن أحدًا يمنع هذا، وهو متاح في كل راو من رواة الحديث، بشرط أن يكون ضمن منهج المحدثين.


                            ----الحواشي ----
                            ([1]) الضعفاء الصغير برقم (73).
                            ([2]) نقل هذه الحكاية ابن أبي حاتم في الجرح (3/173)، والعقيلي في الضعفاء (1/270)، وابن عدي في الكامل (2/380)، والمزي في تهذيبه (7/15)، والذهبي في الميزان (1/558)، وابن حجر في التهذيب (2/345)
                            ([3]) تاريخ الإسلام (وفيات 170 ـ 180) (ص87).
                            ([4]) تدريب الراوي (1/308)، فتح المغيث (3/359).

                            الوقفة الخامسة: حول خطة البحث ومنهج الترجمة له.

                            قال أ.د.غانم وفقه الله :(وسوف أعرض عناصر الموضوع الأساسية على نحو مختصر من خلال بحث الفقرات الآتية:
                            (1) ترجمة حفص بن سليمان القارئ.
                            (2) أشهر أقاويل المجرحين.
                            (3) أقوال الموثقين.
                            (4) مناقشة واستنتاج.
                            أولاً ـ ترجمة حفص بن سليمان القارئ
                            لعل من المفيد للقارئ الاطلاع على ترجمة ملخصة لحفص بن سليمان ، قبل عرض فقرات الموضوع المتعلقة بتوثيقه وتجريحه ، وسوف أقتصر على إيراد نصين لترجمته يمثلان وجهتي نظر متقابلتين لكل من علماء القراءة وعلماء الحديث ، الأول من كتاب غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري الذي حاول إبراز النقاط المضيئة في شخصية حفص ، والثاني من كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ، الذي جمع فيه من أقوال التجريح التي يمكن أن تُخْرِجَ حفصاً - لو صحت - من الدين !
                            قال ابن الجزري : " حفص بن سليمان بن المغيرة ، أبو عمر الأسدي الغاضري البزَّاز ، ويعرف بحُفَيْص ، أخذ القراءة عرضاً وتلقيناً عن عاصم ، وكان ربيبه ابن زوجته ، وُلِدَ سنة تسعين ، قال الداني : وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، وجاور بمكة فأقرأ أيضاً بها ، وقال يحيى بن معين : الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان ، وقال أبو هشام الرفاعي : كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم ، وقال الذهبي : أما القراءة فثقة ثَبْتٌ ضابط لها ، بخلاف حاله في الحديث ، قلت : يشير إلى أنه تُكُلِّمَ فيه من جهة الحديث ، قال ابن المنادي : قرأ على عاصم مراراً ، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش ، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ على عاصم ... توفي سنة ثمانين ومئة على الصحيح ، وقيل بين الثمانين والتسعين ... ".
                            وقال ابن الجوزي : " حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي القارئ البزَّاز ، وهو صاحب عاصم ، ويقال له الغاضري، وهو حفص بن أبي داود ، كوفي ، حدَّث عن سماك بن حرب ، وليث ، وعاصم بن بهدلة ، وعلقمة بن مرثد ، قال : يحيى : ضعيف ، وقال مرَّة : ليس بثقة ، وقال مرة : كذَّاب . وقال أحمد ومسلم والنسائي : متروك الحديث . وقال البخاري : تركوه ، وقال السعدي: قد فُرِغَ منه منذ دهر ، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كذَّاب متروك يَضَعُ الحديث ، وقال ابن حبان : كان يَقْلِبُ الأسانيد ويرفعُ المراسيل ، وقال أبو زرعة والدارقطني : ضعيف ")
                            . اهـ.


                            قلت: طريقة الترجمة المجملة غير الموثقة في مثل هذه القضية الشائكة غير سليمة، ولكن يعذر الأستاذ غانم في هذا فإنما أراد إبراز وجه الاختلاف بين ترجمة حفص بن سليمان الحديثية وترجمته القرائية.

                            ولذا اقتصر على كتابين من كتب التراجم، لكن يعيبهما أنهما من المراجع الوسيطة والمتأخرة، التي لا تسلم في الأغلب من اختصار في الألفاظ، وربما أدى هذا إلى الأوهام التي حذر منها الأستاذ،‍ وكلاهما لا أراه سلم من ذلك.. في هذه الترجمة بخصوصها.

                            فأولهما : كتاب (غاية النهاية) لابن الجزري.

                            والكتاب كتاب تخصصي تركيزه في تراجمه على جوانب تتعلق بأخذ القراءات وتلقنها وعرضها، وما تفرد به كل راو من الأحرف. ولم يول جوانب الجرح والتعديل عناية تذكر في كتابه، فلا جرم لم يذكر ما ذكره المحدثون في حفص بن سليمان سواءً ما كان من قبيل الجرح أو ما كان من قبيل التعديل.

                            مع ملاحظة أنه يتصرف في العبارات، وليس في تحليل الألفاظ وفهمها كحال الذهبي في (طبقاته).. أين هذا من ذاك؟. كما أن الذهبي لم يبلغ مرتبة ابن الجزري في الاهتمام بالترجمة القرائية لرواة كتابه، إذ خلطه بالترجمة الحديثية.

                            وثانيهما: كتاب (الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي) وهو لا يعدُّ من الكتب الأصيلة عند أهل الحديث.. فإن ابن الجوزي وإن كان من مشاهير الأئمة الفحول ولكنه مشارك متفنن فلذا كثرت عنده الأوهام في الحديث وعلله وجرح الرواة وتعديلهم، وهو مثال لما ذكرنا عن الأعلام المتفننين.

                            ثم وقفت على قول الذهبي في (الميزان) ([1]) في شأن أبان بن يزيد العطار: ((وقد أورده أيضا العلامة أبو الفرج بن الجوزي في (الضعفاء) ([2]) ولم يذكر فيه أقوال من وثقة، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق، ولو لا ان ابن عدي وابن الجوزي ذكر أبان بن يزيد لما اوردته اصلا)). اهـ.

                            وقال ابن حجر في (التهذيب)([3]) في ترجمته: ((وقد ذكره ابن الجوزي في (الضعفاء) ([4]) وحكى من طريق الكديمي: عن ابن المديني، عن القطان، قال: أنا لا أروي عنه. ولم يذكر من وثقه، وهذا من عيوب كتابه يذكر من طعن الراوي ولا يذكر من وثقه)). اهـ.

                            فيكون صنيعه مع حفص بن سليمان من هذا الباب، فلا يصلح دليلاً يستدل به على حال الرجل ولا على واقع كتب التراجم فإنه تفرد بهذا المنهج.

                            الخلاصة: أن الكتابين لا يعبران بصورة صحيحة عن حال أي راو من الرواة، وكلاهما على طرفي نقيض.. فابن الجوزي ذكر الجرح وسكت عن التعديل، وابن الجزري ذكر التعديل وسكت عن الجرح، فلن يكونا مصدرًا لمعرفة ترجمة هذا الراوي على الحقيقة المبتغاة.

                            ومع هذا فلم ألحظ في نقله ما لحظه الدكتور غانم في قوله:(جمع فيه من أقوال التجريح التي يمكن أن تخرج حفصًا ـ لو صحت ـ من الدين).
                            فهذه مبالغة ظاهرة ‍..‍ فلو كان كذلك لخرج آلاف الرواة ممن جرح من الدين، وابن الجوزي ليس إلا ناقل، والعهدة ليست عليه، ويمكن شرح الألفاظ وتوجيهها، وعدم قبول ما كان فيه تعنت منها كقول ابن خراش: (كذاب متروك يضع الحديث).

                            ولنا مع هذه الأقوال والنقول وقفات في حينها وأوانها.

                            ----الحواشي ----
                            ([1]) الميزان (1/16).
                            ([2]) الضعفاء والمتروكين (1: 20/ برقم 18).
                            ([3]) التهذيب (1/ 87).
                            ([4]) الضعفاء والمتروكين (1: 20/ برقم 18)

                            الوقفة السادسة: حول أول من تصدى للجرح والتعديل من الأئمة وعلاقة من بعدهم بهم.

                            قال أ.د.غانم وفقه الله : (ثانياً : أشهر أقاويل المُجَرِّحين :
                            قال ابن كثير : " إنَّ أول مَن تصدَّى للكلام على الرواة شعبة بن الحجاج ، وتبعه يحيى بن سعيد القطَّان ، ثم تلامذته: أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وعمرو بن الفلاس ، وغيرهم". ويكاد معظم الأقاويل في تجريح حفص القارئ يستند إلى ما قاله هؤلاء العلماء الأعلام الذين ذكرهم ابن كثير، وسوف أعرض ما نُقِلَ عن شعبة ويحيى بن معين خاصة ، لأن اللاحقين اعتمدوا على أقوالهما، أما الإمام أحمد فإنه وَثَّقَ حفصاً في ثلاث روايات وضَعَّفَهُ في أخرى ، وسوف أعرض أقواله عند الكلام على المُوَثِّقين
                            ) اهـ.


                            قلت: معنى تصدى للكلام على الرواة، يعني بحث عن أحوالهم وتتبع مروياتهم، وعدل وجرِّح، وبجهود شعبة والقطان وعبدالرحمن بن مهدي (رحمهم الله) أصبح الجرح والتعديل علمًا يسأل عنه، وتعقد له الحلقات والمناظرات، وبرز هذا في القرن الثالث بروزًا واضحًا، في طبقة تلاميذ المذكورين.

