صوت يسوع المحجوب..كشف تناقضات الكتاب المقدس وأسباب عدم ملاحظتنا لها:::.د. بارت إيرمان

تقليص

عن الكاتب

تقليص

karam_144 مسلم معرفة المزيد عن karam_144
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    [align=justify]
    بعض الاختلافات الجوهرية بين إنجيل يوحنا والأناجيل الإزائية
    من الواضح أن الأناجيل الإزائية لا تتفق فيما بينها في كل ما ترويه من روايات. لكن تشابها بالغ العظم يجمعها معا ويعزلها عن إنجيل يوحنا. لقد كان من المعروف لزمن طويل أن السبب الذي يجعل هذه الأناجيل متفقة في مواضع كثيرة هو أنها جميعا تشاركت المصادر نفسها. فلوقا ومتى، على سبيل المثال، استعملا مرقس كمصدر لهما، فأعادوا إنتاج ما به من روايات إعادة إنتاج حرفية في كثير من المواضع وأدخلوا عليه تغييرات- وأحيانا كانت هذه التغييرات كبيرة- حينما كانوا يريدون أن يحكوا القصة ذاتها بطرق مختلفة.
    وبالرغم من أن الكثير من القراء غير المداومين للعهد الجديد لم يلاحظوا هذا، فإن إنجيل يوحنا قضية مختلفة تمام الاختلاف. فباستثناء روايات اللآلام، غالبية القصص التي أوردها يوحنا في إنجيله لا نجد لها أي أثر في الأناجيل الإزائية، كما أن غالبية القصص الواردة في الأناجيل الإزائية ليس لها وجود في إنجيل يوحنا. وحينما يتناولان منطقة متشابهة بالحديث، تختلف قصص يوحنا اختلافا صادما عن قصص الأناجيل الأخرى. وهذا الأمر بمقدورنا أن نرصده عبر القيام بشكل من المقارنة الشاملة بين يوحنا من جهة وبين الأناجيل الإزائية من جهة أخرى.
    خلافات في المضمون
    لو قدر لك أن تقرأ الأناجيل الإزائية وأن تضع موجزًا للفقرات المحورية- وأعني بهذا المصطلح القصص التي تمثل البنية الهيكلية لما ذكروه من روايات- فماذا ستجد؟ يبدأ لوقا ومرقس إنجيليهما بالحديث عن ولادة يسوع في بيت لحم من عذراء. أول الأحداث الرئيسة التي أجمعت على ذكرها الأناجيل الثلاثة هي معمودية يسوع على يد يوحنا والتي يذهب بعدها إلى البرية ليجربه الشيطان. يعود يسوع من البرية ويبدأ في التبشير برسالته التي تنذر باقتراب ظهور«مملكة الرب». الشكل المميز لتعاليمه هو أنها تأتي في صورة أمثال. وفي الحقيقة، يقال في إنجيل مرقس إن يسوع علم الجموع عبر الأمثال فحسب(مر 4 : 11 ). ويصنع يسوع كذلك المعجزات. فواحدة من معجزاته الفريدة – وهي أولى المعجزات في إنجيل مرقس- كانت إخراج الشياطين من هؤلاء الذين سيطرت عليهم هذه الشياطين. ولذا يمضي في خدمته في مدينة الجليل مبشرًا عبر ما يضربه من أمثال وما يقوم به من إخراج للشياطين حتى منتصف الروايات عندما يصطحب ثلاثة من تلامذته- بطرس يعقوب ويوحنا- إلى أعلى الجبل وفي وجودهم يمر بتجربة التجلي والتي تتحول فيها هيئته تحولا مجيدا ويبدأ في الحديث إلى موسى وإيليا الذان ظهرا من قِبَل السماء. وبعد التجلي، يواصل يسوع خدمته الخلاصية حتى يذهب إلى أورشليم في الأسبوع الأخير من حياته. ويطهر الهيكل ويتناول العشاء الأخير الذي يشرع فيه للعشاء الرباني عبر حديثه عن الخبز الذي يمثل جسده والكأس الذي يعبر عن دمه. ويقف أمام المحكمة التي يترأسها القادة اليهود ويدان بتهمة التجديف. ثم تأتي النهاية المألوفة، التي حكيت بطرق مختلفة، فيموت ثم يقوم من بين الأموات.
    من المدهش أنه ليس هناك واحدة من هذه القصص التي تمثل الهيكل العظمي لروايات الأناجيل المتوازية يمكننا العثور عليها في إنجيل يوحنا. فليس ثمة أي ذكر لميلاد المسيح في بيت لحم ولا لعذرية أمه. ولا يقال بوضوح أنه جرى تعميده وأنه قد مر بتجربة الإغواء من الشيطان في البرية. وفي يوحنا لا يبشر يسوع بملكوت الرب القادم ولا يذكر أي أمثال. كما أنه لا يخرج أي شيطان ولا تذكر أي كلمة عن التجلي.وحتى الهيكل لا يذكر عنه أن يسوع قام بتطهيره عند مجيئه إلى أورشليم( جاء ذكر دخوله أورشليم في يوحنا، الأصحاح الثاني). ولا يضع يسوع في يوحنا حجر الأساس لطقس العشاء الرباني(بل يستبدله بغسل أقدام التلاميذ)، ولا يخضع لأي شكل من المحاكمة أمام السنهدرين اليهودي.
    فإذا لم يذكر يوحنا أيًّا من هذه الروايات التي تبدو أساسية في قصة يسوع، فعلاما يحتوي إنجيله؟ يحتوي إنجيل يوحنا قصصا لا تأتي الأناجيل الإزائية على ذكرها. فيوحنا يبدأ بتمهيد يصف على نحو يشوبه الغموض كلمة الله التي كانت مع الله منذ البدء، والتي كانت هي نفسها الله وخلق الله بواسطتها الكون. وقد صارت الكلمة، كما يقال لنا، كائنا بشريا والذي هو يسوع المسيح: كلمة الله الذي صارت جسدًا. وهذا شيء ليس لها شبيه في الأناجيل الإزائية.
    ويحكي يسوحنا عن يسوع قيامه بالمعجزات بينما يمارس خدمته التبشيرية، لكنه لا يسميها معجزات(miracles) أبدًا، وهو المصطلح الذي يعني حرفيًّا «أعمال القوة». بل إنه، بدلا من مصطلح المعجزة، يسميها «علامات»(signs). لكن علامات على ماذا؟ هي علامات تدل على حقيقة شخصية يسوع الذي هو ذلك الكائن الذي نزل من السماء ليمنح كل من يؤمن به الحياة. يذكر يوحنا سبع علامات في إنجيله، وغالبيتهم لا نجده بين المعجزات المذكورة في الأناجيل الإزائية(باستثنائين اثنين وهما المشي على الماء وإطعام الجموع). وتشمل العلامات التي رواها يوحنا بعض المعجزات المفضلة لدى قراء الكتاب المقدس عبر السنين: تحويل الماء إلى نبيذ، شفاء الرجل الذي وُلِدَ ضريرا، وإحياء أليعازر من بين الأموات. كما يمتلك يسوع في هذا الإنجيل رسالة تبشيرية، لكنها لا تتحدث عن ملكوت الرب القادم، بل بشارة عن نفسه: كنهه الذاتي، ومن أين أتى، وإلى أين سيمضي، وكيف سيمنح المؤمنين الحياة الأبدية. كما ينفرد يوحنا بالعديد من أقوال المسيح التي تحتوي الجملة البادئة« أنا هو...»، والتي يعرف عبرها يسوع الناس بنفسه وما الذي بمقدوره تقديمه لهم. كل جملة تبدأ ب«أنا هو...» عادة ما يليها صنع علامة كدعامة تظهر أن ما يقوله يسوع عن نفسه صدق لا مراء فيه. وعلى هذا المنوال يقول «أنا هو خبز الحياة» ثم يشفعها بإثبات لقوله عبر تكثير أرغفة الخبز للإطعام الجموع؛ ويقول «أنا نور العالم» ويثبتها بشفاء الرجل الذي ولد ضريرًا؛ ويقول «أنا القيامة والحياة» ويحيي إليعازر من بين الأموات إثباتا لقوله.
    وعادة ما يلقي يسوع في إنجيل يوحنا خطبًا مطولة في مقابل المقولات الجديرة بالذكر والتي تشبه الحكم في الأناجيل الثلاثة الأخرى. فهناك خطاب طويل في الأصحاح الثالث مع نيقوديموس، وفي الإصحاح الرابع هناك الحوار مع المرأة السامرية، وهناك الخطبة الأكثر طولا التي يلقيها على مسامع تلاميذه والتي تغطي المساحة بين الإصحاحين الثالث عشر والسادس عشر وذلك قبل أن يبدأ في صلاة تغطي الفصل التالي كله. ليس هناك خطبة من بين هذه الخطب أو مقولة من التي تبدأ بقوله«أنا هو...» يمكننا العثور عليها في الأناجيل الإزائية.
    مضامين بينها فروق
    بمقدورنا قول الكثير عن الخصائص التي ينفرد بها إنجيل يوحنا؛ مع ذلك فقضيتي التي أسعى إلى إثباتها هاهنا ليست أن أثبت ببساطة أن ثمة فروقا بين يوحنا من ناحية وبين الأناجيل الثلاثة المتوازية من ناحية أخرى، بل إن الصور التي يرسمها هذا الإنجيل(أي يوحنا) لشخصية عيسى هي صور بالغة الاختلاف. نعم، من المؤكد أن الأناجيل المتوازية الثلاثة بينها فروق وليست متطابقة تمام التطابق، لكن الفروق التي نجدها بين الأناجيل المتوازية من جهة، وبين إنجيل يوحنا من جهة أخرى هي فروق بالغة البروز، كما يمكن للمرء أن يلحظها عند إمعانه بحثا في بعض التأكيدات الموضوعية المتنوعة.
    الولادة العذرية والتجسد
    تتلخص العقيدة المسيحية الأرثوذكسية بشأن ميلاد المسيح والتي قوبلت بالتسليم في أنه كان كائنا إلهيا ذا وجود سابق على وجوده الأرضي، وأنه مساوٍ لله الآب، لكنهما ليسا الذات نفسها، وأنه قد صار«متجسدًا»، صار كائنا بشريًّا، عبر قنطرة هي مريم العذراء. لكن هذه العقيدة ليس لها وجود في أيٍّ من أناجيل العهد الجديد. فكرة الوجود العيسوي الذي سبق ميلاده وكونه كائنا إلهيا تأنس نجدها في إنجيل يوحنا وحده؛ أما فكرة ميلادي العذري فلا نعثر عليها إلا في إنجيلي متَّى ولوقا وحديهما. وبالتوفيق بين الرؤيتين بمقدور المرء أن يستخرج الرؤية التي صارت هي العقيدة التقليدية، أي تلك التي آمن بها الأرثوذكس. مفهوما الميلاد من عذراء و التجسد، في تصور مؤلفي الأناجيل، كانتا مختلفتين تمام الاختلاف.
    لم ينبس مرقص في إنجيله ببنت شفة عن أيٍّ من المفهومين. فالقصة عنده تبدأ بيسوع في سن الرشد، ولا يشير مرقص من قريب أو من بعيد إلى الظروف المحيطة بلحظة الميلاد. إذا لم يكن بين يديك سوى إنجيل مرقص، وهو بالفعل حال بعض المسيحيين من العصر المسيحي المبكر، فلن يكون لديك أي فكرة عن أي شئ غير عادي في حدث ميلاد عيسى، أو عن أمه وكونها ولدته وهي عذراء، أو أن لعيسى وجود سابق عن وجوده الأرضي.
    إنجيل متى بالغ الوضوح في الإشارة إلى أن أم عيسى كانت عذراء، لكنه كان بالغ التحفظ حيال أي محاولة للتخمين بشأن ما يعنيه هذا الأمر من الناحية اللاهوتية. وقد رأينا كيف كان متى حريصا على نحو خاص على إبراز كيف كان كل شئ يتعلق بميلاد عيسى وحياته وموته تحقيقا لنبوءة ورد ذكرها في الكتاب المقدس اليهودي. لذا، لم ولد عيسى من عذراء؟ كان ذلك بسبب أن إشعياء، ذلك النبي العبراني، كان قد أشار إلى أن «عذراء ستحبل وتلد ولد، وأنهم سيدعونه عمانوئيل»(متى 1 : 23 ، حال اقتباسه العدد 7 : 14 من أشعياء) . في الحقيقة، لم يكن هذا ما قاله إشعياء بدقة. في الكتاب المقدس العبري، ذكر أشعياء أن «فتاة شابة» ستحمل وتلد ولدا، وهي نبوءة، لكنها عن حدث كان مزمع أن يقع في العصر ذاته الذي عاش فيه أشعياء، وليس نبوءة مستقبلية.[1] حينما جرت ترجمة الكتاب المقدس العبري إلى اللغة اليونانية تحولت «الفتاة الشابة»(عَلْمَا بالعبري، وثمة كلمة عبرية أخرى للدلالة على معنى الفتاة العذراء) التي تحدث عنها أشعياء إلى الكلمة اليونانية (παρθενοσ)التي تعني عذراء باليونانية، وهذه الترجمة هي النسخة التي كانت بين يدي متى من الكتاب المقدس. ومن هنا فقد اعتقد أن أشعياء كان يتنبأ عن المسيح الذي يظهر في المستقبل( مع أن مصطلح المسيح لم يرد مطلقا على لسان أشعياء في الأصحاح 7)، وليس عن شيء يقع في عصره الذي عاش فيه. فمتى كتب ما كتب لكونه كان يعتقد أن الكتاب المقدس قد تنبأ بميلاد يسوع من عذراء.

    أما لوقا فلديه وجهة نظر مختلفة. نعم، هو الآخر كان يعتقد أن المسيح ولد من عذراء، لكنه لم يسق نبوءة من الكتاب المقدس ليفسر سبب اعتقاده هذا المعتقد.
    بل نجده بدلا من ذلك يسوق تفسيرا أكثر صراحة: كان يسوع بان لله بنوة حرفية. وقد جعل الله مريم تحبل حتى يكون ابنها كذلك ابنا لله. فالملاك جبرائيل يقول لمريم ( ينفرد لوقا بإيراد هذه الحكاية):« اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.»(لوقا 1 : 35 ). مريم، التي تحبل، لا بفعل خطيبها أو أي إنسان آخر، بل بقوة الله، تلد كائنا هو من بعض النواحي كائن إلهي.
    فلدى متى ولوقا، من هنا، يبدوان وكأن لكلٍّ منهما تفسيره الخاص للأسباب التي من أجلها ولد عيسى من عذراء، لكن، وهو الأمر الأكثر أهميةً، ليس ثمة أي موضع في الإنجيلين يذكر فيه أي تلميح إلى أن هذا الكائن كان له وجود سابق عن لحظة ميلاده الأرضية. في تصور هذين المؤلفين، أصبح لعيسى وجودا للمرة الأولى حينما ولدته أمه. ولا وجود في أي من الإنجيلين لإشارة إلى الوجود الأزلي لعيسى. هذه الفكرة منشؤها هو يوحنا، ويوحنا وحده.
    لا يشير يوحنا مطلقا لأم عيسى باعتبارها عذراء، بدلا من ذلك يفسر مجيء عيسى إلى العالم باعتباره تجسد كائن إلهي كان له وجوده الأزلي قبل الزمان. مدخل إنجيل يوحنا(أي الأعداد 1: 1 – 18) هي واحدة من أكثر فقرات الكتاب المقدس كله رفعة وقوة في الأسلوب. وهي كذلك واحدة من أكثر الفقرات التي كانت محورا للجدال والتفنيد وللتفسير بتفسيرات متباينة. يبدأ يوحنا(في الأعداد 1: 1 – 3) برؤية رفيعة عن «كلمة الله» الكائن الذي يتمتع باستقلالية عن الله(فقد كان « عِنْدَ اللَّهِ ») لكنه من بعض الوجوه كان مساويا لله (« كَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ»). هذا الكائن كان موجودًا في البداية مع الله وهو الواسطة التي خلق عبرها الكون كله(«كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. »
    تنازع العلماء حول تفاصيل هذه الفقرة لقرون.[2] وجهة نظري الشخصية هي أن المؤلف يعود بنا إلى قصة الخلق في العدد الأول من سفر التكوين، حيث يتكلم الله وتخلق المخلوقات تبعا لكلماته:«وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ» فَكَانَ نُورٌ.» لم يتكلف الأمر سوى كلمة من الله خلق على إثرها كل ما كان ثمة من مخلوقات. تخيل مؤلف الإنجيل الرابع، كما هو الحال مع البعض من المؤلفين الآخرين للتقليد العبري، أن الكلمة التي قالها الرب هي شكل يشبه الكائن المستقل في ذاته وعنها. لقد كانت الكلمة «عند» الله، لأنه بمجرد أن قيلت، فقد صارت مستقلة عن الله؛ و«كانت» هي الله بمعنى أن ما قاله الله هو جزء من ذاته الإلهية. فبكلامه صار وجودا خارجيا لما كان له بالفعل وجودا داخليا، بين ثنايا عقله. كلمة الله، من ثمَّ، كانت الظهور الخارجي للحقيقة الإلهية الداخلية. كانت الكلمة عند الله وكانت الكلمة الله...أي الأمرين معًا، وكانت الوسيلة التي استعملت في خلق كل الأشياء. في إنجيل يوحنا، هذه الكلمة الإلهية التي كان لها وجودًا سابقا للزمان صارت كائنا بشريًّا :«وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً». (1 : 14 ) لا عجب إذن أن قيل إن هذا الكائن البشري هو المسيح يسوع. فيسوع هنا ليس مجرد نبي يهودي ظهر فجأة على مسرح الأحداث، كما هو حاله بحسب إنجيل مرقص؛ وليس هو الكائن النصف بشري والنصف إلهي الذي ظهر للوجود لحظة أن حملت أمه به(أو لحظة إنجابها له في لحظة ميلاده) بفعل القوة الإلهية. بل هو كلمة الله عينها، كان عند الله منذ البدء، وجاء مؤقتا للسكنى على الأرض، جاعلا الحياة السرمدية أمرًا ممكنًا.

