الإسنادُ من الدين .. وهو خاصية هذه الأمة دون غيرها

تقليص

عن الكاتب

تقليص

هشام المصرى مسلم معرفة المزيد عن هشام المصرى
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإسنادُ من الدين .. وهو خاصية هذه الأمة دون غيرها

    لولا الإسناد لقال من شاء ما يشاء
    الإسنادُ من الدين
    بقلم فضيلة الشيخ
    سليم بن عيد الهلالى


    لقد من اللَّه -سبحانه وتعالى- على أمة الإسلام بخصائص كثيرة، وميزها بفضائل وفيرة.. منها:

    ما يتعلق بذات الشريعة السمحة من يسر العبادات، وسهولة المعاملات، ومضاعفة أجر الطاعات والمثوبات.

    وما يتعلق بنقلها وتدوينها وضبطها وحفظها.

    ومن أعظم هذه الخصائص للأمة الإسلامية: أن اللَّه شرفها بالعناية بـ (الإسناد) دون غيرها من الأمم، حتى غدا الإسناد الشرط الأول في كل علم منقول فيها حتى في الكلمة الواحدة، يتلقاها الخلف عن السلف، والمتأخرون عن السابقين حتى ثبتت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان محفوظة من التبديل والتغيير.

    وتتجلى عظمة علم الإسناد في كون علم الرجال شطر علم الحديث.. كما قاله أمير المؤمنين في الحديث علي بن المديني.

    ولقد أبلى علماء الملة وأمناء الشريعة بلاءً حسنًا في الذب عن السنة النبوية والشريعة الإسلامية، فلم يعرفوا المحاباة فيمن يتكلمون فيه.. لأن الأمر دين، ولم تأخذهم لومة لائم فيمن جرَّحوه، ولو كان من عشيرتهم الأقربين.. لأن الأمر نصح للَّه، ولرسوله، ولكتابه، وللمؤمنين.

    لقد وصل الأمر بعلماء الإسلام من الحيطة والتثبت أن يظن بأنهم يريدون تزويج من يسألون عنه.

    قال الحسن بن صالح: «كنا إذا أردنا أن نكتب عن رجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوه» ([1]).

    ولهذا كله كانت سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من آبائهم وإخوانهم وأزواجهم وعشيرتهم.

    قال علي بن المديني في والده: «وفي حديث الشيخ ما فيه، وأشار إلى تضعيفه» ([2]).

    وقد سئل علي بن المديني عن أبيه، فقال: «اسألوا غيري»، فقالوا: سألناك.. فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: «هذا هو الدين.. أبي ضعيف» ([3]).

    وقال أبو حاتم الرازي: «وكان علي لا يحدثنا عن أبيه، وكان قوم يقولون: علي يعق أباه، لا يحدث عنه» ([4]).

    وقال أبو داود في ابنه عبداللَّه: «ابني عبداللَّه كذاب» ([5]).

    وقال زيد بن أبي أنيسة في أخيه يحيى: «أخي يحيى يكذب.. فلا تخبروا به أحدًا» ([6]).

    وقال: لا تكتب عن أخي يحيى.. فإنه كذاب، وفي رواية قال: «لا تحملن عن أخي شيئًا.. فإنه كذاب» ([7]).

    ولما سئل جرير بن عبدالحميد عن أخيه أنس، قال: «قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس.. فلا يكتب عنه» ([8]).

    وكان أبو بكر الضبعي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق ([9]).

    ولذلك كله عظموا الإسناد وجعلوه من الدين، ومن خصائص أمة الإسلام، ليس لأحد سوى المسلمين.

    قال التابعي الجليل محمد بن سيرين: «اتقوا اللَّه يا معشر الشباب! وانظروا عمن تأخذوا هذه الأحاديث.. فإنها دينكم» ([10]).

    وقال: «إن هذا العلم دين.. فانظروا ممن تأخذوا دينكم» ([11]).

    وقال مطر بن طهمان الوراق، في قوله -تبارك وتعالى-: {أو أثارة من علم} [سورة الأحقاف: 3]: «إسناد الحديث» ([12]).

    وكان محمد بن مسلم بن شهاب: إذا حدث أتى بالإسناد، ويقول: «لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة» ([13]).

    وقال سفيان بن عيينة: حدث الزهري يومًا بحديث، فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: «أبرح السطح بلا سلم».

    وقال عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي: «ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد» ([14]).

    وقال شعبة بن الحجاج: «إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد» ([15]).

    وقال: «كل شيء ليس في الحديث سمعت.. فهو خل أو بقل» ([16]).

    وقال سفيان بن سعيد الثوري: «الإسناد سلاح المؤمن.. فإذا لم يكن معه سلاح.. فبأي شيء يقاتل» ([17]).

    وقال -أيضًا-: «الإسناد زين الحديث، فمن اعتنى به.. فهو السعيد».

    وقال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: «وقد حدثني علي بن الحسن، قال: سمعت عبداللَّه -يعني: ابن المبارك- يقول: إذا ابتليت بالقضاء.. فعليك بالأثر، قال علي: فذكرته لأبي حمزة بن ميمون السكري، فقال: هل تدري ما الأثر؟ أن أحدثك بالشي فتعمل به، فيقال لك يوم القيامة: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمزة، فيجاء بي، فيقال: إن هذا يزعم أنك أمرته بكذا وكذا.. فإن قلت: نعم خلي عنك، ويقال لي: من أين قلت هذا، فأقول: قال لي الأعمش، فيسأل الأعمش، فإذا قال: نعم.. خلي عني، ويقال للأعمش: من أين قلت؟ فيقول: قال لي إبراهيم، فيسأل إبراهيم، فإن قال: نعم.. خلي عن الأعمش، وأخذ إبراهيم، فيقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي علقمة، فيسأل علقمة، فإذا قال: نعم.. خلي عن إبراهيم، ويقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي عبداللَّه بن مسعود، فيسأل عبداللَّه، فإن قال: نعم.. خلي عن علقمة، ويقال لابن مسعود: من أين قلت، قال: فيقول: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فيسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن قال: نعم.. خلي عن ابن مسعود، فيقال للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: قال لي جبريل حتى ينتهي إلى الرب -تبارك وتعالى-.. فهذا الأثر.