                            وما ذكره الأستاذ غانم من اعتماد اللاحقين على أقوال شعبة وابن معين فيه نظر؛ لأن ما ذكره شعبة لا يعد جرحًا صريحًا إلا عند المتعنتين والمتشددين من النقاد.

                            فلا أتصور أن ابن المديني قلد ابن معين، ولا الإمام أحمد كذلك، ولا أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين. فربط جميع أقوال النقاد بكلام شعبة لا يستقيم ولا يتوافق مع منهج المحدثين في جرح الرواة وتعديلهم.

                            أما ابن معين فلم يقلده أحد لا ابن خراش الذي تشدد في رميه لحفص بالكذب والوضع، ولا غيره ممن رماه برواية الأباطيل والمناكير.


                            الوقفة السابعة : حول كلام شعبة في حفص بن سليمان.

                            قال أ.د.غانم وفقه الله : ((1) شعبة بن الحجاج الواسطي ، نزيل البصرة ( ت 160هـ ) : نقل محمد بن سعد البصري نزيل بغداد ، كاتب الواقدي ، ( ت 230 هـ ) وأحمد بن حنبل البغدادي ( ت 241هـ) عن يحيى بن سعيد القطان البصري ( ت 168هـ ) رواية عن شعبة بن الحجاج تتعلق بحفص بن سليمان المِنْقَرِيِّ البصري ، لكنها نُسبت بعد ذلك إلى حفص بن سليمان الأسدي القارئ الكوفي الأصل ، راوية عاصم .
                            ذكر ابن سعد في كتاب الطبقات مَن نزل البصرة مِن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم –ومَن كان بها بعدهم من التابعين وأهل العلم والفقه ، وذكر في الطبقة الرابعة منهم:" حفص بن سليمان مولى لبني مِنْقَر ، ويكنى أبا الحسن، وكان أعلمهم بقول الحسن ، قال يحيى بن سعيد ، قال شعبة : أخذ مني حفص بن سليمان كتاباً فلم يَرُدَّهُ عليَّ، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها "(وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل :" حدثني أبي، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول : عطاء بن أبي ميمون مات بعد الطاعون ، وكان يرى القَدَرَ ، وحفص بن سليمان قبل الطاعون بقليل ، فأخبرني شعبة قال : أخذ مني حفص بن سليمان كتاباً فلم يَرُدَّهُ، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها".
                            ولا يخفى على القارئ أن حفص بن سليمان المذكور في قول شعبة هو المنقري ، وليس حفص بن سليمان الأسدي راوي قراءة عاصم ، لكن بعض العلماء نقل هذا القول في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي بعد ذلك، وصار دليلاً على ضعفه في الحديث ، ولعل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري هو أقدم من وقع في هذا الوَهْمِ ، في ما اطلعت عليه من المصادر، وذلك في كتاب الضعفاء الصغير ، حيث قال :"حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر ، عن علقمة بن مرثد ، تركوه ، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، قال يحيى : أخبرني شعبة قال : أخذ مني حفص كتاباً فلم يرده ، قال وكان يأخذ كتب الناس فينسخها".
                            واستقرت هذه الرواية في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي القارئ بعد ذلك ، ولم يتنبه المؤلفون إلى أنها رواية بصرية تخص أحد رواة الحديث من البصريين ، كيف لا وقد اعتمدها شيخ المحدثين البخاري ، معتمداً على روايته عن الإمام أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن شعبة بن الحجاج ))
                            اهـ.


                            قلت: الروايتان الواردتان عند ابن سعد في (الطبقات) ([1])، وعند عبدالله بن أحمد في (العلل) ([2]) صحيحة، وتخص حفص بن سليمان المنقري البصري بلا شك، ويشكر الأستاذ الفاضل في تحريره لهذا الإشكال الذي وقع حول هذه الرواية كما هو موضح في كلامه أعلاه.

                            أما كون هذه القصة تورث ضعفًا فيمن قيلت فيه فلا أسلم بهذا. فليس كل النقاد وقعوا في ذات الوهم الذي وقع فيه البخاري في (الضعفاء الصغير)([3]) فلم يتبعه في ذلك إلا أبو حاتم الرازي([4]) وبعض المتأخرين عن هذه الطبقة.. وليسوا في عداد النقاد الكبار.

                            مع العلم أن البخاري لم يجر عليه الوهم في كل كتبه، بل هو يعي تمامًا التفريق بين المنقري البصري، والأسدي الكوفي.

                            فقد فرق بينهما في (الأوسط) ([5]) فقال: قال يحيى مات عطاء بن أبي ميمونة بعد الطاعون، وكان يرى القدر، وحفص بن سليمان قبل الطاعون بقليل.
                            وقال: في موضع آخر([6]): حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي، وهو حفص بن أبى داود، هو القارىء عن عاصم وعلقمة بن مرثد سكتوا عنه... قال وأما حفص بن سليمان المنقري البصري، ثقة، قديم الموت
                            .

                            وفي التاريخ الكبير (2/363) ترجم لهما فقال:
                            2764 ـ حفص بن سليمان البصري المنقري عن الحسن روى عنه حماد بن زيد والتميمي يقال مولى بني منقر قال يحيى مات قبل الطاعون بقليل ومات عطاء بن أبي ميمونة بعد الطاعون. ...

                            2767 ـ حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر القارئ عن علقمة بن مرثد وعاصم تركوه، وهو حفص بن أبي داود الكوفي.
                            اهـ.

                            فلم نره ذكر رواية النسخ في (الأوسط) ولا في (التاريخ الكبير) ولا في (الضعفاء الكبير).. وهذا يعني أن الوهم أشكل من حيث عدم التصريح بنسب خفص فأشكل.

                            أما كون هذه القصة أورثت ضعفًا في حفص القارئ فهو مردود من وجهين:

                            الوجه الأول: أن هذه العبارة محتملة فلا تعني الجرح، وذلك أن مجرد أخذ كتب الناس ونسخها لا يعني روايتها، فربما نسخها للفائدة، أو نسخها ليتحملها بعد ذلك بصورة العرض على الشيوخ، فهذا لا يضر إذا كان الأصل المنقول عنه معارض بأصل الشيخ.

                            فكيف إذا كان صاحب الكتاب مثل شعبة أو القطان، لا شك أن المحدثين يرغبون في النسخ من كتب المتقنين، وليس هذا من قبيل الجرح فاعلم؛ لأنها جرت عادة بعضهم أن ينتسخ مسموعاته من حفاظ أقرانه.

                            قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: ((لما أتيت محمد بن عائذ وكان رجلاً جافيًا ومعي جماعة فرفع صوته، فقال: من أين أنتم قلنا من بلدان مختلفة من خراسان من الري من كذا وكذا قال أنتم أمثل من أهل العراق، قال ما تريدون؟ ورفع صوته، قلنا شيئا من حديث يحيى بن حمزة، فلم أزل أرفق به وأداريه حتى حدثني بما معي ثم قال خذ الكتاب فانظر فيه فأعطانى كتابه فنظرت فيه وكتبت منه أحاديث ثم قال خذ الكتاب فاذهب به معك قال أبو زرعة فدعوت له وشكرته على ما فعل قلت انا أجل كتابك عن حمله وأنا أصيب نسخة هذا عند أصحابنا فذهبت وأخذت من بعض أصحاب الحديث فنسخته على الوجه))([7]).

                            والأمثلة على ذلك كثيرة.. وإنما تحفظوا في كتب (بفتح الكاف وإسكان الفوقية) الحديث خاصة من غير أصول متقنة أو من غير مقابلة، وأشد من ذلك نسخها على سبيل الرواية منها دون تحمل، فإن هذا عين الكذب!.

                            قال هشام بن يوسف ـ في مطرف بن مازن ـ : ((استعار كتبي على أن ينتسخها ويسمعها مني فنسخها ورواها عن شيوخي ابن جريج وغيره، انظروا في كتبه فإنها توافق كتبي)) ([8]). اهـ. ولهذا كذبه ابن معين قال العباس بن محمد الدوري: سئل يحيى بن معين عن مطرف بن مازن ؟ فقال: كذاب([9]).

                            و قال يحيى بن معين: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مطرف بن مازن فقال لي: أعطني حديث بن جريج ومعمر حتى أسمعه منك ؟ فأعطيته فكتبها ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه وعن ابن جريج، فقال لي هشام: انظر في حديثه فهو مثل حديثي سواء، فأمرت رجلا فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن فعارضت بها فإذا هى مثلها سواء، فعلمت انه كذاب([10]).

                            ونستفيد من هذه القصة أن ابن معين لا يمكن أن يسلم في مثل القصة المنسوبة لحفص بن سليمان القارئ من دون بحث وتمحيص.. كما ظن الدكتور غانم.

                            أما بقية العلوم غير الحديث فلا حرج في نسخها والإفادة منها([11]).

                            فالانتساخ مشهور لديهم، فالذي أرجحه في هذه المسألة أنها من قبيل الإخبار وليست بجرح.. وإن أخطأ بعض المؤرخين بعد ذلك فحملها على الذم، ثم فسرها بعضهم على قصد الرواية فاستحالت جرحًا، فهذا لا نقره.

                            أما سبب عدم إعادة الكتاب إلى شعبة فربما نسيه أو فقده، وشعبة من المتعنتين في الجرح يغمز بأدنى ملابسة فكن على ذُكر من هذا، فلو كان لا يرى جواز نسخ الأصول والفروع المتقنة لما أعاره.

