الخليفة المأمون المفترى عليه

تقليص

عن الكاتب

تقليص

المهندس زهدي جمال الدين مسلم معرفة المزيد عن المهندس زهدي جمال الدين
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الخليفة المأمون المفترى عليه

    الخليفة المأمون المفترى عليه

    الخليفة المأمون
    المفترى عليه
    دراسة أعدها لكم
    المهندس
    زهدي جمال الدين محمد
    وكان الفراغ منه في الأول من مارس عام 2021م
    نسخة مختصرة منقحة



    التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة منذ 2 أسابيع.

  • #2
    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	image.png 
مشاهدات:	6 
الحجم:	66.3 كيلوبايت 
الهوية:	826095




    توطئة
    صلة الماضي بالحاضر والمستقبل :

    .. بديهي أن بعض الأحداث التاريخية ، التي تمر بالأمة ، تؤثر تأثيرا مباشرا ، أو غير مباشر في واقعها ، إن حاضرا ، وإن مستقبلا .. بل وقد تؤثر في روح الأمة ، وعقلها ، وتفكيرها .. ومن ثم على مبادئها العامة ، التي قامت عليها قوانينها ونظمها ، التي تنظم لها مسيرتها ، وتهيمن على سلوكها .. فقد تقوي من دعائمها ، وتؤكد وجودها ، واستمرارها ، وقد تنسفها من أسسها ، إن كانت تلك المبادئ على درجة كبيرة من الضعف والوهن في ضمير الأمة ووجدانها .. وعلى صعيد العمل في المجال العملي العام ..
    فمثلا .. نلاحظ أن الاكتشافات الحديثة ، والتقدم التقني قد أثر أثرا لا ينكر حتى في عاطفة الإنسان ، التي يفرضها واقع التعايش .. وحتى في مواهبه وملكاته ، فضلا عن سلوكه ، وأسلوب حياته ..
    وحيث إن المبادئ الاجتماعية لم تكن على درجة من الرسوخ والقوة في ضمير الإنسان ووجدانه ، ولم تخرج عن المستوى الشكلي في حياته العملية ـ وإن انغرست في أعماق بعض أفراده أحيانا في دورات تاريخية قصيرة ـ نرى أنها بدورها قد تأثرت بذلك ، ونسفت او كادت من واقع هذه الأمة ، وعدمت أو كادت من دائرة حياتها .. وليكون البديل ـ من ثم ـ عنها لدى هذا الكائن هو « الذاتية » الكافرة بكل العواطف الاجتماعية ، والعوض عنها في نفسه هو المادة الجافة ، التي لا ترحم ولا ترثي ، ولا تلين ، لا يجد لذة العاطفة ، ولا حلاوة الرحمة ، وليعود الانسان ـ بعد لأي ـ متشائما حاقدا ، لا يثق بمستقبله ، ولا يأمن من يحيط به ، ولا يطمئن إلى أقرب الناس إليه ..
    وبطبيعة الحال ، سوف يتأثر النشء الجديد بذلك ، ثم ينتقل ذلك إلى الجيل الذي يليه .. وهكذا ..
    وهكذا .. فإن الحدث التاريخي الذي كان قبل ألف سنة مثلا ، أو أكثر قد نجد له آثارا بارزة ، حتى في واقع حياتنا التي نعيشها اليوم.وإذن .. فنستطيع أن نستخلص من هذا : أن الأحداث التاريخية مهما بعدت ، ومن أي نوع كانت تؤثر في وضع الأمة ، وفي تصرفاتها ، وفي حياتها ، وسلوكها على المدى الطويل .. وتتحكم ـ إلى حد ما ـ في مستقبلها. وان العامل التاريخي له أثر كبير في فرض المستوى الذي يعيشه المجتمع بالفعل ، سواء في ذلك الأدبي منه ، أو العلمي ، أو الديني ، أو السياسي ، أو الاقتصادي ، أو غير ذلك ..وغني عن القول هنا .. أن التأثر بالأحداث يختلف من أمة لأخرى ، ومن عصر لآخر ..

    لماذا كان تدوين التاريخ :
    ومن هنا تبرز أهمية التاريخ ، ونعرف أنه يلعب دورا كبيرا في حياة الأمم : مما يجعلنا لا نجد كثير عناء في الإجابة عن سؤال : لماذا عنيت الأمم على اختلافها بالتاريخ ، تدوينا ، ودرسا ، وبحثا. وتمحيصا؟!
    فان ذلك لم يكن إلا لأنها تريد أن تستفيد منه ، لتتعرف على واقعها الذي تعيشه ؛ لتستفيد من ذلك لمستقبلها الذي تقدم عليه .. ولتكتشف منه عوامل رقيها ، وانحطاطها ، ولتنطلق من ثم لبناء نفسها على أسس متينة وسليمة ..
    فمهمّة التاريخ إذن ـ تاريخ الأمة المدوّن ـ هي : أن يعكس بأمانة ودقة ما تمر به الأمة من أحوال وأوضاع ، وأزمات فكرية ، واقتصادية ، وظروف سياسية : واجتماعية ، وغير ذلك.
    ونحن .. هل نملك تاريخا؟!!
    ونحن أمة .. لكننا لا نملك تاريخا ـ وأقصد بذلك كتب التاريخ ـ نستطيع أن نستفيد منه الكثير في هذا المضمار ؛ لأن اكثر ما كتب لنا منه تتحكم فيه النظرة الضيقة ، والهوى المذهبي ، والتزلف للحكام.
    وأقصد بـ « النظرة الضيقة » : عملية ملاحظة الحدث منفصلا عن جذوره وأسبابه التي تلقي الضوء الكاشف على حقيقته وواقعه
    نعم .. إننا بمرارة ـ لا نملك تاريخا نستطيع أن نستفيد منه الكثير ؛ لأن المسيرة قد انحرفت ، والأهواء قد لعبت لعبتها وأثرت أثرها المقيت. البغيض ، حتى في تدوين التاريخ نفسه.
    وإنه لمما يدمي قلوبنا ، ويملأ نفوسنا أسى وألما ، أن نكون قد فقدنا تاريخنا ، ودفناه تحت ركام من الانانيات ، والعصبيات ، والأطماع الرخيصة ، حتى لم يبق منه سوى الرسوم الشوهاء ، والذكريات الشجية ..
    ومرة أخرى أقول : إن كل ما لدينا هو ـ فقط ـ تاريخ الحكام والسلاطين ، الذين تعاقبوا على كراسي الحكم. وحتى تاريخ الحكام هذا ، رأيناه مشوها ، وممسوخا ؛ حيث لم يستطع أن يعكس بأمانة وحيدة الصورة الحقيقية لحياة أولئك الحكام ، وأعمالهم وتصرفاتهم ؛ وما ذلك إلا لأن المؤرخين لم يكونوا أحرارا في كتابتهم للتاريخ. بل كانوا يؤرخون ويكتبون حسب ما يريده الحكام أنفسهم ، ويخدم مصالحهم .. إما رهبة من هؤلاء الحكام ، او رغبة ، او تعصبا لمذهب ، أو لغيره ..
    ومن هنا .. فليس من الغريب جدا أن نرى المؤرخ يعتني بأمور تافهة وحقيرة ؛ فيسهب القول في وصف مجلس شراب ، أو منادمة ، حتى لا يفوته شيء منه ، أو يختلق ويفتعل أحداثا لم يكن لها وجود إلا في عالم الخيالات والأوهام ، أو يتكلم عن أشخاص لم يكن لهم شأن يذكر ، بل قد لا يكون لهم وجود أصلا .. بينما نراه في نفس الوقت يهمل بالكلية شخصيات لها مكانتها ، وخطرها في التاريخ ، أو يحاول تجاهل الدور الذي لعبته فيه .. ويهمل أو يشوه أحداثا ذات أهمية كبرى ، صدرت من الحاكم نفسه ، أو من غيره ، ومن بينها ما كان له دور هام في حياة الأمة ، ومستقبلها ، وأثر كبير في تغيير مسيرة التاريخ ، أو يحيطها ـ لسبب أو لآخر ـ بستار من الكتمان ، والابهام.
    ومن تلك الأحداث ..
    وفي طليعة تلك الأحداث التي كان نصيبها ذلك من قبل الخليفة العباسي عبد الله المأمون!! ..
    والمتهم والمتهم بقتل كلا من أخيه محمد الأمين خليفة المسلمين والإمام على بن موسي الكاظم بن جعفر الصادق الإمام والثامن عند الإمامية الاثني عشرية، عمدا مع سبق الإصرار والترصد بالإضافة إلى جوره على أهل مصر والتنكيل ببطريكهم. هذا بخلاف تنكيله بالإمام أحمد بن حنبل وذلك فيما يعرف بمحنة خلق القرآن الكريم.
    هذه الأحداث الذي لم تكن عادية ، وطبيعية ، كسائر ما يجري وما يحدث ، والتي كان نصيبها من المؤرخين أن يتجاهلوها ، ويقللوا ما أمكنهم من اهميتها ، وخطرها ، وأن يحيطوا أسبابها ودوافعها ، وظروفها بستائر من الكتمان .. وعند ما كانت تواجههم الأسئلة حولها تراهم يرددون تلك التفسيرات التي أراد الحكام أن يفهموها للناس ، دون أن يكون من بينها ما يقنع ، أو ما يجدي ..
    إلا أننا مع ذلك ، لم نعدم في هذا الذي يسمى ، بـ « التاريخ » بعض الفلتات والشذرات المتفرقة هنا وهناك ، التي تلقي لنا ضوءا ، وتبعث فينا الرجاء والأمل بالوصول إلى الحقائق التي خشيها الحكام ؛ فقضوا عليها ـ بكل قسوة وشراسة ـ بالعدم ، والاندثار ..
    ولو فرض : أنه كان للمؤرخين القدامى العذر ـ إلى حد ما ـ في تجاهل هذه الأحداث ، والتقليل من أهميتها ، لظروف سياسية ، واجتماعية ، ومذهبية معينة ... فان من الغريب حقا أن نرى الباحثين اليوم ـ مع أنهم لا يعيشون تلك الظروف ، وينعمون بالحرية بمفهومها الواسع ـ يحاولون بدورهم تجاهلها ، والتقليل من أهميتها ، عن قصد أحيانا ، وعن غير قصد أخرى ، وإن كنا نستبعد هذا الشق الأخير ؛ إذ أننا نشك كثيرا في أن لا يسترعي أحداث غريبة كهذه من انتباههم ، وتلفت أنظارهم ..
    وأيا ما كان السبب في ذلك ، فان النتيجة لا تختلف ، ولا تتفاوت ؛ إذ انها كانت في الواقع الخارجي سلبية على كل حال.
    التعديل الأخير تم بواسطة د.أمير عبدالله; الساعة منذ 2 أسابيع.

    تعليق


    • #3
      مقدمة الدراسة
      عندما هممت بالدفاع عن الخليفة المأمون واجهتني إشكالية كبرى أجدها تعترض العقل بوجه عام ألا وهي:
      إذا تجذرت في العقل فكرة ما سوف تراه كالمغناطيس يجذب كل الظروف الداعمة لتأكيد تلك الفكرة ويهمل ويصد الحالات التي تثبت العكس..
      إذ أن العقل قادر على تشويه صورة الواقع ليصبح ملائما ومطابقا لوجهات نظره في الأشياء والأحداث والوقائع التاريخية، ومن ثم يجب علينا أن لا نغمت حق الشخصية التي نتناولها ونجعل الهوى هو المسيطر علينا..
      صعوبة مهمة المؤرخ
      والحق أنها مهمة صعبة أن تستكشف حقيقة الظالم من المظلوم، والغالب من المغلوب، والهادي والضال في هذه الدولة التي لعبت فيها الأقلام والألسنة دورًا عظيمًا، ولولا ما جنحنا إليه من الاطلاع على شتى المصادر، وقضينا في ذلك تمهيدًا طويلًا ودرسًا مملًّا مُتعبًا، فطالعنا أقوال الأحزاب المتضاربة، ووازنَّا بين كلمة هذا ودفاع ذاك لما كنا بالغين بعض ما بلغناه من إماطة اللثام عن بعض الحقائق التاريخية.
      ولقد اعتمدت في هذه الدراسة على أمهات الكتب وكثير من المراجع المشهورة عند أهل السنة والشيعة فانتقيت منها ما يتماشى مع طبيعة العقل وتسلسل الأحداث متجاوزا عن الإسهاب المخل ولقد اعتمدت على نقل النصوص بذاتها دون الإشارة إلى المرجع -إلا ما ندر- على أنني سوف أثبتها في نهاية الدراسة وذلك حتى لا أقطع تسلسل الأحداث على القارئ والذي يستطيع بسهولة تمييز النص الأصلي عن أسلوبي الكلامي. وقبل أن نبدأ في العرض والتحيل من المهم الوقوف على الحقائق التالية:


      أولاً: خطر نظام ولاية العهد وأثر البطانات

      لننظر نظرة عجلى في تاريخ هذا النظام لنقنع بما وصلت إليه بحوثنا، فنرى مثلًا أن مروان بن الحكم جعل ولاية العهد من بعده لابنه عبد الملك بن مروان، ثم من بعده لابنه عبد العزيز بن مروان، ومهما يكن الباعث لمروان على أن يجعل ولاية العهد لولدين من أولاده، فإن جُلَّ خلفاء بني أمية من بعده اتخذوا صنيعه سنة متبعة. سنرى في كلامنا عن العصر العباسي إلى أي مدًى كان خطر هذا النظام على حياة الدولة، أو على الأقل مبلغ ما فيه من ضعف لها، وإيذان باضمحلالها، واضطراب لحبلها.
      لم يكن هذا النظام شرًّا مستطيرًا وعاملًا كبيرًا من عوامل الضعف؛ إلاَّ لما يستلزمه من نكث العهد، ثم من انشقاق البيت المالك على نفسه، وترك المجال واسعًا لوشايات تسعى بها بطانات السوء ممن نرجو أن نصوِّر مثَلهم ومثَل صنيعهم السيئ ومثَل خطرهم على الدولة، حين نعرض للكلام عن عصر المأمون وما شجر بين الأخوين من خلاف، أو ما أذكته البطانة بينهما من خلاف — هذه البطانة ترقب دائمًا انشقاق البيت المالك، أو ما هو مُركَّب في الطبيعة البشرية وولاة العهد من ترقُّب لتسلُّم مقاليد الأمور، وتعجل للذة الحكم والسلطان، فتستغله لتقضي مآربها، وتستمتع بأطماعها، وسرعان ما تجد الفرصة سانحة لها، ومواتية لأطماعها إذا صار الأمر إلى ولي العهد الأول الذي حاول ما هو طبعي من خلْع من أُشرك معه في ولاية العهد؛ إما كراهية له، أو إيثارًا لغيره عليه ممن هم أمسُّ منه رحمًا، وأقرب مودة.
      نعم، قد يجد ولي العهد كثيرين من الناصحين الذين يستنكرون الخلع، بيد أنه لا يعدم أيضًا كثيرين ممن هواهم مع غير هذا الذي يراد خلعه يُزيِّنون له ما يحاول، حتى إذا صار الأمر إلى مَن أريد خلعه كافأ كلًّا من الفريقين بما يستحق — وكان أحيانًا يُفتَك بكثير من ذوي البلاء الحسن في تشييد الملك؛ وهذا الفتك على ما فيه من خسارة قوم من ذوي الرأي والتجارب قد كان يبذر في قلوب أنصارهم وعشائرهم بذور الحقد وحب الانتقام — وبذلك صار بنو أمية يفقدون العشائر عشيرة بعد عشيرة، وأخذ ظلُّ سلطانهم على النفوس ينحسر شيئًا فشيئًا، حتى إذا قام لهم منافس عظيم لم يجدوا لديهم من القوة والكفايات والأنصار ما يستطيعون به التغلب عليه.

      تعليق


      • #4
        ثانياً: التكلم عن البيعة

        والآن ونحن نقترب من عصر المأمون علينا أن نتحدث إليك عن أكبر أغلاط الرشيد، وأبعدها أثرًا في حياته وفي الدولة العباسية، بل في حياة المسلمين السياسية بوجه عام، وهي بيعته بولاية العهد الثلاثية لأبنائه: الأمين والمأمون والقاسم. ورأينا في هذا النوع من احتياط الخلفاء لأنفسهم ولأبنائهم، وما كان له من الأثر السيئ في حياة القصور خاصة، وفي السياسة عامة، ولا سيما البيعة بولاية العهد لأكثر من واحد، فقد كان ذلك ينشئ بطانات مختلفة، ويُكوِّن أحزابًا لا تلتفُّ حول مبدأ أو فكرة، وإنما تلتف حول الأشخاص والمنافع التي تُنتظر منهم.
        وهذه البطانات والأحزاب تتنافس في القصر، فتفسد على الخليفة والأمراء حياتهم الخاصة، وتقطع ما بينهم من صلات كان يجب أن تُرعى حرمتُها، كما أنها تتنافس خارج القصر، فتفسد على الدولة سياستها العامة فتصرفها عن مرافقها الداخلية، كما تصرفها عن الاحتياط لحماية الثغور والاحتفاظ بمهابتها الخارجية.
        ومع أن هذا النوع من البيعة بولاية العهد الثنائية أو الثلاثية سُنَّة أُموية آتت ثمرها الخبيث، وجرَّت على الأمويين أنواع الوبال فمزقتهم وأضاعت ملكهم، وكان المعقول أن يستفيد العباسيون من هذا الدرس، ويُعرضوا عن سنة مُنكَرة في نفسها، وقد سنَّها أعداؤهم السياسيون، مع هذا كله تورط الرشيد فيما تورط فيه عبد الملك وخلفاء عبد الملك، وتعرضت الدولة العباسية لما تعرضت له الدولة الأموية، بل كان خطر هذه السنة على العرب أيام بني العباس أشد منه أيام بني أمية؛ ذلك أن سقوط الدولة الأموية قد نقل السلطان من أسرة إلى أسرة واحتُفظ به لقريش.
        فأما أثر هذه السنة أيام بني العباس، فهو نقل السلطان الفعلي من العرب إلى الفرس ثم إلى الترك، وجعل الخلافة نوعًا من العبث والسخرية في أيدي المتغلبين من القواد والخدم والرقيق.
        ومهما نلتمس الأسباب لتورط الرشيد في هذه السنة التي كان يجب أن يتجنبها، فلن نستطيع أن نهمل سببين أساسيين؛
        أحدهما:
        تأثر القصر العباسي بسنن الملك الفارسي القديم وسياسته.
        والآخر: تأثر الخلفاء بما كان للنساء، حرائرهن وإمائهن، من سلطان ونفوذ.
        فلولا هذان السببان لما تورط الرشيد في هذه السنة التي تورط فيها أبوه المهدي، وذاق هو غير قليل من ثمرها.
        ستقول: ولكن الرشيد احتاط فأخذ على أبنائه العهود والمواثيق أن يفي بعضهم لبعض، ويبر بعضُهم ببعض. ولكن ما قيمة هذا الاحتياط أمام سطوة الملك وسلطانه ومطامع الإنسان التي لا حدَّ لها؟ وما قيمة هذه العهود والمواثيق وقد أثبت التاريخ في جل مراحله أنها لا تعتبر عهودًا ومواثيق إلا عند الضعفاء من الأمم والأفراد، أما الأقوياء وذوو السلطان والبطش فهي عندهم ليست بعهود ولا مواثيق، إنما هي «قصاصات ورق» لا أكثر ولا أقل، وقد يُفتي بأنها «قصاصات ورق» أولئك الذين وكدَّوها وشهدوا على صحتها، وتضامنوا في البر بها، والوفاء لأصحابها.
        لما لاحظ الفضل بن يحيى سنة ١٧٥ه أن جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد، أجمَع على البيعة لمحمد، ولما صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرَّق في أهلها أموالًا، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له، وسمَّاه الأمين،
        ولما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهلُ المشرق بايع وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.
        ويقول لنا اليعقوبي في هذا الصدد: إن هارون بايع لابنه محمد بالعهد من بعده سنة ١٧٥ﻫ ومحمد ابن خمس سنين، وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة، وأُخرِج محمد إلى القواد، فوقف على وسادة فحمد الله وصلَّى على نبيه، وقام عبد الصمد بن علي فقال: أيها الناس، لا يغرنكم صغر السن، فإنها الشجرة المباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
        ويقول لنا الطبري في حوادث سنة 182ه: إن فيها كان انصراف الرشيد من مكة، ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين، وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة، وضمه إياه إلى جعفر بن يحيى، وأنه قد بويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، وسمَّاه المأمون.
        وفي سنة 189ه بايع الرشيد لابنه القاسم بعد المأمون، وجعل أمر القاسم، في خلعه وإقراره، إلى عبد الله إن أفضت الخلافة إليه. فلقد حضر الرشيد وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء وأُدخِلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يُعلَّق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق وقع، فقيل: إن هذا الأمر سريع انتقاضه، قليل تمامه.
        وبعد، فإن لعصر الرشيد مكانته وقدره، فقد ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية أيما ازدهار، وظهرت فيه آثار تحول المدنية في العصور التي سبقته، كما أثَّر هو في العصور التي تلته، ولقد صدق صاحب «النجوم الزاهرة» فيما رواه عن أبي علي صالح بن محمد الحافظ، قال: «اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبهُ الناس وأعظمهم، ومُغنِّيه إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة بنت عمه جعفر.».
        وقد كان الخلفاء قبل الرشيد يحتاطون لكل بيعة فيها أخذٌ للعهود والمواثيق، ومع ذلك لم ينفع هذا الاحتياط أيام بني أمية ولا أيام بني العباس.