    فالأمر جد غير هزل، إذ كان يشفي على جنة أو نار ليس بينهما هناك منزل، وليعلم أحدكم أنه مسؤول عن دينه وعن أخذه حله وحرامه.. كالذي حدثني أشهل بن حاتم، عن ابن عون، عن محمد، قال: إن هذا العلم دين.. فلينظر أمرؤ ممن يأخذ دينه» ([18]).

    وقال بقية بن الوليد: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث، فقال: «ما أجودها لو كان لها أجنحة».. يعني: إسنادًا([19]).

    وقال مالك بن أنس: «إن هذا العلم هو لحمك ودمك، وعنه تسأل يوم القيامة، فانظر عمن تأخذه» ([20]).

    وقال -أيضًا- في تفسير قوله -تعالى-: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44]: «هو قول الرجل: حدثني أبي عن جدي».

    وقال عبداللَّه بن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد.. لقال من شاء ما شاء» ([21]).

    وقال -أيضًا-: «مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد.. كمثل الذي يرقى السطح بلا سلم» ([22]).

    وعنه -أيضًا-: «بيننا وبين القوم القوائم».. يعني: الإسناد ([23]).

    وقال -أيضًا- عن حديث: «إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي» (4).

    وعن علي بن الحسين بن واقد، قال: ذهب رجل بجزء من أجزاء تفسير مقاتل إلى عبداللَّه بن المبارك، فأخذه عبداللَّه منه، وقال: دعه، فلما ذهب يسترده، قال: يا أبا عبدالرحمن! كيف رأيت؟ قال: «يا له من علم لو كان له إسناد» ([24]) (5).

    ولقد حمل أصحاب الحديث يومًا على سفيان بن عيينة، فصعد فوق غرفة، فقال له أخوه: أتريد أن يتفرقوا عنك؟ حدثهم بغير إسناد، فقال: «انظروا إلى هذا يأمرني أن أصعد فوق البيت بغير درجة» ([25]).

    وقال صالح بن أحمد: يعني: «أن الحديث بلا إسناد ليس بشيء، وإن الإسناد درج المتون، به يوصل إليها» (3).

    وقال يزيد بن زريع: «لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد» ([26]).

    وكان بهز بن أسد يقول -إذا ذكر له الإسناد الصحيح-: «هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض، وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء، قال: هذا فيه عهدة، ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحده، لم يستطع أخذها منه.. إلا بشاهدين عدلين.. فدين اللَّه أحق أن يؤخذ فيه بالعدول» ([27]).

    وقال محمد بن إدريس الشافعي: « مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد.. كمثل حاطب ليل، [يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى، وهو لا يدري]» ([28]).

    وكان عبداللَّه بن طاهر إذا سأل إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن حديث.. فذكره له بغير إسناد.. سأل عن إسناده، ويقول:

    «رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزَّمْنى، فإن إسناد الحديث كرامة اللَّه -عز وجل- لأمة محمد» ([29]).

    والزمنى: المرضى.

    وقال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل: «طلب إسناد العلو من السنة» ([30]).

    وقال -أيضًا-: «طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف» ([31]).

    وقال محمد بن أسلم الطوسي: «قرب الإسناد قرب أو قربة إلى اللَّه -تعالى-» ([32]).

    وقال الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي: «لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق اللَّه آدم أمة يحفظون آثار نبيهم، وأنساب [سلفهم]([33]) مثل هذه الأمة» ([34]).

    وقال -أيضًا-: «لم يكن في أمة من الأمم أمة يحفظون آثار نبيهم غير هذه الأمة، فقيل له: ربما رووا حديثاً لا أصل له؟ قال علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم» ([35]).

    وقال الحاكم أبو عبداللَّه محمد بن عبداللَّه النيسابوري: «طلب الإسناد العالي سنة صحيحة» ([36]).

    وقال -أيضًا-: «فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه.. لدرس منار الإسلام، وتمكن أهل الإلحاد والبدعة منه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترًا» ([37]).