                            الوجه الثاني: إذا كان ذلك كذلك فشعبة لم يرد بهذه العبارة جرح المنقري، فلو أراد بها جرحه لكان ضعيفًا عنده .. كيف وقد عدله وقدمه في الحسن، فقال: ((كان حفص أعلمهم بقول الحسن)) ([12]).

                            وإنما عددنا هذا من قبيل التعديل المطلق؛ لأن حفصًا هذا إنما عرف بالحسن فهو مقدم فيه على غيره وقبله النقاد كما سيأتي في وقفة لا حقة.

                            وما يلفت هنا أن أحدًا من النقاد لم يشر لقصة نسخه للكتب سوى ابن سعد في (الطبقات) ([13]). وعبدالله بن أحمد في (العلل) ([14]).. وهذا يؤيد ما أكدناه سابقًا أنهم لم يعدوها من قبيل الجرح، إلا لما ذكرت في ترجمة حفص القارئ لقيام القرينة على كونها جرحًا.

                            ---الحواشي ----
                            ([1]) الطبقات (7/256).
                            ([2]) العلل (3: 77/ برقم 4257)
                            ([3]) الضعفاء برقم (73).
                            ([4]) الجرح والتعديل (3/173).
                            ([5]) التاريخ الأوسط (2/24).
                            ([6]) التاريخ الأوسط (2/184).
                            ([7]) الجرح (1/343).
                            ([8]) انظر مختصر الإرشاد (1/280).
                            ([9]) الجرح (8/314).
                            ([10]) تاريخ الدوري (3: 177/ برقم 787).
                            ([11]) كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن الشيباني ـ وقد طلب منه كتبا ينسخها فأخرها عنه ـ بشعر قال فيه: قـل لمـن تــر= عين من رآه مثـله
                            ومن كأن من رآه = قد رأى من قبلـه
                            العلم ينهى أهلـه = أن يمنعـوه أهلـه
                            لعلـه يبذلـــه= لأهلـه لعلــه

                            فبعث إليه الكتب من وقته. اهـ. انظر وفيات الأعيان (4/184 ـ 185)، وانظر طبقات الفقهاء للشيرازي (ص142).
                            ([12]) طبقات ابن سعد (7/267).
                            ([13]) الطبقات (7/256).
                            ([14]) العلل (2/503/برقم3320)، (3/77/ برقم4257).

                            الوقفة الثامنة: حول سبب تضعيف حفص بن سليمان.

                            قال أ.د.غانم وفقه الله :(ولا يكاد يجد المتتبع للموضوع سبباً لتضعيف حفص القارئ غير هذه الرواية، وصار كثير من المؤلفين في الجرح والتعديل يذكرون تضعيف حفص القارئ من غير ذكر العلة ، على نحو ما مر في النص المنقول عن ابن الجوزي ، باعتبار أن تضعيفه أمر ثابت قرَّره كبار علماء الجرح والتعديل ، ولم يدركوا أن ذلك التضعيف انبنى على أساس غير صحيح) اهـ.

                            قلت: ليس السبب في تضعيف حفص بن سليمان هذه القصة، فقد فندنا هذا التصور في الوقفة السابقة، بصورتها المنقولة عن شعبة. وقد رأيت ابن حبان في (المجروحين)([1]) تصرف في سياقها على نحو جعلها من قبيل الجرح، فقال: (كان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع).
                            وهذا لو صح لكان من قبيل الجرح المفسر، وهذا ما فهمه الدكتور غانم وأراد بهذا نسف جرح حفص بن سليمان من جذوره ولا يتأتى له هذا عند ابن حبان فكيف به عند غيره ممن لم يعرض للقصة أصلاً.

                            أما كونه لا يتأتى هذا عن ابن حبان فلأنه قال قبل هذه الجملة: ( كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل). وهذا من أسباب ضعفه عند ابن حبان.
                            أما غيره من النقاد فلم يصرحوا بما صرح به ابن حبان وبقيت ألفاظهم مجملة، ومنهم من صرح بالنكارة أو البطلان في الروايات.

                            فظهر أن سبب الضعف متعلق بالضبط لا بالعدالة، وهو ما عبر عنه بعضهم بقوله (متروك الحديث). وعبر عنه بعضهم بقوله : (أحاديثه كلها مناكير). وبعضهم قال: (يحدث ... أحاديث بواطيل). وقد جمع ابن عدي في (الكامل) ([2]) طرفًا من هذه الأحاديث المنكرات، وقال: (وعامة حديثه عمن روى عنهم غير محفوظة).

                            يعني أنه تفرد بها، وهو ممن لا يحتمل تفرده.. وهذا هو السبب في ضعفه بل ترك حديثه على الحقيقة.

                            إذا عُلم هذا .. ظهر أن ما يدندن حوله الأستاذ الدكتور غانم قدوري من أن ((ذلك التضعيف انبنى على أساس غير صحيح)) غير صحيح.

                            ---الحواشي ----
                            ([1]) المجروحين (1/255).
                            ([2]) الكامل (2/382).

                            الوقفة التاسعة: حول معرفة ابن معين بحفص بن سليمان.

                            ((2) يحيى بن معين ، أبو زكريا البغدادي ( ت233هـ) : يبدو أن يحيى بن معين لم يكن يعرف حفص بن سليمان الأسدي الكوفي معرفة شخصية ، وليس هناك ما يؤكد أنهما التقيا في بغداد أو في غيرها من المدن)) اهـ.

                            حاول الأستاذ الفاضل التشكيك في قول ابن معين بعدم معرفته بحفص بن سليمان، وهذا لا أراه صوابًا، وذلك لأن طريقة المحدثين في الحكم على الرواة تأخذ منحيين مشهورين:

                            أولهما ـ معرفة عدالة الراوي.. فمن الرواة من تعرف عدالته الظاهرة والباطنة.. ونقصد بعدالة الظاهر سلوكه أمام الناس. ونقصد بعدالة الباطن هنا سلوكه غير الظاهر الذي لا يعرفه أكثر الناس.

                            ومعرفة العدالة ظاهرًا وباطنًا مبناها على اختبار الأحوال، والنظر في الأفعال, ولا يحصل هذا إلا باللقي والمشاهدة مدة ليست باليسيرة، كالقرابة والتلمذة والاتفاق في البلد.

                            ومن الرواة من تعرف عدالته في الظاهر دون الباطن.. فكل من كان مستور الحال لم يظهر منه مكفر أو مفسق فهو عدل حتى يتبين ضد ذلك.. لأن الأصل في الناس العدالة وعلى هذا جماعة من متقدمي النقاد، وهو الأظهر من منهج صاحبي الصحيح، فإذا سبر حديث هذا الضرب من الناس فأشبه أحاديث الثقات كان حديثه صحيحًا.. ومن كان هذا سبيله يكفي في تعديله أدنى معرفة. وهذا لا بأس من معرفة عدالته بالاعتماد على الأخرين.

                            فلا تحصل المعرفة بعدالة الظاهر والباطن إلا بالمعاشرة وطول الصحبة في الحضر والسفر، والتعامل معه في بيع وشراء ونحوه، ومعرفة أمانته وستره وصيانته.

                            وابن معين من عادته أنه يستقصي عن أحوال الرواة، كصنيعه بالسؤال عن حفص، وهذه الطريقة هي المصدر الأول من مصادر النقد عند ابن معين وغيره فيمن لم تعرف عدالته الباطنة.

                            لكن حفص بن سليمان من أهل الكوفة، وقد دخلها ابن معين مرارًا، ثم انتقل إلى بغداد في حياة ابن معين، فلا أستبعد أنه لقيه وعرفه، وإنما احتاج إلى الاستفسار عن مكانته في القراءة، عندها سأل أهل الاختصاص.

                            ثانيهما ـ معرفة ضبط الرواة .. ومنهج ابن معين في معرفة ذلك فريد في بابه، وهو الحجة في ذلك عند الأئمة جميعًا. وقد عرف عنه تخصصه في هذا الشأن وتركيزه على دراسة مرويات أي راو قبل الكلام فيه، فلم يكن من عادته الكلام في الرواة لأدنى ملابسة، وقد كان ينصح قبل أن يفضح.

                            قال يحيى بن معين: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثا، ما أعلمت بها أحدًا وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إلي خلف بن سالم، فقال: قل لي: أي شيء هي ؟ فما قلت له، وكان يحب أن يجد عليه([1]).

                            وقال يحيى: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك مني وإلا تركته([2]).

                            فلا يتكلم ابن معين في أحد ممن خبره ولقيه إلا بعد أن يعذر إليه، ومن لم يلقه فإنه يتثبت في أمره ويدرس حديثه ويسأل تلاميذه وأصحابه فإذا تبين له أمره عندها يتركه ويتكلم فيه.

                            وفي (سؤالات الآجري): قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال علي أو يحيى ؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء([3]).

                            وقال حنبل عن أحمد: كان بن معين أعلمنا بالرجال([4]).

                            أما معرفته بضبط الرواة وتفردهم ومناكيرهم .. فهو عجب من العج‍‍ب!.

                            قال عباس الدوري عن بن معين: لو لم نكتب الشيء من ثلاثين وجها ما عقلناه([5]).

                            فهو مشهور بالتنقير في مرويات الرواة وسماع الأحاديث من عدة طرق عن شيخ واحد.