        تعليق


        • #5
          ثالثاً: الدولة البرمكية والنكبة البرمكية
          ولما ولي الرشيد الخلافة قلد يحيى بن خالد الوزارة وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. ودفع إليه خاتمه، ففي ذلك يقول إبراهيم الموصلي:
          ألم تر أن الشمس كانت سقيمة /فلما ولي هارون أشرق نورها
          بيمن أمين الله هارون ذي الندى /فهارون واليها ويحيى وزيرها
          وليس في مقدورنا أن نصور شخصية يحيى بن خالد بن برمك بأحسن من إثباتنا رأيه في الأخلاقيات، فقد قيل له: أي الأشياء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش الدون، وصديقٌ كثيرُ الآفات قليلُ الإمتاع، وسكون النفس إلى المدح، وقيل له: ما الكرم؟ فقال: ملك في زي مسكين، وقيل له: ما الجود؟ فقال: عفو بعد قدرة، وقال مرة: إذا فتحت بينك وبين أحد بابًا من المعروف فاحذر أن تغلقه ولو بالكلمة الجميلة، وقال: «أحسن جبلة الولاة إصابة السياسة، ورأس إصابة السياسة العمل بطاعة الله، وفتح بابين للرعية؛ أحدهما: رأفة ورحمة وبذل وتحنُّن، والآخر: غلظة ومباعدة وإمساك ومنع.»
          ويروي لنا «ياقوت الرومي» في «معجمه» عنه، أنه لما كان الفضل بن يحيى واليًا على خراسان، كتب صاحب البريد إلى الرشيد كتابًا يذكر فيه: أن الفضل تشاغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى وقال له: يا أبت، اقرأ هذا الكتاب، واكتب إلى الفضل كتابًا يردعه عن مثل هذا. فمد يحيى يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى ابنه على ظهر الكتاب الذي ورد من صاحب البريد:
          حفظك الله، يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاوِدْ ما هو أزينُ بك، فإنه مَن عاد إلى ما يزينُه لم يعرِفه أهل زمانه إلا به، والسلام.
          وكتب تحته هذه الأبيات:
          انصَبْ نهارًا في طِلاب العلا /واصبر على فقد لقاء الحبيب
          حتى إذا الليل بدا مُقبلًا /وغاب فيه عنك وجهُ الرقيب
          فبادر الليلَ بما تشتهي /فإنما الليلُ نهارُ الأريب
          كم من فتًى تحسبه ناسكًا /يستقبل الليل بأمر عجيب
          ألقى عليه الليل أستاره /فبات في لهو وعيش خصيب
          ولذة الأحمق مكشوفةٌ /يسعى بها كلُّ عدو مريب
          هذا هو يحيى الذي يقول عنه المأمون: «لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحدٌ في البلاغة والكفاية والجود والشجاعة»، وهذا هو يحيى الذي كان يُجري على سفيان الثوري رضي الله عنه ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده: «اللهُ إن يحيى كفاني أمرَ دنياي، فاكْفِه أمر آخرته.»
          هذا وإذا علمت أن أُمَّ الفضل بن يحيى، وهي زينب بنت منير، كانت ظئرًا للرشيد فأرضعته بلبان الفضل، وأرضعت الخيزرانُ، والدة الرشيد، الفضلَ بلبان الرشيد، استطعت أن تُقدِّر إلى أي مدًى كانت علاقة الرشيد بآل برمك وهو لم يَدرَج في مهده، ولم يفرق بين أمسه ويومه.
          ويقول الطبري في أخبار سنة 178ه: إن الرشيد فوَّض أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك.
          ولننظر إلى مكانة الفضل وآل برمك من الرشيد، فإن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري يحدثنا أنه لما قدم الفضل بن يحيى من خراسان؛ خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بألف الألف وخمسمائة الألف.
          وفي أخبار سنة 180ه هاجت العصبية بالشام، وتفاقم أمرها، واغتمَّ الرشيد بذلك، فعقد لجعفر بن يحيى على الشام وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقيك بنفسي. وشخص إليهم جعفر في جلة القواد والكُراع والسلاح، فأصلح بينهم، وأطفأ تلك الثائرة.
          ولما عاد جعفر مُوفقًا من سفرته هذه وقد استخلف على الشام مكانه عيسى بن العكي، دخل على الرشيد فزاده إكرامًا وإجلالًا.
          وفي أخبار سنة 180ه نفسها ولَّى الرشيد جعفرَ بن يحيى الحرس، وهكذا تجد في أخبار كل سنة نبأ عن آل برمك، وتمداحًا لآل برمك، وأثرًا جليلًا في خدمة الدولة من آل برمك، ومكانة سامية تبوَّأها آل برمك من الرشيد.
          حتى أنني أسوق واقعة خطيرة تجسد ذلك الأمر على أنا نترك الكلمة لابن طباطبا ليقص عليك ما يرويه فيما نحن في صدده، قيل:
          أن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يومًا للشرب وأحبَّ الخلوة، فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم، وجلس معهم وقد هُيِّئ المجلس ولبسوا الثياب المُصبَّغة- وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو لبسوا الثياب الحُمر والصُّفر والخُضر- ثم إن جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من الندماء كان قد تأخر عنهم، اسمه عبد الملك بن صالح، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان — وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له: عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، يعني ابن عم الرشيد وكان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذَل له على ذلك أموالًا جليلة فلم يفعل — فاتفق أن عبد الملك بن صالح -ابن عم الرشيد-حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وألا يدخل غيره، فأذِن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العباسي على جعفر بن يحيى، فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضًا للقصة، وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى، فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب المُصبَّغة شيئًا، فأُحضِر له قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه، وقال: اسقونا من شرابكم. فسقوه رطلًا، وقال: ارفقوا بنا؛ فليس لنا عادة بهذا. ثم باسطهم ومازحهم، وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحًا شديدًا وقال له: ما حاجتك؟.
          قال: جئت، أصلحك الله، في ثلاث حوائج أريد أن تخاطب الخليفة فيها:
          أولاها: أن عليَّ دينًا مبلغه ألف ألف درهم أريد قضاءه.
          وثانيتها: أريد ولاية لابني يشرُف بها قدره.
          وثالثتها: أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة؛ فإنها بنت عمه وهو كفء لها.
          فقال له جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث؛ أما المال ففي هذه الساعة يُحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد ولَّيتُ ابنَك مصر، وأما الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرِفْ في أمان الله.
          فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد، حضر جعفر عند الرشيد وعرَّفه ما جرى، وأنه قد ولَّاه مصر، وزوَّجه ابنته، فعجب الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كُتب له التقليد بمصر، وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد.
          انتبهوا
          عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس هو ابن عم الرشيد..
          وعندما ألمت به حاجة لجأ إلى جعفر بن يحي البرمكي وكله يقين في قضاء حاجته..
          أما الأهم في الموضوع فهو إجابة جعفر الواثق منها والتي فيه قوله: (قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث).
          أرأيت كيف لم ينقض الرشيد ما أبرمه جعفر في مسألة خطيرة الخطر كله، لأنها تتعلق بكرامة الرشيد وأسرة الرشيد وشئون الرشيد الخاصة؟.
          أليس في ذلك ما يقطع برفيع مكانة القوم، وكبير قدرهم، وسامي منزلتهم عند الرشيد وفي الدولة التي هم مفزع رجالاتها، وموئل زعمائها؟.
          وأرجو ألا يفوتك في المثل المتقدم ما جاء فيه خاصًا بالملابس؛ فإنه قد يعطيك فكرة ما عن تخصص بعضها للسهرات والردهات والمنادمات مما لا يختلف عن نظام اليوم من «ردنجوت» و«سموكنج» و«فراك» إلى غير ذلك مما يدل على مبلغ الثروة، واستفحال أمر المدنية عند القوم في تلك الأيام الخاليات؛ فتأمل …!.
          ربما تطلب إليَّ مثالًا على جُودهم وتعلق الناس بهم، بلا مبالغة ولا غلو ولا تهويل ولا إغراق، وسنترك الكلمة في هذا الباب للإتليدي فيما يرويه من حديث جرى بين المأمون والمنذر بن المغيرة، فهاكه بحذافيره:
          قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه، فقال لي: خذ معك فلانًا وفلانًا — سماهما لي؛ وأحدهما: علي بن محمد، والآخر دينار الخادم — واذهب مسرعًا لما أقول لك، فإنه بلغني أن شيخًا يحضر ليلًا إلى آثار دور البرامكة وينشد شعرًا، ويذكرهم ذكرًا كثيرًا، ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف، فامضِ أنت وعلي ودينار حتى تردوا تلك الخرابات، فاستتروا خلف بعض الجُدر، فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتًا فأتوني به، قال: فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات، فإذا نحن بغلام قد أتي ومعه بساط وكرسي حديد، وإذا شيخ قد أتى وله جمال، وعليه مهابة ولطف، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات:
          ولما رأيت السيف جندل جعفرًا / ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
          بكيتُ على الدنيا وزاد تأسفي / عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
          مع أبيات أطالها، فلما فرغ قبضنا عليه وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعًا شديدًا وقال: دعوني حتى أوصي بوصية؛ فإني لا أوقنُ بعدها بحياة.
          ثم تقدَّم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلَّمها إلى غلامه، ثم سِرنا فلما مثَل بين يدي أمير المؤمنين قال: مَن أنت؟ وبما استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟.
          قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي، أفتأذن لي أن أُحدِّثك بحالي معهم؟.
          قال: قل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي، كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدينُ واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورءوس أهلي، وبيتي الذي ولدت فيه؛ أشاروا عليَّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي ثلاثون رجلًا ونيِّف من أهلي وولدي، وليس معنا ما يباع ولا ما يُوهب، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها، فلبستها وخرجت وتركتهم جياعًا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلًا عن البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زيٍّ وزينة، وعلى الباب خادمان، وفي الجامع جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، والعرق يسيل مني؛ لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد فدخلت معهم، وإذا يحيى جالس على دكة له وسط بستان، فسلمنا وهو يعدنا مائة وواحدًا، وبين يديه عشرة من ولده، وإذا بمائة واثني عشر خادمًا قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة على كل صينية ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل صينيته، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم، ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول، حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها، وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي، وقمتُ وجعلتُ أتلفت ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فوصلت وأنا كذلك إلى صحن الدار ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل. فأتاه بي، فقال: مالي أراك تتلفت يمينًا وشمالًا؟ فقصصت عليه قصتي، فقال للخادم: ائتني بولدي موسى. فأتاه به، فقال: يا بني، هذا رجل غريب؛ فخذه إليك، واحفظه بنفسك ونعمتك. فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دُوره، فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين، فاقبضه إليك وأكرمه، ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام، ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم لم أزل في أيدي القوم يتبادلونني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني؛ أفي الأموات هم أم في الأحياء؟ فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام، فقلت: وا ويلاه! سُلبت الدنانير والصينية وأخرُج على هذه الحالة! إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع الخادمُ الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها إليَّ، فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، فلما رُفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حُسنًا ونورًا، واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إليَّ مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، ومنشور بضيعتين وتلك الصينية التي كانت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق. وأقمت، يا أمير المؤمنين، مع البرامكة في دورهم ثلاثَ عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أمْ رجل غريب، فلما جاءتهم البلية، ونزل بهم، يا أمير المؤمنين، من الرشيد ما نزل، أجحفني عمرو بنُ مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلُهما به، فلما تحامل عليَّ الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرابات دورهم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إليَّ، وأبكي على إحسانهم، فقال المأمون: عليَّ بعمرو بن مسعدة. فلما أُتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا، فقال له: ردَّ إليه كل ما أخذت منه في مدته، وأفرِغهما له ليكونا له ولعقبه من بعده، قال: فعلا نحيبُ الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا، قد أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضًا من صنيع البرامكة! لو لم آتِ خراباتهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين ففعل بي ما فعل، مِن أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم بن ميمون: فرأيت المأمون وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه، وقال: «لعمري هذا من صنائع البرامكة! فعليهم فابكِ، وإياهم فاشكرْ، ولهم فأوفِ، ولإحسانهم فاذكرْ.»
          ومما يدل على تقدير المأمون للبرامكة ما رواه القاضي يحيى بن أكثم قال: سمعت المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وولده أحدٌ في الكفاية والبلاغة والجود والشجاعة، قال القاضي: فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أما الكفاية والبلاغة والسماحة فنعرفها فيهم، ففيمن الشجاعة؟ فقال: في موسى بن يحيى، وقد رأيتُ أن أُولِّيه ثغر السند.
          •••
          مكانة عالية بلا ريب مكانة آل برمك، وسلطان لا حد له سلطانهم، وغنى فاحش قبل الإسلام، وصولة ونفوذ قول في دولة الرشيد، فما الذي يا ترى غيَّر قلب الرشيد عليهم حتى نكبهم؟.

          تعليق


          • #6
            نكبة البرامكة:
            لم تكن تغيب عن الرشيد افعال البرامكة واستغلالهم للمناصب، واستحواذهم على المال والسلطة بل وحتى إساءتهم اليه شخصيا، وكان يصبر عليهم ويغض الطرف لعلهم يرعوون، أو يقفوا عند حد. فقد كان وفيّا لهم، لما قدموه من خدمات في تثبيت اركان الدولة وفي تأييد توليه للخلافة. لقد كان حريصا على عدم القطيعة معهم. ولم يكن من السهل الانقلاب عليهم، لسببين:
            أولاً: للصلة الأسرية والروابط الاخوية والعاطفية التي تجعله يتجمّل حتى يتيقن من استحالة المضي بهذا الشكل.
            وثانياً: لأنهم اصحاب النفوذ الفعليين ولهم اتباع وأنصار في كل مفاصل الدولة. وليس من السهولة مجابهتهم أو تنحية بعضهم (ولو تدريجياً) عن السلطة.
            فهذا سيشكل جبهة معارضة قوية منهم، لا طاقة له بها، حيث غدت الدولة واقعاً دولة البرامكة لا دولة الرشيد.
            لم يكن الرشيد فاسداً أو ظالماً، وإنما كان حكيماً عادلاً لا يرضى بالظلم، لم يكن الرشيد خَبّاً (مخادعاً)، كان أجلّ من ان يُخدع وأورع من أن يَخدع.
            وكان في ذات الوقت عبقريا بعيد النظر واسع الدهاء (بدليل ما وصلت اليه بغداد في زمنه من عصرها الذهبي المؤطر بالرخاء والرقي الحضاري) ولذا كان الحق معه في ان لا يستمر طويلاً بصمته على ما يجري في البلد أكثر مما صمت وعليه الآن إعادة الأمور الى مجاريها وأن يتحين الفرصة المناسبة، وأدلة الإدانة الكاملة التي تستلزم اتخاذ خطوته الجريئة التي لا مناص منها، ولا بديل عنها، واتخاذ قرار يضع حدّاً لكل ذلك. ولتكن غضبة الحليم، إذا طفح به الكيل.
            كان لا بد له من السريّة والكتمان الشديد، على ما سيقدم علية، وبسبب هذه السرية في تخطيط وتنفيذ (البطش بالبرامكة)، نستطيع القول إنه ليس بمقدور أحد من المؤرخين حتى اليوم ان يعرف ما هو السبب المباشر الذي حدا بالخليفة هارون الرشيد للقيام بعملية تصفية البرامكة المفاجئة، وانهاء نفوذهم في ليلة وضحاها- قد يكون السبب كل الاخطاء التي وقعوا فيها- وقد يكون خطأ أو اخطاء بعينها، لقد جنوا على أنفسهم.. وقد ذكرتها في منتدى واحة الأدب بالتفصيل فليرجع إليها هناك.
            وأيّا مّا يكون السبب، فإن تصرفه بهذا الشكل دليل على حكمة ورجاحة عقل الخليفة وشجاعة القائد في التدبير والمباغتة في المواقف المصيرية التي تمس أمن البلد. دون ان يحدث فراغًا أمنيًا أو إداريًا أو ردة فعل عكسية في أركان الدولة.
            وفي ليلة السبت (أول صفر 187 هـ = 29 من يناير 803م)، أمر رجاله بالقبض على البرامكة جميعًا، وأعلن ألا أمان لمن آواهم، وأخذ أموالهم وصادر دورهم وضياعهم. وفي ساعات قليلة انتهت أسطورة البرامكة وزالت دولتهم، وتبدت سطوة تلك الأسرة التي انتهت إليها مقاليد الحكم وأمور الخلافة لفترة طويلة من الزمان، تلك النهاية المأساوية التي اصطُلح على تسميتها في التاريخ بـ” نكبة البرامكة”.
            الأسباب المباشرة للنكبة: الراجح أنه قد طفح الكيل بهارون الرشيد من طغيان البرامكة، بأمرين:
            الأمر الأول: تشكيل الفضل بن يحيى البرمكي (حاكم الجناح الشرقي لدولة الاسلام)، لجيش تعداده 50 ألف مقاتل من الأعاجم في منطقة خراسان بدون مشورة الخليفة. جيش لا ينتمي لجيش الخلافة، بل يدين بالولاء للوالي الفضل البرمكي فقط، وليس للخليفة. (وهذا العمل هو أشبه بالمليشيات المسلحة التي تنشئها كيانات سياسية أو حزبية في وقتنا الحاضر ويكون ولائها لمن ينشئها، فتعتبر خارجة على القانون. ومن الطبيعي ان يكون الشك والريب قرين لأهداف انشائها)، فنوايا إنشاء هذا الجيش لم تكن حسنة. بدليل ان الرشيد حين استدعى الفضل البرمكي الى العاصمة بغداد، (باعتباره وال تابع للخليفة) حضر ومعه عشرون ألف من مقاتلي النخبة من هذا الحيش، في استعراض لقوة الوالي.
            ولقد أدرك الرشيد بهذا التحرك العسكري، انه هو المستهدف، وان هنالك انقلاب عليه على وشك الوقوع، وبالتالي فإنّ الخلافة العباسية في بغداد هي المستهدفة (إسقاط النظام)، أو على أقل تقدير انفصال الجزء الشرقي من الدولة العباسية لإعادة تشكيل الدولة الفارسية المجوسية عليها. (على رأي من يرجح الشك في إسلامهم).
            الأمر الثاني: ظهور الخيانة العظمى من البرامكة (خيانة الوطن)، في تفريطهم بأمن الدولة من خلال تواطؤهم مع خصوم السلطات العباسية (ما أشبه اليوم بالأمس في تفريط أولي الأمر بأمن المدن وتسليمها لأعداء الوطن).
            وثبوت خيانة البرامكة لأمانة الخليفة حين أمرهم في التحفظ على (الثائر على الخلافة) يحيى بن عبد الله بن الحسن الطالبي الذي خرج في بلاد الديلم وتوظيف قضايا آل البيت لمصالحهم.
            مفهوم النكبة:
            تاريخياً هنالك من حاول التضخيم والتهويل لحادثة نكبة البرامكة ورسم حولها هالة خيالية من المبالغة والدراما في القتل وسفك الدماء على الطريقة الهوليودية. وان (مسرور) سياف هارون الرشيد يقف بالمرصاد ليقطع رقاب الآلاف من البرامكة واعوانهم. وهذا كله تهويل ومبالغة، انما يتماشى مثل هذا التهويل ويتساوق مع أسلوب قصص ألف ليلة وليلة. فكل ذلك لا يثبت وبعيد عن العقل والمنطق.
            مفهوم النكبة في معاجم اللغة تعني بالدرجة الأساس: (الازاحة والابعاد والعزل)، كما تعني تاليا (المصيبة). وجملة ما فعله الرشيد للبرامكة ينضوي تحت مفهوم إزاحتهم وابعادهم عن التصرف في شؤون الدولة وليس سفك الدماء والإيغال في القتل كما يشيعه الشعوبيون والحاقدون من القوميين الفرس.
            لقد اراد الرشيد التخلص من نفوذهم وليس من ذواتهم.
            التخلص من استبدادهم وتحكمهم، ولكن ليس بالقتل بدليل انه لم يقتل من رؤوس البرامكة سوى جعفر بن يحيى، وانما قتله لارتكابه الخيانة العظمى [خيانة الوطن].
            فلو كانت النكبة بمعنى القتل، لكانت قيادات البرامكة ممثلة في الأب يحيى واولاده الفضل وموسى ومحمد هم أول القتلى، لكونهم رؤوس الأسرة البرمكية المستهدفة في النكبة. (والوقع يشهد أنه ان اُريد إخماد تمرد أو إضعاف تنظيم أو كتلة انما تستهدف القيادة أولاً، من أجل أن ينفرط عقد الأتباع بغياب القيادة).
            ولكن كان أمر الرشيد، السجن لهم هو البديل والذي هو حكم أقرب للعفو:
            1-يحيى بن خالد (الأب) حبس في منزله وتوفي سنة 190هـ وله من العمر 70 سنة وصلى عليه ابنه الفضل ودفن على شاطئ الفرات.
            2-أما الفضل بن يحيى، فقد سجن كذلك في منزل أخر وتوفي سنة 193هـ قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وصلى عليه اخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أُخرج فصلى الناس على جنازته. وهذا يعطيك فكرة عن نوعية السجن الذي يتواجد ويتقابل فيه البرامكة.
            3-أما موسى بن يحيى، فقد بقي في الحبس حتى تولى الأمين الخلافة، سنة 193هـ فأطلق سراحه، فالتحق موسى بالخليفة الجديد الامين يقاتل في صفوفه، ولم يفارقه حتى قتل الامين.
            4-واما محمد بن يحيى، فقد اختلفت الروايات في سجنه، فهنالك روايات تقول ان الرشيد استثناه من السجن لنصحه الصادق للرشيد، واخرى تقول انه سجن كذلك.
            وعلى اي حال فقد عاش حرّاً طليقًا طويلاً. والتحق بالمأمون الذي تولى الخلافة بعد أخيه الامين سنة 198هـ، وظل أحد قادته حتى وفاته.
            ومن هنا ندرك ان الرشيد لم يكن مولعا بسفك الدماء كما يُشاع، في حدث هو الأبرز في تاريخه، وان مسرور السياف بريء مما ينسب اليه، وأوامر الرشيد في قضية النكبة كانت تهدف الى ابعاد وعزل البرامكة الفاسدين، وكذا الذين يمتون لهم بصلة ممن كان لهم تأثير سلبي في ادارة الدولة، تأثيرا لا يتماشى مع خط الخلافة.
            ومع ذلك لم يطل محبسهم سوى قرابة 5 سنوات ليعاود من تبقى من الاسرة، الحياة بشكل طبيعي دون إعلام يُسلط عليهم الأضواء، ولا صلاحيات مطلقة كما كانت لهم بالأمس.
            اما مصادرة الاموال والضياع والقصور فهي أموال وأملاك الدولة، وإنما الشكاية فيها والحسم للقضاء. ولقد عُرِف عن الرشيد رده للمظالم، وطلبه للحق، وخشيته الشديدة من الله، حاجّاً ومجاهدًا.
            واختم هذا البحث برواية وردت في كتب التأريخ مفادها: ان أحد ابناء يحيى البرمكي سأل اباه بعد ان أصابهم ما أصابهم: يا أبت! بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا الى هذا الحال.
            فقال: يابني! لعلها دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون. (وحقًا وصدقًا ما قال. فان من يستولي على المال العام وعلى املاك الآخرين عليه ان لا ينتظر دعوة مظلوم واحد، بل ستلحقه دعوة مظاليم في جنح الليل، دعوة لن يغفل الله عنها. وقال: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
            ان من تثير نكبة البرامكة شجونه واحزانه لا يبعد ان يكون على صلة عاطفية بفارس القديمة، وأمثال هؤلاء هم من ثبت انهم شوهوا صورة الخليفة العظيم هارون الرشيد ووصفوه - ظلمًا وعدوانًا- بالمجون وشرب الخمر والظلم والجواري وكل ما يشين.
            تلك النهاية المأساوية التي اصطُلح على تسميتها في التاريخ بـ ” نكبة البرامكة”.
            وكان لتلك النكبة أكبر الأثر في إثارة شجون القومية الفارسية، فعمدت إلى تشويه صورة الرشيد ووصفه بأبشع الصفات، وتصويره في صورة الحاكم الماجن المستهتر الذي لا همّ له إلا شرب الخمر ومجالسة الجواري، والإغراق في مجالس اللهو والمجون؛ حتى طغت تلك الصورة الظالمة على ما عُرف عنه من شدة تقواه وحرصه على الجهاد والحج عامًا بعد عام، وأنه كان يحج ماشيًا ويصلي في كل يوم مائة ركعة.
            وفي أواخر سنة (192 هـ = 808م) خرج الرشيد لحرب “رافع بن الليث”، واستخلف على بغداد ابنه الأمين، وفي الطريق مرض الرشيد، وما لبث أن اشتد عليه المرض، وفاضت روحه في (3 من جمادى الآخرة 193م = 24 من مارس 809م)، فتولى الخلافة من بعده ابنه “محمد الأمين”.
            في ظل هذه الظروف والأجواء نستطيع أن نقترب قليلاً من قصر الخلافة.