    قال ابن الجوزي: «أما بعد.. فإن اللَّه -عز وجل- خص أمتنا بحفظ القرآن والعلم، وقد كان من قبلنا يقرأون كتبهم من الصحف، ولا يقدرون على الحفظ، فلما جاء عزير، فقرأ التوراة من حفظه، قالوا: هذا ابن اللَّه.
    ______________________
    ([1]) «الكفاية في علم الرواية» (ص 93).
    ([2]) «تهذيب التهذيب» (5/ 175).
    ([3]) «المجروحين» (2/ 14-15).
    ([4]) «الجرح والتعديل» (5/ ترجمة 102).
    ([5]) «ميزان الاعتدال» (2/ 433).
    ([6]) «الجرح والعديل» (9/ ترجمة 550).
    ([7]) المصدر السابق، وانظر: «الكامل في الضعفاء» (7/ 2644).
    ([8]) «لسان الميزان» (1/ 469).
    ([9]) المصدر السابق (5/ 69).
    ([10]) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 15)، وابن حبان في «المجروحين» (1/ 22)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» (ص 415).
    ([11]) رواه مسلم في «مقدمة صحيحه» (1/ 84 - شرح النووي)، وابن حبان في «المجروحين» (1/ 22).
    ([12]) انظر: «فتح المغيث» (3/ 3)، و«تدريب الراوي» (2/ 160).
    ([13]) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 16).
    ([14]) «التمهيد» (1/ 57).
    ([15]) المصدر السابق.
    ([16]) رواه ابن عدي في «الكامل» (1/ 48)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص 517)، والخطيب في «الكفاية» (ص 283).
    ([17]) انظر: «فتح المغيث» (3/ 3).
    ([18]) «أحوال الرجال» للجوزجاني (ص 210 - 211).
    ([19]) ذكره القسطلاني في «شرح المواهب اللدنية» (5/ 303).
    ([20]) رواه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص 416).
    ([21]) رواه مسلم في «مقدمة صحيحه» (1/ 87 - شرح النووي)، والترمذي في «العلل» المطبوع آخر «السنن» (4/ 388 - تحفة الأحوذي)، وابن أبي حاتم في «الجرح» (2/ 16)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (6/ 166)، وابن حبان في «المجروحين» (1/ 18)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص 209)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص 6)، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ص 1054)، وابن الصلاح في «المقدمة» (ص 215)، والسخاوي في «شرح الألفية» (ص 335)، والسيوطي في «تدريب الراوي» (ص 359)، وذكره السبكي في «طبقات الشافعية» (1/ 187).
    ولقد عزاه الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه: «بحوث في تاريخ السنة المشرفة» (ص 4) إلى محمد بن سيرين، وقلده عطية الجبوري في كتابه: «مباحث في تدوين السنة المطهرة» (ص 96).
    ([22])، و(3) رواه الخطيب في «الكفاية» (ص 393)، وانظر «طبقات الشافعية» (1/ 167)، و«تدريب الراوي» (2/ 160).
    (4) رواهما مسلم في «مقدمة صحيحه» (1/ 88 - شرح النووي).
    (5) «تاريخ بغداد» (13/ 161).
    ([25]) رواهما الخطيب في «الكفاية» (ص 393).
    ([26]) ذكره السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (1/ 167).
    ([27]) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 16)، والسمعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» (ص 55).
    ([28]) ذكره القسطلاني في «شرح المواهب» (5/ 393)، وما بين المعقوفين من «فيض القدير» (ص 433).
    ([29]) ذكره السخاوي في «فتح المغيث» (3/ 4)، والقسطلاني في «شرح المواهب» (5/ 393).
    ([30]) رواه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1/ 123).
    ([31]) المصدر السابق، وانظر: «فتح المغيث» (3/ 4)، و«التقييد والإيضاح» (ص 216).
    ([32]) رواه الخطيب في «الجامع» (1/ 123)، وانظر: «قواعد التحديث» (ص 186).
    ([33]) في «شرح المواهب اللدنية»، و«الأجوبة الفاضلة»: «خلفهم»، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب.
    ([34]) رواه ابن عساكر في «تاريخه».. كما في «شرح المواهب» (5/ 394)، وانظر: «فتح المغيث» (3/3)، و«الأجوبة الفاضلة» (ص 24)، و«فيض القدير» (1/ 424).
    ([35]) انظر ما سبق.
    ([36]) «معرفة علوم الحديث» (ص 6).
    ([37]) المصدر السابق.


  • #2
    فكيف نقوم .. نحن معشر المسلمين .. بشكر من خوَّلنا أن ابن سبع سنين منا يقرأ القرآن عن ظهر قلب.

    ثم ليس في الأمم ممن ينقل عن نبيه أقواله وأفعاله على وجه يحصل به الثقة إلا نحن، فإنه يروي الحديث منا خالف عن سالف، وينظرون في ثقة الراوي إلى أن يصل الأمر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وسائر الأمم يروون ما يذكرونه عن صحيفة، لا يدرى من كتبها، ولا يعرف من نقلها.

    وهذه المنحة العظيمة نفتقر إلى حفظها، وحفظها بدوام الدراسة .. ليبقى المحفوظ، وقد كان خلق كثير من سلفنا يحفظون الكثير من الأمر -كذا، وصوابه: من العلم-، فآل الأمر إلى أقوام يفرون من الإعادة ميلاً إلى الكسل، فإذا احتاج أحدهم إلى محفوظ لم يقدر عليه!»([1]).

    وقال ابن حزم: «نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، خص اللَّه به المسلمين دون سائر الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًا جديدًا على قديم الدهور، يرحل في طلبه إلى الآفاق البعيدة من لا يحصي عددهم إلا خالقهم، يواظب على تقييده من كان الناقل قريبًا منه.

    قد تولى اللَّه حفظه عليهم، والحمد للَّه رب العالمين، ولا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها، في شيء من النقل إلا وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم كلمة موضوعة، وللَّه تعالى الشكر.

    وأما مع الإرسال والإعضال.. فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى -عليه الصلاة والسلام- قربنا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، في أزيد من ألف وخمس مئة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه.
    وأما النصارى.. فليس عندهم من صفة هذا النقل بالطريق المشتملة على كذاب، أو مجهول العين، فكثير في نقل اليهود والنصارى.

    وأما أقوال الصحابة والتابعين -رضي اللَّه عنهم-.. فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلاً، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص»([2]).