                            ومن ثم عرضها على مرويات الأصحاب والأقران، وله قصة مشهورة في هذا الشأن يرويها محمد بن إبراهيم الملطي قال: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحمد؟ قال : نعم حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدثتك، فقال: إنما هو درهم([6]) ، وانحدر من البصرة واسمع من التبوذكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب من أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا وأنت الثامن عشر. فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره ، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه([7]). اهـ.

                            فهذا هو منهج ابن معين في الكشف عن أوهام وأخطاء الرواة في المكثرين فما بالك بالمقلين .. فهذا أيسر عليه بلاشك، وحفص بن سليمان ليس من المكثرين، ومعرفة خطأه وتفرده أمر يسير جدًا يمكن الوصول إليه بيسر وسهولة؛ لقلة مروياته، وابن معين قد أدرك من حياته ما يقارب العشرين سنة فإنه ولد سنة (158هـ)، مات حفص سنة (180هـ)، وأدرك جميع تلاميذه، فلا يقال والحال هذه أنه لم يعرفه.

                            ثم إن له ما يشبه القاعدة في الرواة الذين لم يخبرهم أشار لها ابن عدي بقوله: قول يحيى بن معين [في الراوي] لا أعرفه، كأن يحيى إذا لم يكن له علم ومعرفة بأخباره ورواياته يقول: (لا أعرفه) ([8]).

                            ولذلك أمثلة ذكرها أستاذنا أحمد نورسيف في دراسته لابن معين([9]).

                            فلو كان ليس له معرفة بحفص لم يجرؤ أن يقول فيه هذا الكلام الشديد الذي لا يكون إلا عن معرفة وتبصر. وأسوق هنا مثالاً يدل على تؤدته وعدم تعجله في شأن الرواة الذين يترك حديثهم أو يكذبهم.

                            قال أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي: كنا نختلف إلى إبراهيم بن نصر بن أبى الليث سنة ست عشرة ومئتين، أنا وأبى أحمد ويحيى بن معين ومحمد بن نوح وأحمد بن حنبل في غير مجلس، نسمع منه تفسير الأشجعي، فكان يقرأه علينا من صحيفة كبيرة، فأول من فطن له ـ أي أنه كذاب ـ أبي فقال له: يا أبا إسحاق هذه الصحيفة كأنها أصل الأشجعي؟ قال: نعم كانت له نسختان فوهب لي نسخة، فسكت أبي، فلما خرجنا من عنده قال لي: أي بنى ذهب عناؤنا إلى هذا الشيخ باطلا؛ الأشجعي كان رجلاً فقيرًا وكان يُوصل وقد رأيناه وسمعنا منه، من أين كان يمكنه أن يكون له نسختان، فلا تقل شيئًا واسكت، فلم يزل أمره مستورًا حتى حدث بحديث أبي الزبير، عن جابر في الرؤية، وأقبل يتبع كل حديث فيه رؤية يدعيه، فأنكر عليه ذلك يحيى بن معين لكثرة حديثه ما ادعى (وتوقى أن يقول فيه شيئًا).
                            وحدث بحديث عوف بن مالك: "أن الله إذا تكلم تكلم بثلاثمائة لسان" فقال يحيى: هذا الحديث أُنكر على نعيم الفارض ! من أين سمع هذا من الوليد بن مسلم ؟ فجاء رجل خراساني فقال: أنا دفعته إلى إبراهيم بن أبي الليث في رقعة تلك الجمعة، فقال يحيى: (لا يُسقط حديث رجل برجل واحد)، فلما كان بعد قليل حدث بأحاديث حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين: "أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض"، "وضحك ربنا من قنوط عباده" حدث بها عن هشيم بن بشير، عن يعلى بن عطاء.
                            فقال يحيى بن معين: (إبراهيم بن أبي الليث كذاب لا حفظه الله ! سرق الحديث) اذهبوا فقولوا له: يخرجها من أصل عتيق، فهذه أحاديث حماد بن سلمة لم يشركه فيها أحد، ولو حدث بها عن هشيم، عن يعلى بن عطاء ليس فيها خير، قلنا لعل هشيمًا أن يكون دلسها كما يدلس، فقال: (هشيم أخبرنا يعلى بن عطاء علمنا أنه كذاب)
                            ([10]).

                            وقال أبو علي صالح بن محمد الأسدي: إبراهيم بن أبي الليث كان يكذب عشرين سنة وقد أشكل أمره على يحيى وأحمد وعلي بن المديني حتى ظهر بعد بالكذب فتركوا حديثه([11]).

                            وهذا المنهج ليس منهج ابن معين لوحده فالنقاد يتثبتون من أمر الراوي حتى إذا لم يجدوا بدًا من تركه تركوه وتكلموا فيه.. فإن الأمر دين لا يسعهم الكلام في أعراض الناس دون تثبت.

                            ---الحواشي -----
                            ([1]) تاريخ بغداد (14/183 ـ 184)، تاريخ دمشق (65/28).
                            ([2]) تاريخ بغداد (14/184)، وفيات الأعيان (6/141).
                            ([3]) السؤالات (2: 313/ برقم 1968)
                            ([4]) تاريخ بغداد (9/41).
                            ([5]) تاريخ الدوري (4: 271/ برقم4330).
                            ([6]) كذا في النسختين الخطيتين المعتمدتين في طبعة محمود زايد كما نص هو على ذلك (1/32) ولكنه رجح تبعًا للطبعة الهندية أن الصواب (وهم) وأثبت ذلك في الأصل، أما في طبعة حمدي السلفي (1/34) فأثبت (درهم) وكذا قرأها أستاذنا أحمد نور سيف في كتابه عن ابن معين (1/55) والسياق يقتضي هذا.
                            ([7]) المجروحين (1/32) وانظر تقدمة المعرفة (ص315) والنص فيه باختصار.
                            ([8]) الكامل (2/161).
                            ([9]) يحيى بن معين وكتابه التاريخ (1/119 ـ 120).
                            ([10]) تاريخ بغداد (6/194).
                            ([11]) تاريخ بغداد (6/195).

                            الوقفة العاشرة: حول اعتماد ابن معين على أيوب بن المتوكل في جرحه لحفص.

                            ((واعتمد يحيى في الحكم على حفص القارئ على قول أيوب بن المتوكل البصري القارئ (ت200هـ) فيه ، فقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد :" قال ابو زكريا ، يعني يحيى بن معين : زعم أيوب بن المتوكل قال : أبو عمر البزاز أصح قراءة من أبي بكر بن عياش ، وأبو بكر أوثق من أبي عمر . قال أبو زكريا : وكان أيوب بن المتوكل بصرياً من القراء ، سمعته يقول ذلك")).
                            ونقل بعض المؤلفين في الجرح والتعديل قول أيوب بن المتوكل السابق الذي رواه عنه يحيى بن معين منسوباً إلى ابن معين نفسه مع تغيير فيه أدى إلى وصف حفص بأنه ليس ثقة ، فقد نقل ابن عدي في كتابه الكامل عن الليث بن عبيد أنه قال :" سمعت يحيى بن معين يقول : أبو عمر البزاز صاحب القراءة ليس بثقة ، هو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش ، وأبو بكر أوثق منه"
                            )) اهـ.


                            يرى أ. د. غانم القدوري.. أن ابن معين اعتمد في الحكم على حفص القارئ على أيوب بن المتوكل في قوله: (زعم أيوب بن متوكل قال أبو عمر البزاز أصح قراءة من أبي بكر بن عياش وأبو بكر أوثق من أبي عمر قال أبو زكريا وكان أيوب بن متوكل بصري من القراء سمعته يقول هذا).

                            وهذه الرواية يرويها الخطيب (تاريخ بغداد) ([1]): أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب، أنبأنا محمد بن حميد المخرمي، حدثنا علي بن الحسين بن حبان، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، قال أبو زكريا (يعني يحيى بن معين): (فذكره).
                            وربما ظن البعض ضعفها؛ فإن محمد بن حميد المخرمي فيه ضعف.
                            قال أبو الحسن بن الفرات: كان عنده أحاديث غرائب كتب مع الحفاظ القدماء إلا أنه كان منه تخليط في أشياء قبل أن يموت ولا أحسبه تعمَّد ذلك؛ لأنه كان جميل الأمر إلا أن الإنسان تلحقه الغفلة.
                            وقال أبو بكر البرقاني: ضعيف، وقال: كان أبو منصور بن الكرجي قد سمع منه فلم يخرج عنه شيئًا.
                            وقال محمد بن أبى الفوارس: كان فيه تساهل شديد وكان سمع حديثًا كثيرًا إلا أنه كان فيه شرة.. ووثقه أبو نعيم الحافظ. مات سنة (361هـ)
                            ([2]).

                            لكن هذه الرواية من نسخة علي بن الحسين بن حبان التي رواها عن أبيه وجادة، وهي مشهورة عندهم، وفيها مسائل وجوابات حسان لابن معين.
                            وقد ثبتت من وجه آخر في رواية ابن محرز، في قوله: سمعت يحيى يقول: قال لي أيوب بن المتوكل ـ وكان من القراء البصراء ـ قال: قراءة أبي عمر البزاز أثبت من قراءة أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أصدق منه. قال يحيى: وأبو عمر هذا كذاب([3]).

                            فالشاهد أن ابن معين اعتمدها في القراءة كما يدل سياقها، وتأكيد ابن معين بأن راويها من القراء البصراء،.يعطي قوله قوة، ولعل في قوله: (زعم) ما يخلي عهدته في هذه النقل!.