            تعليق


            • #7
              والدراسة التي بين يديك تشتمل على الموضوعات التالية:
              توطئة: صلة الماضي بالحاضر والمستقبل
              مقدمة الدراسة
              أولاً: خطر نظام ولاية العهد وأثر البطانات

              ثانياً: التكلم عن البيعة

              ثالثاً: الدولة البرمكية والنكبة البرمكية
              نكبة البرامكة:
              الفصل الأول: محمد الأمين
              نشأته وأخلاقه

              النزاع بين الأمين والمأمون

              البيعة للأمين بولاية العهد
              خلافة الأمين
              حصار بغداد وسقوط الأمين
              قتل الأمين

              هل قتل الخليفة المأمون أخاه الخليفة الأمين؟
              الفصل الثاني: الخليفة المأمون
              نسبه ونشأته
              ولاية المأمون للعهد
              خلافته
              علمه وثناء العلماء عليه
              صفاته وأخلاقه
              سياسة المأمون
              السياسة الداخلية للمأمون
              النهضة العلمية في عهد المأمون
              بعثة المأمون في قياس محيط الأرض
              الرياضيات وعلم الفلك
              تطور علم الجغرافيا
              حركة الترجمة
              حرية التعبير في زمن الخليفة العباسي المأمون

              السياسة الخارجية للمأمون

              جهاده
              الثورات في عهد المأمون
              ثورة نصر بن شبث
              ثورة مصر
              الزط
              ملخص الحالة العامة في المدة البغدادية

              غزو المأمون للروم

              ثورة بابك الخُرَّمِي

              فتح جزيرة صقلية
              كلمة ختامية عن وفاة المأمون ورجالاته ومعاصريه ووصيته

              الفصل الثالث: المحنة وقضية خلق القرآن من 218ـ 231هـ
              الفصل الرابع: مقتل الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب
              هذا والله ولي التوفيق..
              زهدي جمال الدين محمد
              الأول من مارس 2021م

              تعليق


              • #8

                الفصل الأول
                محمد الأمين
                هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، ولد سنة 170 هجرية، وهي السنة التي استُخلف فيها والده الرشيد، وكان مولده بعد مولد أخيه عبد الله المأمون بستة أشهر، وولد المأمون في الليلة التي استُخلف فيها والده.
                وأم الأمين أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور؛ فهو هاشمي الأب والأم، وقيل: إن ذلك لم يتفق لخليفة عباسي غيره.
                وإذ كان أخواله هاشميين ولهم في الدولة نفوذ قوي وكلمة مسموعة، فقد سعوا، فيما يحدثنا التاريخ، حين مدَّ جماعة من بني العباس أعناقهم إلى الخلافة، إلى أن يكون الأمر إلى ابن أختهم، وقد نجحوا.
                سعى خال الأمين عيسى بن جعفر بن المنصور إلى الفضل بن يحيى الذي بعثه الرشيد على رأس جيش إلى خراسان، لمحاربة بعض الخارجين على الخلافة، وتسكين الاضطراب في تلك النواحي، وقد كان التوفيق حليفه في ذلك الوجه، فقال عيسى للفضل: «أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي، فإنه ولدُك وخلافتُه لك»، فوعده الفضل أن يفعل، فلما كان الفضل بخراسان يُدِلُّ بما واتاه فيها من ظهور على الخارجين، وهو بعدُ من آل برمك وزراء الرشيد، وأصحاب السلطان العظيم في الدولة، بايَع لمحمد الأمين هو ومن معه من القواد والجند بعد أن فرق أموالًا عظيمة، وأعطى أعطيات كثيرة، وتغني بذلك شعراء العصر، أمثال أبان بن عبد الحميد اللاحقي والنمري وسلم الخاسر وغيرهم. ولبيان وجهة نظرهم في البيعة نقتطف لك شيئًا مما قاله سلم والنمري؛ قال سلم:
                قد وفَّق الله الخليفة إذ بنى /بيت الخليفة للهجان الأزهر
                فهو الخليفة عن أبيه وجده /شهدا عليه بمنظر وبمخبر
                قد بايع الثقلان في مهد الهدى /لمحمد ابن زبيدة ابنة جعفر

                وقال النمري:
                أمسَت بمرو على التوفيق قد صفَقتْ /على يد الفضل أيدي العُجم والعرب
                ببيعة لولي العهد أحكمها /بالنصح منه وبالإشفاق والحدب
                قد وكَّد الفضل عقدًا لا انتقاض له /لمصطفى من بني العباس منتخب
                فلما تناهى أمر البيعة إلى الرشيد ووجد نفسه أمام «الأمر الواقع»؛ إذ قد بايع لمحمد أهل المشرق، بايع له بولاية العهد، وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.
                ومن هذا تعلم ما يصح أن يعتبر سرًّا في أن الأمين كان ولي عهد الرشيد دون أن يكون أكبر ولده سنًّا.
                نشأته وأخلاقه