    وقال أبو بكر محمد بن أحمد: «بلغني أن اللَّه خص هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يعطها من قبلها من الأمم: الإسناد، والأنساب، والإعراب»([3]).

    وقال أبو بكر بن العربي: «واللَّه أكرم هذه الأمة بالإسناد لم يعطه لأحد غيرها، فاحذروا أن تسلكوا مسلك اليهود والنصارى، فتحدثوا بغير إسناد، فتكونوا سالبين نعمة اللَّه عن أنفسكم، مطرقين للتهمة إليكم، وخافضين لمنزلتهم، مشتركين مع قوم لعنهم اللَّه وغضب عليهم، وراكبين لسنتهم»([4]).

    وقال أبو عمرو ابن الصلاح: «أصل الإسناد أولاً خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة»([5]).

    وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية: «وعلم الإسناد والرواية مما خص اللَّه به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سلمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم اللَّه عليه المنة أهل الإسلام والسنة، يفرقون به الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم.

    وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل»([6]).

    وقال -أيضًا-: «والإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة، والرافضة أقل عناية به، إذ لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم، وعلامة كذبه أنه يخالف أهواءهم، ولهذا قال عبدالرحمن بن مهدي: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم»، وأهل البدع سلكوا طريقًا أخرى ابتدعوها واعتمدوها، ولا يذكرون الحديث، بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا الاعتماد»([7]).

    وقال الحسين بن محمد بن عبداللَّه الطيبي: «الإسناد خصيصة من خصائص هذه الأمة، وسنة من السنن البالغة، وطلب العلو فيه سنة -أيضًا-، ولذلك استحبت الرحلة وعلوه ببعد من الخلل والمتطرق إلى كل راو»([8]).

    وقال أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -في معرض الكلام على إبليس، وهل كان من الملائكة أم لا؟:

    «وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل.. لينظر فيها واللَّه أعلم بحال كثير منها، ومنها ما يقطع بكذبه.. لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة.. لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين، والذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من العلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، ومن الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروا وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي، خاتم الرسل، وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس فيه، فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم، وجعل جنة الفردوس مأواهم، وقد فعل»([9]).

    وقال أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني: «الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة»([10]).

    وقال ابن حجر الهيتمي: «لكون الإسناد يعلم به الموضوع من غيره.. كانت معرفته من فروض الكفاية»([11]).

    وقال علي القاري: «أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية، وطلب العلو أمرٌ مطلوب، وشأن مرغوب»([12]).

    وقال عبدالرؤوف المناوي: «وقد أكرم اللَّه هذه الأمة بالإسناد، وجعله من خصوصياتها من بين العباد، وألهمهم شدة البحث ذلك، حتى أن الواحد يكتب الحديث من ثلاثين وجهًا.. فأكثر»([13]).

    وقال أبو الحسنات محمد بن عبدالحي اللكنوي: «الإسناد مطلوب في الدين، قد رغبت إليه أئمة الشرع المتين، وجعلوه من خصائص أمة سيد المرسلين، وحكموا عليه بكونه سنة من سنن الدين»([14]).

    وقال -أيضًا- بعد ذكر بعض أقوال الأئمة في أن الإسناد من الدين: «فهذه العبارات بصراحتها أو بإشارتها تدل على أنه لا بد من الإسناد في كل أمر من أمور الدين، وعليه الاعتماد أعم من أن يكون ذلك الأمر من قبيل الأخبار النبوية، أو الأحكام الشرعية، أو المناقب والفضائل، والمغازي والسير والفواضل، وغير ذلك من الأمور التي لها تعلق بالدين المتين والشرع المتين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكد بالإسناد، لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخير»([15]).

    وقال محمد بن حاتم بن المظفر:

    «إن اللَّه -تعالى- قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول.. إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات.

    وهذه الأمة الشريفة -زادها اللَّه شرفًا بنبيها- إنما تنقل الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة، عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه، ويعدوه عدًّا.
    فهذا من أفضل نعم اللَّه -تعالى- على هذه الأمة، فنستوزع اللَّه شكر هذه النعمة وغيرها من نعمة، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب إليه، ويزلف لديه، ويمسكنا بطاعته.. إنه ولي حميد»([16]).

    وقال أبو سعيد السمعاني: «وألفاظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا بد لها من النقل، ولا نعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة عن الثقة، والعدل عن العدل»([17]).

    وقال أبو سعيد الحداد:

    «الإسناد مثل الدرج ومثل المراقي.. فإذا زلت رجلك من المرقاة سقطت والرأي مثل المرج»([18]).

    وقال بعض أهل العلم في صدر ثبت له: «وكفى الراوي المنتظم في هذه السلسلة شرفًا وفضلاً، وجلالة ونبلاً: أن يكون اسمه منتظمًا مع اسم المصطفى في طرس واحد على رغم أنف الحاسد المعاند، وبقاء سلسلة الإسناد من شرف هذه الأمة المحمدية، واتصالها بنبيها خصوصية لها بين البرية»([19]).

    وقال بعض العلماء:

    كل الكلام سوى القرآن مشغلة
    إلا الحديث وإلا الفقه في الدين



    والعلم متبع ما كان حدثنا
    وما سوى ذاك وسواس الشياطين ([20])



    وقال بعضهم في فضل الإسناد:

    ومن بطون كراديس روايتهم
    لو ناظروا باقلاً يومًا لما غلبوا
    والعلم إن فاته إسناد مسنده
    كالبيت ليس له سقف ولا طنب ([21])


    قال الشيخ مصطفى صبري: «الطريقة المتبعة في الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية: أفضل طريق وأعلاها، لا تدانيها في دقتها وسموها أي طريقة علمية غربيَّة اتبعت في توثيق الروايات، ففي «صحيح البخاري» -مثلاً-: ألفان وست مئة واثنان من الأحاديث المسندة، سوى المكررة.. انتقاها البخاري من مئة ألف حديث صحيح يحفظها، وفيه قريب من ألفي راو، اختارهم من نيف وثلاثين ألفًا من الرواة الثقات الذين يعرفهم.