    يوحنا لم يقل كيف كان مجيء هذه الكلمة إلى العالم. وليس له روايته الشخصية عن قصة الميلاد وهو لا يذكر أي شئ عن يوسف ومريم ولا عن بيت لحم، أو عن الحمل العذري. وهو يختلف عن لوقا في هذه النقطة المحورية: فبينا يرسم لوقا لعيسى صورة القادم إلى الوجود في نقطة تاريخية ما( الحمل أو الميلاد)، يرسمه يوحنا كظهور بشري لكائن إلهي يسمو فوق التاريخ.
    ماذا يحدث حينما يحدث التزاوج بين وجهتي نظر لوقا ويوحنا؟ تتلاشى الخطوط المميزة لكليهما. وتبتلع العقيدة الأرثوذكسية عن التجسد عبر مريم العذراء الرسالة التي حرص كل مؤلف منهما على حدى أن يوصلها. إن قارئ الكتاب المقدس الذي يمزج الرؤيتين معا يكون قد اختلق روايته الخاصة به للقصة، رواية تتحاشى تعاليم لوقا ويوحنا كليهما وتعرض تعليما لا نعثر عليه عند أي منهما.
    اختلافات حول تعاليم يسوع
    يمثل إنجيل يوحنا كذلك رؤية مغايرة لما تناوله يسوع من قضايا إبَّان خدمته العلنية. سأحاول هنا أن أستعمل إنجيل مرقس، أقدم الأناجيل الإزائية كتابةً، كمنطلق لإبراز هذه المغايرة.
    تعاليم يسوع بحسب إنجيل مرقس
    عبر العديد من الطرق، أوجزت الرسالة اليسوعية في إنجيل مرقس في الكلمات الأولى التي تحدث بها:« قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ»(مر 1 : 15 ). أي إنسان له معرفة باليهودية في صورتها العتيقة بمقدوره أن يميز الطابع الرؤوي لهذه الفقرة. النبوءات الرؤوية اليهودية كانت تعبر عن رؤية شاملة للعالم ظهرت إلى الوجود قبل ولادة يسوع بقرن ونصف وآمن بها اليهود على نطاق واسع في عصره الذي عاش فيه. الكلمة اليونانية «أبوكاليبسيس» تعني «الكشف» أو«إماطة اللثام.» وقد سمى العلماء وجهة النظر هذه بالـ«رؤوية» لأن أنصارها آمنوا أن الله قد كشف أو أماط لهم اللثام عن الأسرار السماوية والتي بمقدورها أن تفسر الواقع الذي يعاينونه-وكثير من أحداث هذا الواقع كانت رديئة وكريهة- هنا على الأرض. واحدة من الأسئلة التي كان الرؤويون يرغبون في الإجابة هي أسباب وجود كل هذا الألم وهذا الشقاء الذان يعانيهما العالم وخاصة شعب الله. من المفهوم أن يعاني الأشرار: فهذه المعاناة هي نتاج ما عملته أيديهم. ولكن لماذا الأخيار هم أيضًا يعانون؟ بل في الحقيقة، لماذا تزيد حتى معاناة الأخيار عن ما يعانيه الأشرار، وعلى يد الأشرار؟ لماذا يسمح الله بحدوث ذلك؟
    آمن الرؤَوِيُّون أن الله كان قد كشف لهم الأسرار التي تجعل لكل ما سلف معنى. فثمة قوى كونية في العالم مصطفة لمحاربة الرب وشعبه، قوى مثل الشيطان وجنده من الأرواح الشريرة. هذه القوى تسيطر على العالم وعلى السلطات السياسية التي تدير هذا العالم. وقد سمح الله لهذه القوى، لأسباب ما غامضة، أن تزدهر في هذا الزمان الحاضر الذي يخيم عليه الشر. ولكن عصرًا جديدًا آت سيطيح الرب بهذه القوى الشريرة وسيقيم مملكة الخير، أو مملكة الرب، تلك المملكة التي لن يكون فيها وجود لمزيد من الآلام والمعاناة. فالرب سيحكم من عليائه، وأما الشيطان وأرواحه الشريرة، ومعهما كل القوى الأخرى الشريرة التي تسببت في هذه المعاناة( الأعاصير، والزلازل والنساء، والأمراض، والحروب) فسيقضي الرب عليهم.
    تعاليم المسيح في مرقس، من هنا، هي تعاليم رؤوية:فعبارة «قد كمل الزمان» تتضمن معاني مثل أن العصر الحالي الذي يخيم عليه الفساد، الذي نراه على خط الزمان، قد شارف تقريبا على نهايته. فالنهاية تلوح في الأفق. أما عبارة «واقترب ملكوت الله» فتعني أن الرب سيتدخل قريبا في هذا الزمان وسيطيح بالقوى الشريرة والممالك التي يدعمونها مثل روما، وسوف يقيم مملكته الخاصة، مملكة الحق والسلام والعدل. وتعني« فتوبوا وآمنوا بالإنجيل» أن الشعب بحاجة لتغيير أنماط حياته عبر إيمانه بتعاليم يسوع لأنها قريبا ستتحقق، وذلك إذا أرادوا أن يستعدوا للملكة الآتية.
    هذه المملكة، من وجهة نظر يسوع بحسب إنجيل مرقس، قد دنى وقت ظهورها. فكما يخبر يسوع تلامذته في موقف من المواقف:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْماً لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللَّهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ»(مرقس 9 : 1)؛ ثم يخبرهم في لحظة تالية، بعد أن يصف لهم الانقلابات الكونية التي ستقع في نهاية الزمان:« اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ.»(13 : 30 ).
    كيف ستظهر هذه المملكة؟ ستظهر، بحسب مرقس، على يد «ابن الإنسان»، الذي هو قاض عالمي، الأرض هي هي مقر محكمته وسيحاكم الناس وفقا لمبدأ هو هل قبلوا تعاليم يسوع أم لا:«لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هَذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ»( مر 8 : 38 ). ومن هو ابن الإنسان هذا؟ إنه يسوع ذاته، بحسب مرقس، والذي ينبغي أن يرفضه الشعب ويرفضه قادة الشعب، وأن يقتل ويقوم من بين الأموات ومن ثمَّ سيعود للدينونة جالبا مملكة الرب معه.
    ولكن لأن يسوع هو ذلك الشخص الذي سيأتي بمملكة الرب في ركابه، فمملكة الرب، من وجهة نظر مرقس، هي تلك التي تتجسد في حياة يسوع الأرضية وخدمته التبشيرية على نحو نبوءيّ. في ظل هذه المملكة لن يكون ثمة شياطين، ولذا فيسوع يخرج الشياطين؛ وفي مملكة الرب لن ستختفي الأمراض، ولذا يشفي يسوع المرضى؛ وفي مملكة الرب لن يكون ثمة موت بعدُ، ولهذا السبب يحيي يسوع الموتى. لقد كان بوسع المرء أن يرى مملكة الله متجسدة في خدمة يسوع التبشيرية وكذا تلاميذه( مر 6 : 7 – 13 ). ولقد كانت هذه هي الفكرة المحورية للكثير من الأمثال التي ضربها يسوع في إنجيل مرقس: لقد كان للملكة الرب ظهور محدود، بل وخفي أحيانا، في أعمال يسوع، لكنها في نهاية الأمر ستبدو بالغة الوضوح. إنها مثل حبة الخردل التي متى بذرت في الأرض تصير أكبر شجرة(4 : 30 – 32 ). غالبية من استمعوا إلى يسوع رفضوا رسالته، لكن يوم الدينونة قادم لا محالة، ومملكة الرب ستأتي بقوة وعندئذ هذا العالم سيعاد تشكُّله (مرقس 13 ).
    لم يتحدث يسوع كثيرًا عن نفسه في إنجيل مرقس. فقد تحدث بشكل رئيسي عن الرب ومملكته الآتية وكيف أن الشعب بحاجة إلى أن يعد نفسه لمجيئها. وحينما يشير إلى نفسه ملقبا إياها بلقب «ابن الإنسان»، يكون هذا دوما بصورة غير مباشرة: فهو لا يقول صراحة «أنا ابن الإنسان». وهو لا يصرح أنه المسِّيا، أي حاكم الملكة المستقبلية الممسوح بالزيت، حتى وقت قصير من النهاية حينما يضعه الكاهن الأكبر تحت القسم(مر 14 : 61 – 62 ).
    ومع أن البعض في هذا الإنجيل يعترف بأن يسوع هو ابن الله(أنظر 1 : 11 ؛ 9 : 7 ؛ 15 : 39 )، فإن هذا اللقب لم يكن هو شخصيا يفضله لنفسه، وإنما اقتصر على الاعتراف به على مضض ( 14 : 62 ). من المهم أن نعرف أن لقب « ابن الله» في ثقافة اليهود القدماء يمكن أن يشير إلى الأمة الإسرائيلية(عزيا 11 : 1 )، أو إلى ملك إسرائيل (1 صموئيل 7 : 14 ). في هذه الحالات كان ابن الله شخصا اختاره الله اختيارا مخصوصا لكي يضطلع بتنفيذ مهمة إلهية وكوسيط يبلغ مشيئته إلى الناس على الأرض. وبالنسبة لمرقس، كان يسوع هو كل ما سبق – فقد كان الإنسان الذي نفذ الإرادة المطلقة للرب حينما قبل طوعا الموت على الصليب. مع ذلك، فمن المدهش أن يسوع، في إنجيل مرقس، لا يشير مطلقا لنفسه باعتباره كائنا إلهيا كان له وجود قبل الوجود، وككائن مساوٍ لله من أي وجه. لم يكن يسوع إلها ولم يدع ذلك في إنجيل مرقس.

    تعاليم يسوع في إنجيل يوحنا
    لكن الأمور مختلفة تماما في إنجيل يوحنا. ففي مرقس، تتمحور تعاليم يسوع بشكل مبدئي حول الله والمملكة الآتية وبالكاد يتحدث حديثا مباشرًا عن نفسه، إذا استثنينا حديثه عن ضرورة ذهابه إلى أورشليم لكي يقتل، بينما في إنجيل يوحنا كان كل ما تكلم عنه يسوع من الناحية العملية هو التالي: شخصيته ومن أين أتى وإلى أين يذهب وأنه هو الوحيد الذي بمقدوره أن يمنح الحياة الأبدية.
    لم يتحدث يسوع في مواعظه في إنجيل يوحنا عن مملكة الرب المستقبلية. فالتركيز الشديد هو على هويته الشخصية كما رأينا في الفقرات التي تبدأ بقوله «أنا هو...». فهو ذلك الكائن القادر على أن يمنح المادة الواهبة للحياة(«أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ.» (يو 6 : 35 )؛ وهو القادر على أن يمنحن النور(«أَنَا نُورُ الْعَالَمِ»( يو 9 : 5 )؛ وهو الطريق الوحيد المؤدي إلى الرب(«أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي» (يو 14 : 6 ). والإيمان به هو السبيل لنيل الخلاص الأبدي:« اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ»(يو 3 : 36 ) بل إنه في حقيقة الأمر مساو لله:« أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ»(يو 10 : 30 ). ولقد علم مستمعوه اليهود تمام العلم المعنى الذي يرمي إليه بقوله هذا: فلقد سارعوا إلى التقاط الحجارة لكي يقتلوه لما يقوله من تجديف بحق الله.
    زفي موضع واحد فحسب في إنجيل يوحنا يدعي يسوع لنفسه الاسم المقدس قائلا لمحاوريه من اليهود:« قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ»(يو 8 : 58 ). فإبراهيم، الذي عاش قبله بألف وثمانمائة عام، وكان أبا لليهود، يزعم يسوع أنه كان قد عاش قبله. بل إنه يزعم ما أهو أكثر من ذلك. فها هو ذا يشير إلى فقرة في الكتاب المقدس اليهودي يبدو فيه الرب لموسى في الشجرة المضطرمة ويكلفه بمهمة الذهاب إلى فرعون والسعي وراء إطلاق شعبه من الأسر. يسأل موسى ربه عن اسمه، لكي يخبر أتباعه من الشعب الإسرائيلي من هو الإله الذي أرسله. فيجيبه الرب:« اهْيَهِ الَّذِي اهْيَهْ». وَقَالَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي اسْرَائِيلَ: اهْيَهْ ارْسَلَنِي الَيْكُمْ»(خروج 3 : 14 ). ولذا فحينما يقول يسوع في إنجيل يوحنا 8 : 58 :«أنا هو..»، فهو يخلع على نفسه الاسم المقدس. وهنا مرة أخرى لم يجد مستمعوه من اليهود أي عقبة في فهم مراميه. ومرة أخرى ترفع بوجهه الحجارة.
    لا يقتصر الفرق بين مرقس ويوحنا على أن يسوع يتحدث عن نفسه في يوحنا ويعين هويته باعتباره إلهًا، بل يتعدى الأمر ذلك إلى أن يسوع لا يبشر بما يبشر به في مرقس عن مملكة الرب الآتية. ففكرة أنه ستكون ثمة مملكة في المستقبل على الأرض سيحكم الرب من خلالها وأن كل قوى الشر ستتزعزع ليس لها محل من الإعراب في ادعاءات يسوع في إنجيل يوحنا. وهو ينشر بدلا من ذلك حديثه عن حاجة الناس إلى أن ينالوا الحياة الأبدية فوق في السماء من خلال تحقيقهم للميلاد السماوي( يوحنا 3 : 3 – 5). وهذا ما يعنيه «ملكوت الله» في يوحنا في المرات القليلة للغاية التي ذكر فيها هذا المصطلح: فهو يعني الحياة في السماء، فوق، مع الله ( وليس في سماء جديدة وأرض جديدة هنا على بالأسفل). الإيمان بيسوع هو ما يمنحنا الحياة الأبدية. وهؤلاء الذين يؤمنون بيسوع سيعيشون مع الله إلى الأبد؛ ومن لا يؤمن سيعاقبه الله( 3 : 36 ).
    يرى كثير من النقاد أنه من المنطقي أن يمتنع يوحنا، الذي كان إنجيله آخر الأناجيل تأليفًا، عن الحديث عن الظهور الوشيك لابن الإنسان على الأرض ليقيم محكمته على الأرض معلنا قيام المملكة المثالية. في مرقس يتنبأ يسوع بأن لحظة النهاية قد أوشكت على المجيء خلال العصر الذي يعيش فيه جيله بينما يكون تلاميذه ما يزالون بين الأحياء (مرقس 9 : 1 ؛ 13 : 30 ). عندما كتب إنجيل يوحنا، ربما بين عامي 90 و 95 م، كان هذا الجيل القديم قد انقرض وغالبية التلاميذ ، إن لم نقل: كلهم، كانوا قد ماتوا بالفعل. وهذا يعني أنهم قد ماتوا قبل مجيء مملكة الرب. ماذا يفعل المرء حيال تعليم يقضي بقيام مملكة أبدية هنا على الأرض لو انقطع أمله في قيامها للأبد؟ على المرء أن يعيد تفسير التعليم. والطريقة التي أعاد بها يوحنا تفسير هذا التعليم هو أنه حرَّف التصور الأساسي.
    إن وجهة نظر رؤوية بشأن العالم كهذه الموجودة في إنجيل مرقس تتعلق بنوع من الثنائية التاريخية التي يكون فيها ثمة عصر حاضر يسوده الشر و مملكة قادمة يحكمها الرب. هذا العصر والعصر القادم: يمكن رسمهما غالبا مثل خط زمني يقطع الصفحة أفقيا. فيما يدوِّر إنجيل يوحنا الثنائية الأفقية التي صدرت عن عقلية رؤوية لتتحول إلى ثنائية رأسية. لم يعد الأمر أمر ثنائية تتكون من هذا العصر الذي نحياه على الأرض والعصر الآخر الذي قد دنى بالفعل موعد قدومه والذي سيكون على الأرض أيضًا؛ بدلا من ذلك يتحول الأمر إلى ثنائية من حياة أرضية نعيشها ههنا بالأسفل وحياة أخرى نعيشها بالأعلى. نحن هنا على الأرض و الله في السماء. ويسوع باعتباره كلمة الله ينزل من أعلى لكي يمكننا أن مر تحديدًا بتجربة الميلاد «من فوق»(المعنى الحرفي للعدد يوحنا 3 : 3 ليس أننا لابد «أن نولد ولادة ثانية»، بل أن«ينبغي أن نولد من فوق»[3] حينما نمر بهذا الميلاد الجديد ونعاينه عبر إيماننا بالمسيح، سينال الآتي من فوق، ثم نحن بعده كذلك على الحياة الأبدية( يوحنا 3 : 16 ). وعندما نموت سنصعد من ثم إلى مملكة السماء لنحيا مع الرب (يوحنا 14 : 1 – 6 ). ليس بعدُ مملكة للرب آتية على الأرض. فمملكة الله في السماء ويمكننا الولوج إليها عبر الإيمان بالكائن الذي نزل من هناك ليدلنا على الطريق. وهذه تعاليم مختلفة تماما عما تراه في إنجيل مرقس.
    معجزات يسوع
    لماذا صنع يسوع المعجزات؟ غالبية الناس على الأرجح سيجيبون بأنه صنعها لشعوره بالشفقة على الناس ولأنه أراد أن يريحهم من معاناتهم. وهذه الإجابة لا تحيد أنملة عن الحق وفقا لما جاء في الأناجيل الإزائية. بل إن الأمر يزيد حتى عن هذا، فالمعجزات في الأناجيل الإزائية تشير إلى أن مملكة الله التي طال انتظارها قد بدأت في الظهور في شخص يسوع:
    رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ
    لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ
    أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ
    ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ
    ... فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ.(لوقا 4 : 18 – 21 )

