ضوابط فهم السنة النبوية ..

تقليص

عن الكاتب

تقليص

هشام المصرى مسلم معرفة المزيد عن هشام المصرى
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ضوابط فهم السنة النبوية ..

    ضوابط فهم السنة النبوية
    الأستاذ الدكتور
    عياض بن نامى السلمى

    عضو هيئة التدريس بقسم أصول الفقه
    بكلية الشريعة بالرياض

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

    فإن السنة النبوية هي مصدر التشريع الثاني بعد القرآن الكريم ويعرفها الأصوليون بأنها "ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير" (عبد الغني عبد الخالق, حجية السنة).

    وبما أن السنة قول وفعل وتقرير، فإن القواعد الأصولية اللازمة لفهم السنة تشمل جميع القواعد المتعلقة بدلالات الألفاظ, بالإضافة إلى قواعد تتعلق بدلالة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وتقريره, وما يتبع ذلك من القواعد الخاصة لدفع التعارض الظاهري بين القول والفعل أو القول والتقرير أو الفعل والتقرير. كما تشمل القواعد الخاصة بالسند والحكم عليه بالقبول أو الرد مما لا يحتاجه المصدر الأول. وإذا كان الأمر كذلك فإن هذه الندوة لن يتسع وقتها لعرض تلك القواعد كلها، علاوة على أن هذه الكوكبة من أهل العلم لا يخفى عليهم ما في مطولات أصول الفقه ومختصراته, وليس من المناسب استقطاع وقتهم الثمين في استعراض ما في تلك الكتب.

    ولهذا رأيت أن يكون حديثي منطلقاً من المبادئ العامة التي تضبط تلك القواعد, والتي يمكن أن نسميها المبادئ العامة لفهم السنة, مع ضرب الأمثلة من القواعد الجزئية إذ من المعلوم أنه إذا ظهرت للناظر الطرق الرئيسة هانت عليه معرفة المداخل الفرعية، وأمن التيه والابتعاد عن الجادة فأقول وبالله التوفيق.

    يمكن إجمال ما ذكره الأصوليون من قواعد لفهم السنة في ثمانية مبادئ على النحو التالي:

    1- أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ فيما يخبر به من الشرع فما صحت نسبته للرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون كذباً ولا مخالفاً للواقع. وهذا المبدأ العظيم قرره القرآن الكريم في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ومنها قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.

    ولا يتعارض مع هذا المبدأ ما قرره كثير من الأصوليين من أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيما لم ينزل عليه فيه وحي، لأنّ من قال إنه يجتهد قال إنه مسدّد من ربه فلا يخطئ, أو قال إن الله يصوبه إذا أخطأ فأي اجتهاد أقره الله عليه فهو صواب وشرع واجب الاتباع.

    ويدخل تحت هذا المبدأ حجية فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، فإذا فعل شيئاً كان مشروعاً فإن ثبتت خصوصيته به وإلا كان عاماً للأمة لكونه قدوتنا وإمامنا.

    وإن ترك شيئاً مع قيام الداعي لفعله عرفنا عدم مشروعيته. وإن أقر قولاً أو فعلاً وقع بحضرته عرفنا مشروعيته.

    فهذا المبدأ تجتمع تحته قواعد كثيرة جداً لا يستغني عنها من يريد فهم السنة.

    2- أن السنة النبوية هي الشارحة للقرآن الكريم، المبينة لمجمله، المفسرة لمشكله، المقيدة لمطلقه.

    وهذا المبدأ ينطلق من قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (44 النحل).

    وانطلاقاً من هذا المبدأ نجد الأصوليين يكادون يجمعون على جملة من القواعد التي ترجع إليه:

    مثل قاعدة "بيان السنة للقرآن".
    وقاعدة "البيان بالقول والفعل والإشارة".
    وقاعدة "عدم نسخ القرآن بالسنة"
    وقاعدة "عدم تحقق التعارض بين القرآن والسنة".