                ولنتساءلْ الآن: هل سجَّل لنا التاريخ شيئًا قيمًا عن نشأة الأمين وطفولته؟
                أظن أنني لا أعدو الحق كثيرًا إذا قلت: لا؛ إذ قلما يعرض المؤرخون القدماء لشيء من طفولة العظماء ورجال التاريخ.
                على أنا قد وقفنا من طفولة الأمين على شذرات ليست بذات غناء كبير، نثبتها لك وندرسها معك؛ فربما ساعدتنا بعض المساعدة على تفهم حداثة الأمين، واستخلاص بعض الحقائق عنه.
                يحدثنا البيهقي في «المحاسن والمساوي» بما سنلخصه لك خاصًّا بنشأة الأمين التعلُّمية؛ لتقف على البيئة التي كان فيها الأمين، ولأن روايته — خصوصًا ما جاء عن حُلم زبيدة وفزعها منه، مما رواه المسعودي في «مروجه» أيضًا — قد تجعلنا نعلل بحق أثر الوسط والوراثة في خَلْق ما كان بالأمين من استعداد لحب الاستخارة، مما كانت له نتائجه السيئة، ولأنه يفهمنا بوجه عامٍّ لِمَ كان الأمين فصيحًا أديبًا بليغًا، ولمَ كان عابثًا مستهترًا، ولَمِ كان وادعًا متهيبًا من الدماء، ولأنه يفسر نشأته في ترف الخلافة ونعيمها، ومَرَح الحداثة ونهزِها، والاستمتاع بمال زبيدة والإدلال بهاشميتها.
                •••
                ولما كان الرشيد قد جعل الأمين في حِجْر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر بن يحيى، فإن الفضل كان أكثر ما أخذ به ولي العهد الأمين هو تعظيم الدماء، لأنه أُحب أن يُشرِب الله قلبه الهيبة لها، والعفاف عن سفكها.
                ربما كان من الحق أن نقول: إن هذه النشأة كانت لها آثارها السيئة، خصوصًا أنَّا نلاحظ أن الأمين تنقصه الدربة السياسية، ومن المعلوم أن الدربة السياسية هي ناحية يُؤبَه لها كثيرًا في تنمية روح الحكم، وتقوية المواهب الإدارية، وتنظيم ملكات السلطان في ولي العهد، خصوصًا ذلك العصر الذي لم تكن فيه وسائل الثقافة الملكية متوافرة توافرها اليوم؛ مع أن الحاجة إلى الثقافة السياسية في ذلك العصر كانت أشد منها اليوم؛ لأن الملك حين ذاك كان صاحب سلطان فعليٍّ مُطلق غير مقيد بقانون أو دستور إلا ما يرجع إلى دينه وورعه.
                نريد أن نقول: إنه إذا كان نَدْب الهادي للرشيد حين ولاه قيادة الجند لحرب الروم، قد أوجد الرشيد في مركز القيادة العامة، وفيها من الشيوخ المحنكين والقادة المدربين والزعماء المنظمين مجموعةٌ صالحة للثقافة السياسية، وفرص تسنح في الفينة بعد الفينة للمرانة السياسية، ولتخريج خليفة مُدرَّب في فنون الملك، وإذا كان المأمون قد نُدب للحكم في خراسان وغير خراسان حتى نكَّبت به ظروف الأحوال عن مفاسد مال الخلافة ونعمة ابن زبيدة ودلال الهاشميين، نريد أن نقول: إنه إذا كان ذلك كذلك، وكانت هذه هي نتائج الدربة السياسية، فمن الميسور أن نفهم مغبة افتقادها، كما أنه من الميسور أن نستنبط أن عنصرًا هامًّا من عناصر تكوين رجال السياسة والحكم كان ينقص الأمين الذي لم تستطع غاشيته من الخدم، وبطانته من الموالي، وأخواله من الهاشميين، وأساتذة من المربين أن يحولوا بينه وبين ما تشتهيه نفسه وتهوَى طفولته.
                على أنه من العدل والحق أن نقرر أن الأمين لم يكن بليد الذهن أو ثقيل الظل، بل كان نقيض ذلك على حظٍّ من توقُّد الذهن وفصاحة اللسان، وخفة الروح والظل، وحسبك أن ترى شيئًا مما كان ينضح به في مجالس اللهو والمنادمة من سرعة البديهة، وظرافة النكتة، وحلاوة التندر، ورقة الدعابة، وعذوبة الفكاهة؛ لتؤمن بما نقول.
                وكل ما اتفقت عليه كلمة المؤرخين العرب جميعًا أنه كان مستهترًا مسرفًا، مع خَوَر خُلُقي، وعدم تبصر في العواقب ولا تروٍّ في مهمات الأمور — مما يرجع في الواقع إلى عدم العناية بثقافته السياسية، كما أسلفنا.
                وفي الحق أن قصف الأمين وانهماكه في لهوه وغلوُّه في عبثه، واستهتاره في مرحه، واشتغاله بوجه خاص بخدمه، قد جرَّ عليه وبالًا كثيرًا، وشرًّا مستطيرًا، ونفَّر منه قلوب العقلاء من مشايعيه ومناصريه، والأقوياء من مؤيديه وذويه.
                من أمثال ذلك ما ذكروه عن العباس بن عبد الله بن جعفر، وهو من رجالات بني هاشم جلدًا وعقلًا وصنيعًا، وكان يتخذ الخدم كطبيعة حياة المترفين في ذلك العصر، قالوا: كان له خادم من آثَرِ خدَمه عنده يقال له منصور، فوجَد الخادم عليه فهرَب إلى محمد وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظي عنده حظوة عجيبة، فركب الخادم يومًا في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال لهم السيافة، فمرَّ بباب العباس بن عبد الله، يريد بذلك أن يُري خدم العباس هيئته وحاله التي هو عليها، وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج إليه وقامت معركة، وكادوا يُحرقون دار العباس، وقبض الأمين على العباس وهمَّ أن يقتله لولا وساطة أم جعفر من ناحية، واشتغاله بخروج الحسين بن علي بن ماهان عليه وانضمامه إلى المأمون من ناحية أخرى.
                ولموضوع خدم الخليفة وغاشيته ذوي السلطان من المقربين والزعماء والقادة والوزراء، بل الخدم والأمناء أسوأُ أثرٍ في تاريخ المدنية الإسلامية.
                •••
                وهناك ظاهرة خُلُقية في أخلاق الأمين، وهي حبه للاستخارة، واحتفاله بالبحث عن أمر طالعه، وركونه حتى في آخر لحظة من حياته، وهي لحظة التقرير في مصيره، أيُسلِّم نفسه إلى طاهر أم إلى هرثمة إلى منام رآه.
                وربما كانت هذه الخلة فيه من أثر البيئة، كما أسلفنا، أو من روح العصر نفسه، وإن كان ابن ماهان قائده يحتقرها، وسنرى أن المأمون كان على عكس الأمين لا يحفل في مهام أموره بالاستخارة ووحي الأحلام، بل كان يجعل جل اعتماده على مشورة رجالاته وذوي النصيحة من أنصاره.
                على أنه ليس معنى ذلك أن الأمين لم يكن يستشير، ولكنه كان في كل شئونه يغلبه هواه على وجه الصواب من أمره، وكان لرياء حاشيته وتأثير بطانته فيه النتيجة السيئة، فكان لا يعمل بما يُدلَى به إليه من نصح.
                ولكن الأمين، كما قلنا، كان هواه يُعمِّي عليه وجه الصواب من أمره، وكان واقعًا تحت سلطان الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى بن ماهان وغيرهما من بطانته، وهم الذين كان رياؤهم سمًّا زُعافًا، ونفاقهم وباء فتَّاكًا، ولين كلامهم حسكًا وقتادًا، والذين لم يُخلصوا لمليكهم أو بلادهم فيما يدلون به من الآراء، وما يقدمونه من النصائح، وإنما يُخلصون لعاجل مصلحتهم، فزينوا له نكث العهد، وسهلوا له أمره، حتى أقدم عليه، وكان ما كان من النزاع.

                تعليق


                • #9
                  وكان طيب القلب يعفو حتى عن الخارجين عليه والمسيئين إليه، وإن موقفه مع حسين بن علي بن ماهان لمعروفٌ مشهور، وكذلك موقفه مع أسد بن يزيد أحد قادته حينما طلب إليه أن يدفع له ولدي عبد الله المأمون ليكونا أسيرين في يديه، فإن أعطاه المأمون الطاعة فبها، وإلا عمل فيهما بحكمه، وأنفذ فيهما أمره، فقال له الأمين: «أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاء أعنه العرب والعجم، وأطعمك خراج كور الجبال إلى خراسان، وأرفع منزلتك عن نظرائك من أبناء القواد والملوك، وتدعوني إلى قتل ولديَّ، وسفك دماء أهل بيتي! إن هذا للخَرقُ والتخليط!»
                  هذا الموقف النبيل دليل على سلامة طويته وطهر سجيته، ولكن حظه الحالك ونجمه الآفل، ورياء مشيريه، وضعف إرادته، وخور عزيمته، ولهوه وعبثه، ونصيب المغلوب من الدعوة عليه، والحملة الموجهة إليه قد ضربت بجِرانها على سيرته؛ فإذا بها شوهاء مُزْرية، وإذا بها مقبحة منفرة، حتى قيل فيه ما قيل.
                  يقول ابن الأثير: «لم نجد للأمين شيئًا من سيرته نستحسنه فنذكره»، وهذا حق في جملته عن الأمين كمدبر مملكة وخليفة، فإن فتًى غرًّا لم يُثقَّف الثقافة السياسية اللازمة، ثم يصبح ذا سلطان مطلق في ملك كبير يشبع ذوي المطامع النهمة، ثم تحوطه حاشية من الدهاة ذوي المطامع الواسعة، والأغراض الكبيرة كالفضل بن الربيع الذي أفسد ما بينه وبين أخيه، وبكر بن المعتمر الذي زيَّن له خلعه، ثم هو فوق ذلك ينصرف إلى حد كبير عن معالجة تدبير الملك إلى اللهو، وإلى اللهو بكل ألوانه وضروبه، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة193ه عن علي بن إسحاق أحد معاصريه، أنه لما أفضت الخلافة إلى محمد، وهدأ الناس ببغداد، أصبح صبيحة السبت، بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، فقال في ذلك شاعر من أهل بغداد:
                  بنى أمينُ الله ميدانًا /وصيَّر الساحة بستانًا
                  وكانت الغزلان فيه بانا /يُهدَى إليه فيه غزلانا
                  نقول: إن مثل هذا الفتى الذي يولِّي وجهه منذ الساعة الأولى إلى مثل هذه الشئون التي كان يجدر به ومن كان في مكانه ألا تكون صاحبة النصيب الأول من عنايته واهتمامه، خليقٌ ألا يجد المؤرخ له عملًا صالحًا في شأن من شئون الدولة، وقمينٌ على ذلك أن يكون موضع استغلال كبير للدعوة المأمونية.
                  وقال غير ابن الأثير: «كان الأمين فصيحًا بليغًا كريمًا»، وكيف لا يكون تلميذ الأحمر والكسائي وقطرب وحماد وغيرهم من فحول اللغة، وجهابذة البيان، وأساتذة الأدب من منثور ومنظوم فصيحًا بليغًا؟
                  على أنه من الحق والعدل أن نقرر أيضًا، أن هذه الصفات تكاد تكون من سجايا كل ناجم من هذه الأسرة الباسقة الفينانة، ومن أجل هذا ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه من أن الأمين لم يكن كما صوَّروه لنا من البلَهِ والسُّخف، ومن الخمول والبلادة، ومحال أن يكون كذلك وتصرفاته في بعض شئون الدولة على ما وصفنا، ومحال أن يكون بليدًا بفطرته واستعداده، أو جاهلًا غبيًّا؛ لأنه في الذروة من الهاشمية، وأنت تعلم مقدار اهتمام الخلفاء العباسيين والأمراء الهاشميين بالثقافة الأدبية، كما بينا لك ذلك في كلمتنا عن الحياة الأدبية والعلمية في العصر العباسي، وإنما ظروف حياة الأمين والبيئة التي أحاطت به وما إلى ذلك مما فصلناه لك، جعلت صورة الأمين كما أراناها التاريخ، ثم هي في الوقت نفسه جنحت به إلى الاستهتار، وإلى العبث والمجانة.
                  وقد يكون أحسن ما نختم به كلمتنا عن تحليل الأمين وسيرته، وأصدق وصف له ما ذكره الفضل بن الربيع، وزيره ووزير أبيه من قبله، والذي سنعرض لشيء من دقيق تصرفاته، وحكيم تدبيراته عندما نعرض لتفصيل النزاع بين الأمين والمأمون، فهذا الوصف ربما كان أقل تحاملًا من غيره على الأمين، وربما كان خيرًا من سواه في تصوير الأمين وتحليل أخلاقه ونفسيته.
                  ولقد كان استعداد المأمون الفطري منذ نشأته أن يكون رجل جماعة وقائد أمة.
                  وبعد، فليس من شك في نجابة المأمون كانت من الأسباب التي حملت الرشيد على أن يستوثق له الأمر في ولاية العهد من أخيه، ولأخيه منه، فجمعهما في بيت الله الحرام حين حج عام 186ه، ومعه كبار رجال الدولة وجل الظاهرين من الأسرة المالكة، واستكتب كليهما عهدًا بما له وعليه قبل الآخر، وأشهد عليهما جماعة من ذوي المكانة والنفوذ، ثم علق العهدين في الكعبة، ليكونا في مكان الاحترام الديني.
                  ولسنا ننكر أن من جملة تلك الأسباب ما يصح افتراضه من أن الرشيد كان يقدر قوة حزبي المأمون والأمين، وبعبارة أخرى: حزبي الفرس والعرب، أو العلوية والهاشمية، أو الشيعية والسنية.
                  ونحن لا نستطيع أن نرجع مظاهر العطف المختلفة، وفي مناسبات كثيرة، من الرشيد على المأمون إلى الأُبوة وحدها، فإن للرشيد أولادًا غير المأمون وغير الأمين لم ينالوا شيئًا من هذه الحظوة العظيمة لديه؛ لذلك نرى — وقد ترى معنا رأينا — أن هذه الحُظوة التي ينالها المأمون من الرشيد في مناسبات كثيرة دون إخوته ترجع إلى ما امتاز به المأمون من نجابة خارقة، وميل إلى جد الأمور، وترفُّع عن سفسافها، وسموٍّ عن دناياها، واضطلاع بما يُكلف القيام به من أعباء ومهامَّ.
                  ولعل أظهر مظاهر العطف من الرشيد على المأمون ما فعله الرشيد حين وافته منيته ﺑ «طوس»، من وصيَّته بجميع ما كان معه من جند وسلاح ومال للمأمون دون أن يكون لخليفته من بعده؛ ليشد بذلك من أزر المأمون، ويقوي من جانبه.
                  ولعلنا لا نعدو الواقع كثيرًا حين نذهب إلى القول بأن الرشيد كان يحذر الخلاف بين الأخوين، ويخاف كليهما على الآخر، يخاف الأمين على المأمون؛ لأن الأمين سيصبح الخليفة الذي بيده قوة الدولة من جند ومال، وتصحبه مزاياها من عظم الهيبة ونفوذ الكلمة، وسيكون مطمح آمال الآملين وموضع رجاء الراجين.
                  ويخاف المأمون على الأمين؛ لأن ما امتاز به المأمون من نجابة خارقة، وجدٍّ وحنكة، وعرفان بشئون الحياة واضطلاع، واعتداد بنفسه يجعل منه خطرًا شديدًا على الأمين جديرًا بأن يُخشى ويُتَّقى أيضًا، ويظهر أن كل هذا وقر في نفس الرشيد الذي كان معروفًا بالحزم وجودة الحَدْس، وقوة البصر بالعواقب، فأراد أن يتقيه، ورأى أن خير وسيلة لاتقائه، أن يستكتبهما العهدين، كما قدمنا، فيقطع بذلك أسباب الخلاف بين الأخوين، ويحول دون دسِّ الدساسين، وسعاية الساعين، ويفهم أنصار الفريقين ما للبيعة بين الأميرين من حرمة وتوقير.
                  غير أن تصرفات الأيام، وآثار البطانة، ونتائج السعاية، ومغبات الرياء والنفاق كانت فوق ما كان يُقدِّر الرشيد، فوقع الخلاف بين الأخوين أعنف ما يكون، ولم يكن ما اتخذه الرشيد من وقاية وحيطة ليصد تياره الجارف.
                  وكان المأمون الشاب حسن التوفيق في اختيار حاشيته ومشيريه، فجمع حوله طائفة من ذوي الدهاء والحنكة، وهؤلاء وإن كانوا من ذوي المطامع والأغراض قد أخلصوا له النصح، وثقَّفوه التثقيف الذي يكفل له النجاح، فإن تحقيق أطماعهم الواسعة موقوف على نجاحه.
                  فإخلاصهم له إخلاص في الواقع لأنفسهم أيضًا، ولما كانت أم المأمون فارسية فربما جاز لنا أن نقول: لعل لكونها فارسية أثرًا في أن يخلص له هؤلاء المشيرون؛ إذ كانوا كلهم من الفرس، وإذ كانت له بهم هذه القرابة.
                  ومن هنا نستطيع أن نفهم الرأي الذي يقول به بعض المؤرخين الفرنجة: إن انتصار المأمون على الأمين كان أيضًا انتصارًا للفرس على العرب، كما كان انتصارًا للفرس على العرب انتصارُ العباسيين على الأمويين، ومن هنا نستطيع أن نعلل أيضًا ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن المأمون كان شيعيًّا وهو عباسي؛ لأن البيئة الفارسية التي نشأ فيها كانت إلى حد غير قليل مهد التشيع للعلويين، فيجوز أن تكون قد صبغت المأمون بشيء من ألوانها، وقد كان لذلك آثاره لا في السياسة ونظام الملك فحسب، بل في الآراء والمذاهب مما سنذكره حين نعرض للكلام على الخليفة المأمون.
                  ولعلنا نكون بما قدمناه عن نشأة المأمون وصباه قد رسمنا لك صورة واضحة لهذا الأمير الذي سيكافح كفاحًا شديدًا في سبيل الملك، والذي كان له أكبر أثر في الحضارة الإسلامية.
                  أما شتى مواهب المأمون وآراؤه، وما اشتهر به من الحلم والعفو والكرم والبصر بالسياسة، وجودة الحدس، وكفاية البطانة، وشغفه بالعلم والأدب والجدال، وما كان لهذا الشغف من ثورة علمية وفكرية وكلامية في عصره، فسنرجئ الكلام فيها إلى موضعها من كتابنا، وهو الكلام على الخليفة المأمون بعد أن استقر له الأمر في بغداد، وحين نضجت فيه هذه الخلال وآتت كل ما لها من ثمرات.