    وفي فقرة أخرى يأتي تابعان من أتباع يوحنا المعمدان إلى يسوع يريدان أن يعرفا هل هو ذلك الآتي في نهاية الزمان، أم هل ينتظرون ظهور آخر. فيأمرهم يسوع:«اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ:اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ»(متى 11 : 2 : 6 ). فيسوع في الأناجيل الإزائية هو ذلك الشخص الذي انتظروه طويلا والذي سيفتح مملكة الله.
    وحتى في هذه الأناجيل الثلاثة اللأكثر قدما، يرفض يسوع بوضوح تام أن يصنع معجزات بغرض إثبات حقيقة شخصه لغير المؤمنين من الناس. فها هم أولاء بعض القادة اليهود يسألون يسوع كما ورد في إنجيل متَّى:« يَا مُعَلِّمُ نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً»(متى 12 : 38 ). إنهم يطلبون برهانا يثبت أن سلطانه مستمد من الله. وبدلا من أن يجيب يسوع طلبهم، يصرح بقوة:«جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ». ثم يسترسل مفسرًا ما قاله بأنه كما كان يونان بالفعل ميتا لثلاثة أيام وثلاث ليال في بطن الحوت، فهكذا سيكون «ابن الإنسان» في «باطن الأرض» لثلاثة أيام وثلاث ليال.
    ما ذكره يسوع هو إحالة إلى سفر يونان من الكتاب المقدس اليهودي وهو السفر الذي يحكي كيف أرسل الله النبي يونان إلى أعتى أعداء شعب إسرائيل وهم الأشوريون في مدينة نَيْنَوَى لكي يدعوهم إلى أن يسلكوا طريق التوبة. يرفض يونان ويبحر إلى اتجاه آخر. ويثير الرب عاصفة تغرق سفينته؛ ويدرك البحارة أن تمرد يونان على أمر الرب هو سبب العاصفة، ويقذفونه خارج السفينة إلى البحر. وتبتلعه سمكة ضخمة لكنه يتقيأه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام على الشاطئ. ولئلا يعرض نفسه مرة أخرى لغضب الرب، ذهب يونان إلى نينوى وبشر بمضمون رسالته وحول المدينة إلى الإيمان بالرب.
    يقارن يسوع حالته بما جرى مع يونان. فهو، أي يسوع، يدعو شعبا متمردًا إلى الإيمان، لكنه لا يتوب عن غيه. فيرفض يسوع، مع ذلك، أن يصنع معجزة لكي يثبت أوراق اعتماد من قبل السماء. البرهان الوحيد الذي سيمنحه الشعب سيكون «آية يونان» والتي توازي بحسب السياق في إنجيل متَّى آية القيامة. فسيموت يسوع لثلاثة أيام ثم سيظهر مرة أخرى. هذه الآية، وليس شيئا آخر فعله أثناء خدمته التبشيرية العامة، سيحتاجها لكي يقنع الناس بما يزعمه من الحق.
    وهذه هي وجهة نظر بطول إنجيله وعرضه، وهي تساعدنا أن نفهم واحدة من أكثر قصصه إثارة للحيرة. فقبل أن يبدأ يسوع خدمته العامة يخرج إلى البرية ويجربه الشيطان ( متَّى 4 : 1 – 11 ). يذكر متَّى ثلاث إغراءات لكن اثنين منهم فحسب يتميزان بوضوح معنيهما. أما الأولى، فبعد أن يصوم يسوع أربعين يومًا عن الطعام، يحثه الشيطان على تحويل الحجارة إلى خبز. فيرفض يسوع: فمعجزاته ليست لنفسه، بل للآخرين. والإغراء الثالث كان أن يعبد يسوع الشيطان ويعطيه الأخير، كجائزة، ممالك الأرض. والإغراء واضح: فمن ذا الذي سيرفض أن يحكم العالم؟ لكن هذه انعطافة خاصة من متى عن منهجه، فهو يعلم أن يسوع سيحكم العالم في نهاية المطاف؟ لكن سيكون على يسوع أولا أن يموت على الصليب. هذا الإغراء ذكره الشيطان لكي يتخلى يسوع عن الصلب. ويرفض يسوع مرة ثانية: فالرب وحده هو المستحق للعبادة.
    ولكن ما معنى هذا الإغراء الثاني في الترتيب؟ يأخذ الشيطان يسوع إلى أعلى الهيكل اليهودي ويحثه إلى أن يلقي بنفسه: فلو أنه سيفعل، فستنقض ملائكة الرب و ستحمله قبل أن يصاب له أصبع. ما المقصود من إغراء يلقي فيه المغرى بنفسه من فوق مبنى بارتفاع عشرة طوابق؟ يحتاج المرء أن يتفهم مسألة المكان الذي يقع فيه هذا: فالمكان هو أورشليم، قلب الديانة اليهودية، وفي الهيكل الذي يمثل مركز عبادة الرب. كثير من اليهود يتحركون حول المكان. يحث الشيطان يسوع على أن يلقي بنفسه، على مرأى من الجميع، حتى تظهر الملائكة وتمسك به. بكلمات أخرى أصيغ فكرتي: هذه محاولة لإغراء يسوع أن يقدم برهانا علنيا وإعجازيا للجماهير على أنه بالحق ابن الله. فيرفض يسوع هذه كذلك بحزم باعتبارها إغراء شيطاني قائلا:«لا تجرب الرب إلهك.»
    في متى، لن يصنع يسوع آية ليثبت نفسه. ولهذا سميت معجزاته في هذا الإنجيل معجزات وليس آيات. فهي إثباتات للقوة المقصود بها مساعدة من يحتاجها من الناس ولتظهر أن ملكوت الله قد دنى موعد ظهوره.
    فماذا عن يوحنا؟ في إنجيل يوحنا تسمى أفعال يسوع المذهلة آيات، وليس معجزات. وهو يصنع هذه الآيات تحديدًا لكي يثبت من هو يسوع، ولكي يقنع الشعب بأن يؤمنوا به. وحيث يزعم أنه «خبز الحياة»، يصنع آية أرغفة الخبز للجماهير (يوحنا 6 )؛ وبزعمه أنه «نور العالم»، يصنع آية شفاء الأعمى منذ مولده(يوحنا 9 )؛ ولزعمه أنه هو «القيامة والحياة»، يصنع معجزة إحياء أليعازر من الموات(يوحنا 11 ).
    من المثير للدهشة أن قصة متَّى عن رفض يسوع إعطاء القادة اليهود آية، فيما عدا آية يونان، لا يمكننا العثور عليها في إنجيل يوحنا. ولكن ما السبب في هذا؟ فيما يرى يوحنا، يقضي يسوع مدة خدمته التبشيرية صانعا للآيات. ويلا يخبرنا يوحنا كذلك عن قصة الإغراءات الثلاثة في البرية. مرة أخرى كيف أمكنه ذلك؟ بالنسبة له، إثبات يسوع لهويته عبر الآيات الإعجازية ليس إغراءً شيطانيًّا، بل استجابة لنداء طبيعته الإلهية.
    والمقصود من هذه الآيات هو تعزيز الإيمان بيسوع. وكما يخبر يسوع بنفسه موظفا ملكيا طلب منه أن يشفي ابنه:« لاَ تُؤْمِنُونَ إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ!»(يوحنا 4 : 48 ). ويشفي يسوع الصبي فيأتي الرجل ليعلن إيمانه( 4 : 53 ). وهكذا كان مؤلف إنجيل يوحنا، كذلك، يعتقد أن الآيات هي التي برهنت على هوية يسوع وقادت الشعب إلى الإيمان:«وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.»( يو 20 : 30 – 31 ). وبينما كانت الدلائل الخارقة للطبيعة على هوية يسوع هي منطقة محظورة في إنجيل متَّى، فإنها في يوحنا كانت السبب الجوهري لما صنعه يسوع من أعمال إعجازية.
    بعض الفروق الجوهرية بين بولس ومؤلفي الأناجيل
    فروق أساسية بين مؤلفي العهد الجديد يمكن العثور عليها ليس فقط في الأناجيل الأربعة بل وبين كثير من مؤلفي الأسفار الأخرى التي يضمها العهد الجديد مثل كتابات الرسول بولس.
    سبق بولس مؤلفي الأناجيل إلى الكتابة. غالبية رسائله كانت قد ألفت في العقد الخامس من عمر الصر المسيحي وذلك قبل أقدم أناجيلنا، إنجيل مرقس، بعشرة أو بخمسة عشر عاما. كان بولس ومعه مؤلفوا الأناجيل يكتبون في فترة أعقبت وفاة يسوع، فيما لم يكن مؤلفو الأناجيل يسجلون ببساطة الأشياء التي صنعها يسوع «في الحقيقة» قولا وفعلا لمصلحة الأجيال التالية. لقد حكوا روايات تضم أقوال يسوع وأفعاله في ضوء ما مفاهيمهم اللاهوتية التي يؤمنون بها شخصيا كما رأينا هذا مرة بعد أخرى. لكن الكثير من الآراء التي يجدها المرء في رسائل بولس تختلف تماما مع ما يمكن للمرء أن يجده في الأناجيل وفي سفر الأعمال الذي كتبه مؤلف إنجيل لوقا.

    بولس ومتَّى... بين الخلاص والشريعة
    تعد مسألة تبرر الإنسان أمام الله وكيف ينال الإنسان هذه المرتبة سمة هامة من السمات التي تتميز بها تعاليم بولس. ولقد زعم بعض اللاهوتيين، منذ عصر الإصلاح على الأقل، أن هذه القضية مثلت بؤرة الاهتمام الأساسية للفكر البولسي. واليوم يعترف غالبية العلماء المتخصصين في فكر بولس بأن هذا الرأي لا يعدو أن يكون مجرد إفراط في التبسيط يتجاوز مقدارا كبيرا مما وصلنا في الرسائل البولسية السبع المتنازع عليها والتي ذكرناها في الفصل الثاني من هذا الكتاب. مع ذلك فمن المؤكد أن بولس كان مهتما بالكيفية التي يستطيع بها الأفراد- أولئك الذين كان مهتما بتحويلهم إلى الإيمان على سبيل المثال- أن يوضع في علاقة صحيحة مع الله، وكان مقتنعا بأن هذا لا يمكن أن يحدث إلا عبر التصديق بموت يسوع وقيامته وليس عبر اتباع ما تفرضه الشريعة من أحكام.

    هذه العقيدة تتناقض إلى حدٍّ ما مع وجهات النظر الأخرى في العهد الجديد بما في ذلك تلك التي يقدمها متَّى في إنجيله. فهل كان أتباع يسوع بحاجة إلى أن يلتزموا بأحكام الشريعة اليهودية إذا رغبوا في نيل الخلاص؟ تعتمد الإجابة على هذا السؤال على أي المؤلفين الاثنين تسأل. وهل يعتمد التبرر أمام الله اعتمادًا تامًّا على الإيمان بيسوع مصلوبًا وقائمًا من بين الأموات؟ تختلف قصة واحدة على الأقل مما يذكره متَّى في إنجيله مع بولس في هذه القضية تحديدًا.
    رؤية بولس «للتبرر»
    يستعمل بولس كلمة «التبرر» للإشارة إلى إقامة المرء علاقة طيبة بالله وصلاحه في عيني الرب. رؤية بولس عن التبرر يمكن العثور عليها بشكل أساسي في رسائله إلى أهل غلاطية وأهل رومية. في هذه الرسائل استعمل بولس العديد من الطرق ليشرح كيف ينجح المرء في إقامة علاقة طيبة بالله وكيف يكون بارًّا أمامه. أشهر آرائه وأكثرها تغلغلا بشكل مثير للجدل( والتي نجدها في رسائله الأخرى كذلك) هي أن الإنسان «يتبرر بالإيمان» بموت يسوع وقيامته وليس بالالتزام بأعمال الشريعة اليهودية.
    واحدة من الطرق التي يمكن للمرء أن يفهم بها عقيدة بولس اللاهوتية بخصوص التبرر هي أن يحاول التفكير بالمنطق ذاته الذي كان يفكر به. وهذا يتطلب أن نبدأ من البداية حينما لم يكن بولس واحدًا من أتباع يسوع بعدُ، بل كان بالأحرى شخص يرى في الإيمان بيسوع كفرًا يستحق فاعله مقاومة عنيفة. وكونه يكتب مؤلفاته بعد عشرين عاما من أيام اضطهاده للمؤمنين، لا يخبرنا بولس أبدًا ما الذي كان يجده في الأساس مستحقا للتوبيخ لهذه الدرجة في الإيمان المسيحي، وم ذلك فهناك بعض الافتراضات التي نجدها مبعثرة بطول رسائله وعرضها. ربما شعر بالإهانة من الادعاء ذاته بأن يسوع هو المسيا.
    وهو، كيهودي ملتزم، وقبل تحوله للإيمان بيسوع، كان لديه بلا شك أفكاره عن شخصية المسيا وما هي صفاته. قبل أن تظهر المسيحية لم يكن ثمة يهودي واحد يؤمن بأن المسيا سيتألم ويموت. بل الأمر على العكس من ذلك تماما، فمهما كان ما يعتقده اليهود حيال هذا الأمر مختلفا من يهودي لآخر، إلا أنهم مجمعون على أن المسيا سيكون شخصية لها مهابتها وسلطانها ستنفذ إرادة الله على الأرض بالقوة المسلحة. لم يكن اليهود يفهمون معنى فقرات الكتاب المقدس التي تتحدث عن معاناة عبد الرب الصالح باعتبارها إشارة إلى المسيا.
    لقد كان المسيا مشمولا بعناية خاصة من قبل الله وكان تعبيرا عن الوجود الفعال والقوي للرب على الأرض. فمن يسوع هذا؟ إنه مجرد مبشر مغمور متجول خرج على الشريعة ومات مصلوبا بتهمة التمرد على الدولة. لقد كان خلع لقب المسيا على يسوع في أعين غالبية يهود القرن الأول الميلادي لا يعدو أن يكون مجرد مزحة في أحسن الأحوال أو هرطقة وكفرا في أسوأها. ليس هناك ما هو أكثر جنونا من ذلك وليس هناك من هو أقل حظا في الانتساب إلى المسيانية من مجرم مات مصلوبا(أنظر 1 كورنثوس 1 : 23 ). من الواضح أن بولس كان يفكر على هذا النحو هو الآخر. لكن شئ ما حدث لبولس بعد ذلك. فقد زعم فيما بعد أنه رأى يسوع في رؤيا بعد وفاته( 1 كورينثوس 15 : 8 ). هذه الرؤيا أقنعته بأن يسوع لم يكن ميتا. ولكن أنَّى ليسوع أن يكون كذلك؟
    كان بولس، قبل تحوله للإيمان بيسوع، باعتباره يهوديًّا رؤويًّا، يؤمن بفكرة مفادها أنه بنهاية هذا العصر الذي يسيطر فيه الأشرار سيكون ثمة بعث للموتى، وأن الله عندما سيطيح بقوى الشر سيبعث كل الموتى وسيحاسب الجميع على أعمالهم فيمنح الأخيار جزاءهم الأبدي والأشرار عقابهم الأبدي. لو لم يكن يسوع ميتا، كما «علم» بولس ، لأنه قد رآه حيا (فلنقل قبل ذلك بعام أو بعامين)، إذن فهذا لأن الله قد أقامه من بين الأموات. لكن إذا كان الله قد بعثه حيا من بين الأموات، فهذا يعني إذن أنه كان ذلك الذي اجتباه الله بعنايته الخاصة. فهو إذن المسيا، ولكن ليس بالمقاييس التي كان يظنها أي يهودي من قبل، ولكن بمقاييس ما مغايرة.
    ولكن إذا كان هو نفسه مختار الله، أو المسيا، فلماذا مات؟ من هذه النقطة نبدأ في التفكير مع بولس – أو بطريقة معكوسة، كما حدث الأمر بالفعل، مبتدئين من النهاية، ثم التحرك إلى الوراء إلى موت يسوع فوفاته. كان بولس يعتقد أن يسوع ينبغي ألا يموت من أجل باطل اجترحه إذا كان هو المسيا المشمول بعناية خاصة من الله. لا يجوز في حقه أن يموت من أجل آثامه الشخصية. فلماذا إذن؟ لا شك أن الإجابة ستكون: من أجل ذنوب الآخرين. مثل الذبائح المقدمة في هيكل أورشليم، كان يسوع ذبيحة مسفوكة دمائها من أجل الخطايا التي اجترحها الآخرون.
    فلماذا سيميت الله يسوع من أجل الآخرين؟ بديهي أن هذا وقع لأنه ليس سبيل لعمل أضحية خالية من العيوب إلا عبر أضحية بشرية. وإذن فنظام الأضحيات اليهودي ليس صالحا للتعامل مع الخطايا. ولكن: هل يعني هذا أن الله قد غير فكره بشأن الطريقة التي على البشر أن يتبعوها لكي يتصالحوا مع الله؟ ألم يدعُ الشعب اليهودي ليكونوا شعبه الخاص وأعطاهم شريعته حتى يتميزوا عن الشعوب الأخرى باعتبارهم شعب الله المختار؟ نعم، يجيب بولس، لقد فعل. فلابد إذن أن الشريعة والأنبياء يشيرون إلى المسيح الذي هو الحل الإلهي النهائي للمشكلة الإنسانية.
    لكن ما هي مشكلة الإنسان؟ كل إنسان- يتساوى في ذلك اليهودي والأممي- فيما يبدو قد انتهك شريعة الله ويحتاج للأضحية التي بلا عيب من أجل غفران خطاياه. لكن هذا سيعني أن يقبل كل إنسان، يهودي كان أم أممي، أضحية مسيح الله هذه لكي تغفر خطاياه أو يكفر عنها أمام الله. ولكن ألا يتبرر الناس أمام الله باتباعهم ما أمر الله به في الشريعة؟ مطلقا. فلو كان هذا ممكنا، فلا مبرر لأن يصلب المسيا. لقد سفك يسوع دمه، عبر صلبه، من أجل الآخرين وليصنع أضحية كفارة للخطايا. وهؤلاء الذين سيؤمنون بموته( وقيامته التي أظهرت أن موته كان جزءًا من خطة إلهية) سيتبرر أمام الله أي سيسلك مع الله سبيل الطاعة. ومن لا يفعل، فليس بمتبرر.
    كل هذا إنما يعني أن الالتزام بالشريعة اليهودية ليس له محل من الخلاص. بل حتى اليهود الذين يحفظون أحكام الشريعة لأقصى درجة لا يمكن أن يتبرروا أمام الله عبر الشريعة. وماذا عن الأمميين: هل عليهم أن يصيروا يهودًا وأن يحاولوا الالتزام بالشريعة بمجرد أن يتحولوا إلى الإيمان بالمسيح؟ إجابة بولس على هذا السؤال هي النفي البات. إن محاولة الالتزام بأحكام الشريعة ستظهر أن شخصا ما يعتقد أن بمقدوره استحقاق عفو الله – أي أن له حقوق الافتخار، إذا جاز التعبير. فمن يحاول التبرر أمام الله عبر محافظته على أحكام الشريعة ما يزال منغمسا في الخطيئة ومحاولته هكذا ستكون عبثا وبلا طائل.
    السبيل الوحيد الذي على المرء أن يسلكه لكي يكون بارًّا فهو أن يؤمن بموت يسوع وقيامته. فها هو ذا بولس في العدد 2 : 16 من الرسالة إلى أهل غلاطية يقول:«إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.»
    وهذه هي تعاليم بولس بطول الرسالة إلى رومية(1- 3 ) والرسالة إلى أهل غلاطية(1 – 3). أتباع يسوع ليس عليهم أن يحاولوا التمسك بأحكام الشريعة إلا إذا كان هذا الاتباع مقصورًا على «أحب الجار كحبك نفسك» كما أن العيش وفق قانون أخلاقي خيِّر ما يزال أمرًا يتوقع الله من شعبه أن يستمسكوا به. لكن اتِّباع وصايا الشريعة ومتطلباتها- مثل الختان وأكل الحلال وتقديس السبت والمناسبات الدينية اليهودية الأخرى- فليس بينه ما هو ضروري لتحقيق الخلاص، وإذا ظننت(وعملت) على نحو مغاير لهذا، فخطر خسارتك للخلاص يحيط بك ويتهددك(غلاطية 5 : 4 ).[4]