                            أما في رواية الحديث فلا علاقة لأيوب بن المتوكل بأقوال ابن معين في نظري القاصر، لأنا إذا تأملناها لم نجد لها تعلقاً مباشراً بقول أيوب اللهم إلا ما رواه ابن عدي في (الكامل) ([4]): ثنا أحمد بن علي بن الحسن المدائني، ثنا الليث بن عبيد، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو عمر البزاز صاحب القراءة ليس بثقة، هو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش وأبو بكر أوثق منه. اهـ.

                            ونسبته له صحيحة، وشطره الأخير ظاهر في اعتماده فيه على قول أيوب دون صدر الكلام الذي هو من قول ابن معين.

                            ويؤيد ما ذهبت إليه مسألة عثمان بن سعيد في (التاريخ) ([5]) قال: ((سألت يحيى بن معين عن حفص بن سليمان الأسدي الكوفي كيف حديثه؟ فقال: ليس بثقة، قلت: يروي عن كثير بن زاذان من هو ؟ قال: لا أعرفه)).

                            ورواية العقيلي([6]): عن الحضرمي: ليس بشيء.

                            ثم الرواية التي أوردها ابن الجوزي([7]) وهي قوله: ضعيف إن صحت.

                            وأرى أن هذه الراوية تخص حماد بن واقد أوردها ابن عدي في ترجمة حفص بن سليمان القارئ، فقال: ثنا ابن حماد، ثنا عباس، عن يحيى، قال: أبو عمر الصفار ضعيف([8]). وهذا وهم منه فقد ساقها المزي في ترجمة حماد بن واقد([9])، وهو الصواب، أما الذهبي فأفرد ترجمته (الميزان) ([10]) ، فقال: أبو عمر الصفار. روى عباس عن ابن معين: ضعيف([11]). اهـ. ولم ينبه أنه حماد بن واقد إذ لم يعرفه.

                            فلعل هذه الرواية هي التي نقل ابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) ([12]).
                            قلت: ثبت بما قدمنا أن لابن معين رأيًا مستقلاً عن قول أيوب بن المتوكل، وليس مقلدًا له.

                            ---الحواشي-----
                            ([1]) تاريخ بغداد (8/186).
                            ([2]) انظر تاريخ بغداد (2/265).
                            ([3]) معرفة الرجال (1: 113/ برقم 546).
                            ([4]) الكامل (2/380).
                            ([5]) تاريخ الدارمي برقمي (269)، (270).
                            ([6]) الضعفاء (1/270).
                            ([7]) الضعفاء والمتروكين (1: 221/ برقم 933).
                            ([8]) الكامل (2/380).
                            ([9]) تهذيب الكمال (7/290).
                            ([10]) الميزان (4/555).
                            ([11]) وزاد على هذا قوله: (وقال الجوزجاني: أبو عمر حفص بن سليمان قد فرغ منه منذ دهر). وهذا لعله خطأ من النساخ. فهذا القول إنما هو في حفص بن سليمان المقرئ.. كما هو ظاهر ولا وجه لإلحاقه بترجمة هذا. انظر الميزان (4/555).
                            ([12]) الضعفاء لابن الجوزي (1/221/ برقم 933).

                            الوقفة الحادية عشرة: حول الخلط بين روايات ابن معين وعدم توجيهها. ومحاولة التشكيك فيها

                            ((وجاء في كتاب تاريخ ابن معين من رواية عثمان بن سعيد الدارمي (ت280هـ) :" وسألته عن حفص بن سليمان الأسدي الكوفي : كيف حديثه ؟ فقال : ليس بثقة " . وجاء في بعض الروايات عن يحيى بن معين أنه قال : ليس بشيء، وصارت العبارة في رواية أخرى :"كان حفص كذَّاباً"، فقد نقل ابن عدي في كتابه الكامل، عن الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي، قال سمعت يحيى بن معين يقول : كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم ، وكان حفص أقرأ من أبي بكر ، وكان أبو بكر صدوقاً، وكان حفص كذَّاباً". وانتهى الأمر عند ابن الجوزي إلى القول :" قال يحيى : ضعيف ، وقال مرة : ليس بثقة ، وقال مرة : كذاب")) اهـ.

                            ينبغي أولاً تحرير القول في تكذيب ابن معين له الذي أبهمه الدكتور غانم في صدر كلامه.. ونص عليه في ثنايا البحث.

                            فقد رواه ابن عدي([1]): أنا الساجي، ثنا أحمد بن محمد البغدادي، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقًا، وكان حفص كذابًا.
                            وأحمد بن محمد البغدادي، كنت أظنه هو: أحمد بن محمد بن هانئ أبو بكر الطائي، ويقال: الكلبي الأثرم، وهو أحد أذكياء العالم.. قال ابن معين: كان أحد أبوي الأثرم جنيا‍!.
                            وله كتاب في علل الحديث ومسائل أحمد بن حنبل تدل على علمه ومعرفته
                            ([2]).

                            تبعت في ذلك المزي (رحمه الله) ([3]) ثم استبان لي بعد تأمل وتحرير للنقول أنه أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز البغدادي، وهذا له روايتان عن ابن معين في شأن حفص القارئ :
                            الأولى منهما: سمعت يحيى بن معين يقول ـ وذكر أبا عمر البزاز كوفي ـ فقال: كان أبو عمر هذا كذاب([4]).
                            والثانية: سمعت يحيى يقول: قال لي أيوب بن المتوكل ـ وكان من القراء البصراء ـ قال: قراءة أبي عمر البزاز أثبت من قراءة أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أصدق منه. قال يحيى: وأبو عمر هذا كذاب([5]).

                            فالذي انقدح في ذهني أن ابن معين قد يستخدم إطلاق الكذب عند التفرد بما لا يُحتمل من الراوي.. وأقرب مثال يحضرني على هذا ما رواه الحاكم قال: سمعت أبا علي الحافظ، سمعت أحمد بن يحيى التستري، يقول: لما حدث أبو الأزهر بهذا (يعني حديث عن ابن عباس قال نظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة...) في الفضائل أخبر يحيى بن معين بذلك، فبينا هو عنده في جماعة أصحاب الحديث إذ قال: من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث بهذا عن عبد الرزاق ؟ فقام: أبو الأزهر، فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى بن معين، وقال: أما إنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك فيه([6]).

                            وحفص قد أكثر من غرائب الروايات، وليس من الثقة بمحل من تقبل أفراده ولذا تكلموا فيه.

                            ومن جانب آخر ينبغي أن نعلم أن إطلاق الكذب ليس بالضرورة الاتهام بالوضع، لأن المرء قد يجري الكذب على لسانه من غير قصد أو تعمد.

                            كما صح عن يحيى القطان أنه قال: ((لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث)).

                            وفي رواية: ((لم تر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث)).
                            وقد فسرها الإمام مسلم تفسيرًا حسنًا فقال: (يقول يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب) ([7]). اهـ.

                            ومن هذا الضرب عبدالله بن المحرر الجزري، قال ابن حبان: كان من خيار عباد الله ممن يكذب ولا يعلم، ويقلب الأخبارولا يفهم([8]). وربما كان الكذب في حديث الناس لا في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم). كما يُفسر به تكذيب أبي داود([9]) لابنه عبدالله الحافظ الشهير ([10]) ولم يضره ذلك.. قال ابن عدي: هو مقبول عند أهل الحديث، وأما كلام أبيه فيه فما أدري أيش تبين له منه([11]).

                            وربما أطلق الكذب والمراد به الخطأ كما في لغة أهل الحجاز، كما في تكذيب النبي (صلى الله عليه وسلم) لسعد بن عبادة([12]). وكما في تكذيب عبادة بن الصامت لأبي محمد أحد الصحابة (رضي الله عنهم)([13]). وكما في تكذيب سعيد بن جبير([14]) ، وعطاء بن أبي رباح([15])، وسعيد بن المسيب([16]) لعكرمة، وكما في تكذيب الشعبي للحارث الأعور([17]). قال ابن حبان في (الثقات) ([18]): ((أهل الحجاز يسمون الخطأ كذبًا)).

                            وربما أطلق الكذب على الراوي لروايته الكذب ولو لم يكن هو الذي اختلقه وصنعه.. كما في الحديث الشريف: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". وهو حديث صحيح مشهور([19]).

                            فإما أن يكون وصف ابن معين لحفص من هذا الباب، أو يكون بالاعتبار الذي ذكرته أولاً، فترد هذه العبارة وتفسر وفق ألفاظه الأخرى.. كما سنبينه في وقفة تالية.

                            وأنا أتفق مع الأستاذ (وفقه الله) أن الذي يقرأ عبارات ابن معين في ضوء رواية ابن محرز، فسيتهمه خاصةً أن الرواية مختصه بالقراءة ولم تذكر فيها رواية الحديث، ولذا خشي أن يتجه بعض الجهلة أو المغرضين للتشكيك في القرآن بسبب هذا الطعن، خاصةً وأن قراءة عاصم يقرأ بها في معظم بلدان العالم الإسلامي.

                            وهذا ما دعاه (حفظه الله) إلى محاولة توجيه كلام ابن معين وتضعيفه بتفسيره بأنه قراءة غير دقيقة لقول أيوب بن المتوكل.
                            لكن ينبغي أن يكون التوجيه والتفسير على طريقة المحدثين، وبطريقة علمية مقبولة.. وهذا ما أحسب أنا سنصل إليه (بإذن الله تعالى).