                  تعليق


                  • #10
                    النزاع بين الأمين والمأمون

                    توطئة

                    عرفت مما ذكرناه لك في مجمل كلامنا عن الرشيد والأمين، أن الرشيد أعلن ولاية العهد للأمين في سنة ١٧٥ هجرية، وسِنُّ الأمين فيما قيل وقتئذٍ خمس سنين، ثم أشرك معه المأمون في ولاية العهد سنة ١٨٣ هجرية، ثم استوثق لكليهما من أخيه سنة ١٨٦ هجرية، وهو عام حج الرشيد، بأن استكتب كلًّا منهما عهدًا بما عليه وله قبل الآخر، وعلَّق العهدين بالكعبة، كما قدمنا.
                    ويؤخذ من نصوص العهدين وما تبودل بعد ذلك من الرسائل بين الأمين والمأمون، مما سنورد لك بعضه لما تضمنته من «الديبلوماطيقية العباسية»؛ وهي: لين في حزم، وتيئيس في تأميل طويل الأجل، ويؤخذ منها أن خراسان ونواحيها إلى الري كانت تحت إمرة المأمون يتصرف في جميع شئونها من سياسية وحربية واقتصادية وقضائية تصرفًا تامًّا، لا تربطه بحاضرة الخلافة إلا رابطة الدعاء للخليفة، وقد صارت إليه إمرة هذه النواحي في عهد الرشيد، وهي من الأمور التي أخذ الأمين بالوفاء بها فيما أخذ به من عهود ومواثيق.
                    وكان الرشيد قد أشرك في سنة ١٨٨ هجرية ولده القاسم مع أخويه في ولاية العهد، وجعل من نصيبه العمل على الشام وقنسرين والعواصم والثغور.
                    وكانت الأمور جارية مجراها الطبيعي آخر أيام الرشيد، ثم شطرًا كبيرًا من السنة الأولى من خلافة الأمين، إلا ما كان من أشياء طوى عليها المأمون كشحًا دُرْبة منه وسياسة، وحصافة وكياسة، وتريثًا وتعقلًا، وحزامة وتمهلًا.
                    ولم تنقض السنة الأولى من خلافة الأمين حتى كانت الدسائس قد فعلت فعلها، وحتى كانت المنافسة العنيفة بين البطانتين قد بلغت غايتها، وأخذ كل من الأخوين يحذر أخاه ويتقيه، وامتلأت الصدور حفائظ وإحنًا، ولم يبق إلا أن تُلمس فتنفجر. وسنفصل لكم كل ذلك تفصيلًا.
                    البيعة للأمين بولاية العهد
                    لم يكد الأمين يبلغ الخامسة من عمره حتى اجتهدت أمه زبيدة وأخواله في أن تؤول إليه ولاية العهد، لتكون الخلافة له من بعد أبيه.
                    وبالرغم من أن الرشيد كان يتوسم النجابة والرجاحة في “عبد الله المأمون”، ويقول: “إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت”- فإنه قدَّم محمدا بن زبيدة على أخيه الأكبر المأمون، مع علمه أن متبع هواه. ولعل رغبة أمراء البيت لعباسي واجتماعهم على تولية الأمين كانت وراء نزول الرشيد على رأيهم، وتحقيق تلك الرغبة التي اجتمعوا عليها.
                    وكانت حجتهم في ذلك أن الأمين هاشمي الأبوين، وأن ذلك لم يجتمع لغيره من خلفاء بني العباس، وكان يؤجج تلك الرغبة كرههم لـ”آل برمك” الذين استأثروا بالرشيد، ونالوا لديه حظوة ومكانة كبيرة.
                    استدعى الرشيد الأمراء والقواد ورجال الحاشية، وطلب الفقهاء ليُشهدهم على قراره الخطير الذي عقد عليه العزم، وهو البيعة لابنه الثاني “محمد الأمين”. وفي يوم الخميس (6 من شعبان 175 هـ = 8 من ديسمبر 791 م) عقد الرشيد مجلس البيعة، وأخذت لمحمد البيعة، ولقبه أبوه بـ” الأمين”، وولاه في الحال على بلاد الشام والعراق، وجعل ولايته تحت إدارة مربيه “الفضل بن يحيى البرمكي”.
                    خلافة الأمين
                    تولى الأمين الخلافة وعمره ثلاث وعشرون سنة، ولكن لم تتم له البيعة إلا في (منتصف جمادى الآخرة 193م = 4 من إبريل 809م).
                    وقد أدى تولي الأمين الخلافة إلى إثارة الفتنة بينه وبين أخيه المأمون، ومما زكّى نار هذه الفتنة وقوع التنافس بين رجلين قويين كان أحدهما الوزير “الفضل بين الربيع”، الذي يسيطر على الأمين، والآخر هو “الفضل بن سهل”، الذي يسيطر على المأمون، بالإضافة إلى اتخاذ العنصر العربي والفارسي من ابني الرشيد رمزًا للصراع بين العرب والعجم، والتفاف كل فريق حول صاحبه.
                    واستطاع الفضل بن الربيع إقناع الأمين بعزل أخيه المأمون من ولاية العهد، وأن يجعلها في ابنه “موسى بن الأمين”، ثم ما لبث أن خلع أخاه المؤتمن من ولاية العهد.
                    ومن ناحية أخرى عمل الفضل بن سهل على توسيع هوة الخلاف بين الأخوين، وحرص المأمون على الاستقلال بخراسان.
                    وأعلن الأمين البيعة بولاية العهد لابنه موسى وسماه “الناطق بالحق”، وأمر بالدعاء له على المنابر بعده، وقطع ذكر المأمون والمؤتمن. وبذلك يكون قد نكث عما أخذه عليه أبوه الرشيد من عهود ومواثيق.
                    وكان ممكنًا بعد أن طوى المأمون كشحًا على ما وقع من القوم من نكث للعهود، واغتصاب لما أوصى به الرشيد له من جند ومال وسلاح، وبعد أن أخذ يُهدي إلى أخيه خير ما وصلت إليه يُمناه من تُحف خراسان ونفائسها، أن تسير الأمور في مجراها الطبيعي، وأن يستقر الأمر بين الأخوين على ما أراد الرشيد، لولا أن بطانة الأمين أوغرت صدره على أخيه، ولولا أن بطانة المأمون حفزته إلى مقابلة العدوان بمثله، وأفعمت قلبه ثقة بالغلبة والظفر، وإيمانًا بالفوز والنُّجح.
                    وإن كلمة الفضل بن الربيع «لا أدع ملكًا حاضرًا لآخر لا يدري ما يكون من أمره» فيها الغنية والكفاية في تفهيمنا الأساس الذي بنيت عليه تصرفاته بين الأخوين، فهو ينظر لمصلحة من بيده الملك اليوم، لا يحفل ببيعة ولا عهد، ولا يكترث لوحدة قومية، ولا يحفل بإحلال الوفاق بين العباد، ولا يعمل على مصافاة ولا وداد، وإنما همه الملك الحاضر، والإمعان في إرضاء الملك الحاضر.
                    كذلك كانت حال الفضل بن سهل في موقفه مع عبد الله المأمون، ومهما كانت صورة المأمون التي صورها لنا التاريخ بأنه المغلوب على أمره في النزاع الذي نشب بين الأخوين، وأن الأمين هو الناكث الغادر، ومهما كانت القلوب الإنسانية تحنو على المظلوم، وتعطف على المغلوب، مهما كان كل ذلك، مما يجعلنا نستسيغ تصرفات الفضل بن سهل مع المأمون، بل مما يدفعنا إلى الافتنان بها، وعزو الحصافة والأصالة والكياسة إلى صاحبها، وأن ليس هناك من هو أنهدُ منه في مثل مواقفه ولا أجزى، ولا أحكم من تدبيراته ولا أوفى، ولا أرهف غرارًا من عزماته ولا أمضَى، ولا أقدر منه في خططه ولا أغنَى، بيد أنا مع ذلك إذا جردنا النفس الإنسانية من بعض صفاتها ونظرنا «ببرود» — على حد التعبير الإنجليزي — وبحيدة ونَصفة منه وله، فإنا نقرر من غير أن نعدو الحق والواقع، أن الفضل بن سهل لعب مع المأمون ذلك الدور الخطير بذاته الذي لعبه الفضل بن الربيع مع الأمين، وأن كلًّا قد توكأ على أميره لغايته، واستغله في سبيل نجح سياسته، ودفع به إلى حيث يريد.
                    ولننظر معًا في حوادث سنة 194ه ؛ لنكون مُلمِّين بتحول النزاع الذي شجر بين الأخوين، ولنؤمن الإيمان كله أن البطانة قد لعبت دورًا شنيعًا في إشعال جذوة الحقد والسخيمة بينهما، وعملت على إضرام أُوارها، وسعَت جهدها في توسيع مسافة الخلف بين الأخوين حتى كان ما كان، نجد أن الفضل بن الربيع، فيما يرويه لنا المؤرخون، سعى بعد مقدمه العراق على محمد مُنصرفًا عن «طوس» وناكثًا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يومًا وهو حي لم يُبْق عليه، وكان يترقب في ظفره به عَطَبه — سعى جهده في إغراء محمد به، وأعمل قريحته في حثِّه على خلعه، وزيَّن له، بما في مقدوره، أن يصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك في رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه، فيما ذكر الرواة عنه الوفاء لأخويه عبد الله والقاسم بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل به الفضل بن الربيع يُصغِّر في عينيه شأن المأمون، ويزيِّن له خلعه، حتى قال له: «ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم أخويك، فإن البيعة لك كانت متقدمة قبلهما، وإنما أُدخلا فيها بعدك واحدًا بعد واحد!»
                    قال ذلك ابن الربيع وضمَّ إلى رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ممن بحضرته.
                    ومن المعقول أن تفترض أن الفضل مضى في الإيقاع على هذه النغمة ثَنْيًا بعد ثني، ومرة إثر أخرى، وقدح في ذلك قريحته، واستخدم شتى وسائل أمثاله ونظرائه حتى أزال محمدًا عن رأيه، وقد ذكر المؤرخون أن أول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدعاء له، وللمأمون والقاسم بن الرشيد.
                    والآن، بعد أن وقفت على تصرف محمد وجماعة محمد مع المأمون وجماعة المأمون، لك أن تستنبط ما يفعله الفريق الآخر إجابة على تصرف الفريق الأول، ولك أن تنتظر من المأمون أن يدبر أمره تدبير من يرى أن أخاه يدبر عليه خلعه، ولك أن تنتظر مثل ذلك من جماعة المأمون وأنصاره.
                    وهكذا تنبئنا حوادث السنة نفسها؛ إذ ينبئنا الطبري أن فيها قطع المأمون البريد عن محمد، وفيها أسقط اسمه من الطرز، وفيها لحق رافع بن الليث بالمأمون، وهو من سلالة نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون، وحسن سيرته في أهل عمله، وإحسانه إليهم، فيما يرويه المؤرخون، أو سعي المأمون ورجالات المأمون كهرثمة وطاهر في إصلاح ما بينه وبين المأمون، وطلب الأمان له؛ ليكون عدة وظهيرًا للحزب المأموني، كما نستسيغه نحن ونستخلصه، وفيها ولَّى المأمون هرثمة رياسة الحرس، ولهرثمة مكانته وشهرته، وله سيرته ونجدته، ولرافع بيته وأنصاره، وكتائبه وفرسانه، كما أن لطاهر بن الحسين حزمه وشجاعته وفروسته ومرانه، ولابن سهل بلا ريب حذقه في تصرفاته التي بمثلها ترد الأهواء الشاردة، وتستصرف الأبصار الطامحة، وعلى رأسهم أو إلى جانبهم إن شئت المأمون، وقد تسربل بالثوب الذي نُصِح إليه بلبسه، فأضحى محمود الشيم، مرضيَّ الخلال، وهو باستعداده ونزعته ذلك الرجل السياسي المعتدل المزاج، الهادئ الأعصاب، السديد التصرف، السمح الأخلاق، اللين العريكة، الكريم المهزة، مع أناة وجلد وعزم وحزم ونفاذ ومضاء.