    ونجدهم يختلفون في اشتمال السنة على حكم زائد على ما في القرآن, فحين نجد الشافعي يذكر من أنواع بيان السنة البيان الزائد على ما في القرآن (الرسالة ص 32)، نجد الشاطبي ينكر وجود سنة زائدة على ما في القرآن, ويتأول الأمثلة التي عدت من قبيل ما زادته السنة.(الموافقات 3/12-24)

    ويمكن أن يدرج في هذا السياق قاعدة اختص بها الحنفية وهي قاعدة "الزيادة على النص نسخ"،.. حيث ظهر أثرها في السنة الأحادية التي فيها زيادة على النص القطعي من القرآن.

    3- أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم ليست على صيغة واحدة, بل اتخذت صفات عدة, ويجب أن يفهم كل تصرف منها في السياق الذي جاء فيه، فهو صلى الله عليه وسلم نبي مرسل مشرع, وهو إمام المسلمين الأعظم، وهو إمامهم في صلاتهم، وهو قاضيهم الذي يحكم بينهم، وهو مفتيهم الذي يسألونه عما ينوبهم، وهو قائد الجيش في المعركة، وهو مع ذلك بشر يعتريه ما يعتري البشر من النسيان والخوف والجوع والمرض. .. الخ.

    وانطلاقاً من هذا المبدأ فإن تصرفاته تختلف أحكامها باختلاف الصفة التي انطلقت منها، فتصرفه بمقتضى الرسالة العامة تشريع عام، وتصرفاته بمقتضى منصب الإمامة تثبت لإمام المسلمين، وتصرفه بمقتضى منصب القضاء قضاء ملزم, وبمقتضى الفتوى فتوى, وتصرفه بمقتضى إمامة الصلاة تثبت لمن تولى هذا المنصب، وتصرفه بمقتضى قيادة الجيش تثبت لقائد الجيش المسلم وهكذا.

    وقد اهتم الإمام القرافي بهذا الجانب وكتب فيه كتابه المشهور "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرف القاضي والإمام "كما ذكر طرفاًً من ذلك في الفروق.

    وفي العصر الحديث ظهر مصطلح السنة التشريعية وغير التشريعية، مع ما في هذا المصطلح من إجمال, قد يمكن مرضى القلوب من استغلاله واستعماله فيما لا يتفق مع الشرع.

    ومع أن تحديد الصفة التي بني عليها التصرف تخضع للاجتهاد إلا أن الأصوليين يقررون أن الأصل في تصرفاته صلى الله عليه وسلم أن تكون بمقتضى الرسالة (وما محمد إلا رسول...). ولكن القرائن التي تحتف به لها اعتبارها, والمشكل من تلك التصرفات يرد إلى المحكم المتفق عليه.

    4- أن السنة القولية جاءت على سنن كلام العرب في عهد الرسالة, فالمرجع في فهمها إلى اللغة العربية, بما فيها من الحقيقة والمجاز, والكناية والتصريح, والعموم والخصوص, والإطلاق والتقييد, والفحوى, والإشارة, والتنبيه. وقد وضع الأصوليون لكل باب مما ذكر جملة من القواعد الواضحة التي يرجع إليها في تفسير السنة القولية, مما لا يخفى على الفضلاء الحاضرين.

    وانطلاقاً من هذا المبدأ فإنه لا يجوز حمل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم على المعنى المتبادر من اللفظ في اللهجة الدارجة بين الناس اليوم، وإنما الواجب الرجوع إلى معاجم اللغة ودواوين العرب التي توضح المعنى المراد. ولا يكفي ذلك بل لابد من معرفة عادة أهل زمانه وعرفهم في استعمال الألفاظ.

    5- أن فهم السنة لا يكفي له فهم المعنى اللغوي الوضعي, وإنما هو محتاج إلى إدراك العرف اللغوي والعرف الشرعي الطارئ, الذي قد ينقل اللفظ عن معناه إلى معنى آخر. وبدون مراعاة هذا العرف لا يمكن فهم السنة على الوجه الصحيح.