    وكتاب البخاري البالغ أربع مجلدات كبيرة، يبقى بعد حذف أسانيده على حجم واحد متوسط الحجم.

    فهل سمعتم وسمعت الدنيا أن كتاب تاريخ في هذا الحجم، يروى ما فيه سماعًا من ألفي رجل ثقة، يعرفهم المؤلف وغيره من أهل العلم، بأسمائهم وأوصافهم، على أن تكون كل جملة معينة من الكتاب، مؤلفة من سطر أو أكثر أو أقل تقريبًا، سمعها فلان، وهو من فلان، إلى أن اتصل .. الإسناد والسماع .. بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقام لكل سطر من سطور الكتاب تقريبًا شهود من الرواة يتحملون مسؤولية روايته»([22]).

    قال الشيخ عبدالرحمن المعلمي: «الإنسان يفتقر في دينه ودنياه إلى معلومات كثيرة، لا سبيل له إليها إلا بالإخبار، وإذا كان يقع في الأخبار الحق والباطل، والصدق والكذب، والصواب والخطأ، فهو مضطر إلى تمييز ذلك.

    وقد هيأ اللَّه -تبارك وتعالى- لنا سلف صدق، حفظوا لنا جميع ما نحتاج إليه من الأخبار، في تفسير كتاب ربنا -عز وجل-، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وآثار أصحابه، وقضايا القضاة، وفتاوى الفقهاء، واللغة وآدابها، والشعر، والتاريخ، وغير ذلك.

    والتزموا وألزموا من بعدهم سوق تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوال الرواة التي تساعد على نقد أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا، وتفقدوا أحوال الرواة، وقضوا على كل راو بما يستحقه، فميزوا من يجب الاحتجاج بخبره ولو انفرد، ومن لا يجب الاحتجاج به إلا إذا اعتضد، ومن لا يحتج به، ولكن يستشهد، ومن يعتمد عليه في حال دون أخرى، وما دون ذلك من متساهل ومغفل وكذاب.

    وعمدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخلصوا لنا منها ما ضمنوه كتب الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة، وقد عرفوا بسعة علمهم ودقة فهمهم: ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها، وبينوا خللها، وضمنوها كتب العلل.

    وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة، فلم ينقل أفاضلهم منها إلا ما احتاجوا إلى ذكره، للدلالة على كذب راويه أو وهنه، ومن تسامح من متأخريهم، فروى كل ما سمع، فقد بين ذلك، ووكل الناس إلى النقد الذي قد مهدت قواعده، ونصبت معالمه، فبحق قال المستشرق المحقق مرجليوث: «ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم»([23]).

    قال مقيده أبو أسامة الهلالي عفا اللَّه عنه:

    هذه الكلمات الغاليات المنقولة عن أمناء الملة وحراس الشريعة، بينت منزلة الإسناد من الدين، ورفعت شأنه في كل الميادين.

    قال الخطيب البغدادي: «الأحاديث المسندات إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي أصل الشريعة، ومنها تستفاد الأحكام، وما اتصل منها سنده، وثبتت عدالة رجاله، فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجب، والعمل به لازم، والراد له آثم»([24]).

    وقال الإمام الشاطبي: «... فلذلك جعلوا الإسناد من الدين، ولا يعنون: «حدثني فلان عن فلان» مجردًا، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم، حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح، ولا عن متهم، ولا عمن لا تحصل الثقة بروايته.. لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة: أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم.. ليعتمد عليه في الشريعة، وتسند إليه الأحكام»([25]).

    فروع:

    الأول: الإسناد في الإسلام من خصائص أهل السنة والجماعة السلف الصالح.

    كما امتازت أمة الإسلام بالإسناد دون الأمم.. امتاز أهل السنة والجماعة السلف الصالح بالدقة في الإسناد والتثبت في الرواية دون أهل البدع والأهواء، إذ أصرح ما يستدل به أهل البدع والأهواء على بدعهم ما ليس له أصل وإن أسند.. فهو مما لا يصح، وإنما هي منقطعات، أو معضلات، أو مراسيل، وأما ما صح.. فليس فيه حجة من حيث الدلالة على بدعهم وباطلهم.

    قال أبو نصر بن سلام: «ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده»([26]).

    ولذلك كان الاهتمام الكبير بالإسناد من فضائل أهل الحديث والأثر، ولم يكن لدى الروافض اهتمام بالإسناد، فهم يقولون: «إن أحاديثنا كلها قطعية الصدور عن المعصوم، وما كان كذلك.. فلا يحتاج إلى ملاحظة سنده»([27]).

    وقالوا -أيضًا-: «ولما كان الإمام معصومًا عند الإمامية، فلا مجال للشك فيما يقول»([28]).

    وقالوا: «إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة، دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. كما هو الحال عند أهل السنة»([29]).

    قلت: هذا من جهلهم أو خبثهم أو تلاعب الشيطان بهم -وقد تجتمع-.. لأن مناط الرواية ليس الشك في قول المعصوم صلى الله عليه وسلم، وإنما في إثبات أن هذا القول قوله.. فإذا كان هذا شأن أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. فما بالك فيما هو دونها باتفاق على فرض صحة القول بعصمة أئمة الإمامية، وهو في الحقيقة كذب على الأئمة.. لأنه الأئمة أنفسهم لم يدعوا العصمة لأنفسهم!