    آراء بولس ومتى حول الشريعة

    كثيرا ما تساءلت عن ما كان سيحدث لو أن بولس ومتى قد أغلق عليهما باب غرفة معا وقيل لهما إنهما لن يخرجا منها ما لم يتوصلا إلى وثيقة يُجْمِعَان فيها على رأي موحد فيما يتعلق بالكيفية التي ينبغي على أتباع يسوع أن يتعاملوا بها مع الشريعة اليهودية. فهل كان سيأتي عليهما يوم يخرجان فيه من هذه الغرفة، أم كانا سيظلان فيها إلى الأبد هيكلين عظميين في قبضة الموت؟
    لو كان متَّى، الذي بدأ في الكتابة بعد بولس بخمس وعشرين أو بثلاثين عاما، قد قرأ يوما رسائل بولس، فلا شك أنه لم يكن سيراها ملهِمَة له، فضلا عن أن تكون نتاج إلهام سماوي. كان متى يحمل رؤية مغايرة للرؤية التي كان بولس يعتنقها حيال الشريعة. فمتى يعتقد أن أتباع يسوع ملزمون بالاستمساك بالشريعة. وهم، في الواقع، في حاجة إلى أن يكون التزامهم بها أكثر من استمساك أكثر اليهود تدينا: أعني الكتبة والفريسيين. فلقد نقل إنجيل متى عن يسوع قوله:

    «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ.مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هَذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هَكَذَا يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ.»
    فأما بولس فكان يعتقد أن أتباع يسوع الذين سعوا إلى التمسك بالشريعة كان خطر خسارة الخلاص يتهددهم. وأما متى فقد كان يعتقد أن أتباع يسوع الذين لم يتمسكوا بالشريعة منهجا، وحتى أكثر من متديني اليهود، لن يروا خلصا أبدًا. وقد حاول اللاهوتيون والمفسرون عبر السنين أن يوفقوا بين هاتين الرؤيتين واللتان يمكن رصدهما لأنهما معا يمثلان جزءًا من القائمة الرسمية للكتاب المقدس. لكن أي إنسان يقرأ إنجيل متى ثم يعقبه بقراءة الرسالة إلى أهل غلاطية لن يظن أن ثمة سببا أو حتى طريقة ممكنة للتوفيق بين هاتين الإفادتين. فلكي تصبح عظيما في الملكوت، فيما يرى متَّى، فهذا يتطلب منك أن تستمسك بالوصايا جميعا حتى أقلها؛ بل إن دخول الملكوت يتطلب أن تحفظ الوصايا أكثر من حفظ الكتبة والفريسيين لها. بينما يرى بولس أن الدخول إلى مملكة الله ( وهي الطريقة الأخرى للتعبير عن معنى «التبرر») لا يكون ممكنا إلى عبر موت يسوع وقيامته من الأموات؛ وهو يرى أن اتباع الأمميين لوصايا الشريعة اليهودية(الختان على سبيل المثال) هو أمر محرم تحريما صارما.
    متى بطبيعة الحال يعرف كل شئ عن موت يسوع وقيامته. فقد أنفق قدرا كبيرا من صفحات الإنجيل في رواية أحداثهما. وهو كذلك يعتقد أنه من غير موت يسوع لا يمكن أن يكون ثمة خلاص. لكن الخلاص يتطلب كذلك الاستمساك بوصايا شريعة الرب. فالله في النهاية هو من أوصى بهذه الوصايا. ويفترض أنه كان يعني ما وصى به ابتداءً وأنه لم يغير رأيه فيه انتهاءً.
    هناك في إنجيل متَّى فقرة واحدة تفترض أن الخلاص ليس مجرد مسألة إيمان، بل هو كذلك مسألة عمل، وهي التصور الغريب تماما عن الفكر البولسي. ففي واحدة من أعظم المحاورات التي انخرط فيها يسوع، والتي لا نجدها سوى في إنجيل متَّى، يصف يسوع يوم الدينونة الذي سيأتي في نهاية الزمان. فابن الإنسان سيأتي في مجده محاطا بملائكته وسيجمع الناس من جميع أمم الأرض فيقفون أمامه (متى 25 : 31 – 45 ). وها هو ذا يقسمهم إلى فريقين « كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ .» فالخراف تكون عن يمينه والجداء تكون عن يساره. فيرحب بالخراف الذين عن يمينه في ملكوت أبيه «الْمُعَدَّ لَهُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ». ولماذا أدخل هؤلاء إلى الملكوت يا ترى؟ .
    «لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي.عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ »
    ومع ذلك ف«القطيع» يظل حائرًا. فهم لا يتذكرون أبدًا لقاءهم بيسوع، أو ابن الإنسان، ناهيك عن صنعهم لكل هذه الأشياء له. لكنه يخبرهم:« بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ.» أي أن اعتناءهم بالجوعى والعطشى والعراة والمرضى والمسجونين، إذا صغناها بطريقة أخرى، هو ما أورثهم ملكوت الله.
    أما الجداء، التي على يساره، فيرسلها إلى «النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ». ولماذا؟ خلافا لما فعلته الخراف، هؤلاء لم يعتنوا بابن الإنسان حينما احتاجهم. فإذا هم حيارى هم الآخرون، فهم لا يتذكرون لقاءهم بابن الإنسان مطلقا. لكنهم رأوا الآخرين معوزين فأداروا لهم ظهورهم:«بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.» ويختم متى روايته بهذا التصريح القوي:« فَيَمْضِي هَؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.» وهذه هي آخر الكلمات العلنية التي قالها يسوع في إنجيل متَّى.
    كيف تتناقض هذه الكلمات مع أفكار بولس؟ ليس إلى حدٍّ بعيد. كان بولس يؤمن بأن الحياة الأبدية ينالها الذين يؤمنون بموت يسوع وقيامته. في رواية متَّى عن الخراف والجداء، ينال الخلاص من لم يسمع مطلقا بيسوع. يناله هؤلاء الذين يعاملون الآخرين معاملة إنسانية وباهتمام في ساعة عوزهم الشديد. وهذه نظرة مختلفة تماما لقضية الخلاص.[5]
    وثمة رواية أخرى مثيرة للدهشة في إنجيل متَّى. ففيه يفِدُ غنيٌّ على يسوع ويسأله:« أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» فيخبره يسوع:« إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا.» وحينما يسأله الرجل:«أية الوصايا؟» يعدد له يسوع بعضا من الوصايا العشر كأمثلة. فإذا بالرجل يصر على أنه بالفعل قد التزم بها جميعا ويضيف: فَمَاذَا يُعْوِزُنِي بَعْدُ؟ فيجيبه يسوع أنه لابد أن يتنازل عن كل أملاكه «فَيَكُونَ لَهُ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ»(متى 19 : 16 – 22 ). ثم يقول له يسوع:« وَتَعَالَ اتْبَعْنِي»(لاحظ أن اتباع يسوع يأتي بعد أن يرث الرجل الكنوز السمائية في أعقاب تنازله عن كل ما يملك.)
    إنني أتساءل: ماذا كان سيحدث لو أن الرجل نفسه كان قد أتى إلى بولس قبل ذلك بعشرين سنة؟ لو أن امرءًا سأل بولس عن السبيل إلى نوال الحياة الأبدية، فهل كان سيقول له:« احْفَظِ الْوَصَايَا»؟ لا بالطبع، ليس بولس. ليس للوصايا علاقة بالخلاص. إنما موت يسوع وقيامته هما اللذان يجلبانه. وهل كان بولس سيقول له إن تنازله عن كل ما يملك يكسبه كنوزًا في السماء؟ مستحيل. فالإيمان وحده القادر على أن يجلب الحياة الأبدية.
    ليس بوسع المرء أن يجادل في أن يسوع كان يتحدث عن خلاص يسبق موته، بينما بولس يتحدث عن خلاص يليه، وذلك لأن متَّى كان يكتب في فترة تالية لفترة بولس. فوق ذلك نجد يسوع، في متَّى، متحدثا عن الدينونة الأخيرة والتي من الواضح أنها ستحدث بعد موته وقيامته. وهكذا فالمشكلة تتمثل في التالي: لو أن يسوع، بحسب تصوير متى له، كان على حق في قوله إن التمسك بالشريعة ومحبة المرء للآخرين كمحبته نفسه قادرة على جلب الخلاص، فكيف يكون بولس هو الآخر محقا في اعتقاده بأن فعل هذه الأشياء لا يمت إلى نيل الخلاص بأي صلة؟

    [1]

    [2]

    [3]

    [4]

    [5]


    [/CENTER]
    تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


    تعليق


    • #17
      يتـــــــــبع بإذن الله
      تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