    فالعرف اللغوي هو عرف العرب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتكلمون به، فإنهم قد يطلقون اللفظ العام ويريدون العام, ويطلقونه ويريدون العام المخصص، وقد يطلقون العام ويريدون الخاص, وقد يطلقون الخاص ويريدون العام, كما أوضح ذلك الإمام الشافعي في الرسالة.

    وكذلك الشأن في عرف الشرع فإنه قد جعل خطاب الواحد بمنزلة خطاب الجماعة، وجعل خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة خطاب الأمة, فما وجب عليه وجب على الأمة إلا ما دل الدليل على استثنائه.

    وانطلاقاً من هذا المبدأ قرر الأصوليون عدداً من القواعد مثل:

    "خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لواحد من الأمة خطاب للأمة".
    "دخول المخاطب في عموم خطابه".
    "شمول الخطاب بلفظ جمع المذكر السالم للنساء".
    "شمول الخطاب العام للعبيد".
    "شمول الخطاب العام للمعدومين حين الخطاب".


    فهذه القواعد وإن كان الأصوليون يحكون فيها خلافاً لكن هو في الواقع خلاف في الشمول بمقتضى اللغة، أي أنهم يختلفون هل يدخل من حاله كحال المخاطب في الخطاب بمقتضى اللفظ أو بمقتضى القياس؟ وهل يدخل المعدومون حين الخطاب في الحكم بمقتضى العموم اللفظي أو العموم المعنوي؟

    ومن القواعد التي تدخل تحت هذا المبدأ ولها أهمية في فهم السنة:

    قاعدة "حمل الكلام على عرف المتكلم".

    وقاعدة "العرف الشرعي مقدم على الوضع اللغوي".

    6- أن السنة لا يمكن أن تأتي بتشريع يخالف بدائه العقول أو يخالف القطعيات من الأدلة النقلية.

    وقد عبر عنه ابن تيمية بأن "النقل الصحيح لا يمكن أن يخالف العقل الصريح".

    وله كتاب يحمل هذا المعنى.

    وعبر عنه الشاطبي بقاعدة عامة ذكرها في بداية كلامه عن الأدلة, وهي: "الأدلة الشرعية لا تخالف قضايا العقول" (الموافقات 3/ 3).

    وهذا المبدأ قرره الأصوليون والمحدثون على حد سواء، وهو مبدأ مهم في فهم ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار.

    قال الإمام الشافعي: "ولا يستدل على أكثر صدق الخبر وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه, إلا في الخاص القليل من الحديث, وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله, أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه" الرسالة (399).

    فالشافعي رحمه الله يصرح بأنه قد يستدل على كذب الخبر بكونه لا يجوز أن يكون مثله, أو بمخالفة ما هو أثبت منه مما لا يصح أن يجتمع معه.

    وقال الغزالي عند كلامه عن الخبر المعلوم الكذب: "الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره, أو الحس, والمشاهدة, وأخبار التواتر "المستصفى 1/142

    وهو وإن كان يتكلم عن الخبر بشكل عام فالخبر المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم داخل في هذا العموم ولا شك.

    وقال السبكي: "إن من جملة ما روى عنه صلى الله عليه وسلم مالا يقبل التأويل لمعارضة الدليل العقلي ذلك مما يوجب عدم قبوله للتأويل فيمتنع صدوره عنه عليه السلام قطعاً".. قال "وسببه نسيان الراوي أو غلطه أو افتراء الملاحدة" (الإبهاج 2/298).

    وقال شيخ الإسلام بن تيمية: "من تبحر في المعقولات ووقف على أسرارها علم قطعا أنه ليس في العقل الصريح الذي لا يكذب قط ما يخالف مذهب السلف وأهل الحديث... ولو فرض على سبيل التقدير أن العقل الصريح الذي لا يكذب يناقض بعض الأخبار للزم إما تكذيب الناقل أو تأويل المنقول " (مجموع الفتاوى 33 /172/173).