                            وأنا أقر بأن عبارة ابن معين قاسية في حق حفص القارئ، لكنه معدود عند المحدثين في طبقة متعنتي النقاد الذين يغمزون الراوي بالغلطتين والثلاث([20]) ‍‍‍! فلا جرم أنه أطلق هذه اللفظة في حالة استدعت ذلك لا نعلمها، فكم من راو تركه الأئمة ولم يجترئوا على تكذيبه، وصرح ابن معين بكذبه:

                            * فهذا علي بن عاصم الواسطي كان من أهل الحديث ، ومن أجل الناس منزلة، وأكثرهم حضورًا وتحديثًا.
                            وقال يحيى بن جعفر البيكندي: كان يجتمع عند علي بن عاصم أكثر من ثلاثين ألفًا، وكان يجلس على سطح وله ثلاثة مستملين([21]).

                            قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه، منهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك وتركه الرجوع عما يخالفه فيه الناس ولجاجته فيه وثباته على الخطأ، ومنهم من تكلم في سوء حفظه واشتباه الأمر عليه في بعض ما حدث به من سوء ضبطه وتوانيه عن تصحيح ما كتبه الوراقون له، ومنهم من قصته عنده أغلظ من هذا، وقد كان رحمه الله من أهل الدين والصلاح والخير البارع وشديد التوقي لكن للحديث آفات تفسده([22]).

                            وقال عمرو بن علي: فيه ضعف وكان إن شاء الله من أهل الصدق([23]). فانظر ما ذا قال فيه ابن معين، قال: كذاب ليس بشيء([24]). واستفصل يعقوب بن شيبة في شأنه فروى عنه قوله: ليس بشيء ولا يحتج به. قلت: ما أنكرت منه ؟ قال: الخطأ والغلط، ليس ممن يكتب حديثه([25]).

                            وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: إن أحمد يقول: إن علي بن عاصم ليس بكذاب. فقال: لا والله ! ما كان علي عنده قط ثقة، ولا حدث عنه بشيء، فكيف صار اليوم عنده ثقة؟!([26]). وهذا يؤيد ما ذهبت إليه من تفسير تكذيب ابن معين لحفص.

                            * وهذا عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام . سئل عنه أحمد فقال: ثقة لم يكن يكذب . وقال ابن معين: كذاب.
                            وقال أبو داود: سمعت يحيي بن معين يقول جن أحمد يحدث عن عامر بن صالح.
                            وقال ابن معين أيضا: ليس بشيء يروي عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: "إياكم والزنج فإنة خلق مشوه"([27]).

                            * وهذا عبدالرحيم بن زيد العمي. قال البخاري: تركوه. وقال الجوزجاني: غير ثقة. وقال أبو حاتم: ترك حديثه.وقال أبو زرعة: واه. وقال أبو داود: ضعيف
                            أما ابن معين فقال: كذاب. وقال مرة: ليس بشيء([28]).
                            فلم يكن ابن معين يتورع من تكذيب الكبار إذا تبين له خطأهم وغلطهم ، لا يحابي في ذلك أحدًا.

                            فأرى أنه ينبغي أن نفهم إطلاقه القول بكذب حفص القارئ في سياق أقواله الأخرى
                            ، فقد وردت عن ابن معين روايات في شأن حفص بن سليمان ليس فيها إطلاق الكذب كما مر معنا، وهذا سيعزز التفسير الذي اخترناه لمعنى كلمة (وكان حفص كذابًا).. فمرة قال: ليس بثقة كما في رواية الدارمي([29])، والليث بن عبيد([30]). وفي رواية أحمد بن محمد الحضرمي: ليس بشيء([31]).

                            وهذه العبارات فيها إجمال يحتاج لتفسير: ففي رواية الدارمي: (سألت يحيى بن معين عن حفص بن سليمان الأسدي الكوفي كيف حديثه؟ فقال: ليس بثقة).
                            فهذه فسرت أن مراد ابن معين بالتضعيف منصرف إلى الحديث والرواية وليس إلى العدالة، لأن السؤال اتجه إلى حديثه فكان هذا الجواب.

                            وكذلك رواية الليث بن عبيد : (سمعت يحيى بن معين يقول: أبو عمر البزاز صاحب القراءة ليس بثقة، هو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش وأبو بكر أوثق منه).
                            فإنها صريحة في التفريق بين الرواية والقراءة .. فقوله (ليس بثقة)، وقوله (أبو بكر أوثق منه) مختص برواية الحديث كما هو ظاهر اللفظ.
                            أما القراءة فقراءته أصح من قراءة أبي بكر بن عياش على رأي أيوب بن المتوكل وهو من القراء البصراء.
                            أما قوله: (ليس بشيء) فهي تعني الضعف الشديد إذا قرأناها وفق أقواله الأخرى.. ولذا لا يصح والحال ما ذكرت أن يصرف إطلاق ابن معين الكذب عليه إلى العدالة، بمعنى أنه يختلق الأحاديث ويضعها كما يدل عليه ظاهر كلام عبدالرحمن بن يوسف بن خراش الناقد المشهور.
                            كما لا يصح كذلك أن ينصرف فهمنا لعبارة ابن معين إلى ضعف الرجل مطلقًا في القراءة والرواية، لأن في ثنايا النص ما يردها، ثم إن شهرته بصحة الرواية ليست مأخوذة فقط عن قول ابن معين وقبله أيوب بن المتوكل بل هذا شيء متواتر عند المحدثين وغيرهم.

                            وهذا فيه إنصاف لحفص بن سليمان، كما أن ضعفه في الرواية مما لا يكاد يختلف فيه المحدثون والنقاد المهرة، ولا يضره هذا في القراءة.

                            وسيتبين من دراسة أحاديثه صحة هذه النتيجة المسبَّقة، فليست القضية توارد على الخطأ أو سوء فهم في قراءة عبارات النقاد.

                            ---الحواشي -----
                            ([1]) الكامل (2/380)، ورواها الخطيب كذلك في تاريخ بغداد (8/186).
                            ([2]) تاريخ بغداد (5/110).
                            ([3]) إذ وقع له في ترجمة الحسن بن صالح بن حي من التهذيب (6/180): (وقال زكريا بن يحيى الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي) فقال: (أظنه أبا بكر الأثرم)، والغريب أن المزي لم يعرفه مع عنايته بتراجم الرجال سنين طوالاً .. فقد ترجم الهيثم بن خالد، فقال: (أظنه البجلي الخشاب يروي عن شريك بن عبد الله ويروي عنه أحمد بن محمد البغدادي شيخ لزكريا بن يحيى الساجي). انظر تهذيب الكمال (30: 381) .. فقد اشتبه عليه الأثرم بابن محرز لأني رأيته لا ينقل عن ابن محرز إلا بذكره لنسبه تامًا (أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز) وربما زاد (البغدادي).. فلما وقع له غير منسوب لم يعرفه.
                            ([4]) معرفة الرجال (1: 54/ برقم 38).
                            ([5]) معرفة الرجال (1: 113/ برقم 546).
                            ([6]) تاريخ بغداد (4/41ـ 42).
                            ([7]) انظر لهذا وما سبق مقدمة الصحيح (ص17 ـ 18).
                            ([8]) المجروحين (2/23).
                            ([9]) انظر الكامل (4/265).
                            ([10]) قال الذهبي في السير (13/231): ((لعل قول أبيه فيه أن صح أراد الكذب في لهجته لا في الحديث فإنه حجة فيما ينقله أو كان يكذب ويوري في كلامه ومن زعم أنه لا يكذب ابدا فهو أرعن نسأل الله السلامة من عثرة الشباب ثم انه شاخ وارعوى ولزم الصدق والتقى)).
                            ([11]) الكامل (4/266).
                            ([12]) كما في قصة الفتح عندما قال لأبي سفيان: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة... فلما مر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة ؟‍! قال: ما قال ؟ قال: كذا وكذا، فقال: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. أخرجه البخاري في الصحيح (4: 1559/ برقم 4030).
                            ([13]) في زعمه أن الوتر حق، فقال: (كذب أبو محمد)...صحيح ابن حبان (الإحسان) (5: 21/ برقم 1731).
                            ([14]) الكامل (5/271).
                            ([15]) الكامل (5/266).
                            ([16]) تاريخ دمشق (41/110).
                            ([17]) قال الذهبي في السير (4/153): ((فأما قول الشعبي الحارث كذاب، فمحمول على أنه عنى بالكذب الخطأ لا التعمد، وإلا فلماذا يروي عنه ويعتقده يتعمد الكذب في الدين؟)).
                            ([18]) الثقات (6/114).
                            ([19]) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/8)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (1: 212/ برقم 29)، والضياء في المختارة (2: 268/ برقم 647).
                            ([20]) قال الذهبي في ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص172): ((وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني: متعنتون)).
                            ([21]) تاريخ بغداد (11/454).
                            ([22]) تاريخ بغداد (11/447).
                            ([23]) انظر تهذيب التهذيب (7/ 302 ـ304).
                            ([24]) رواية ابن محرز (1: 50/ برقم 2).
                            ([25]) تاريخ بغداد (11/450).
                            ([26]) تاريخ بغداد (11/455).
                            ([27]) انظر ترجمته في الكامل (5/83)، الميزان (2/360).
                            ([28]) انظر ترجمته في الكامل (5/281)، الميزان (2/ 605).
                            ([29]) التاريخ برقم (269).
                            ([30]) الكامل (2/380).
                            ([31]) الضعفاء للعقيلي (1/270).