      تعليق


      • #18
        [align=justify]
        العديد من وجهات النظر الأخرى المختلفة داخل العهد الجديد
        هناك اختلافات أخرى منها ما هو عميق ومنها ما هو سطحي داخل أسفار العهد الجديد. توجيه عدد من الأئلة الموجهة سيكون أنسب الطرق لسرد عدد قليل من النماذج.
        ما الغرض من موت يسوع؟
        موت يسوع هو قضية محورية في فكر كل من بولس من جهة ومؤلفي الأناجيل الأربعة كل على حدى من جهة أخرى. ومع ذلك فلماذا مات يسوع؟ وما علاقة التي بين موته هذا وبين الخلاص؟ يعتمد الجواب على السؤال التالي: أي مؤلف منهم تقرأ له؟
        مرقس واضح تمام في القول بإن موت يسوع مكفر للخطية. وكما يقول يسوع نفسه في إصحاح متقدم من إنجيل مرقس: «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»(مر 10 : 45 ). لقد كان موت يسوع الفدية التي بذلت من أجل الدين الذي يدين به الآخرون الله جراء إثمهم؛ إنها من ثم تضحية تكفيرية.
        أما لوقا فقد استعمل مرقس كمصدر من مصادره فأضاف فيه وحذف منه وحرَّف كلمات كلما وجد إلى ذلك سبيلا. فماذا فعل في الأعداد محل البحث يا تُرى؟ لقد حذفها فلم يبق لها أثرًا. ولماذا سيقدم على حذف هذا العدد؟ من المحتمل أن هذا العدد يقدم مفهوما مغايرا لموت يسوع عن ذلك الذي يؤمن به لوقا.
        في هذا الصدد، من المثير للصدمة في إنجيل مرقس أن «الدليل» على أن موت يسوع قد جلب تكفيرا للخطايا نجده بعد موت يسوع بوقت يسير حينما ينشق حجاب الهيكل إلى شقين كاشفا أنه بموت يسوع انفتح الطريق المسدود إلى الله أمام الناس. لكن لوقا يبدل التوقيت: فانشقاق الحجاب يحدث بينما يكون يسوع ما يزال حيا يرزق. يعتقد كثير من العلماء أن لهذا الأمر أهمية بالغة: فانشقاق الحجاب لا يعني أن لموت يسوع أهمية كفارية، بل هو إشارة إلى حكم الله على هيكل اليهود، الذي هو تصريح رمزي بأن مصير الهيكل إلى دمار.
        وهكذا يثور السؤال: لأي غرض مات يسوع بحسب إنجيل لوقا؟ تزداد القضية وضوحا في الجزء الثاني من إنجيل لوقا، وأعني به سفر الأعمال، حيث يبشر الرسل بالخلاص الذي جاء في المسيح لكي يحولوا الآخرين إلى الإيمان. لم يحدث في واحدة من هذه المواعظ التبشيرية أن ذكرت ولو كلمة واحدة عن القيمة الكفارية لوفاة يسوع. بل كانت الرسالة الثابتة، بدلا من ذلك، أن الناس مدانون لرفضهم لرسول الله إليهم ولإقدامهم على قتله. موت البرئ(يسوع) ينبغي أن يدفع الناس إلى التوبة عن ذنوبهم والرجوع إلى الله حتى يغفر لهم ( أنظر أع 2 : 36 – 38 ؛ 3 : 17 – 19 ). إن رؤية لوقا يمكن تلخيصها في أن الخلاص يأتي لا عبر التضحية الكفارية بل بالغفران الذي تسبقه التوبة.[1]
        ولكن أليس للكفارة والمغفرة المدلول نفسه؟ على الإطلاق. مدلول كل كلمة منهما يتضح من المثال التالي. فلنفترض أنك تدين لي بمائة من الدولارات ولكنك عاجز عن الوفاء بالدين، و أن أمامك سبيلين لحل هذه المشكلة. شخص غيرك(صديقك أو أخوك أو والداك) بمقدوره أن يدفع المائة دولار بدلا عنك. فهذا سيبدو مشابها للكفارة: أن يتحمل عنك شخص آخر عقابك. أو بمقدوري بكل بساطة أن أقول، كبديل عن الحالة الأولى، التالي: «لا عليك، لا أريد منك مالي.» هذا سيكون مثل المغفرة والتي لا يدفع في ظلها أحد شيئا، بل يتنازل الله بكل بساطة عن ما له من دين.
        لموت يسوع في إنجيلي مرقس ولوقا أهمية بالغة. لكن موته عند مرقس هو كفارة؛ أما عند لوقا فهو سبب يدرك الناس عبره أنهم خاطئون وأن عليهم العودة إلى الله طلبا للغفران. فالغرض من موت يسوع مختلف إذن تمام الاختلاف وهذا يدركه المرء باختلاف المؤلف الذي يقرأ له.
        متى أصبح يسوع ابنا لله وربا ومسيحا؟
        الخطب التبشيرية التي وردت في سفر الأعمال لا تتعامل فحسب مع مسائل الخلاص؛ كما أنها تقدم شهادات صريحة بشأن المسيح وكيف رفعه الله بعد موته. أما بولس، ففي حديثه لمجموعة من المتنصرين المحتملين من أنطاكية الواقعة في مدينة بيسيدية يتكلم عن رفع المسيح وكيف أنه كان مصداقا لنبوءات وردت في الكتاب المقدس:
        «وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِي صَارَ لِآبَائِنَا إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هَذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضاً فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ.»
        اليوم الذي صار فيه يسوع ابنا لله، بحسب النص بالأعلى، هو يوم قيامته من بين الأموات. مع ذلك، كيف يتماشى هذا ما يقوله لوقا في مواضع أخرى؟ ففي إنجيل لوقا، يلقي الصوت الكلمات نفسها:« أنت ابني، أنا اليوم ولدتك»(لوقا 3 : 22 )، بينما يجري تعميد يسوع.[2] بل في لحظة سابقة للحظة العماد، أعلن الملاك جبريل لمريم قبل الحمل بيسوع وميلاده أن «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.»(لوقا 1 : 35 ). يسوع في هذا الموقف كما يبدو هو ابن الله بسبب الحمل العذري: فهو ابنٌ الله بنوةً جسدية. فكيف يمكن للوقا أن يقول الأشياء الثلاثة مجتمعين؟ لست على يقين من قدرة أحد على التوفيق بين هذه الروايات؛ لكن من المحتمل أن لوقا حصل على هذه التقاليد المتباينة من مصادر متباينة لا يتفق أحدها مع الآخر في هذه القضية.
        هذا النوع ذاته من المشكلات يقع مع بعض الأشياء الأخرى التي يقولها لوقا عن يسوع. ففي خطبة ألقاها بطرس في يوم عيد الخمسين، على سبيل المثال، يتناول في حديثه موت يسوع ويؤكد أن الله قد أقامه ورفعه إلى السماء:« فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبّاً وَمَسِيحاً»( أع 2 : 36 ). هنا لمرة أخرى يبدو أن يسوع يتلقى على مكانة الرفع عند قيامته- أي أنه في هذه اللحظة «جعله الله» ربا ومسيحا. ومع ذلك ففيما سيفكر المرء إذن بشأن قصة الميلاد في إنجيل لوقا الذي يخبر فيه الملاك الرعاة الذين كانوا « يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ» أنه قد «وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ»(لو 2 : 11 ). في هذه الحادثة، عُدَّ يسوع مسبقًا ربًّا ومسيحًا عند لحظة ميلاده. فكيف صار المسيح في موقفين مختلفتين من الناحية الزمنية الشيئين كليهما: مسيحا وربا؟ هذه فيما يبدو حالة أخرى يقع فيه تناقض داخلي في ثنايا كتابات لوقا الشخصية، ومردُّ ذلك أن هناك على الراجح مصدرين مختلفين استعملا لبناء هاتين الروايتين.
        هل تغاضى الله عن جهل الوثنيين؟
        رأينا كيف أن سفر الأعمال يقدم من حين لآخر تناقضات ليست بينه وبين الأناجيل فحسب، بل يتعدى الأمر ذلك إلى التناقض مع كتابات بولس، بطل الروايات الواردة في سفر الأعمال نفسه. أحد الأمثلة بالغة الطرافة تحدث في واحد من المواقف القليلة في سفر الأعمال التي يقال فيها إن بولس ألقى خطابا على جمهور من الوثنين، وأعني بها موعظته التي ألقاها أمام الفلاسفة في أثينا بينما كان واقفا وسط تلة أريوس باجوس(أع 17 : 22 – 31 ). يبدأ بولس موعظته بالثناء على تدين مستمعيه العظيم، لكنه يواصل حديثه مشيرا إلى أنهم قد ارتكبوا إثما عظيما باعتقادهم أنه لكي يعبدوا الله فينبغي أن يتوجهوا للأصنام بالعبادة، وذلك لأن الله «لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي». بل هو بخلاف ذلك رب الأرض وخالق كل شئ. لكن « اللَّهَ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ». هذا العدد هو واحد من الأعداد المحورية. لقد عبد الوثنيون، وفقا لكلمات بولس، آلهة الوثنين الباطلة بسبب جهلهم. فهؤلاء ببساطة لا يعرفون ما هو أفضل من ذلك. وقد تغاضى الله عن كل ذلك وأعطاهم فرصة الآن لكي يواجهوا الحقيقة وأن يأتوا إلى الإيمان به عبر المسيح الذي أقيم من بين الأموات.
        ما يجعل وجهة النظر هذه بالغة الطرافة هو أن بولس ذاته يتحدث عن الديانات الوثنية في واحدة من رسائله ويصرح بما لا يدع مجالا للشك في أنه لا يعتقد مطلقا أن الوثنيين يعبدون الأصنام نتيجة جهلهم، أو أن الله قد تغاضى عن أعمالهم أملا في رجوعهم إليهم بالتوبة.
        ففي الرسالة إلى أهل رومية، العدد 1 : 18 – 32 ، يشير بولس إلى العكس من ذلك تماما، فـ«غضب الله» منصب على الوثنيين لأنهم رفضوا معرفة الله المجبولين عليها بالفطرة عمدا وعن وعي:« إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ»(رومية 1 : 19 ). فهم ما سعوا إلى أوهامهم الدينية بسبب جهلهم بل عن معرفة كاملة بالحق:« لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ... وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى وَالطُّيُورِ وَالدَّوَابِّ وَالزَّحَّافَاتِ.»
        فهل تغاضى الله عن خطيئاتهم؟ مطلقا:«إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ» والله يعاقبهم، ليس فقط في زمان ما غير معلوم سيأتي في المستقبل، بل في الحاضر كذلك بأن يجعلهم أو يسمح لهم بأن يصيروا أكثر فسادا وشرا وفسوقا.
        وهكذا فلدينا تصوران مختلفان لوجهة نظر بولس حيال الوثنيين وعبادتهم للأوثان. هل عبدوا الأوثان جهلا منهم؟ «بولس» سفر الأعمال يجيبنا ب«نعم»، أما بولس بحسب كتاباته الشخصية فيجيبنا ب«لا». وهل الوثنينون مسئولون عن أعمالهم الوثنية؟ يقول سفر الأعمال:«لا»، أما بولس فيجيبنا أن «نعم». وهل الله يوقع حكمه الغاضب عليهم في الحاضر كنتيجة لذلك؟ مرة أخرى يجيبنا سفر الأعمال ب«لا» التي تتناقض مع إجابة بولس بـ«نعم».
        لقد سعى العلماء كثيرا للتوفيق بين هاتين الرؤيتين المتقابلتين. في الغالب الأعم يزعمون أن بولس في سفر الأعمال، بما أنه يتحدث إليهم حديثا مباشرًا تسوده الرغبة في تحويلهم إلى الإيمان، فهو لا يصارحهم بحقيقة ما يعتقده نحوهم ولذلك نراه يمسك عن الإساءة إليهم. أصارحكم القول إنني كنت على الدوام أجد أن وجهة النظر هذه يصعب قبولها. فهذا سيعني أن بولس، بغية كسب بعض المؤمنين إلى المسيحية، كان سيكذب صراحة في حديثه عما يعتقد أنه وجهة نظر الرب فيما اقترفوه من أعمال دينية. لقد كان بولس يتصف بصفات عديدة، ليس من بينها بحسب ما أعتقد أنه كان منافقا. كان بولس سيعظهم ببعض الحديث عن بحيرة النار والكبريت لكي يجعلهم يدركون فداحة السبيل الذي يسيرون فيه؛ إن اللباقة والحس المرهف المرهف هما سمتان نادرتا الحدوث في شخصية بولس التاريخية. بل الأمر فيما يبدو هو أن بولس كما يصوره سفر الأعمال يختلف اختلافا جذريا عن شخصية بولس الحقيقية على الأقل عندما يأتي الحديث عن قضية جوهرية مثل رد الفعل الإلهي تجاه عبادة الوثنيين للأصنام.
        هل الإمبراطورية الرومانية قوة خير أم قوة شر؟
        سؤالي الأخير بشأن تناقض جوهري في وجهات النظر هو سؤال وجهه الكثيرون من المسيحيين الأوائل: ما هو التوجه المسيحي اللائق تجاه الدولة؟ فأما المؤلفون المختلفون فقد أجابوا على هذا السؤال أجوبة مختلفة ؛ وفي كثير من الأحيان تكون بعض هذه الإجابات مخالفة لبعضها الآخر. يمثل الرسول بولس لون واحد من ألوان الطيف :
        «لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِين الْفَائِقَةِ لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفاً لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثاً إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ.»(رومية 13 : 1 – 4 ).
        السلطات الحاكمة هي إذن من الله وقد نصبها الله أجل إقرار الصلاح وينبغي ألا يقاومهم أحد لأن من يفعل ذلك فمقاومته هي لله وليس لهم.
        وجهة النظر المقابلة لهذه يمثلها سفر الرؤيا والذي يرى أن القوى الحاكمة هي قوى شريرة نصبتها قوى الشر وتسيطر عليها وهي عرضة في نهاية المطاف لعقاب الله الذي لا مردَّ له. في هذا السفر يمثَّل للـ«سلطات الحاكمة» بالمسيح الدجال وأتباعه. كما توصف مدينة روما في السفر نفسه بأنها «الزانية العظيمة» و«أم الزواني» و«أم الرجاسات» «والشاربة حتى الثمالة من دماء القديسين وشاهدي يسوع.» مع ذلك، لماذا ينبغي أن يعتقد البعض أن «زانية بابل» التي ورد ذكرها في سفر الرؤيا، الأصحاح 17، تشير إلى الحكام الرومان، أولئك الذين أضفى عليهم بولس كل هذا المديح؟ السبب هو أن ملاكا أعطانا تفسيرًا لمعنى هذه الرؤية التي تخص «زانية بابل». إن الوحش الذي تجلس عليه له سبعة رؤوس والتي تمثل «السبع جبال التي تجلس عليها المرأة»؛ وهي نفسها (المرأة) تمثل«المدينة العظيمة التي لها ملك على ملوك الأرض»( رؤ 17 : 18 ). فما هي المدينة العظيمة المسيطرة خلال القرن الميلادي الأول والتي كانت تجلس على سبع جبال؟ إنها روما بلا شك تلك المدينة التي بنيت على «سَبْعَةُ جِبَال.»
        إن روما، كما صورها سفر الرؤيا، ليست مؤسسة خيرة أنشئت لتعمل على بسط الخير، كما إنها ليست خادمة للرب عينها من أجل رفاهية شعب الله كما يصورها بولس. إنها، في سفر الرؤيا، سلطة شنيعة وقذرة وعديمة الأخلاق على نحو فاضح ومستبدة استبدادا مبني على طبيعتها العنيفة، لم يعينها الرب، بل أعداؤه نصَّبوها. لكن يومها آت؛ وسيسحقها الرب عن قريب لكي يقيم مملكته الخيرة ويطيح بزانية بابل من على وجه الأرض.
        . الخاتمة
        لقد قمت منذ 25 عاما تقريبا إلى الآن بإلقاء دروس حول العهد الجديد في الجامعات، وخاصة جامعتي «روتجرز» و«نورثيرن كارولينا» بـ«تشابيل هيل». وكان ما وجدته أصعب الدروس صعوبة طوال كل تلك الفترة الزمنية في إيصاله إلى عقول الطلاب-أو أصعب الدروس التي كان علي أن أقنعهم بها- هو أن كل مؤلف من مؤلفي الكتاب المقدس، كما يزعم منهج النقد التاريخي، هو بحاجة لأن يسمح له أن يعبر عن رأيه الخاص بحرية، حيث يتحتم على هذا المؤلف أو ذاك وذلك في كثير من المواقف أن يكون له رأي في موضوع ما مختلف عن رأي المؤلف الآخر. في بعض الأحيان يكون الهدف من هذه الاختلافات إبراز شئ ما أو التأكيد عليه؛ وأحيانا تكون الاختلافات تناقضاتٍ بين روايتين مختلفتين أو بين أفكار مؤلفين مختلفين؛ وأحيانا تكون هذه التناقضات من الاتساع بحيث تؤثر لا في تفاصيل لا قيمة لها داخل نص بل في قضايا كبار كان هؤلاء المؤلفون يعالجونها.
        حاولت أن أغطي بعضًا من التناقضات الطريفة «البالغة الأهمية» في هذا الفصل: من يسوع؟ كيف كان مجيئه إلى العالم؟ ما ماهية تعاليمه حينها؟ ماذا كان رد فعله تجاه حادثة موته؟ لماذا كان عليه أن يموت؟ كيف يتبرر الناس أمام الله؟ كيف ينبغي أن يتعامل المسيحيون مع السلطات الحاكمة؟ هذه القضايا هي قضايا محورية بالغة الأهمية بكل المقاييس. وبتنوع شخصيات مؤلفي العهد الجديد تنوعت الإجابات عليها.
        من هم هؤلاء المؤلفين الذين كان عليهم أن يختلف أحدهم مع الآخر لوقت طويل حول مثل هذه القضايا الأساسية؟ هذا هو الموضوع الذي سيحتل فصلنا التالي في فحصنا لكتابات العهد الجديد على أساس أسس علم النقد التاريخي: فمن كتب الكتاب المقدس في الحقيقة؟


        نهاية الفصل الثالث ولا تنسونا من صالح دعائكم

        [1]

        [2]


        [/CENTER]
        تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


        تعليق


        • #19
          الفصل الرابع: من كتب الكتاب المقدس؟(ج1)

          [align=justify]
          الفصل الرابع
          من كتب الكتاب المقدس؟
          طلابي الذين يدرسون للمرة الأولى مقررات جامعية تتناول الكتاب المقدس بالبحث كثيرا ما تأخذهم الدهشة حينما يعرفون أننا لا نعرف من هم مؤلفي غالبية أسفار العهد الجديد. كيف هذا؟ أليست هذه الأسفار جميعها تحمل أسماء مؤلفيها؟ ألسنا نملك أناجيل متَّى ومرقس ولوقا ويوحنا ورسائل بولس ورسالتي بطرس الأولى والثانية وكذا رسائل يوحنا الثلاث؟ كيف نجحت الأسماء غير الحقيقية أن تلتصق بأسفار الكتاب المقدس؟ أليست هذه الأسفار كتبا إلهية؟ لو كتب شخص ما كتابا مدعيا أنه بولس بينما هو يعلم علم اليقين أنه ليس كذلك، ألا يعد ذلك من الكذب؟ أيمكن للأسفار أن تحوي أكاذيب؟
          حينما التحقت بالمعهد للمرة الأولى، كنت مدججا بكل أنواع الأسلحة وعلى أتم الاستعداد لمجابهة هجوم علماء الكتاب المقدس من الليبراليين، ممن كانوا سيصرون على مثل هذه الأفكار المجنونة، على إيماني. ولأني شابا تعلم داخل الدوائر المحافظة، فقد علمت أن وجهات النظر هذه هي مادة علمية قياسية في أماكن مثل معهد برينستون اللاهوتي. ولكن ماذا يعرف هؤلاء؟ فما هم سوى ثلة من الليبراليين.
          ما استحال بمرور الزمان إلى صدمة لم يكن سوى ندرة الأدلة الحقيقية التي تثبت صحة العزو التقليدي لهذه الكتب إلى مؤلفيها والتي كنت آخذها على الدوام باعتبارها مسلمات يقينية وكيف أن الدليل الحقيقي الذي لدينا يشير إلى أن كثيرًا من حالات العزو تلك غير دقيقة. اتضح لي أن الليبراليين بالفعل يملكون رؤية تستحق أن يعبروا عنها ولديهم براهين تدعم رؤيتهم هذه؛ وأنهم لم يكونوا كغيرهم منخرطين في هذا النوع من التفكير الذي يسيطر عليه الحس الأمنياتي المدمر. لقد كان ثمة بعض الأسفار، مثل الأناجيل، كانت قد كتبت على يد مجهولين وجرت فيما بعد فقط نسبتها إلى مؤلفين محددين(رسل وأصدقاء للرسل) لم يكونوا على الأرجح هم من ألفوها. وكانت هناك أسفار أخرى كتبت على يد من زعم بكل صراحة أنه شخص ما بينما الحقيقة غير ذلك.
          في هذا الفصل سأشرح طبيعة هذا الدليل وهذا البرهان.