    وهذا المبدأ مقرر عند المحدثين فقد روى الرامهرمزي أنه قيل لشعبة "من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها) علمت أنه يكذب " (المحدث الفاصل415).

    وهو يريد بذلك أنه إذا روى ما يخالف بدائه العقول فهو يكذب.


    وروى عن عمرو الأنماطي تكذيبه لحماد المالكي لكونه روى عن عمر أنه قال: لسارق: ما حملك على هذا؟ قال القدر، فقطع يده وجلده أربعين جلدة، وقال: قطعت يدك لسرقتك وضربتك لفريتك على الله، فقال عمرو الأنماطي لرواي الخبر عن عمر: لو أفترى على عمر كم كان يضربه؟ قال: ثمانين, فقال: يفتري على الله يضرب أربعين، ويفتري على عمر يضرب ثمانين والله لا تفارقني حتى استعدي عليك فأقر أنه لم يسمعه من الحسن، وحلف ألا يحدث به. (المحدث الفاصل ص 317).

    وعقد البغدادي في الكفاية باباً لهذا المبدأ فقال "باب في وجوب اطراح المنكر والمستحيل من الأحاديث " الكفاية 602-603

    ومما وضعه الأصوليون من قواعد تحت هذا المبدأ قاعدة "كل أمر خطير ذي بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواتراً، إذا نقله آحاد فهم مكذبون فيه, منسوبون إلى تعمد الكذب، أو الزلل " البرهان 1/665.

    وقاعدة "لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته " العدة 3/852.

    وقد أطلت في الكلام عن هذا المبدأ لأن بعض الناس ربما أساء فهم كلام الأصوليين فيه وظن أن مرادهم أن كل أحد له أن يرد ما يراه مخالفا للعقل. ولأن بعض الفقهاء ربما توسع في تطبيقه, كما فعل الحنفية في رد خبر الواحد فيما تعم به البلوى لاعتقادهم أنه مما تتوافر الدواعي على نقله تواتراً.

    ومن تطبيقات السلف لذلك المبدأ ما فعلته عائشة رضي الله عنها حين توقفت في قبول حديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" حيث جاء في صحيح البخاري أنها قالت: رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه, ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه, إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن "إنما مر رسول الله على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها "وقالت حسبكم القرآن: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .. (مختصر البخاري للشيخ سعد الشثري).

    وبهذه القاعدة ردت خبر "الشؤم في ثلاثة".

    7- أن القرائن قد تصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر.

    هذا المعنى قرره الأصوليون في قواعد كثيرة في باب الأمر والنهي, وفي باب العموم, وفي المشترك, والحقيقة والمجاز.

    وانطلاقاً من هذا المبدأ أقول:

    لا يمكن أن نفهم السنة إن أخذنا ألفاظها مفصولة عن القرائن المحيطة بها، والزمن الذي قيلت فيه والمجتمع الذي خوطب بها.

    والأصوليون تكلموا عن القرائن الصارفة للفظ عن حقيقته إلى مجازه وتكلموا عن القرائن الصارفة للفظ الأمر عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة أو الإرشاد أو التهديد.. الخ
    وكذلك صوارف النهي عن التحريم.

    كما تكلموا باستفاضة عن القرائن الدالة على التخصيص فذكروا دلالة العقل والحس وهاتان لا خلاف فيهما من حيث المعنى وإنما اختلفوا هل نعدهما من المخصصات أو نقول إن ما خالف العقل والحس لم يدل عليه اللفظ العام أصلاً وبالتالي فلا يقال عنه إنه مخصص أو مخرج من العموم؟ .