    الثاني: إن كنت ناقلاً.. فالصحة، أو مدعيًا.. فالدليل.

    منزلة الإسناد من الدين جعلت أئمة الإسلام أن لا يعطوا الاعتبار للقول.. إلا إذا كان راويه الثقة العدل الضابط قد سمعه من قائله، أو لديه سند متصل إلى قائله، وإن لم يكن كذلك.. فهو منقطع، أو معضل، أو مرسل، وقد منع الأخذ به جماهير أهل العلم المحققون، ولذلك قرروا القاعدة المشهورة في كتب البحث والمناظرة: «إن كنت ناقلاً.. فالصحة، وإن كنت مدعيًا.. فالدليل».

    ورحم اللَّه شيخ الإسلام القائل: «العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق، وما دونه باطل مزوق»([30]).

    الثالث: الأسانيد أنساب الكتب:

    لقد جعل سلفنا الصالح الإسناد من سنن العلم أيًّا كان هذا العلم: دينًا.. كعلم التفسير، والحديث، والفقه وأصوله، أو آلة العلم.. كعلم النحو واللغة، أو وسيلة تحفظ العلم وآلته.. كالكتب.

    ولذلك لم يأبهوا للكتب التي لم تثبت بنقل عدل ضابط عن مؤلفيها، وبهذا يطمئن طالب العلم إلى كتب السلف.. لأنها منقولة عنهم بأضبط طرق النقل والأمانة، وبأدق أنواع الاستيثاق والعناية.

    وهذا مما تميزت به كتب علماء الإسلام ومؤلفاتهم على مؤلفات غيرهم من الناس.

    ورحم اللَّه الحافظ ابن حجر العسقلاني القائل: «... وقد رأيت أن أبدأ الشرح بأسانيدي إلى الأصل بالسماع أو بالإجازة، وأن أسوقها على نمط مخترع، فإني سمعت بعض الفضلاء يقول: الأسانيد أنساب الكتب، فأحببت أن أسوق هذه الأسانيد مساق الأنساب»([31]).

    الرابع: تلقي العلم من أفواه العلماء، وليس من الصحف:

    إن من اقتصر على الأخذ عن الكتب، ولم يسمع العلم من أفواه العلماء، لا يأمن على نفسه أن يقع في التصحيف والتحريف.. لأن الصحفي رأس ماله صحفًا قرأها وأخبار لم يسمعها، ودفاتر لا يدري أصحيح ما كتب فيها أم لا، ولذلك لا يعتمد على الكتب فحسب.. إلا جاهل.

    قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي:

    ألا إن الحديث أجلُّ علم
    وأشرفُه: الأحاديثُ العوالي
    وأنفع كلّ نوع منه عندي
    وأحسنُه: الفوائد والأمالي
    وإنك لن ترى للعلم شيئًا
    يحقِّقُه كأفواه الرجال
    فكن يا صاح ذا حرص عليه
    وخذه عن الرجال بلا ملال
    ولا تأخذه من صحف فترمى
    من التصحيف بالدَّاء العضال ([32])



    الخامس: الحق المبين في بيان أن الإسناد من الدين:

    قال اللكنوي: «ويشهد له حديث: «خير القرون([33]) قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب».

    أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما([34]).

    وحديث: «سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم.. فإياكم وإياهم».

    وحديث: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم.. فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم».

    وأثر عبداللَّه بن عمرو: «إن في البحر شياطين مسجونة، أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنًا».

    وأثر عبداللَّه: «إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل.. فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيفترقون فيقول الرجل منهم: سمعت رجلاً أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه يحدث».

    أخرجها مسلم في «صحيحه»([35]).

    وغير ذلك من الأخبار المعروفة والآثار المأثورة»([36]).

    ______________________________________

    ([1]) «الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ» (ص 23).
    ([2]) «الفصل في الملل والنحل» (2/ 81-84).
    ([3]) «شرح المواهب اللدنية» (5/ 393)، و«فتح المغيث» (3/ 2).
    ([4]) نقله الكتاني في «فهرس الفهارس» (1/ 80).
    ([5]) «مقدمة ابن الصلاح» (ص 215).
    ([6]) «مجموع الفتاوى الكبرى» (1/ 9).
    ([7]) «منهاج السنة النبوية» (7/ 37).
    ([8]) «الخلاصة في أصول الحديث» (ص 53).
    ([9]) «تفسير ابن كثير» (5/ 65 - طبعة دار الشعب).
    ([10]) «شرح المواهب» (5/ 393).
    ([11]) «فهرس الفهارس» (1/ 70)، و«مرقاة المفاتيح» (1 / 218).
    ([12]) «شرح شرح النخبة» (ص 194).
    ([13]) «فيض القدير» (1/ 434).
    ([14]) «الأجوبة الفاضلة» (ص21).
    ([15]) المرجع السابق (ص 27).
    ([16]) «شرح المواهب» (5/394)، و«فتح المغيث» (3/4)، و«توضيح الأفكار» (2/400).

    راجع: الإسناد من الدين ..

    تعليق


    • #3
      [align=right]أكرم الله الكاتب والناقل ..

      ومما ينبغي أن يُضم إلى هذا أيضـًا .. أننا أمة الاستدلال الصحيح أيضــًا ..

      فكما أن الله خص المسلمين بالتثبت من الأخبار ، خصهم أيضـًا بقواعد الاستدلال المتينة ..