                            الوقفة الثانية عشرة: حول نتيجة قراءة الدكتور غانم لأقوال ابن معين.

                            ((ويترجح لدي أن ذلك كله قراءة غير دقيقة لقول أيوب بن المتوكل في حفص القارئ ، سواء كانت تلك القراءة من يحيى بن معين نفسه أو من الرواة عنه ، وعَزَّزَ تلك القراءة غير الدقيقة لقول أيوب ما كان قد انتشر من القول بتضعيفه نتيجة لنسبة كلمة شعبة بن الحجاج في حفص المنقري إليه ، لكن ابن الجزري نقل قول ابن معين على نحو آخر ، قال : وقال يحيى بن معين : الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان)) اهـ.

                            يرى الدكتور غانم (وفقه الله) أن أقوال ابن معين ليست إلا تصرفًا في نقل كلام أيوب بن المتوكل أو فهمه، إما من قبله أو من قبل تلامذته.

                            ففي هذا تشكيك في أقوال ابن معين في الجرح والتعديل من وجهتين:
                            الأولى
                            : من حيث اعتماده على أقوال الغير من غير تحرير ولا تمحيص، وربما من غير فهم.. وهذا يرده ما أسلفنا من ذكر طرف من منهج ابن معين في الجرح والتعديل.
                            والثانية: من حيث أن تلاميذ ابن معين يتصرفون في ألفاظه، بل ربما حرفوها.

                            وهذا غير صحيح ، فعامة الاختلاف من جهة ابن معين نفسه ، ويندر أن تجد في ذلك اختلاف تضاد، بل مؤدى هذه الألفاظ واحد، ويندر أن يكون بين ألفاظ الناقد الواحد تضاد، وما كان كذلك فيكون مرجعه لتغير الاجتهاد، أو ذلك راجع لطريقة السؤال عن الراوي، أو بالمناسبة التي قيل فيها ذلك القول.

                            والغريب أن أستاذنا الدكتور غانم يشير إلى القراءة غير الصحيحة لابن معين أو تلامذيه، ويهمل التصرف الواضح البين من ابن الجزري في شطب ما يتعلق بضعف حفص من كلام ابن معين.


                            الوقفة الثالثة عشرة: حول كلام ابن خراش في الرواة واعتماده من عدمه عند نقاد الحديث.

                            قال الأستاذ غانم في التعليقة الأخيرة([1]):(ولا يخفى على القارئ أن ابن خراش قد أتى بألفاظ في تجريح حفص لم يأت بها أحد من قبله ، وهي تطعن في عدالته وتنسبه إلى الكذب ووضع الحديث . وهذا أمر لا يوجد ما يشير إليه في أقوال المعاصرين لحفص أو يدل عليه . ولعل من المناسب أن نذكر هنا أن ابن خراش هذا كان رافضياً يطعن على الشيخين ، فما بالك بمن هو دونهما ( ينظر : السيوطي : طبقات الحفاظ ص 297 )) اهـ.

                            قلت: عبدالرحمن بن يوسف بن خراش (283هـ) اتهم بالرفض وجدت هذا عن الحافظ عبدان الأهوازي (306هـ)، فيما رواه ابن عدي في (الكامل) ([2])، قال: سمعت عبدان يقول: وحمل بن خراش الى بندار عندنا جزأين صنفهما في مثالب الشيخين، فأجازه بألفي درهم فبنى بذلك حجرة ببغداد ليحدث فيها فما متع بها، ومات حين فرغ منها.

                            وتبعه محمد بن يوسف الحافظ (390هـ) فيما رواه حمزة السهمي (427هـ)، قال: سألت أبا زرعة محمد بن يوسف الجرجاني عن عبد الرحمن بن خراش، فقال: كان خرج مثالب الشيخين، وكان رافضيًا([3]).
                            وهذا لا شك أنه منقول عن قول عبدان فيه.. فلم يدركه ولم يعاصره.

                            وهذا ضرب من الجرح المردود، فابن خراش من الحفاظ الكبار الذين كانت تعقد لهم مجالس التحديث والمذاكرة، وكان يقرن في زمانه بأبي حاتم وأبي زرعة، وربما حضر مجالسهما وذاكرهما وغيرهما من حفاظ زمانه.

                            فقد سلم له معاصروه ومن بعدهم بتمام المعرفة بهذا الشأن أما ما رمي به من التشيع فهذا ثابت عنه، ولا أرى أنه وصل إلى درجة الرفض، والقصة التي رواها عبدان من أنه صنف مثالب الشيخين، لم يذكرها كبار النقاد، ولست أدري ما الذي حصل بينه وبين عبدان، فقد غمزه في حفظه وروايته واتهمه بتصنيف المثالب، وهو متعنت كذلك متشدد، والخلاف في المذهب قد يؤدي إلى أكثر من ذلك.

                            ومما رماه به قوله: قلت لابن خراش: حديث (لا نورث ما تركناه صدقة)، قال: باطل! قلت: من تتهم في هذا الإسناد؟ رواه الزهري، وأبو الزبير، وعكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، أتتهم هؤلاء ؟ قال: لا إنما أتهم مالك بن أوس.

                            عقب الذهبي على هذا بقوله: لعل هذا بدر منه وهو شاب؛ فإني رأيته ذكر مالك بن أوس بن الحدثان في (تاريخه)، فقال: ثقة.
                            فانظر كيف حصل من التثبت ما يشكك في القصة الآنفة.

                            وقال ابن عدي: وسمعت أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة يقول كان بن خراش في الكوفة إذا كتب شيئا من باب التشيع يقول لي هذا لا ينفق الا عندي وعندك يا أبا العباس([4]).

                            فهذا ثابت عليه التشيع ولكنه في حد ذاته ليس جرحًا ترد به الرواية إذا سلم معتنقه من الرفض أو الطعن في الصحابة، فمثل هذا يخرج عن حد العدالة.. ولكن في مثل شأن هذا الرجل جليل القدر ينبغي أن يتأنى في أمره.

                            فهذا ابن عدي ينقل عن شيخه الناقد أبي نعيم عبد الملك بن محمد (323هـ): أنه سمعه يثني على بن خراش هذا، وقال: ما رأيت أحفظ منه لا يذكر له شيخ من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه([5]).

                            وقال الخطيب: كان أحد الرحالين في الحديث إلى الأمصار، وممن يوصف بالحفظ والمعرفة([6]).
                            وقال ابن المنادي: كان من المعدودين المذكورين بالحفظ والفهم للحديث والرجال([7]).

                            وهذا ابن عدي يبرأه من تهمة الكذب الذي هو دين الشيعة الغلاة.. قال ابن عدي: وابن خراش هذا هو أحد من يذكر بحفظ الحديث من حفاظ العراق، وكان له مجلس مذاكرة لنفسه على حدة، إنما ذكر عنه شيء من التشيع كما ذكره عبدان فأما الحديث فأرجو أنه لا يتعمد الكذب([8]).

                            وهذا هو الحق في شأنه، كما أنه لا يمكن أن يتهم في شأن الرواة، فهو ممن يعتمد قوله في جرحهم وتعديلهم([9]).. وقد صنف تاريخًا حافلاً اعتمده المؤرخون من أهل السنة، وهذا اعتراف منهم بتقدمه في هذه الصنعة.

                            الغريب أنه لم يطعن فيه بالرفض أحد ممن يعتمد قوله ممن أدركه من النقاد الكبار البخاري ومسلم وأبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة الرازيين، وغيرهم.. فهم أعرف به، ولا من أهل بغداد ونقادهم الكبار. فلو كان رافضيًا غاليًا فماذا عساه يصنع بحديث أهل السنة ورواتهم من التبحر في ذلك والتقدم فيه بل والتصنيف فيه، فهل للرافضة من حديث وعلل ورجال، هذا ليس لهم ولا كرامة من هذا العلم شيء يذكر إلا الكذب.. وهذا لم يجرب عليه شيء من ذلك {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

                            فلو وجد عليه أدنى شيء مما رمي به لذكره ابن عدي في (كامله).. فهو أول من صنفه في الضعفاء وحط عليه تبعًا لشيخه عبدان الأهوازي.

                            وعبدان من الكبار الذين يقبل قولهم في الرواة جرحًا وتعديلاً، إلا أنه كانت فيه جلافة وشدة على الكبار([10])، فما بالك بابن خراش الذي يخالفه في المذهب.

                            فالذي أراه أن يدرس حال هذا الرجل وينظر في كلامه في الرواة هل فيه حط على أهل السنة وخاصة أهل الشام، وموقفه من ضعفاء الشيعة، حتى نتبين أمره فقد رأيت ابن حجر عرض به في مقدمة كتاب (اللسان)([11])، فقال: ((وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب؛ وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة، حتى أنه أخذ يلين مثل: الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وإساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلاً ضعفه، قبل التوثيق. ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ فإنه من غلاة الشيعة بل نسب الى الرفض فيتأنى في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد)). اهـ.

                            قلت: ومن هذا ثلب عبدان الأهوازي لعبدالرحمن بن يوسف بن خراش، وتفرده بذكر معايبه وتتبع هناته وسقطاته في الأسانيد التي لم يذكرها سواه.
                            وليته إذا أشار إليه ذكر أدلته على ذلك، كما ذكر منتقدوه أدلة خطأه هو!..