    وذكروا ورود اللفظ في سياق المدح والذم هل يخصص العموم؟

    وذكروا قاعدة "ورود العام على سبب خاص هل يقتضي تخصيصه؟ ونقلوا خلافاً في ذلك وجمهورهم على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".

    وذهاب جمهورهم إلى تقرير هذه القاعدة لا يلغي أهمية السبب ولكنه تقرير للأصل, وعلى من ادعى خلاف الأصل أن يقيم الدلالة على قصر الحكم على سببه.

    وهنا أمر قد يغفل بعض المهتمين بأصول الفقه عن فهمه على حقيقته, ويصرفهم عن تأمله ما يجدونه من استدلال الأصوليين في المسألة بالأدلة المتفق عليها مثل أية الزنا وآية السرقة وأية الظهار ونحوها مما ورد على سبب خاص.

    هذه الدقيقة هي أن الخلاف في واقع الأمر ليس في الاقتصار على عين صورة السبب أو شمول الحكم لمن حاله كحال من ورد النص بسبب مسألته؟

    وإنما الخلاف في تعميم اللفظ بحيث يشمل كل من يدخل تحته بمقتضى الوضع اللغوي حتى وإن كان لا يخطر ببال المتكلم من البشر ولا ببال السامع؟ أو يقتصر على من كان حاله كحال السائل؟

    ولهذا فالاستدلال للجمهور بآية السرقة وآية القذف وأية الظهار تهويل، فهذه الآيات يستدل بها على من سرق الذهب لأنه أولى بالحكم ممن سرق رداء صفوان، ولم يقل أحد يقتصر فيها الحكم على سارق رداء صفوان، ويستدل بها على من قذف زوجته بالزنا لعدم الفرق بينه وبين هلال بن أمية ولم يقل أحد بخلاف ذلك وهكذا الكلام عن بقية الآيات الواردة على سبب خاص.

    ومما يذكر تحت هذا المبدأ دلالة الاقتران وهي تعني اقتران المختلف في حكمه بالمتفق على حكمه في الذكر هل يدل على اشتراكهما في الحكم.

    مثاله قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}.

    هنا اقترن لفظ الخيل بالحمير "والخيل مختلف في حل لحمها والحمير ذهب الجماهير إلى حرمتها, فهل يمكن الاستدلال بالآية لتحريم لحوم الخيل على من يحرم لحوم الحمر.

    ومن القواعد الداخلة تحت هذا المبدأ قاعدة العمل بدلالة السياق.

    وحاصل كلام أكثرهم فيها أنها دلالة القرائن اللفظية الواردة في النص على المعنى المراد.

    ويرى بعضهم أنها أعم من ذلك فتشمل القرائن الحالية واللفظية.

    يقول الشاطبي عن لغة العرب إن من شأنها "الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها، ولا تعد ذلك اختلافاً ولا اضطرابا إذا كان المعنى المقصود على استقامة، والكافي من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ. وفي هذا المعنى من الأحاديث وكلام السلف العارفين بالقرآن كثير.

    وقد استمر أهل القراءات على أن يعملوا بالروايات التي صّحت عندهم مما وافق المصحف، وأنهم في ذلك قارئون للقرآن من غير شك ولا إشكال، وإن كان بين القراءتين ما يعده الناظر ببادئ الرأي اختلافاً في المعنى"(الموافقات 2/317).


    ويقول الشافعي في رواية الحديث بالمعنى "وإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف، معرفة منه بأن الحفظ قد يزل، ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ منه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى, كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه "(الرسالة 274).

    وقال الزركشي "دلالة السياق أنكرها بعضهم، ومن جهل شيئاً أنكره، وقال بعضهم إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى " البحر المحيط 4/357 ط الأولى سنة 1421) دار الكتب العلمية.