          من كتب الكتاب المقدس؟
          على الرغم من أنه من البديهي أن لا تكون هذه القضية من النوع الذي يخبر القساوسة في العادة أبناء رعويتهم عنه، إلا أن إجماعا واسعا منعقد بين العلماء منذ ما يزيد عن قرن من الزمان حول أن كثيرًا من أسفار العهد الجديد لم يؤلفها الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بها. فإذا كان هذا هو الحال، فمن كتبها إذن؟

          ملحوظة تمهيدية: الأناجيل كروايات لشهود عيان
          كما رأينا لتوِّنا، يغص الكتاب المقدس بالتناقضات كبيرها وصغيرها. فما السبب في وجود هذا العدد الكبير من الاختلافات بين الأناجيل الأربعة؟ تعرف هذه الكتب بأسماء متَّى ولوقا ومرقس ويوحنا لأن هناك اعتقاد متوارث عبر التقليد بأنها قد كتبت بيد متَّى ذلك التلميذ الذي كان جامعا للضرائب؛ويوحنا الذي وصفه الإنجيل الرابع ب«التلميذ الحبيب» ومرقس الذي كان كاتبا للتلميذ بطرس؛ ولوقا المرافق الجوال للرسول بولس. هذه التقاليد تعود إلى قرن تقريبا من الزمان بعد لحظة تأليف هذه الكتب.
          لكن إذا كان إنجيلا متى ويوحنا قد كتبا بيد تلميذين ليسوع ممن التقياه أثناء خدمته الأرضية، فلماذا يكون بينهما كل هذا الاختلاف على جميع المستويات؟ ولماذا يشتملان على كل هذه التناقضات كثيرة العدد؟ ولماذا يرسمان مثل هذه الآراء المتناقضة فيما بينها تناقضا جذريا فيما يتعلق بحقيقة شخصية يسوع؟ ففي متى يهل يسوع على الوجود حينما حملت به أمه أو ولدته وهي العذراء؛ أما في يوحنا فهو كلمة الرب المتجسدة والتي كانت مع الرب في البداية وخلق عبرها الكون. أما متَّى فليس فيه أي ذكر لألوهية يسوع؛ بينما الألوهية في يوحنا هي تماما ما يعبر عن حقيقة يسوع. وفي متى كذلك يبشر يسوع بمجئ مملكة الرب ولا يتحدث تقريبا عن نفسه أبدًا ( ولا عن ألوهيته مطلقا)؛ أما في يوحنا فتعليمه يقتصر حصريا على الحديث عن ذاته وعن ألوهيته خاصة. وفي متَّى يرفض يسوع أن يصنع معجزات على أرضية إثباته لهويته وشخصه؛ لكن في يوحنا كان غرضه الوحيد عمليا من إتيانه بالمعجزات هو أن يثبت شخصيته.
          فهل حقا يمكن أن يكون لدى تلميذين ليسوع كانا قد التقياه على الأرض مفاهيم متباينة ذلك التباين الجذري حول طبيعته الشخصية؟ يجوز هذا. فقد تتشكل لدى شخصين من الناس خدما في إدارة جورج دبليو بوش قناعات مختلفة تمام الاختلاف حياله(على الرغم من أني أشك في أن شخصا ما قد يعتبر أن بوش مبعوثا من السماء). هذا يبرز قضية منهجية مهمة أودُّ التشديد عليها قبل أن نناقش الأدلة المتعلقة بشخصية مؤلفي الأناجيل.
          لماذا ظهر في نهاية الأمر تقليد يزعم أن مؤلفي هذه الأسفار هم الرسل ورفاق الرسل؟ من جهة كان في هذا طمأنة للقارئ على أنها كتبت بيد شهود العيان ورفقائهم. وشاهد العيان يمكن الوثوق بكونه ينقل حقيقة ما حدث في حياة يسوع من أحداث. لكن الحقيقة هي أن شهود العيان لا يمكن الوثوق بهم كناقلين للروايات الدقيقة من الناحية التاريخية. ما وثق بهم يوما فيما مضى ولا يمكن أن يوثق بهم الآن. ولو كان شهود العيان يقدمون على الدوام روايات دقيقة من الناحية التاريخية، ما كان بنا حاجة لدور القضاء ولا للمحاكم. لو احتجنا أن نعرف ما وقع فعليًّا عندما اقترفت جريمة من الجرائم، بمقدورنا أن نسأل شخصا ما فحسب. أما القضايا القانونية في الحياة الواقعية فتتطلب وجود العديد من شهود العيان، لأن شهاداتهم عادة ما يكون بينها فروق. ولو كان لشاهدي عيان في محكمة من المحاكم أن يختلفا بقدر اختلاف متى مع يوحنا، فتخيلوا مقدار الصعوبة التي سيجدها القاضي للوصول إلى حكم في القضية.
          حقيقة أخرى تتمثل في أن كل الأناجيل بلا استثناء كتبت بيد مجهولين لم يزعم واحد منهم أنه كان شاهد عيان. نعم، هناك أسماء ألحقت بعناوين هذه الأناجيل(«الإنجيل وفقا لمتَّى»)، إلا أن هذه العناوين هي إضافات من أزمنة متأخرة للأناجيل قام بها محررون ونساخ هدفهم إِعْلامُ القارئ بما كان هذا المحرر يعتقده بشأن المرجعيات التي تقف وراء تلك النسخ المختلفة. وكون هذه العناوين ليست نسبتها للأناجيل نفسها نسبة أصلية ينبغي أن يكون واضحا لدى بعض التأمل البسيط. فمهما تكن شخصية من كتب إنجيل متَّى، فإنه لم يسمه «الإنجيل وفقًا لمتَّى.» والأشخاص الذين خلعوا عليه هذا العنوان إنما يخبرونك عن شخصية من ألفها من وجهة نظرهم هم. فالمؤلفون لا يكتبون على كتبهم عبارة «وفقا لـ» هذه.[1]
          أضف إلى ذلك أن إنجيل متى كتب بالكامل باستخدام ضمير الغائب ليخبرنا عما كانوا «هم»- أي يسوع وتلامذته- يفعلونه، ولم يحدث مطلقا أن استعمل الضمير «نحن» ليخبرنا عما كنا- يسوع وبقيتنا نحن التلاميذ- نفعله. وحتى عندما يحكي هذا الإنجيل ما حدث حينما يُدْعَى متَّى لكي يصبح تلميذا، فإنه يتحدث عنـ«ـه» بصيغة الغائب وليس عنـ«ـي» بصيغة المتكلم. واقرأ العدد 9 : 9 بنفسك إن رمت اليقين حول هذه المسألة. ليس هناك مثال واحد في هذا الإنجيل يجعلك تشك أن الكاتب يتحدث عن نفسه.
          ومع يوحنا يبدو هذا الأمر أكثر وضوحًا. ففي نهاية الإنجيل يقول المؤلف عن «التلميذ الحبيب»:«هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ.»(يو 21 : 24 ). لاحظ كيف يفرِّق المؤلف بين مصدر معلوماته «التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ» وبين نفسه « وَنَعْلَمُ(أي نحن) أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ.» إنه يستعمل الضميرين هو ونحن: فهذا المؤلف ليس التلميذ. بل هو يدعي فحسب أنه استقى بعضًا من معلوماته منه.
          أما عن الإنجيلين الآخرين، فمرقس قيل عنه إنه ليس تلميذا، بل رفيقا لبطرس، بينما لوقا هو رفيق بولس الذي لم يكن هو الآخر من بين التلاميذ. وحتى لو كانا تلميذين، فهذا لن يضمن الموضوعية أو المصداقية لرواياتهم. ومع ذلك فليس من بين هؤلاء المؤلفين من كان شاهد عيان ولم يدع أحدهم هذا.
          فمن كتب هذه الأسفار إذن؟
          أفضل ما نبدأ به هو السؤال المحوري التالي: ماذا نعرف عن أتباع يسوع؟ أقدم معلوماتنا وأفضلها مصدرها الأناجيل ذاتها، جنبا إلى جنب مع سفر أعمال الرسل. أما بقية أسفار العهد الجديد، ومن بينها رسائل بولس، فهي تشير إلى التلاميذ الإثني عشر إشارة عابرة، وهذه الإشارات تهتم بتأكيد ما نجده بالفعل في الأناجيل نفسها. أما خارج جلدتي العهد الجديد، فجل ما نملكه مجرد أساطير حيكت بعد عصرهم بعشرات السنين أو بعده بقرون- نذكر على سبيل المثال، «أعمال يوحنا» ذائعة الصيت والتي تروي روايات عن المجهوادت التبشيرية الإعجازية التي صنعها يوحنا بعد قيامة المسيح. وليس بين المؤرخين مؤرخ يعتقد أن هذه «الأعمال» موثوق بها من الناحية التاريخية.[2]
          نعلم من الأناجيل أن أتباع يسوع، مثله، كانوا قرويين من الطبقة الدنيا، وأن موطنهم الأصلي هو منطقة الجليل ذات الطبيعة الريفية. وغالبيتهم- سمعان بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا على وجه اليقين- كانوا عمالا باليومية(صيادين وما أشبه)؛ أما متَّى، فقد قيل عنه إنه كان جامعًا للضرائب، إلا أن الرتبة التي كان يشغلها في مؤسسة جمع الضرائب ليست بالشأن الواضح: أكان ببساطة مقاولا عموميا ممن كانوا يعملون مباشرة مع السلطات الحاكمة على تأمين دخول الضرائب، أم أنه، وهذا هو الأكثر ترجيحا، كان من النوع الذي يأتي ويدق على بابك ليحملك على دفع ما عليك من ضرائب؟ لو كان الأخير، فليس ثمة شئ يجعلنا نفترض أنه كان حاصلا على قدر كبير من التعليم.
          الأمر نفسه يصدق بالتأكيد على الآخرين. فما يعنيه أن تكون قرويا من الطبقة الدنيا في مناطق ريفية في فلسطين خلال القرن الأول هو أمر لدينا عنه بعض المعلومات. أحد الأمور التي يعنيها ذلك هو أنك على جهة اليقين تقريبا لا تعرف القراءة ولا الكتابة. يسوع نفسه كانت حالته بالغة الاستثنائية من حيث إنه كان يعرف بوضوح كيف يقرأ(لوقا 4 : 16 – 20 )، لكن ليس هناك دليل يشير إلى أنه كان يستطيع الكتابة. في العصور القديمة لم يكن ثمة رابط بين هاتين المهارتين، فكثير ممن كانوا يعرفون القراءة كانوا لا يستطيعون الكتابة.
          ما عدد من كانوا يعرفون القراءة؟ لقد كانت الأمية منتشرة في أنحاء الإمبراطورية الرومانية. و كانت نسبة المتعلمين عموما في أفضل الظروف تقدر بـ 10 % من مجموع السكان. وهؤلاء الذين يمثلون نسبة ال10 % كانوا من الطبقات المترفة- أي الطبقات العليا ممن كانوا يملكون الوقت والمال اللازمين لطلب العلم(وقد علموا عبيدهم وخدمهم القراءة لخدمات يقدمونها لأسيادهم). أما ما عدا هؤلاء فقد كانوا يعملون منذ نعومة أظفارهم وكانوا عاجزين عن توفير الوقت أو المال للازمين للتعليم.[3]
          ليس في الأناجيل أو في سفر الأعمال ما يشير إلى أن أتباع يسوع كانوا يستطيعون القراءة، فضلا عن قدرتهم على الكتابة. بل ثمة في الحقيقة رواية في سفر الأعمال يوصف فيها بطرس ويوحنا بأنهما « عَدِيمَا الْعِلْمِ»- وهي الكلمة القديمة التي تقابلها الآن كلمة «أُمِّي». وكيهود من الجليل، فإن أتباع يسوع سيكونون، مثل سيدهم، من المتحدثين باللغة الآرامية. وباعتبارهم قرويين فهم على الأرجح يجهلون اللغة اليونانية؛ ولو كانوا على جهل بها، فلا شك أن حياتهم كانت ستكون بالغة القسوة والخشونة حيث إنهم كانوا سيقضون وقتهم مع الأميين من أمثالهم من المتحدثين بالآرامية في محاولة اكتساب لقمة العيش التي تعينهم على العيش عيش الكفاف.
          وأوجز الفقرات السابقة بالتساؤل: من كان تلامذة يسوع؟ قرويين من الطبقة الدنيا التي تغلب عليها الأمية من المتحدثين باللغة الآرامية والذين تعود جذورهم إلى منطقة الجليل.
          ومن كان مؤلفو الأناجيل؟ على الرغم من أنهم جميعا أبقوا هوياتهم الحقيقية طي الكتمان، يمكننا أن نعرف عنهم القليل من الأشياء من الكتب التي كتبوها بأيديهم. وما نعرفه يتناقض تمام التناقض مع ما نعرفه عن تلامذة يسوع. لقد كان مؤلفو الأناجيل من الحاصلين على تعليم عال من بين المسيحيين المتحدثين باليونانية والذين يرجح أنهم كانوا يعيشون خارج حدود فلسطين.
          فأما كونهم من الطبقة الحاصلة على تعليم عال فهذا لا تتناطح عليه عنزتان. وعلى الرغم من أنه كان ثمة علماء من وقت لآخر قد اعتقدوا أن الأناجيل كانت قد كتبت في الأساس بالآرامية، فإن الإجماع الساحق اليوم، لأسباب فنية لغوية لا حصر لها، على أن الأناجيل كتبت جميعها باليونانية. وقد أشرت من قبل إلى أن 10 % فحسب، في أفضل الأحوال، من الشعب الخاضع للإمبراطورية الرومانية كان بمقدورهم القراءة، وأقل من هذه النسبة كان بمقدورهم كتابة جملا بسيطة، وأن عددا أقل منهم بكثير كانوا قادرين فعليا على صياغة روايات ذات مستوى فني بدائي، وأن عدد أقل بكثير من هؤلاء كان بمقدوره فعليا أن يؤلف أعمالا أدبية موسعة مثل الأناجيل. ليست الأناجيل، باعتراف الجميع، الأروع من بين الكتابات التي ظهرت داخل الإمبراطورية- ليست هكذا يقينا. ومع ذلك فهي لا تزال روايات محكمة كتبها مؤلفون اتسموا بالثقافة العالية وكانوا يعرفون كيف يبنون قصة وحققوا أغراضهم الأدبية ببراعة بالغة.
          ومهما تكن شخوص هؤلاء المؤلفين، فقد كانوا أشخاصا موهوبين موهبة استثنائية من مسيحيي الأجيال اللاحقة. نعم،بين العلماء خلاف حول المكان الذي عاشوا فيه وألفوا كتبهم، لكن جهلهم بالطبيعة الجغرافية لفلسطين وبالأعراف اليهودية يقترح أنهم ألفوا هذه الكتب في مكان ما آخر داخل الإمبراطورية- من المحتمل أن هذا كان في منطقة حضرية واسعة استطاعوا أن يحصلوا فيها على تعليم محترم وكان يوجد بها جماعة كبيرة نسبيا من المسيحيين.[4]
          لم يكن هؤلاء المؤلفون من قرويي الطبقات الدنيا ولا من الأميين آراميي اللسان ممن عاشوا في منطقة الجليل. ولكن، ألا يمكن أن نقول إن يوحنا، مثلا، كتب إنجيله في سن متقدمة؟ وإنه كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة وعاملا باليومية-كان صيادا منذ اللحظة التي كان فيها قادرا على سحب شبكة الصيد- من المتحدثين بالآرامية في شبابه، لكنه كتب إنجيله حينما صار طاعنا في السن؟
          أفترض أن هذا ممكن. ولكنه سيعني أن يوحنا قرر بعد قيامة المسيح أن يذهب للمدرسة ليتعلم القراءة والكتابة. وقد تعلم أساسيات القراءة وعرف المبادئ الأولية لفن الكتابة، وتلقى دروسا في الغلة اليونانية حتى أتقنها اتقانا يكفيه لكي يصبح كاتبا فصيحا. وعندما شاخ برع في التأليف وكان قادرا على تأليف إنجيل، فهل هذا السيناريو محتمل الحدوث؟ لا يبدو أنه محتمل الحدوث. لقد كانت هناك أولويات أخرى في أذهان يوحنا وأتباع يسوع الآخرين بعد أن مروا بتجربة قيامة يسوع من بين الأموات. واحدة من هذه الأولويات هي ما كانوا يعتقدونه بأنهم كان لزاما عليهم أن يهدوا العالم إلى الإيمان بالمسيحية وأن يديروا شئون الكنيسة.
          شهادة بابياس
          على الرغم من الأدلة التي تنفي أن يكون أحد من التلاميذ قد ألف إنجيلا، فإننا نحتاج إلى أن نتعامل مع التقليد الكنسي المبكر الذي يشير إلى أن بعض التلاميذ قد فعل هذا. فكيف على المرء أن يتعامل مع هذا التقليد؟
          أقدم مصدر لهذا التقليد، وهو أب من آباء الكنيسة الأوائل ويدعى بابياس، يتناول بالبحث إنجيلين مسيحيين قديمين وهما إنجيل مرقس وإنجيل متَّى. بابياس هو شخصية مبهمة ألف كتابا من خمسة مجلدات يدعى «شروحات أقوال الرب» أو «Expositions of the Sayings of the Lord». وقد حدد العلماء على نحو مقبول كتاريخ لتأليف هذا العمل لحظة ما بين العامين 110 و 140 ميلاديا، أي بعد 70 عاما من تاريخ كتابة الإنجيل الأول.[5] لم يعد لكتاب بابياس وجود: لقد نظر عدد من المراجع المسيحية في العصور التالية إلى آراء بابياس باعتبارها إما أنها تحوي هجوما على المسيحية أو أنها ليست راقية بالقدر الكافي ولهذا لم ينسخ كتابه نسخا واسعة لمصلحة الأجيال التالية.[6] أما جل معلوماتنا عن هذا العمل فمصدرها اقتباسات آباء الكنيسة المتأخرين لها.
          ومع ذلك فقد جرى تصوير بابياس كثيرا باعتباره مصدر صالح لتعيين التقليد المبكر للكنيسة، وذلك إلى حد ما من أجل الطريقة التي أشار بها إلى كيفية تلقيه ما لديه من معلومات. في بعض الاقتباسات التي نجت من الضياع من كتابه«الشروحات»، يصرح بأنه شخصيا قد تحدث إلى مسيحيين كانوا قد عرفوا مجموعة من الناس يسميهم هو «الكبار» الذين كان لهم سابق بمعرفة ببعض التلاميذ، وبأنه نقل معلومات تلقاها منهم. ولما سبق فنحن بقراءتنا لما كتبه بابياس نكون قد وضعنا أيدينا على معلومات مستقاة من الجيل الثالث أو الرابع الذي يمثل أناسا كانوا على علاقة برفاق التلاميذ.
          أحد الفقرات التي كثيرا ما يقتبسها بابياس(والتي نقلها عنه يوسابيوس القيصري) تصف هذا النوع من المعلومات التي ينقلها الجيل الثالث أو الرابع، فيما يتعلق بمرقس ومتى باعتبارهما من مؤلفي الأناجيل:
          هذا ما اعتاد الشيوخ على قوله:«حينما كان مرقس شارحا (وربما مترجما؟) لبطرس، فقد دون بدقة كل شئ تذكره من أقوال الرب وأعماله- لكن هذا لم يقع على الترتيب. لأنه لم يسمع من الرب مباشرة ولم يقابله؛ لكنه فيما بعد، كما قد أشرت، رافق بطرس الذي دأب على تنظيم تعاليمه بما يتناسب مع احتياجاته الحاضرة، فلم يرتب، إذا جاز التعبير، مؤلفا منظما يضم كلمات الرب. ولهذا لم يقترف مرقس إثمًا حينما كتب بعض الأمور كما تذكرها. وذلك لأنه كان مصمما على إتمام غرض واحد لا غير: ألا يترك أي شئ سمعه وألا يضم إلى كلامه شيئا مفترى.»
          ثم يواصل كلامه، متحدثا عن متَّى:
          وهكذا رتب متَّى كلمات المسيح باللسان العبراني وكل إنسان فسرها(هل يقصد ترجمها؟)بأفضل ما يستطيع من قدرات.(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 3 . 39 )
          أليس في هذا الكلام دليل على أن متَّى هو بالفعل من ألف إنجيل متَّى وأن مرقس هو حقا من كتب إنجيل مرقس؟
          هناك بعض المشكلات بالغة الخطورة تقابل من يحاول أن يثمِّن القيمة التاريخية لملاحظات بابياس. دعونا نبدأ بمتَّى. أولا، فيما يتعلق بمتَّى- بخلاف الحال مع مرقس- لا يعلمنا بابياس بمصدر لمعلوماته، أو ما إذا كان يملك أساسا مصدرا لها. هل مصدرها شخص من الجيل الثالث؟ أم من الرابع؟ أم من الجيل الخامس؟ إذا كان بابياس يكتب هذه الكلمات، فلنقل، في عام 120 م أو 130 م، فهذا يتوقيت قريب من 40 أو 50 عاما بعد الفترة التي كتب فيهاكاتب مجهول إنجيل متى. وقد جرى تداول هذا الإنجيل تداولا سريا لعشرات السنين. أليس من الممكن أن يكون التقليد الذي ينقله بابياس قد جرى اختلاقه في غضون هذا الوقت؟
          في هذا الصدد، من الجدير بالملاحظة أن هاتين الفقرتين من المعلومات الجامدة التي يعطينا إياها بابياس ليست صحيحة فيما يتعلق بـ«صاحبنا» متَّى. فصاحبنا متَّى ليس مجرد جامع لأقوال يسوع، وإنجيله يقينا لم يكتب بالعبرانية، بل باليونانية. [7] فهل حصل بابياس ببساطة على معلومات غير صحيحة؟ أم هو يتكلم عن كتاب ما آخر كتبه متَّى ولم يعد بحوذتنا - مجموعة من أقوال يسوع على سبيل المثال؟
          لو أن بابياس غير موثوق به فيما يتعلق بمتَّى، فهل هو أهل للثقة فيما ينقله عن مرقس؟ في حالة مرقس يصرح ببياس بأننا نتحصل على معلومات سلمها لنا الجيل الثالث أو الرابع.[8] ولكن مرة أخرى، معلومة واحدة من الاثنتين اللتين يخبرنا بهما على وجه تأكيدي هي يقينا معلومة خاطئة.: فهو يزعم أن غرضا من الغرضين الأساسين الذين كانا يهدف إليهما مرقس هو أن يخبرنا بكل شئ ما سمعه من بطرس فيما يتعلق بيسوع. ببساطة ليس هناك احتمال واحد لأن تكون هذه المعلومة صحيحة. فإنجيل مرقس لا تستغرق تلاوته بصوت عال سوى ساعتين اثنتين. أفبعد أن قضى بطرس كل هذه الشهور أو السنوات مع يسوع، وبعد أن استمع مرقس لبطرس وهو يبشر بيسوع ليلا ونهارا، يمكننا تخيل أن كل ما سمعه مرقس هو مقدار ساعتين اثنتين من المعلومات؟
          على أية حال، لا يمدنا بابياس فيما يبدو بنوع من المعلومات التي يمكننا وضع قدر كبير من ثقتنا بها. وفي هذا الصدد، ينبغي أن أوضح أن العلماء رفضوا تقريبا أجمعين كل شئ آخر ذُكِرَ أن بابياس قاله في الاقتباسات المحفوظة من كتابه.
          فنتأمل فقرة أخرى نقلها الجيل الرابع:
          الشيوخ الذين رأوا يوحنا، تلميذ الرب، ذكروا أنهم سمعوه يقول كيف كان الرب معتادا على أن يعلمهم بشأن هذه الأوقات، قائلا:
          «ستأتي أيام تظهر فيها أشجار الكرم، كل واحدة منها لها عشرة آلاف فرع؛ وعلى فرع واحد سيكون عشرة آلاف برعم وعلى كل برعم عشرة آلاف عنقود؛ وفي كل عنقود ستنبت عشرة آلاف عنبة، وكل عنبة، حينما تعصر، ستثمر خمسة وعشرين مكيالا من الخمر. وحينما يمسك واحد من القديسين عنقودا منها، سيصرخ العنقود الآخر قائلا:«أنا أفضل منه، خذني أنا، مجد الرب بي.» (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 3 . 39 . 1 )
          لا أحد يعتقد أن يسوع بالفعل قد قال هذه الكلمات، أو أن يوحنا تلميذ يسوع قد قال إن يسوع قال هذا. فهل قال الشيوخ الذين عرفوا يوحنا هذه الكلمات حقا؟[9]
          إن كان العلماء يشعرون بميل إلى عدم الاعتداد بما يقوله بابياس في كل قضية أخرى تقريبا، فلماذا يلجأون في بعض الأحيان لشهادته إظهارا لكوننا نملك تقليدا مبكرا يربط متى بأحد أناجيلنا ، ومرقس بإنجيل آخر؟ لماذا يقبل العلماء بعضا مما قاله بابياس ويكفرون بالبعض الآخر؟ أظن أنهم يريدون دعما لوجهات نظرهم(التي تقول إن متى بالفعل هو مؤلف إنجيله) وقد قرروا أن يثقوا ببابياس حينما يؤكد وجهات نظرهم، وأن لا يثقوا به إذا لم يفعل.
          إن نتيجة هذا التقييم السريع لبابياس فيما أعتقد هو أنه نقل قصصا كان قد سمعها وهو ينسبهم إلى أناس يعرفون أناسا آخرين قالوا هذا الذي نقلوه. لكنه في المواضع التي يمكن فيها معرفة مصادره يبدو مخطئا. فهل يمكن أن نثق به في المواضع التي لا يمكن فيها معرفة مصادر معلوماته؟ إذا كنت تعرف صديقا دائما ما يرشدك خطئا إلى عناوين أنت تعرفها جيدا، فهل تثق به حينما يرشدك إلى مكان أنت لم تزره من قبل مطلقا؟
          لم ينقل عن بابياس أنه قال أي شئ بخصوص لوقا يوحنا كليهما. لست على يقين من سبب هذا. لكن المحصلة النهائية لهذا الأمر هي كالتالي: ليس بين أيدينا مرجع قوي يمكننا الوثوق به فيما يتعلق بمؤلفي أناجيلنا الأربعة (أعني أن يكون المؤلف يشير بالفعل لمتى ومرقس الذين نعرفهما) حتى وقت قريب من نهاية القرن الثاني- وهي الفترة الزمنية التي تبعد تقريبا عن لحظة ذيوع هذه الأناجيل منسوبة إلى مؤلفين مجهولين بمائة عام كاملة.
          [/CENTER]
          تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