                            أما كونه من غلاة الشيعة فهذا إنما أخذه ابن حجر من كلام عبدان فيه ليس إلا، وعليه مشى الذهبي([12]) وابن ناصر الدين([13]).

                            وقد استوقفني سؤال وجهه حمزة السهمي في (سؤالاته) للحافظ الثقة أحمد بن عبدان محدث الأهواز (388هـ)، فقال: سألت أحمد بن عبدان عن عبدالرحمن بن يوسف بن خراش يقبل قوله: قال لم أسمع فيه شيئًا([14]).
                            فقوله : (يقبل قوله).. هذا ظاهر أن السؤال نابع عن معرفة السائل والمسؤول بحاله في التشيع، فحن على قبول قوله في الجرح والتعديل حتى يتبين لنا خلافه، ولم أجد الخطيب وهو من أهل بلده طرحه بل ملء كتابه بأقواله ومن بعده كافة المؤرخين حتى الذين غمزوه ولينوه.

                            أما كونه (أتى بألفاظ في تجريح حفص لم يأت بها أحد من قبله ، وهي تطعن في عدالته وتنسبه إلى الكذب ووضع الحديث . وهذا أمر لا يوجد ما يشير إليه في أقوال المعاصرين لحفص أو يدل عليه) .

                            فهذا لا شك فيه أنه جرح شديد، وقد سبقه به ابن معين ولعله مشى على منواله، وإن كان هو له بصر ومعرفة ويمكن أن يؤول كلامه على ما ذكرناه من وقوفه على أحاديث باطلة ومنكرة فاتهم بها حفصًا.

                            أما أنه هو الذي كذب واختلق الموضوعات فهذا شيء لا يقر عليه ابن خراش بتاتًا.. ولا يقبل منه ذلك.

                            ---الحواشي---
                            ([1]) نقلتها هنا لتكون ضمن ما قيل فيه من جرح، ولتتم المناقشة في سياق واحد.
                            ([2]) الكامل (4/321).
                            ([3]) سؤالات السهمي برقم (341).
                            ([4]) الكامل (4/321).
                            ([5]) الكامل (4/321).
                            ([6]) تاريخ بغداد (10/280).
                            ([7]) تاريخ بغداد (10/280).
                            ([8]) الكامل (4/321).
                            ([9]) ذكر من يعتمد قوله برقم (364).
                            ([10]) ترجمت له ترجمة محررة وموسعة في كتابي (زوائد رجال ابن حبان) (3/1421 ـ 1439) ونقلت فيها بعض ما ورد في شأنه من جرح مردود، فنحن هنا كذلك لا نقبل ما حط به على ابن خراش.
                            ([11]) اللسان (1/95).
                            ([12]) في الميزان (2/600).
                            ([13]) بديعة الزمان (ص121).
                            ([14]) سؤالات السهمي برقم (341).

                            الوقفة الرابعة عشرة: حول خلاصة الجرح في حفص كما يراه أ. د. غانم قدوري.

                            ((والخلاصة هي : أن علماء الجرح والتعديل نسبوا حفص بن سليمان القارئ إلى الضعف في الحديث ، مستندين إلى قول شعبة : إنه كان يستعير كتب الناس فينسخها ، ولا يردها . وإلى قول أيوب : أبو بكر أوثق من أبي عمر . وكلا الأمرين لا يصلح أن يكون علة لتضعيفه ، أما الأول فقد بان أنه وَهْمٌ ، وأما الثاني فإن قول أيوب يمكن أن يعني أن حفصاً ثقة لكن شعبة أوثق منه . وسوف أعود لمناقشة ذلك بعد عرض أقوال الموثقين لحفص)) اهـ .

                            سبق أن بينا أن الرواية المذكورة عن شعبة ليست بجرح في حق من قيلت فيه وهو (حفص المنقري) بأدلة ذكرناه هناك، فنقلها إلى ترجمة حفص القارئ على سبيل الوهم لا يجعلها سببًا لجرحه كذلك.

                            وما ذكره من أن علماء الجرح والتعديل نسبوا حفص للضعف في الحديث من أجل هذه الرواية غير صحيح، هذا لو تنزلنا بأنها من قبيل الجرح، وذلك أني لم أر من ساقها واعتمدها في تضعيف الرجل سوى البخاري في (الضعفاء الصغير)، وتبعه في ذلك العقيلي في (الضعفاء)، وابن حبان في (المجروحين)، وابن عدي في (الكامل).. وهؤلاء الثلاثة إنماهم في المرتبة الثانية بعد أهل النقد الأوائل، وربما يقع لهم الوهم بالتقليد.

                            وأصرح من جعلها جرحًا في الرجل هو ابن حبان بقوله: ((وكان يأخذ كتب الناس فينسخها، ويرويها من غير سماع)) ([1]). ولا نقره على هذا الفهم! فأين ذهبت أقوال بقية النقاد الكبار ؟ الذين لهم اجتهادهم الخاص المعروف.. هو ما تراه في الوقفة التالية.

                            وأما ما فهمه الأستاذ من كلام أيوب فهي قراءة ظاهرية للفظه، ولم يقرأها ضمن سياق العبارة فالذي أراه أن قوله: (أبو عمر البزاز أصح قراءة من أبي بكر بن عياش) واضح أنه خاص بالقرآة.

                            وأن عبارة: (وأبو بكر أوثق من أبي عمر) عبارة مستأنفة أراد بها بيان حاله، وهي غير صريحة، فكما أنها تحتمل التوثيق، تحتمل ضعفه كذلك! والقرائن تدل على ذلك.

                            ---الحواشي----
                            ([1]) المجروحين
                            التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 05:35 ص.
                            اعرف دينك

                            دينك دين عظيم جدا تجاوزت عظمته حدود الإدراك والتخيل ويكفيك شرفا أنك مسلم فقل الحمد لله الذي جعلني من المسلمين


                            يا ربُّ ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك ، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة ، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ ، والزائغين عن السبيل إلى هداك

                            تعليق


                            • #15
                              السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

                              حقيقة سلِمت يمينُك أخي السائِب، وأخي الدكتور الأزهري، فقد أردت أن أشرع في رد شافِ واف لهذه الشُبْهة فوجدتُكما كفيتم و أوفيتم، ولا أفضل مِن ردِّكما ، ونقولاتكم عن الأساتذة والجهابذة، ولِذا آثرت ان أقوم بتنسيقها، وتلوينها وتغيير بسيط في بعض الكلِمات زيادة في وضوحِها، وهو الرد الوافي الذي أتبناه، وأنصح كل مُسلِم بقراءته وتبنيه .

                              فأحسن الله إليكم ونفعنا بما عِنْدكم، وجزاكما الله عنا خير الجزاء.

                              ________

                              قُمت بنقل مُشاركات الأخ الحبيب دكتور أزهري هنا من موضوع آخر لما فيها من الفائِدة.

                              وجزاكما الله خيراً.
                              التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة 9 أكت, 2020, 05:37 ص.
                              "يا أيُّها الَّذٍينَ آمَنُوا كُونُوا قوَّاميِنَ للهِ شُهَدَاء بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمنَّكُم شَنئانُ قوْمٍ على ألّا تَعْدِلوا اعدِلُوا هُوَ أقربُ لِلتّقْوى
                              رحم الله من قرأ قولي وبحث في أدلتي ثم أهداني عيوبي وأخطائي
                              *******************
                              موقع نداء الرجاء لدعوة النصارى لدين الله .... .... مناظرة "حول موضوع نسخ التلاوة في القرآن" .... أبلغ عن مخالفة أو أسلوب غير دعوي .... حوار حوْل "مصحف ابن مسْعود , وقرآنية المعوذتين " ..... حديث شديد اللهجة .... حِوار حوْل " هل قالتِ اليهود عُزيْرٌ بنُ الله" .... عِلْم الرّجال عِند امة محمد ... تحدّي مفتوح للمسيحية ..... حوار حوْل " القبلة : وادي البكاء وبكة " .... ضيْفتنا المسيحية ...الحجاب والنقاب ..حكم إلهي أخفاه عنكم القساوسة .... يعقوب (الرسول) أخو الرب يُكذب و يُفحِم بولس الأنطاكي ... الأرثوذكسية المسيحية ماهي إلا هرْطقة أبيونية ... مكة مذكورة بالإسْم في سفر التكوين- ترجمة سعيد الفيومي ... حوار حول تاريخية مكة (بكة)
                              ********************
                              "وأما المشبهة : فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة
                              وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول : أكفر من يكفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره وإلا فلا.
                              والذي نختاره أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة "
                              (ابن تيْمِيَة : درء تعارض العقل والنقل 1/ 95 )

                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة محمد سني, منذ أسبوع واحد
                              ردود 0
                              7 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة محمد سني
                              بواسطة محمد سني
                               
                              أنشئ بواسطة محمد سني, منذ 4 أسابيع
                              ردود 0
                              27 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة محمد سني
                              بواسطة محمد سني
                               
                              أنشئ بواسطة mohamed faid, منذ 4 أسابيع
                              ردود 0
                              10 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة mohamed faid
                              بواسطة mohamed faid
                               
                              أنشئ بواسطة إبراهيم صالح, منذ 4 أسابيع
                              ردود 0
                              25 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة إبراهيم صالح  
                              أنشئ بواسطة إبراهيم صالح, منذ 4 أسابيع
                              ردود 0
                              15 مشاهدات
                              1 معجب
                              آخر مشاركة إبراهيم صالح  
                              يعمل...
                              X