      فمن طالع كتب أصول الفقه والقواعد الفقهية .. وتتبع الفقهاء والعلماء في استنباطهم من النصوص .. علم أن الاستدلال الصحيح وقواعده من خصائص هذه الأمة المرحومة أيضـًا بفضل الله ..

      ومن تتبع ما يماثل هذا فيما بأيدي أهل الكتاب ، علم أنه لا يبلغون عشر معشار المسلمين في هذا .. بل أكثر ما عندهم هم عالة فيه على المسلمين ..

      فما من أمة تتبعت قواعد الاستنباط والاستدلال ، وضبطت هذا أشد الضبط ، كما فعل المسلمون .. ولذلك - بفضل الله - لا تتجارى بهم الأهواء ، ولا يعدو بهم الشطط ..

      وأما أهل الكتاب ، لا سيما النصارى - أمة الضلال - فلما عُدموا هذه القواعد المتينة ، صاروا يعيرون المسلمين بانشغالهم بضبط قواعد الاستدلال ، ويقولون لنا : أنتم تهتمون بالحرف لا بالروح .. وما علم المساكين أن روح النص لا سبيل إليه إلا بضبط اللفظ أولاً ( بالتثبت من الخبر ) ثم بضبط معناه في لغة المتكلم ثانيـًا ( وهذه مهمة قواعد الاستدلال ) ..

      ولذلك ترى أهل الكتاب في اختلافهم المذهبي يذهبون كل مذهب ، ويشتطون أبلغ الشطط .. وكل منهم يهرف بما لا يعرف .. إذ لا يرجعون إلى أصول متفق عليها أو قواعد معتمدة .. وإنما كلما عنَّ لأحدهم شيئـًا قاله بل جعله أصلاً وقاعدة ، ولا عليه لو نقضها .. ولو بعد بضعة أسطر !!

      والعلم ما قام عليه الدليل ..

      والدليل خبر صحيح واستدلال صريح ..

      وكم سمعنا من علمائنا - ينصحوننا رضي الله عنهم - أن طالب العلم كالطائر له جناحان :
      أولهما : الخبر الصحيح : ولا سبيل إليه إلا بمصطلح الحديث والعلوم التي تعين على التثبت من الأخبار ..
      والآخر : الاستدلال الصريح : ولا سبيل إليه إلا بأصول الفقه والقواعد الفقهية وقواعد الاستدلال المتينة التي تضبط الاستنباط من النصوص ..

      ومقصودي هنا : أنه كما للمسلم أن يفخر بمصطلح الحديث وما يتبعه من قواعد ثبوت الخبر .. فللمسلم أيضـًا أن يفخر بأصول الفقه وما يتبعه من قواعد الاستدلال من النصوص ..

      والحمد لله على نعمه الجليلة .. وفقنا الله لشكرها والقيام بحقها .
      [/CENTER]

      تعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة متعلم
        [align=right]أكرم الله الكاتب والناقل ..

        ومما ينبغي أن يُضم إلى هذا أيضـًا .. أننا أمة الاستدلال الصحيح أيضــًا ..

        فكما أن الله خص المسلمين بالتثبت من الأخبار ، خصهم أيضـًا بقواعد الاستدلال المتينة ..

        فمن طالع كتب أصول الفقه والقواعد الفقهية .. وتتبع الفقهاء والعلماء في استنباطهم من النصوص .. علم أن الاستدلال الصحيح وقواعده من خصائص هذه الأمة المرحومة أيضـًا بفضل الله ..

        ومن تتبع ما يماثل هذا فيما بأيدي أهل الكتاب ، علم أنه لا يبلغون عشر معشار المسلمين في هذا .. بل أكثر ما عندهم هم عالة فيه على المسلمين ..

        فما من أمة تتبعت قواعد الاستنباط والاستدلال ، وضبطت هذا أشد الضبط ، كما فعل المسلمون .. ولذلك - بفضل الله - لا تتجارى بهم الأهواء ، ولا يعدو بهم الشطط ..

        وأما أهل الكتاب ، لا سيما النصارى - أمة الضلال - فلما عُدموا هذه القواعد المتينة ، صاروا يعيرون المسلمين بانشغالهم بضبط قواعد الاستدلال ، ويقولون لنا : أنتم تهتمون بالحرف لا بالروح .. وما علم المساكين أن روح النص لا سبيل إليه إلا بضبط اللفظ أولاً ( بالتثبت من الخبر ) ثم بضبط معناه في لغة المتكلم ثانيـًا ( وهذه مهمة قواعد الاستدلال ) ..

        ولذلك ترى أهل الكتاب في اختلافهم المذهبي يذهبون كل مذهب ، ويشتطون أبلغ الشطط .. وكل منهم يهرف بما لا يعرف .. إذ لا يرجعون إلى أصول متفق عليها أو قواعد معتمدة .. وإنما كلما عنَّ لأحدهم شيئـًا قاله بل جعله أصلاً وقاعدة ، ولا عليه لو نقضها .. ولو بعد بضعة أسطر !!

        والعلم ما قام عليه الدليل ..

        والدليل خبر صحيح واستدلال صريح ..

        وكم سمعنا من علمائنا - ينصحوننا رضي الله عنهم - أن طالب العلم كالطائر له جناحان :
        أولهما : الخبر الصحيح : ولا سبيل إليه إلا بمصطلح الحديث والعلوم التي تعين على التثبت من الأخبار ..
        والآخر : الاستدلال الصريح : ولا سبيل إليه إلا بأصول الفقه والقواعد الفقهية وقواعد الاستدلال المتينة التي تضبط الاستنباط من النصوص ..