          تعليق


          • #20
            الفصل الرابع: من كتب الكتاب المقدس(ج2)

            [align=justify]
            شهادة بابياس
            على الرغم من الأدلة التي تنفي أن يكون أحد من التلاميذ قد ألف إنجيلا، فإننا نحتاج إلى أن نتعامل مع التقليد الكنسي المبكر الذي يشير إلى أن بعض التلاميذ قد فعل هذا. فكيف على المرء أن يتعامل مع هذا التقليد؟
            أقدم مصدر لهذا التقليد، وهو أب من آباء الكنيسة الأوائل ويدعى بابياس، يتناول بالبحث إنجيلين مسيحيين قديمين وهما إنجيل مرقس وإنجيل متَّى. بابياس هو شخصية مبهمة ألف كتابا من خمسة مجلدات يدعى «شروحات أقوال الرب» أو «Expositions of the Sayings of the Lord». وقد حدد العلماء على نحو مقبول كتاريخ لتأليف هذا العمل لحظة ما بين العامين 110 و 140 ميلاديا، أي بعد 70 عاما من تاريخ كتابة الإنجيل الأول.[1] لم يعد لكتاب بابياس وجود: لقد نظر عدد من المراجع المسيحية في العصور التالية إلى آراء بابياس باعتبارها إما أنها تحوي هجوما على المسيحية أو أنها ليست راقية بالقدر الكافي ولهذا لم ينسخ كتابه نسخا واسعة لمصلحة الأجيال التالية.[2] أما جل معلوماتنا عن هذا العمل فمصدرها اقتباسات آباء الكنيسة المتأخرين لها.
            ومع ذلك فقد جرى تصوير بابياس كثيرا باعتباره مصدر صالح لتعيين التقليد المبكر للكنيسة، وذلك إلى حد ما من أجل الطريقة التي أشار بها إلى كيفية تلقيه ما لديه من معلومات. في بعض الاقتباسات التي نجت من الضياع من كتابه«الشروحات»، يصرح بأنه شخصيا قد تحدث إلى مسيحيين كانوا قد عرفوا مجموعة من الناس يسميهم هو «الكبار» الذين كان لهم سابق بمعرفة ببعض التلاميذ، وبأنه نقل معلومات تلقاها منهم. ولما سبق فنحن بقراءتنا لما كتبه بابياس نكون قد وضعنا أيدينا على معلومات مستقاة من الجيل الثالث أو الرابع الذي يمثل أناسا كانوا على علاقة برفاق التلاميذ.
            أحد الفقرات التي كثيرا ما يقتبسها بابياس(والتي نقلها عنه يوسابيوس القيصري) تصف هذا النوع من المعلومات التي ينقلها الجيل الثالث أو الرابع، فيما يتعلق بمرقس ومتى باعتبارهما من مؤلفي الأناجيل:
            هذا ما اعتاد الشيوخ على قوله:«حينما كان مرقس شارحا (وربما مترجما؟) لبطرس، فقد دون بدقة كل شئ تذكره من أقوال الرب وأعماله- لكن هذا لم يقع على الترتيب. لأنه لم يسمع من الرب مباشرة ولم يقابله؛ لكنه فيما بعد، كما قد أشرت، رافق بطرس الذي دأب على تنظيم تعاليمه بما يتناسب مع احتياجاته الحاضرة، فلم يرتب، إذا جاز التعبير، مؤلفا منظما يضم كلمات الرب. ولهذا لم يقترف مرقس إثمًا حينما كتب بعض الأمور كما تذكرها. وذلك لأنه كان مصمما على إتمام غرض واحد لا غير: ألا يترك أي شئ سمعه وألا يضم إلى كلامه شيئا مفترى.»
            ثم يواصل كلامه، متحدثا عن متَّى:
            وهكذا رتب متَّى كلمات المسيح باللسان العبراني وكل إنسان فسرها(هل يقصد ترجمها؟)بأفضل ما يستطيع من قدرات.(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 3 . 39 )
            أليس في هذا الكلام دليل على أن متَّى هو بالفعل من ألف إنجيل متَّى وأن مرقس هو حقا من كتب إنجيل مرقس؟
            هناك بعض المشكلات بالغة الخطورة تقابل من يحاول أن يثمِّن القيمة التاريخية لملاحظات بابياس. دعونا نبدأ بمتَّى. أولا، فيما يتعلق بمتَّى- بخلاف الحال مع مرقس- لا يعلمنا بابياس بمصدر لمعلوماته، أو ما إذا كان يملك أساسا مصدرا لها. هل مصدرها شخص من الجيل الثالث؟ أم من الرابع؟ أم من الجيل الخامس؟ إذا كان بابياس يكتب هذه الكلمات، فلنقل، في عام 120 م أو 130 م، فهذا يتوقيت قريب من 40 أو 50 عاما بعد الفترة التي كتب فيهاكاتب مجهول إنجيل متى. وقد جرى تداول هذا الإنجيل تداولا سريا لعشرات السنين. أليس من الممكن أن يكون التقليد الذي ينقله بابياس قد جرى اختلاقه في غضون هذا الوقت؟
            في هذا الصدد، من الجدير بالملاحظة أن هاتين الفقرتين من المعلومات الجامدة التي يعطينا إياها بابياس ليست صحيحة فيما يتعلق بـ«صاحبنا» متَّى. فصاحبنا متَّى ليس مجرد جامع لأقوال يسوع، وإنجيله يقينا لم يكتب بالعبرانية، بل باليونانية. [3] فهل حصل بابياس ببساطة على معلومات غير صحيحة؟ أم هو يتكلم عن كتاب ما آخر كتبه متَّى ولم يعد بحوذتنا - مجموعة من أقوال يسوع على سبيل المثال؟
            لو أن بابياس غير موثوق به فيما يتعلق بمتَّى، فهل هو أهل للثقة فيما ينقله عن مرقس؟ في حالة مرقس يصرح ببياس بأننا نتحصل على معلومات سلمها لنا الجيل الثالث أو الرابع.[4] ولكن مرة أخرى، معلومة واحدة من الاثنتين اللتين يخبرنا بهما على وجه تأكيدي هي يقينا معلومة خاطئة.: فهو يزعم أن غرضا من الغرضين الأساسين الذين كانا يهدف إليهما مرقس هو أن يخبرنا بكل شئ ما سمعه من بطرس فيما يتعلق بيسوع. ببساطة ليس هناك احتمال واحد لأن تكون هذه المعلومة صحيحة. فإنجيل مرقس لا تستغرق تلاوته بصوت عال سوى ساعتين اثنتين. أفبعد أن قضى بطرس كل هذه الشهور أو السنوات مع يسوع، وبعد أن استمع مرقس لبطرس وهو يبشر بيسوع ليلا ونهارا، يمكننا تخيل أن كل ما سمعه مرقس هو مقدار ساعتين اثنتين من المعلومات؟
            على أية حال، لا يمدنا بابياس فيما يبدو بنوع من المعلومات التي يمكننا وضع قدر كبير من ثقتنا بها. وفي هذا الصدد، ينبغي أن أوضح أن العلماء رفضوا تقريبا أجمعين كل شئ آخر ذُكِرَ أن بابياس قاله في الاقتباسات المحفوظة من كتابه.
            فنتأمل فقرة أخرى نقلها الجيل الرابع:
            الشيوخ الذين رأوا يوحنا، تلميذ الرب، ذكروا أنهم سمعوه يقول كيف كان الرب معتادا على أن يعلمهم بشأن هذه الأوقات، قائلا:
            «ستأتي أيام تظهر فيها أشجار الكرم، كل واحدة منها لها عشرة آلاف فرع؛ وعلى فرع واحد سيكون عشرة آلاف برعم وعلى كل برعم عشرة آلاف عنقود؛ وفي كل عنقود ستنبت عشرة آلاف عنبة، وكل عنبة، حينما تعصر، ستثمر خمسة وعشرين مكيالا من الخمر. وحينما يمسك واحد من القديسين عنقودا منها، سيصرخ العنقود الآخر قائلا:«أنا أفضل منه، خذني أنا، مَجِّد الرب بي.» (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 3 . 39 . 1 )
            لا أحد يعتقد أن يسوع بالفعل قد قال هذه الكلمات، أو أن يوحنا تلميذ يسوع قد قال إن يسوع قال هذا. فهل قال الشيوخ الذين عرفوا يوحنا هذه الكلمات حقا؟[5]
            إن كان العلماء يشعرون بميل إلى عدم الاعتداد بما يقوله بابياس في كل قضية أخرى تقريبا، فلماذا يلجأون في بعض الأحيان لشهادته إظهارا لكوننا نملك تقليدا مبكرا يربط متى بأحد أناجيلنا ، ومرقس بإنجيل آخر؟ لماذا يقبل العلماء بعضا مما قاله بابياس ويكفرون بالبعض الآخر؟ أظن أنهم يريدون دعما لوجهات نظرهم(التي تقول إن متى بالفعل هو مؤلف إنجيله) وقد قرروا أن يثقوا ببابياس حينما يؤكد وجهات نظرهم، وأن لا يثقوا به إذا لم يفعل.
            إن نتيجة هذا التقييم السريع لبابياس فيما أعتقد هو أنه نقل قصصا كان قد سمعها وهو ينسبهم إلى أناس يعرفون أناسا آخرين قالوا هذا الذي نقلوه. لكنه في المواضع التي يمكن فيها معرفة مصادره يبدو مخطئا. فهل يمكن أن نثق به في المواضع التي لا يمكن فيها معرفة مصادر معلوماته؟ إذا كنت تعرف صديقا دائما ما يرشدك خطئا إلى عناوين أنت تعرفها جيدا، فهل تثق به حينما يرشدك إلى مكان أنت لم تزره من قبل مطلقا؟
            لم ينقل عن بابياس أنه قال أي شئ بخصوص لوقا يوحنا كليهما. لست على يقين من سبب هذا. لكن المحصلة النهائية لهذا الأمر هي كالتالي: ليس بين أيدينا مرجع قوي يمكننا الوثوق به فيما يتعلق بمؤلفي أناجيلنا الأربعة (أعني أن يكون المؤلف يشير بالفعل لمتى ومرقس الذين نعرفهما) حتى وقت قريب من نهاية القرن الثاني- وهي الفترة الزمنية التي تبعد تقريبا عن لحظة ذيوع هذه الأناجيل منسوبة إلى مؤلفين مجهولين بمائة عام كاملة.