    ولاشك أن ما جاز في القرآن جاز في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ عزالدين بن عبد السلام في كتابه المسمى الإمام: "السياق يرشد إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال فكل صيغة وقعت في سياق المدح كانت مدحاً، وإن كانت ذماً بالوضع, وكل صيغة وقعت في سياق الذم كانت ذماً وإن كانت مدحاً بالوضع كقوله تعالى "ذق إنك أنت العزيز الكريم "(الدخان -44) .. (نقلا عن البحر المحيط 4/357).

    وقال ابن القيم "الله سبحانه ذم من سمع ظاهراً مجرداً فأذاعه وأفشاه وحمد من استنبط من أولى العلم حقيقة ومعناه" إعلام الموقعين 1/225 ط1، مكتبة الكليات الأزهرية.

    وقال الشاطبي عند الجواب عمن يستدل بحديث "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها "على أن المذموم من البدع ما كان سيئاً: "وأما اختراع عبادة لا أصل لها في الشرع فهو بدعة مذمومة على كل حال فيكون المقصود بالسنة الحسنة العمل بالسنة الثابتة لأن الحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم حينما دعا إلى الصدقة فجاء رجل بصرة طعام كاد يعجز عن حملها ثم تتابع الناس حتى اجتمع كومان من الطعام والثياب, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسن..." فالسياق الذي جاء فيه الحديث يدل على أن المراد بـ"سنّ "ليس الاختراع وإنما ابتداء العمل بالسنة.

    وزاد الشاطبي ما يؤكد هذا المعنى بقاعدة أخرى وهي "أن العام إذا تكرر من غير تخصيص كان قاطعاً لا يقبل التخصيص بأخبار الآحاد، ولو ادعى المستدل بالحديث إنه دليل قاطع لزم منه تعارض القاطعين وهو محال عند العقلاء" ينظر الاعتصام (1/123 ) الطبعة الأولى سنة 1423هـ تحقيق مكتب البحوث والدراسات – نشر دار الفكر بيروت.

    وقد سوى بعض الأصوليين بين قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وبين قاعدة دلالة السياق".

    وفرق بينهما ابن دقيق العيد بأن قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب "يقصد بها عدم قصر النص على سببه لمجرد كون السبب خاصاً.

    وأما التخصيص بدلالة السياق فهو راجع إلى فهم مراد المتكلم من كلامه، وطبق ذلك على حديث "ليس من البر الصيام في السفر "فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق من شق عليه الصيام حتى أغمي عليه فيقصر على من كان الصيام يشق عليه لأن سياق الحديث دل على مراد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ورد استدلال الظاهرية بالقاعدة (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ص 277-278).

    8- أن تفهم السنة في ضوء مقاصد الشريعة:

    مقاصد الشريعة أو مقاصد الشارع أحسن ما تعرف به أنها "المعاني والحكم التي نعلم بيقين أو بغلبة ظن مبني على دليل أن الشارع راعاها في تشريعاته كلها أو بعضها.

    وهي تشمل نوعين من المقاصد:

    1- المقاصد العامة وهي التي لا تخص بابا من أبواب التشريع وإنما نجد الشارع راعاها في أبواب كثيرة. وهذه بمثابة القواعد الفقهية الكلية ومنها مقصد رفع الحرج, ومقصد العدل, وتزكية النفس ونحو ذلك.

    2- المقاصد الخاصة وهي التي لا تنطبق إلا على باب واحد من أبواب التشريع مثل ما نقول من مقاصد النكاح إعفاف الزوجين,وتكثير النسل.

    والمقاصد العامة قطعية, أما الخاصة فيمكن أن تكون قطعية أو ظنية.

    ويمكن جمع المقاصد العامة في مقصد واحد وهو "جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها".

    ويمكن تقسيم تلك المقاصد باعتبارات مختلفة, والذي يخدم غرضنا وهو فهم السنة النبوية هو أن نقسم المقاصد إلى أربعة أقسام كما فعل الشاطبي في بداية حديثه عن مقاصد الشارع حيث ذكر أن المقاصد أربعة أنواع هي:

    1- مقاصد وضع الشريعة ابتداء.
    2- مقاصد وضع الشريعة للإفهام.
    3- مقاصد وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها.
    4- مقاصد وضع الشريعة لدخول المكلف تحت حكمها.