        ومقصودي هنا : أنه كما للمسلم أن يفخر بمصطلح الحديث وما يتبعه من قواعد ثبوت الخبر .. فللمسلم أيضـًا أن يفخر بأصول الفقه وما يتبعه من قواعد الاستدلال من النصوص ..

        والحمد لله على نعمه الجليلة .. وفقنا الله لشكرها والقيام بحقها .
        [/CENTER]
        جزاكم الله خيراً أستاذنا متعلم ..

        ولولا أسانيد القراء .. حملة القرآن .. ولولا أسانيد المحدثين .. حملة الحديث .. ولولا فقه الفقهاء وعلومهم الذكية .. لكان ما كان ..

        ولكن الله حافظ على هذه الأمة الشريفة دينها إلى أن تقوم الساعة ..

        والحمد لله رب العالمين ..

        تعليق


        • #5
          السلام عليكم ورحمة الله

          موضوع قيم بحق

          فجزى الله خيراً كاتب المقال وناقله الأخ الكريم هشام

          وأما أهل الكتاب ، لا سيما النصارى - أمة الضلال - فلما عُدموا هذه القواعد المتينة ، صاروا يعيرون المسلمين بانشغالهم بضبط قواعد الاستدلال ، ويقولون لنا : أنتم تهتمون بالحرف لا بالروح .. وما علم المساكين أن روح النص لا سبيل إليه إلا بضبط اللفظ أولاً ( بالتثبت من الخبر ) ثم بضبط معناه في لغة المتكلم ثانيـًا ( وهذه مهمة قواعد الاستدلال ) ..
          الحمد لله على عظيم فضله وجزيل عطائه
          فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً
          شرح السيرة النبوية للشيخ حازم صلاح أبو إسماعيــــــــل.. أدلة وجود الله عز وجل ..هام لكل مسلم مُوَحِّد : 200 سؤال وجواب في العقيدة
          مـــاذا فعلتَ قبل تسجيلك الدخـول للمنتدى ؟؟.. ضيْفتنـــــــــــــــــــ ـــــــا المسيحية ، الحجاب والنقـاب ، حكـم إلـهي أخفاه عنكم القساوسة .. هـل نحتـاج الديـن لنكـون صالحيـن ؟؟
          لمــاذا محمد هو آخر الرسل للإنس والجــن ؟؟ .. حوار شامل حول أسماء الله الحسنى هل هي صحيحة أم خطـأ أم غير مفهـومـــة؟!.. بمنـاسبة شهر رمضان ..للنساء فقط فقط فقط
          إلى كـل مسيحـي : مـواقف ومشـاكل وحلـول .. الثــــــــــــــــــــــ ـــالوث وإلغــاء العقـــــــــــــــــــل .. عِلْـم الرّجــال عِند أمــة محمــد تحَـدٍّ مفتوح للمسيحيـــــة!.. الصلـوات التـي يجب على المرأة قضاؤهــا
          أختي الحبيبة التي تريد خلع نقابها لأجل الامتحانات إسمعـي((هنا)) ... مشيئـــــــــــــــــــــ ة الله ومشيئــــــــــــــــــــ ـة العبد ... كتاب هام للأستاذ ياسر جبر : الرد المخرِس على زكريا بطرس
          خدعوك فقالوا : حد الرجم وحشية وهمجية !...إنتبـه / خطـأ شائع يقع فيه المسلمون عند صلاة التراويـح...أفيقـوا / حقيقـة المؤامـرة هنـا أيها المُغَيَّبون الواهمون...هل يحق لكل مسلم "الاجتهاد" في النصوص؟
          الغــــــزو التنصيـــــــــري على قناة فتافيت (Fatafeat) ... أشهر الفنانين يعترفون بأن الفن حرام و"فلوسه حرام" ... المنتقبة يتم التحرش بها! الغربيون لا يتحرشون ! زعموا .

          أيهــا المتشكـــــــــــــــــــ ــــــــك أتحــــــــــــــــــــــ ــداك أن تقـــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــرأ هذا الموضــــــــــوع ثم تشك بعدها في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
          <<<مؤامرة في المزرعة السعيدة>>>.||..<<< تأمــــــــــــــــــــلا ت في آيـــــــــــــــــــــــ ــــــات >>>
          ((( حازم أبو إسماعيل و"إخراج الناس من الظلمات إلى النور" )))

          تعليق


          • #6
            حقاً لا أجد ما أقول سوى: الحمد لله على نعمة الإسلام و كفى بها نعمة.

            و للفائدة:

            http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=87179

            تعليق

            مواضيع ذات صلة

            تقليص

            المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
            أنشئ بواسطة د.أمير عبدالله, منذ 2 أسابيع
            ردود 0
            23 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة د.أمير عبدالله  
            أنشئ بواسطة د.أمير عبدالله, منذ 2 أسابيع
            ردود 0
            9 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة د.أمير عبدالله  
            أنشئ بواسطة باحث شرعي, 17 سبت, 2020, 07:40 م
            ردود 0
            10 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة باحث شرعي
            بواسطة باحث شرعي
             
            أنشئ بواسطة باحث شرعي, 13 سبت, 2020, 06:49 م
            ردود 0
            14 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة باحث شرعي
            بواسطة باحث شرعي
             
            أنشئ بواسطة باحث شرعي, 2 سبت, 2020, 12:27 م
            ردود 0
            12 مشاهدات
            0 معجبون
            آخر مشاركة باحث شرعي
            بواسطة باحث شرعي
             

            Unconfigured Ad Widget

            تقليص
            يعمل...
            X