                    تعليق


                    • #11
                      ومن المعقول أيضًا أن ينكر الأمين ذلك من ناحيته أيضًا، والمعقول أن يبدأ بالتدبير على المأمون ليصدف عنه قلوب رجاله، وأن تتسلسل الحلقات وتستطرد الإجراءات المحتومة الوقوع في مثل هذه الحالات.
                      وربما كنا على حق إذا قلنا: إن النزاع أضحى بين الفضلين؛ ابن سهل وابن الربيع، وانقلب عنيفًا أعظم العنف، فقد كان بين كفايتين لا يعرفان الونية ولهما من الحصافة وثقوب البصيرة، ومن سعة الحيلة وفَدْح الخَتْل، ومن وفرة الحنكة وغناء الاختبار، ومن مضاء العزيمة وثروة الذهن، لهما من ذلك كله وما إلى ذلك من شتى الصفات السياسية ما لا قبل لأحدهما به من صاحبه، فلكلٍّ من صاحبه بواء ونديد، ومُنازِل عنيد، وكميٌّ صنديد.
                      وقد أثار موقف الأمين من أخيه غضب أهل خرسان؛ فانحازوا إلى المأمون ضد أخيه، وكان على رأس المؤيدين “هرثمة بن أعين” قائد الجند، و” طاهر بن الحسين” الذي خرج على رأس جيش كبير معظمه من الفرس من خراسان.
                      وفي المقابل جهز الأمين جيشًا مكونا من ثمانين ألف مقاتل معظمهم من عرب البادية، وجعل عليه “علي بن عيسى”، وكان يكره أهل خراسان؛ لأنهم دسوا عليه عند الرشيد، فعزله من ولاية خراسان وحبسه، حتى أطلقه الأمين واتخذه قائدًا لجيشه.
                      والتقى الجيشان على مشارف “الري”، ودارت بينهما معركة عنيفة، كان النصر فيها حليفًا لجيش المأمون بقيادة “طاهر بن الحسين”، وقُتل “علي بن عيسى” قائد جيش الأمين.
                      وأعلن طاهر بن الحسين خلع الأمين، ونادى بالبيعة للمأمون بالخلافة؛ فأرسل الأمين جيشًا آخر قوامه عشرون ألف مقاتل، وجعل على رأسه “عبد الرحمن بن جبلة الأبنادي”، لكنه لقي هزيمة منكرة وقُتل الكثير من جنوده، وما لبث أن قُتل.
                      وأرسل الأمين جيشًا ثالثًا بقيادة “أحمد بن مزيد” على رأس أربعين ألف مقاتل من عرب العراق، ولكن طاهر بن الحسين استطاع أن يبث جواسيسه داخل ذلك الجيش فأشاعوا الفرقة بين قواده وجنوده حتى اقتتلوا وانسحبوا عائدين قبل أن يلقوا خصومهم.
                      ولم يستطع الأمين أن يجهز جيشًا آخر لملاقاة أهل خراسان، بعد أن رفض الشاميون السير معه، وانضم عدد كبير من جنوده وأعوانه إلى خصومه، وفر كثير منهم إلى المدائن.
                      حصار بغداد وسقوط الأمين
                      وقد سادت الفوضى والاضطراب “بغداد” عاصمة الخلافة؛ حتى قام “الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان” بانقلاب ضد الأمين، وأعلن خلعه من الخلافة، وحبسه هو وأمه زبيدة في قصر المنصور في (رجب 196 هـ = مارس 812م)، وأعطى بيعته للمأمون، لكن فريقًا من أنصار الأمين استطاعوا تخليصه من الأسر، وأعادوه إلى قصر الخلافة.
                      وتقدم جيش المأمون نحو بغداد فحاصرها خمسة عشر شهرًا، وضربها بالمجانيق حتى أصيبت بأضرار بالغة، وتهدمت أسوارها، وأصابها الخراب والدمار، وسادت فيها الفوضى، وعمت المجاعات حتى اضطر الأمين إلى بيع ما في خزائنه للإنفاق على جنوده وأتباعه.
                      قتل الأمين

                      ولقد ضيق طاهر وهرثمة على الأمين الخناق، وفكَّرا فيمن يتسلَّم الأمين ليكون له قصب السبق، وإنه لمن المؤلم حقًّا أن ترى الأمين وهو يُقبِّل أولاده، ومن المؤلم أن تسمعه وهو يقول: «وددت أن الله قتل الفريقين جميعًا، فما منهم إلا عدوٌّ من معي ومن عليَّ، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي!» وقال:
                      تفرقوا ودعوني / يا معشر الأعوان
                      فكلكم ذو وجوه / كثيرة الألوان
                      وما أرى غير إفك / وتُرَّهات الأماني
                      ولست أملك شيئًا / فسائلوا خُزَّاني
                      فالويل لي ما دهاني / من نازل البستان؟
                      وإنه لمن المؤلم حقًّا أن يتفقا على أن يأخذ أحدهما بدنه، والآخر خاتم الخلافة وشاراتها! ومن المؤلم حقًّا أن تُختم حياته بمأساته المُروِّعة.
                      وبدأت المدينة تتهاوى حتى سقطت أمام جنود المأمون، وتم القبض على الأمين ووضعه في السجن. وفي ليلة (25 من المحرم 198 هـ = 25 من سبتمبر 813م) دخل عليه جماعة من الفرس في محبسه، فقتلوه .
                      والسؤال الأن هل قتل الخليفة المأمون أخاه الخليفة الأمين؟..

                      تعليق


                      • #12
                        بداية لقد نقض الخليفة الأمين العهد الذي قطعه على أبيه خليفة المسلمين هارون الرشيد واعلانه البيعة بولاية العهد لابنه موسى وسماه “الناطق بالحق”، وأمر بالدعاء له على المنابر بعده، وقطع ذكر المأمون والمؤتمن. وبذلك يكون قد نكث عما أخذه عليه أبوه الرشيد من عهود ومواثيق.
                        فما هو حكم ناكث العهد في الإسلام؟..
                        إنّ احترام المواثيق، والوفاء بالعهود، شرط ضروري لاستقرار الحياة الاجتماعية واستقامتها، إذ الثقة المتبادلة ركن أساس لهذه الحياة، ولا تتحقّق هذه الثقة المتبادلة إلا بالوفاء بالعهود، والاحترام المتقابل للمواثيق والوعود، ولهذا، أمر الله سبحانه وتعالى بلزوم الوفاء بالعهد، وقال: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُول» (الإسراء: 34). ويقول عن صفات المؤمنين: «وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ» (المؤمنون: 8). وتبلغ أهميّة ذلك، أنّ القرآن كما يمدح الموفين بالعهد، ويقول: «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنقُضُونَ المِيثَاقَ» (الرعد: 20)، يذمّ في المقابل الناقضين للعهود، ويقول عنهم: «وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ» (الرعد: 25). بل يشبّه الناقض للعهد بالمرأة الناقضة لغزلها، بعد أن تعبت على صنعه، إشارة إلى ما يتركه نقض العهد من اختلال في الحياة الاجتماعية، فيقول: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً» (النحل: 91 92). وقد تضافرت الأحاديث على التأكيد والإيصاء بهذا الأمر، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليف إذا وعد». وقال أيضاً: «أقربكم منّي غداً في الموقف، أصدقكم في الحديث، وأداكم للأمانة، وأوفاكم بالعهد». إنّ نقض العهد والميثاق خير دليل على فقدان الوازع الديني، وانعدام الشخصية الدينية، ولهذا قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا دين لمن لا عهد لهُ». إنّ الذي لا يرتاب فيه أحد، هو أنّ المشركين واليهود أشدّ الناس عداوةً للمؤمنين، كما صرّح القرآن بذلك، قائلاً: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» (المائدة: 82). ومع ذلك، نجد القرآن الكريم يصرّح بلزوم احترام المواثيق والمعاهدات المعقودة مع المشركين، فيقول: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ» (التوبة: 3 ــــ 4). نعم، أجاز الإسلام قتال المشركين إذا نكثوا إيمانهم وخالفوا عهودهم مع المسلمين، ولذلك قال سبحانه: «وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ)» (التوبة: 12). ولأجل أهميّة العهود والمواثيق المعقودة بين المسلمين وغيرهم من الحكومات والأطراف، أوصى الإمام عليّ (عليه السلام) واليه الأشتر باحترام المواثيق، إذ كتب في عهده المعروف: «وإن عقدت بينك وبين عدُوِّك عُقدةً أو ألبستهُ منك ذمّةً، فحُطْ عهدك بالوفاء، وارع ذمَّتك بالأمانة، واجعل نفسك جُنّةً دون ما أعطيت، فإنّهُ ليس من فرائض الله شيء الناسُ أشدّ عليه اجتماعاً مع تفرّق أهوائهم، وتشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعُهود». ومن نماذج التزام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بمواثيقه وتعهّداته، ردّ أبي بصير إلى مكّة بعد توقيع ميثاق الحديبية، حيث التزم توخّياً للمصلحة في أحد بنود ذلك الميثاق، أن يردّ إلى المشركين كلّ مَن فرَّ من مكّة إلى المدينة واعتنق الإسلام، فلمّا قدم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، أتاه أبو بصير، وكان ممّن حُبِس لإسلامه بمكّة، فلمّا قدم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كتبت فيه قريش إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلبونه منه وفق ما التزم في صلح الحديبية وأرسلوا مَن يعيده إلى مكّة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أبا بصير، إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلُحُ لنا في ديننا الغدر، وإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فانطلق إلى قومك». قال: يا رسول الله، أتردّني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أبا بصير، انطلق، فإنّ الله تعالى سيجعلُ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً». وقد فرّج عنه في ما بعد، كما وعده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإذن الله. سعادة الطاعة في فعل الخير للعطاء أوجه متعدّدة، يمكن أن يقدّمها الانسان للأشخاص المحيطين به، أو المقرّبين على وجه التحديد، بيد أنّ هناك مَن يرى أنّ العطاء قد يكون متشعّباً ويضحّي الإنسان من خلاله بأُمور كثيرة، مقابل أن يقدِّم السعادة للآخرين. ولأوجه العطاء أثر إيجابي على المدى البعيد، لأشخاص ضحّوا بحياتهم من أجل حياة آخرين.. فقد حضَّنا الإسلام على فعل الخيرات والعطاء والتكافل، حيث تبرز إنسانية الإنسان في وجهها المشرق الذي يملأ الحياة سعادةً وأُلفةً وطمأنينةً، والمجتمع المتوادّ والمتراحم والمعطاء الذي يضحّي أفراده في سبيل الآخرين، ويعطون من أوقاتهم وجهدهم وإمكاناتهم في سبيل رفع الحرمان ومساعدة الآخرين، هو مجتمع يعيش بالفعل روح الإسلام في الدعوة إلى الخيرات ونشر المحبّة والتآلف، وبذلك يتعزّز وضع المجتمع وتقوى أُسسه، وتتكرّس العلاقات الإنسانية فيه بأحسن صورها وأصدقها نبلاً. وعن الذين يقومون بفعل الخيرات، قال تعالى: «أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» (المؤمنون: 61)، لأنّهم ارتكزوا في حياتهم على القاعدة الصلبة التي ينطلق منها كلّ خير، وهي الإيمان بالله وبتوحيده، والخوف منه، والمحبّة له، والوجل من المصير يوم الحساب، ولذلك فإنّهم ينتهزون كلّ فرصةٍ لعمل الخير، لئلا تفوتهم، فتفوتهم سعادة الطاعة ونتائجها السعيدة، فيسارعون فيها.. «وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ» (المؤمنون: 61)، لأنّ مَن يسارع إلى الهدف الذي يحبّه، لا بدّ من أن يسبق الناس إليه.. وتلك هي الجنّة التي يتنافس فيها المتنافسون، وينطلق إليها المتسابقون، «وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا» (المؤمنون: 62)، فلكلٍّ طاقته على عمل الخير، وعليه القيام بما يستطيعه منه، فلن يطلب الله منه أكثر من ذلك، لأنّ الله لا يكلّف عباده بما لا يطيقون، لأنّه ظلم لا يصدر عنه سبحانه وسيجزيه الله جزاء ذلك، «وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ» (المؤمنون: 62) يسجِّل لعامل الخير كلّ دقائقه وخفاياه، «وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (المؤمنون: 62) شيئاً من ذلك، بل يأخذونه وافياً كاملاً غير منقوص.