    وفهم السنة يحتاج من الناظر المتفهّم أن يستحضر هذه المقاصد فالنوع الأول يستفيد منه الناظر في السنة فوائد أهمها: أن لا يخطر على باله أن الشريعة جاءت للنكاية بالمكلفين والتنكيل بهم, وإنما جاءت لتحقيق مصالحهم في الدنيا والآخرة، ولكن تحديد ما يكون مصلحة لابد أن يرجع فيه إلى نصوص الوحي مجتمعة, ولا يكتفى فيه ببادئ النظر, ولا بالنصوص الجزئية. وأن المصالح منها ما هو دنيوي ومنها ما هو أخروي وكلاهما مقصود للشارع.

    كما يستفيد منه الناظر حمل المتشابه على الحكم، ورد الغريب إلى المناسب المتسق مع هذا الأصل ولو بشئ من التأويل.

    والنوع الثاني يستفاد منه فوائد أهمها: أن لا تحمل ألفاظ السنة على المعاني البعيدة التي لا يمكن أن تخطر على بال السامعين، لأن مخاطبتهم بها يقصد منه إفهامهم ما تضمنته من المعاني, ولا يمكن أن يخاطبوا بفهم مالا يدخل تحت أفهامهم ولا تستوعبه عقولهم.

    والنوع الثالث: يستفاد منه فوائد أهمها: أن ما لا يدخل تحت قدرة المكلفين لا يمكن أن يكون مقصوداً للشارع فلا يكلفهم بما يهلكهم أو يضر بهم ضرراً راجحاً في أبدانهم أو أموالهم أو عقولهم أو أبنائهم.

    والنوع الرابع: يستفاد منه فوائد أهمها: أن الشريعة عامة شاملة لجميع المكلفين إلى قيام الساعة، فما جاء في السنة الأصل فيه العموم حتى وإن جاء بلفظ خاص إلا أن يدل دليل على خصوصيته ببعض المكلفين.

    كما يستفاد منه أن من مقاصد التكليف إخراج المكلف من داعية هواه إلى أن يكون عبداً لله جل وعلا.

    وبعد:

    فهذه خلاصة رأيت أنها تكفي عن الإطالة, وتناسب هذه العجالة, ويستغني بها اللبيب عن التطويل, وتخلو من الحشو والتهويل, والله أسأل أن ينفع بها المتحدث والسامع. والحمد لله أولا وأخرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    ـــــــــ
    راجع
    : ضوابط فهم السنة النبوية ..
    التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 8 نوف, 2016, 01:23 ص. سبب آخر: الضبط ..

  • #2
    ما شاء الله والله اكبر

    جزاك الله خير كثيرا

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة طبيبة الاسلام مشاهدة المشاركة
      ما شاء الله والله اكبر

      جزاك الله خير كثيرا
      جزاكم الله خيراً أختى الفاضلة ..

      تعليق


      • #4
        للرفــع ..

        تعليق


        • #5
          رد: ضوابط فهم السنة النبوية

          موضوع متميز وهام

          ليت منكري السنة - وكذلك منكري بعض الأحاديث الصحيحة لتناقضها مع العقل أو القرآن الكريم بزعمهم - يتعلمون مثل هذه المسائل بدلاً من المسارعة إلى الإنكار بجهل بالغ وسطحية مفرطة . لاشك أن طريق الإنكار أيسر وأسرع من طريق المكابدة لطلب العلم ، لكن الطريق الوحيد الموصل للحق هو العلم والدليل لا الجهل والتعالم وتقديس العقل .

