السؤال الأول: هل كانت تنزل ملائكة أخرى غير جبريل عليه السلام بالوحي ؟
لقول الله تعالى:(ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون).
الجواب:

يبين الله من قوله تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون" انه ينزل بالوحي جبريل عليه السلام ومعه الحفظة، او الملائكة (الرَصَد) كما قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا" والرصد أن يرسل الله من أمام جبريل ومن خلفه حرساً وحفظة يحفظونه ، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبري عن ابن عباس قال: وما نزل جبريل عليه السلام بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة، وقال الضحاك : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه ، أن يتشبه الشيطان على صورة الملك"، فينزِّل الله الملائكة بالوحي مِن أمره على مَن يشاء من عباده المرسلين: بأن يخوِّفوا الناس من الشرك، وأنه لا معبود بحق إلا أنا الله، فاتقون بأداء فرائضي وإفرادي بالعبادة والإخلاص. ومثله كذلك قوله تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا"، وقوله تعالى "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق".

ويصح كذلك أن الله عز وجل يرسل من الملائكة رسلا بالوحي الى أنبيائه غير جبريل عليه السلام، وذلك بقوله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا " ويدل على ان الوحي قد ينزل على النبي بواسطة ملائكة غير جبريل عليه السلام، وإن كانوا معه، ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: " بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسلّم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته"، وهذا لا ينافي ان جبريل عليه السلام هو الموكل بالكتب والوحي إلى الأنبياء، وإن كان قد ينزل معه غيره من الملائكة، قال الله " نزل به الروح الأمين"، ، والفاتحة قد نزل بها جبريل عليه السلام مع بقية القرآن، والفاتحة مكية، بينما البقرة مدنية، فهذا من نزول التأكيد لما مضى، وبيان فضلهما.

كذلك فإن المراد بالروح هنا الوحي، والوحي غير منحصر في القران الكريم وحده، وكما ان الله يسمي ما ينزل به الملك روحا، فإنه تعالى يسمي كذلك الملك نفسه روحا ، فالروح الأمين (التي ينزل به جبريل عليه السلام) هي التي تنزل بالكتاب والوحي (القرآن الكريم وغير القران الكريم)، وهذه الروح التي أوحاها الله تعالى، والتي تنزل بها الملائكة على من يشاء من عباده، قد تنزل مع جبريل عليه السلام بالكتاب (رصدا كما بينا) أو تنزل كذلك بروح التأييد والنصر والهداية، وهذا كذلك من الوحي، ووحي التأييد والنصرة والهداية التي ينزل بها الملائكة تصح مع النبي وغير النبي من الصالحين، وقد أخبر الله بتنزل الملائكة على غير الرسل، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ"ـ، بخلاف وحي الكتاب والذي لا يكون إلا لنبي، والله يؤيد نبيه ورسوله بالروح التي ينزل بها الملك للنصر والتأييد والهداية والوحي، و بالروح الأمين التي ينزل بها روح القدس لوحي القرآن الكريم خاصة.

والله اعلم.