                        تعليق


                        • #13


                          اهتم القرآن الكريم بمسألة الوفاء بالعهود، ولم يتسامح فيها أبداً؛ لأنها قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة ويتهدم. وجعل من الفضائل فضيلة الوفاء بالعهد، واحترام الوعود، فقد أمر سبحانه عباده المؤمنين بالإيفاء بالعقود، فقال سبحانه: {أوفوا بالعقود} (المائدة:1)، وجعل الالتزام بالعهود والوعود من المسؤوليات التي يحاسب عليها المؤمن، فقال عز وجل: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا (الإسراء:34.
                          من أجل ذلك، كان نقض العهد نقيصة مخجلة؛ لأن الإنسان يحيد بها عن حق الله تعالى، وحق عباده؛ ذلك أن من ينقض ما عاهد الله عليه، من السهل أن ينقض عهود الناس، وألا يلتزم بوفاء الوعود، ما يجعل العلاقات الإنسانية عرضة للمخاطر التي تجلب الأضرار المادية والمعنوية، وتلحق الأذى والدمار بالصلات والروابط على اختلافها.
                          والنصوص القرآنية هنا لا تقف عند حد الأمر بالوفاء، والنهي عن النقض، بل تستطرد لضرب الأمثال، وتقبيح نكث العهد؛ إذ القصد بالأمثال صرف المكلف عن مضمونها إذا كان قبيحاً، والدعاء إليه إذا كان حسناً.
                          ولهذا، بعد أن أمر الله بالعدل والإحسان، ونهى عن المنكر والعدوان، أعقب ذلك بقوله سبحانه: (وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان} (النحل:91}، توجيهاً للناس نحو الحق والخير، وأمراً لهم بالوفاء بالعهد، ونهياً عن نقض الأَيمان.
                          ثم ضرب الله سبحانه مثلاً توضيحيًّا للذين ينقضون بالعهود، ولا يوفون بالوعود، فقال عز من قائل: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} (النحل:92)، فجاء هذا المثل من واقع الناس، يرونه في حياتهم. حيث يأمرهم ربهم بألا يكونوا مثل تلك المرأة الحمقاء الخرقاء، التي تغزل صوفها بإحكام، ثم تعود وتحل ما غزلته، فيذهب تعبها وعملها سدى، وبحسب التعبير القرآني: {أنكاثا}، أي: قطعاً متفرقة، أو خيوطاً مبعثرة، لا تصلح في حياكة ثوب، أو صُنع شيء يُنتفع به.
                          وقد تحدث سيد قطب رحمه الله عن هذا المثل، فقال: "مثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها، ثم تنقضه، وتتركه مرة أخرى قطعاً منكوثة ومحلولة! وكل جزئية من جزيئات التشبيه تشي بالتحقير والترذيل والتعجب. وتشوه الأمر في النفوس، وتقبحه في القلوب، وهو المقصود. وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مَثُلُه كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة، الملتاثة العقل، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه!".
                          والمراد من ضرب هذا المثل التحذير والتخويف من سوء عاقبة نقض العهود والمواثيق، والحث على الوفاء بها، وبيان أن فعل ذلك كمثل المرأة التي غزلت غزلاً وأحكمته، فلما استحكم، نقضته فجعلته أنكاثاً. قال الألوسي: "ففي الآية تشبيه حال الناقض بحال الناقض في أخس أحواله؛ تحذيراً منه، وأن ذلك ليس من فعل العقلاء، وصاحبه داخل في عداد حمقى النساء".
                          أما الشيخ الشعراوي فقد قال عن المراد من هذا المثل ما نصه: "فكأن القرآن شبه الذي يعطي العهد ويوثقه بالأيمان المؤكدة، ويجعل الله وكيلاً وشاهداً على ما يقول بالتي غزلت هذا الغزل، وتحملت مشقته، ثم راحت فنقضت ما أنجزته، ونكثت ما غزلته...والحق تبارك وتعالى بهذا المثل المشاهد يحذرنا من إخلاف العهد، ونقضه؛ لأنه سبحانه يريد أن يصون مصالح الخلق؛ لأنها قائمة على التعاقد والتعاهد والأيمان التي تبرم بينهم، فمن خان العهد، أو نقض الأيمان لا يوثق فيه، ولا يُطمأن إلى حركته في الحياة، ويُسقطه المجتمع من نظره، ويعزله عن حركة التعامل التي تقوم على الثقة المتبادلة بين الناس".
                          ويُستدل من هذا المثل على وجوب احترام معاهدات الصلح والاتفاق بين الأمم، وعدم نقضها من طرف واحد؛ لأن الأصل في ذلك توافق إرادة الطرفين المتعاهدين على إلغاء المعاهدة أو وقفها، وأن يُقصد بها الإصلاح والعدل والمساواة، فتبنى على الإخلاص دون الغش والخداع والمكر؛ ذلك أن الإسلام يريد الوفاء بالعهد والمعاهدات، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والخداع. وعلى هذا الأساس السليم والمتين من الوفاء بالعهود والوعود قام بناء الدولة الإسلامية؛ فنَعِمَ العالم بالطمأنينة والثقة في المعاملات الفردية والدولية، يوم كانت قيادة البشرية لهذا الدين القويم.

                          تعليق


                          • #14
                            في الوفاء بالعهود

                            الإسلام يجعل العلاقات بالآخر تقوم على العهود والمواثيق ومدى ما يوفره المسلم من ضمانات لاستمرارها وثباتها ذلك لأن هذه المواثيق والعهود الله تعالى طرف فيها، وصيانة العهود والمواثيق هي في حقيقتها حماية للمبادئ والقيم التي دعا إليها الإسلام، وشدد في وصاياه للمسلمين على أن يصونوها ولا يفرطوا فيها، بل اعتبرها من معالم الصراط المستقيم الذي نسأله ليلا ونهارًا أن يهدينا إليه، يقول تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مسؤولا) (الإسراء/ 34).

                            وحذر الإسلام أشد التحذير من نقض العهود والمواثيق، فقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل/91) والإسلام يحذر أتباعه من خيانة العهود والمواثيق حتى ولو كانت مع الكفار الذين يريدون الشر بالإسلام والمسلمين ذلك لأن الله تعالى طرف في العهود والمواثيق ويجب ألا تخفر ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم.

                            والإسلام يشدد على الوفاء بالعهود حتى ولو كانت مع غير المسلمين، بل حتى من يناصب الإسلام العداء، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال «ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبى حسيل، قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما تريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا، تفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» رواه مسلم.

                            أي التزام بالعهود كهذا الالتزام ومع من مع كفار يريدون الشر بالمسلمين؟ ولو غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي وصفه مولاه سبحانه بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم/4) لاستغل هذا الظرف ونقض العهد معهم لكنه صلوات ربي وسلامه عليه وفى لهم بعهدهم واستعان بالله تعالى على حربهم، والنصر من عند الله تعالى مهما تعاهد الأعداء عليك، وتداعوا عليك من كل جانب.

                            إن أخلاقيات الإسلام تمنعه من أن ينقض العهود والمواثيق، وتحدثنا السيرة المباركة أنه (صلى الله عليه وسلم) عندما دفع عهد الصلح بينه وبين قريش، وقبل أن يجف الحبر جاء ابن سهيل بن عمر هاربًا من قريش، فقال سهيل مندوب قريش للرسول (صلى الله عليه وسلم) العهد بيننا وبينكم أن تعيدوا إلينا من جاءكم مسلمًا ونحن لا نعيد إليكم من جاءنا كافرًا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدقت لك ذلك، فقال ابن سهيل كيف ترجعوني إليهم قد آمنت بالإسلام؟

                            فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صبرًا لعل الله تعالى يجعل لك من ذلك مخرجًا، وفعلا عندما أرجعه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليهم ورأى بعض المسلمين في ذلك غبنا ولم يدركوا الحكمة النبوية البالغة فلما وفى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعهده لهم هرب منهم وقطع عليهم الطريق حتى طلبوا من الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يستعيده فرجع إلى جماعة المسلمين وجاهد معهم الكفار.

                            تعليق


                            • #15
                              معالم قرآنية في الصراع مع اليهود

                              الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴾ [الأنفال: 56] ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 100].
                              ينظر اليهود إلى العهود والمواثيق التي يوقعونها مع غيرهم إنها توقع للضرورة ولغرض مرحلي ولمقتضيات مصلحة آنية، فإذا استنفذ الغرض المرحلي، نقض اليهود الميثاق من غير استشعار بأي اعتبار خلقي أو التزام أدبي، فاللجوء إلى العهود والمواثيق ما هو إلا حالة اضطرارية إن لم يستطع اليهود تجاوزها بالحيلة والخداع والتزوير، أو خشوا البطش بهم أو القضاء على مصالحهم المادية.
                              ولكن عندما تتوافر الظروف المناسبة، وتزول الحالة الطارئة التي اقتضت التوقيع على الميثاق، فلا بد من إزالة هذا القيد الذي هو يقيد تصرفاتهم أو يحد من حركتهم للوصول إلى هدفهم الذي يسعون إليه.
                              ويشير القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة الماكرة في اليهود في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾[الأنفال: 56 – 58].
                              إن العلاج الناجع لمثل هؤلاء القوم الذين اعتادوا نقض العهود المرة تلو المرة ينبذ إليهم عهدهم وألا يدخل معهم في ميثاق، وإنما تعد لهم القوة التي ترهبهم فهؤلاء لا يستقيمون على شرعة إلا إذا كانت القوة تهددهم، فلا ينبغي أن يكون العهد ملتزماً به من جانب واحد فيصبح له قيداً يثقل كاهله بينما الطرف الآخر لا يتقيد به وينتهز الفرص. ولكن الفرق بين المؤمنين وغيرهم، أن المؤمن يُعلم عدوه بنبذ العهد جهاراً لقاء عدم التزام العدو به فيكون في حل منه، أما العدو فيخاتل وينقضه سراً من غير أن يجرؤ على البوح بمقصده.
                              وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قينقاع فقال: "إني أخاف من بني قينقاع فنبذ إليهم عهدهم وكان من الأمر ما كان".
                              وسياسة اليهود في نقض العهود أن ينبذه فريق منهم ويبقى فريق محافظاً على العهد وذلك تجنباً للاستئصال، فإن لقي الناقضون للعهد جزاء رادعاً، لم يقدم الآخرون على ذلك، أما إن سلموا من العقوبة والتأديب لحق بهم الآخرون في النقض والتفلت من الميثاق.
                              وهذه السياسة أشار إليها القرآن الكريم في معرض الحديث عن اليهود ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 100] أكثرهم لا يؤمنون بالعهد ومضمونه وإنما يلتزمون به ظاهراً ويعملون على تعطيله وإلغائه باطناً. وتأتي بعد هذه الآية ما يشعر بأنهم قد تحرروا من أكبر عهد وميثاق أخذه الله عليهم ولم يلقوا له بالاً فما بالك بالعهود التي يقطعونها على أنفسهم مع البشر. حيث يقول جل شأنه: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 101].
                              لقد كان ضمن ما نزل عليهم في التوراة أنهم إن أدركوا زمان آخر الأنبياء أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه، وأغلظ الميثاق عليهم في ذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 81 – 82].
                              إن من يلقي بعهد الله وراء ظهره، فكيف يظن به أن يحافظ على المواثيق مع البشر بل إنهم يطبقون ما نصت عليه توراتهم المحرفة. جاء في التوراة (فلا تقطعوا عهداً مع سكان هذه الأرض) انظر سفر القضاة 2/2.
                              وينص التلمود. (على اليهودي أن يؤدي عشرين يميناً كاذبة، ولا يعرض أحد إخوانه اليهود لضرر ما)، انظر الكنز المرصود ص 95 نقلاً عن صراعنا مع اليهود في ضوء السياسة الشرعية/102.
                              هذا كان موقفهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، غدر يهود بني قينقاع بعد غزوة بدر وساءهم انتصار المسلمين على المشركين.
                              وغدرت بنو النضير بعد غزوة أحد وتجرأوا على المسلمين بعد أن أصابهم ما أصابهم في أحد.
                              وغدرت بنو قريظة يوم الأحزاب وتمالؤوا مع المشركين على طعن المسلمين من الخلف، فكان من أمرهم أن منهم من أجلي ومنهم من أسر ومنهم من قتل جزاءاً وفاقاً لغدرهم وخياناتهم.
                              واليوم يعيد التاريخ نفسه، كم هدنة وقعت مع اليهود، فكانت كل هدنة تمهد لحرب لاحقة وتضم إلى أراضي إسرائيل أرض جديدة.
                              واليوم يقدم العرب على تجربة جديدة مع اليهود للتنازل لهم عن فلسطين فهل يرضى اليهود بذلك أم تكون خطوة مرحلية للانقضاض مرة أخرى لتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى.
                              إننا على يقين تام أن هذا الأمر لن يطول، وأن التوسع سيعود من جديد لأن الهدف النهائي لم يتحقق بعد وسيطرة اليهود على العالم لم تتم بشكل ظاهر ولم يتوج ملكهم على العالم.
                              وهذا الحدث لن نقف عنده طويلاً فأحداث التاريخ كالمحيط من أراد أن يعرف أكثر عليه أن يغوص أكثر..

                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة د.أمير عبدالله, منذ 5 يوم
                              ردود 5
                              66 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة النسر المصري  
                              أنشئ بواسطة *اسلامي عزي*, منذ أسبوع واحد
                              ردود 0
                              6 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة *اسلامي عزي*
                              بواسطة *اسلامي عزي*
                               
                              أنشئ بواسطة *اسلامي عزي*, منذ أسبوع واحد
                              ردود 5
                              29 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة wael_ag
                              بواسطة wael_ag
                               
                              أنشئ بواسطة من دار الارقم, منذ أسبوع واحد
                              ردود 0
                              8 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة من دار الارقم  
                              أنشئ بواسطة *اسلامي عزي*, منذ 2 أسابيع
                              ردود 0
                              4 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة *اسلامي عزي*
                              بواسطة *اسلامي عزي*
                               
                              يعمل...
                              X