          تم تثبيت الموضوع بمعرفتي لأهميته
          بارك الله فيكم.
          فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً
          شرح السيرة النبوية للشيخ حازم صلاح أبو إسماعيــــــــل.. أدلة وجود الله عز وجل ..هام لكل مسلم مُوَحِّد : 200 سؤال وجواب في العقيدة
          مـــاذا فعلتَ قبل تسجيلك الدخـول للمنتدى ؟؟.. ضيْفتنـــــــــــــــــــ ـــــــا المسيحية ، الحجاب والنقـاب ، حكـم إلـهي أخفاه عنكم القساوسة .. هـل نحتـاج الديـن لنكـون صالحيـن ؟؟
          لمــاذا محمد هو آخر الرسل للإنس والجــن ؟؟ .. حوار شامل حول أسماء الله الحسنى هل هي صحيحة أم خطـأ أم غير مفهـومـــة؟!.. بمنـاسبة شهر رمضان ..للنساء فقط فقط فقط
          إلى كـل مسيحـي : مـواقف ومشـاكل وحلـول .. الثــــــــــــــــــــــ ـــالوث وإلغــاء العقـــــــــــــــــــل .. عِلْـم الرّجــال عِند أمــة محمــد تحَـدٍّ مفتوح للمسيحيـــــة!.. الصلـوات التـي يجب على المرأة قضاؤهــا
          أختي الحبيبة التي تريد خلع نقابها لأجل الامتحانات إسمعـي((هنا)) ... مشيئـــــــــــــــــــــ ة الله ومشيئــــــــــــــــــــ ـة العبد ... كتاب هام للأستاذ ياسر جبر : الرد المخرِس على زكريا بطرس
          خدعوك فقالوا : حد الرجم وحشية وهمجية !...إنتبـه / خطـأ شائع يقع فيه المسلمون عند صلاة التراويـح...أفيقـوا / حقيقـة المؤامـرة هنـا أيها المُغَيَّبون الواهمون...هل يحق لكل مسلم "الاجتهاد" في النصوص؟
          الغــــــزو التنصيـــــــــري على قناة فتافيت (Fatafeat) ... أشهر الفنانين يعترفون بأن الفن حرام و"فلوسه حرام" ... المنتقبة يتم التحرش بها! الغربيون لا يتحرشون ! زعموا .

          أيهــا المتشكـــــــــــــــــــ ــــــــك أتحــــــــــــــــــــــ ــداك أن تقـــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــرأ هذا الموضــــــــــوع ثم تشك بعدها في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
          <<<مؤامرة في المزرعة السعيدة>>>.||..<<< تأمــــــــــــــــــــلا ت في آيـــــــــــــــــــــــ ــــــات >>>
          ((( حازم أبو إسماعيل و"إخراج الناس من الظلمات إلى النور" )))

          تعليق

          مواضيع ذات صلة

          تقليص

          المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
          أنشئ بواسطة د.أمير عبدالله, منذ 2 أسابيع
          ردود 0
          23 مشاهدات
          0 معجبون
          آخر مشاركة د.أمير عبدالله  
          أنشئ بواسطة د.أمير عبدالله, منذ 2 أسابيع
          ردود 0
          9 مشاهدات
          0 معجبون
          آخر مشاركة د.أمير عبدالله  
          أنشئ بواسطة باحث شرعي, 17 سبت, 2020, 07:40 م
          ردود 0
          10 مشاهدات
          0 معجبون
          آخر مشاركة باحث شرعي
          بواسطة باحث شرعي
           
          أنشئ بواسطة باحث شرعي, 13 سبت, 2020, 06:49 م
          ردود 0
          14 مشاهدات
          0 معجبون
          آخر مشاركة باحث شرعي
          بواسطة باحث شرعي
           
          أنشئ بواسطة باحث شرعي, 2 سبت, 2020, 12:27 م
          ردود 0
          12 مشاهدات
          0 معجبون
          آخر مشاركة باحث شرعي
          بواسطة باحث شرعي
           

          Unconfigured Ad Widget

          تقليص
          يعمل...
          X