            [/CENTER]
            تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


            تعليق


            • #21
              [align=justify]
              شهادة إيريناوس وآخرين
              تعد كتابات إيريناوس، أحد آباء الكنيسة، أول إشارة مؤكدة للأناجيل الأربعة. ففي كتابه ذي الطبيعة الهجومية على الهراطقة المسيحيين والمكون من خمسة مجلدات يعين إيريناوس أناجيل متَّى ومرقس ولوقا ويوحنا باعتبارها أناجيل الكنيسة الأربعة. وقريبا من العصر الذي عاش فيه إيريناوس( سنة 180 م تحديدا) لم يكن ممما يثير الدهشة أن يرغب آباء الكنيسة في أن يعرفوا من كتب هذه الكتب مجهولة المؤلفين. وكما سنرى في فصل تال، كان ثمة الكثير من الأناجيل واسعة الانتشار داخل الكنيسة- غالبيتها في الحقيقة كان البعض يزعم أنه قد كتب بيد تلاميذ يسوع مثل بطرس وتوماس وفيلبس. فكيف كان يمكن للمرء أن يقرر أيها يمكن الوثوق بصحة نسبته إلى الرسل؟ كانت هذه المسألة مسألة بالغة الحساسية لأن غالبية هذه الأناجيل «الأخرى» كانت تمثل وجهات نظر لاهوتية وَسَمَها إيريناوس ورفاقه بالهرطقة. فكيف يمكن للمرء أن يعرف التعاليم الحقيقية التي بشر بها يسوع؟ لا سبيل آخر سوى قبول الأناجيل التي كتبها حقا أتباعه أو الرفاق المقربون منهم.
              لكن الأناجيل التي قبلت باعتبارها كتبا مقدسة ذات موثوقية داخل الدوائر التي ينتمي إليها إيريناوس كان مؤلفوها في الأصل مجهولين. وكان حل مشكلة شرعنة هذه النصوص بديهيا: هذه الكتب بحاجة إلى أن تنسب إلى مرجعيات ثابتة وحقيقية. كان ثمة تقاليد منتشرة لعشرات السنين تفيد بأن متَّى كان قد كتب إنجيلا، وهكذا ما نسميه الآن بإنجيلنا الأول وصل إلى منزلة الموثوقية والقبول باعتباره هذا الكتاب الذي قيل إن متَّى ألفه. أما مرقس، فقد كان الظن به أنه كان رفيقا لبطرس: فجرى ربط إنجيلنا الثاني به باعتباره يقدم وجهة نظر بطرس فيما يتعلق بحياة يسوع. ومؤلف إنجيلنا الثالث كان قد كتب مجلدين، جرى تصوير بولس في ثانيهما، أعني سفر الأعمال، باعتباره بطلا. فكان أن أصر زعماء الكنيسة على أن مؤلفه لابد وأنه قد كان رفيقا لبولس ولهذا نسبوا الإنجيل إلى لوقا.[1] ولكي يكملوا العدد أربعًا، نُسِبَ الإنجيل الرابع إلى واحد من شهود العيان وهو يوحنا، أقرب تلاميذ يسوع إلى قلبه(في الحقيقةلم يحدث أن ذكر اسم يوحنا أبدا في الإنجيل الرابع) على الرغم من أن كاتب الإنجيل نفسه يصرح بكل وضوح بأنه ليس شاهد عيان.
              لم يحدث في كل ذلك أن نسب واحد من المؤلفين الأربعة نفسه إلى دائرة تلاميذ يسوع. ولم يكتب واحدًا من هذه الأناجيل تلميذٌ من تلاميذ يسوع الذين كانوا جميعا قرويين من منطقة الجليل ممن كانوا ينتمون للطبقة الدنيا ويتحدثون باللسان الآرامي، وليسوا مسيحيين من جيل لاحق من ذوي المستوى التعليمي العالي ومن المتحدثين باللغة اليونانية.
              وعلى النحو السابق تتشكل أمامنا إجابة لسؤالنا النهائي عن أسباب ما نجده بين إنجيل وآخر من اختلافات حادة. فلا رفاق يسوع ولا رفاق رفاقه هم من ألفوها. لقد كتبها بعد عصر هؤلاء بعشرات السنين أناسٌ لم يروا يسوع وكانوا يعيشون في بلد أخرى أو حتى بلدان غير التي عاش هو فيها ولغتهم التي يتكلمون بها كانت مغايرة للغة التي كان يتكلم بها يسوع. لقد كان بعضهم مختلفا عن بعضهم الآخر لأنهم، من جهة، لم يكن أحدهم يعرف الآخر، وإلى حدٍّ ما تميزت مصادر معلوماتهم بتنوعها (على الرغم من أن متَّى ولوقا نسجا على منوال مرقس)، وكلهم أدخل تعديلات على القصص التي رووها على أساسٍ من فهمهم الشخصي ليسوع وهويته.
              وأما حقيقة أن الأناجيل لم تكن في الواقع من تأليف التلاميذ، فهذه لا تجعلهم بدعًا من الأسفار داخل العهد الجديد. بل الحقيقة على العكس من ذلك تماما، فهذا يجعلها تنسج على المنوال نفسه الذي نسج عليه غيرها. فغالبية أسفار العهد الجديد تتخفى تحت أسماء أشخاص لم يكونوا هم من كتبها في الحقيقة. وهذا أمر كان معروفا عند العلماء معرفة جيدة خلال الجزء الأكبر من القرن الماضي ويجري الآن تدريسه على نطاق واسع في المعاهد الرئيسية ومدارس اللاهوت في أنحاء أمريكا. وفي المحصلة، يعرف غالبية القساوسة هذا الأمر بنفس المقدار. لكنه «بدعة»بالنسبة لكثير من الناس في الشارع وعلى مقاعد المصلين داخل الكنائس.

              هل بين أسفار العهد الجديد كتابات مزورة؟
              من بين الكتب السبعة والعشرين التي يضمها العهد الجديد، هناك ثمانية كتب فحسب تعود بدرجة تقارب اليقين إلى المؤلفين الذين تحمل أسماءهم: وهي رسائل بولس السبعة غير المتنازع عليها (الرسالة إلى رومية، والرسالتان الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس والرسالة إلى أهل غلاطية والرسالة إلى أهل فيليبي والرسالة الأولى إلى تسالونيكي والرسالة إلى فيليمون) ورؤيا يوحنا( على الرغم من عدم معرفتنا معرفة يقينية بمن هو هذا الـ«يوحنا»).
              أما التسعة عشر كتابا الأخرى فتنقسم إلى مجموعات ثلاث:
              · كتابات نسبت إلى مؤلفين نسبة غير صحيحة: الأناجيل، كما رأينا من قبل، هي على الأرجح منسوبة إلى غير مؤلفيها. فيوحنا التلميذ لم يكتب إنجيل يوحنا، ومتَّى لم يكتب الإنجيل المسمى باسمه. وهناك كتب أخرى مجهولة المؤلف نسبت على غير الحقيقة إلى أناس آخرين مشهورين. فالرسالة إلى العبرانيين لم تشر إلى بولس باعتباره مؤلفها. وبولس لم يكتبها يقينا.[2] لكنها في نهاية المطاف جرى الاعتراف بها كجزء من القائمة الرسمية للكتاب المقدس(أنظر الفصل السابع) لأن آباء الكنيسة كانوا يؤمنون بأنها كتبت بيد بولس.
              · كتابات اسم مؤلفها يشبه اسمه اسم شخص آخر(Homonymous writings): يعني مصطلح «Homonymous» «التسمي بالاسم ذاته.» أما التعبير «» فيشير إلى كتاب كتبه شخص من الأشخاص بينه وبين شخص آخر معروف تشابه في الأسماء. رسالة يعقوب، على سبيل المثال، كتبها بلا شك شخص يسمى يعقوب، لكنه لا يزعم أنه «يعقوب» محدد. لقد كان هذا الاسم واسع الانتشار بدرجة غير اعتيادية. وحدث فيما بعد أن آباء الكنيسة قبلوا هذا الكتاب باعتباره جزءًا من الكتاب المقدس لأنهم زعموا أن هذا الـ«يعقوب» هو نفسه يعقوب أخو يسوع. لكن الكتاب نفسه لا يتضمن ما يثبت هذا الزعم. Homonymous writings
              · كتابات مزورة: بعض أسفار العهد الجديد كتبت باسم أناس لم يكونوا هم من كتبها في الحقيقة. وقد عرف العلماء هذا منذ ما يزيد عن قرن تماما. والمصطلح الذي أطلقوه على هذه الظاهرة هو «pseudepigraphy» الذي يعني حرفيا «كتاب يحمل اسمًا مزورًا». لم يكن العلماء مفرطين في دقتهم حينما استعملوا هذا المصطلح وكانوا ميالين إلى استخدامه لأنه يجنبنا المضامين غير المحببة المرتبطة بالمصطلح «تزييف»(forgery). وأيا ما يكن المصطلح الذي سيستعملونه، فقد دافع علماء الكتاب المقدس لفترة طويلة عن أنه ثمة أسفار تنتمي للعهد الجديد انتحل مؤلفوها عن قصد هويات أناس آخرين.


              الكتابات المزورة في العالم القديم
              لكي نفهم هذا الوضع يعوزنا أن نعلم قدرا أكبر من معلومات عن التأليف وعن التزييف في مجال التأليف في العالم القديم.
              تعريفات
              في البداية من المهم أن يكون المرء دقيقا في تحديد مصطلحاته. فالمصطلح «pseudepigraphy»، أو « الانتساب المزور» يمكن إطلاقه على أي كتاب أضيف إليه اسم مزور في الخانة التي تشير إلى من ألفه. وقد يكون الانتساب المزور هو عزو غير صحيح، أو كتابات نسبها مؤلفوها بطريق التزوير إلى مؤلفين آخرين.
              وهناك نوعان اثنان من الكتابات ذات الانتساب المزور إلى غير مؤلفيها. فالبعض منها يمثل كتبا ألفها مجهولون وحدث فيما بعد أن زعم القراء أو النساخ أو المحررون بطريق الخطإ أنها كتبت بيد شخص ما ذا شهرة؛ والبعض الآخر هو كتب ألفها مؤلفون يتشاركون ذات الاسم مع شخص ذي شهرة.
              لم يكن لغالبية الناس في العالم القديم اسم عائلة، ولذلك فاسم «يوحنا» كان من الممكن أن يشير إلى أي واحد من مئات أو آلاف الأشخاص من الناس. ولو كتب مؤلف يسمى يوحنا كتابا وادعى شخص متأخر عنه زمانيا أن هذا الـ«يوحنا» كان في الحقيقة يوحنا بن زبدي( كما زعم بعض الناس فيما يتعلق بكتاب سفر الرؤيا)، فهذه إذن كانت ستكون نسبة مزورة مبنية على تشابه الأسماء.[3]
              وكذلك الكتابات التي تحمل «أسماء أدبية»(pseudonymous) تنقسم إلى نوعين: كتابات ألفت تحت «اسم زائف». والاسم المستعار هو أنموذج بسيط من مصطلح الأسماء الأدبية (pseudonym). فعندما كتب «صمويل كلمينس» كتابه «مغامرات هاكلبري فين» ووقع عليه باسم «مارك تواين» لم تكن نيته معقودة على خداع أي أحد؛ بل كان ببساطة يختار اسما آخر لينشر تحته مؤلفاته. وهناك أمثلة قليلة للغاية لهذا النوع من استعمال الأسماء المستعارة في العالم القديم على الرغم من أنها حدثت بالفعل أحيانا. كتب المؤرخ اليوناني «زينوفون» كتابه الشهير «أناباسيس» مستخدما اسما مستعارا وهو «ثيميستوجينيس.» لكننا نجد النوع الثاني من الكتابات باستخدام «الأسماء الأدبية» يتكرر كثيرا في العصور القديمة والذي يحدث فيه أن يستخدم المؤلف اسم إنسان آخر كان يتمتع بشهرة كبيرة لكي يخدع باسمه الجماهير دافعا إياهم إلى الاعتقاد بأنه ذلك الشخص بالفعل. هذا النوع من الكتابة باستخدام الأسماء الأدبية هو نوع من التزوير الأدبي.
              تفشي التزوير في العالم القديم
              كان التزوير الأدبي من الظواهر الشائعة في العالم القديم. ومصدر معرفتنا عن هذا أن المؤلفين القدماء أنفسهم كثيرا ما تناولوه بالحديث. وبوسع المرء أن يجد نقاشات حول ظاهرة التزوير في كتابات بعض أشهر مؤلفي العصور القديمة. ويمكنه العثور على إشارات إلى التزوير ونقاشات حوله في كتابات اليونانيين والرومانيين في مؤلفات مؤلفين من أمثال «هيرودوتس»، «شيشرون»، «قوينتيليان»، «مارشيال»، «سويتونيوس»، «جالن»، «بلوطارخ»، «فيلاستراتس» و«ديوجينيس لايرتيوس» مع ما بينهم من أزمنة مديدة. وبين المؤلفين المسيحيين تجد نقاشات حول ذات الموضوع في كتابات شخصيات واسعة الشهرة من أمثال «إيريناوس»، «ترتليانوس»، «أوريجانوس»، «يوسابيوس»، «جيروم»، «روفيناس» و«أغسطينس».
              يزعم بعض علماء العهد الجديد أحيانا أن التزوير كان بالغ الشيوع في العالم القديم حتى إن أحدًا لم يأخذ أمره على محمل الجد: فقد كان التزوير في العادة يمكن اكتشافه بسهولة تامة، أي أنه في الواقع لم يكن المقصود منه خداع أي أحد. [4] ولقد قضيت العامين الأخيرين في تفحص المناقشات القديمة لظاهرة التزوير وخلصت بنتيجة وهي أن النوع الوحيد من الناس الذي يمكن أن يطرح هكذا نظرية هو النوع الذي لم يقرأ المصادر القديمة.
              لقد أخذت المصادر القديمة قضية التزوير على محمل الجد. وهي تشجبها تقريبا في جميع الأحوال ، وغالبا ما يكون الشجب بعبارات قوية. ما مدى اتساع شجبهم لها؟ من الغريب أن ممارسة التزوير كانت محط إدانة في كثير من الأوقات وحتى داخل الوثائق التي هي في الأساس وثائق مزورة. أضف إلى ذلك أن الزعم بأن هذه المؤلفات المزورة لم تنطل خدعتها على أحد أبدًا هو زعم مجاف للحقيقة تماما. لقد ظل الناس يتعرضون للخديعة طوال الوقت. وهذا سبب تأليف الناس للكتابات المزورة: التلاعب بالناس وخداعهم.
              لست بحاجة لأن أكتب وصفا مفصلا للنقاشات التي شهدها العالم القديم فيما يتعلق بالتزوير في هذا الفصل؛ فثمة قدر كاف من الكتب العلمية التي رصدت هذه المشكلة، مع أن هذه الكتب والتي تتسم بشموليتها أغلبها صادر لسوء الحظ باللغة الألمانية[5] لكني أستطيع هنا أن أوضح هذه المسألة بذكر طرفة معبِّرة جدا.
              في روما أثناء القرن الميلادي الثاني كان ثمة طبيب ومؤلف شهير يدعى جالِن. يحكي جالن أنه ذات يوم، بينما يقطع شوارع روما سيرا على قدميه، مر بجانب صالة بيع للكتب. فوجد فيها رجلين يتجادلان حول كتاب معين كان معروضا للبيع، وقد كتب عليه أن صاحبنا جالن هو مؤلفه. أحد الرجلين كان مصرا على أن جالن هو حقا مؤلف هذا الكتاب، بينما كان الثاني يزعم بنفس الحماس أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من مؤلفاته والسبب في ذلك اختلاف أسلوب الكتابة في الكتاب عن أسلوب جالن. غني عن القول أن دفاع هذا الأخير قد أصاب جالن بالسعادة، فهو لم يكن في الحقيقة قد كتب هذا الكتاب. لكنه كان مشوشا بعض الشئ من أن محاولة شخص ما بيع كتاب زاعما أنه من تأليفه. ولذلك عاد لبيته وألف كتيبا أسماه«كيف تتعرف على كتب جالن». وما يزال هذا الكتيب بين أيدينا حتى اليوم.
              لقد مورس التزوير على نطاق واسع، وكان القصد منه أن التغرير بالقارئ، وكثيرا ما انطلى التزوير على القراء. أما كونه لم يكن ممارسة مقبولة فهذا واضح من المصطلحات التي أطلقها الالمؤلفون القدماء عليه. اثنان من بين أكثر المصطلحات شيوعا التي أطلقت على التزوير في اللغة اليونانية هي « pseudon» والتي تعني «كذبة» و « nothon» والتي تعني «طفل مولود من سفاح». هذا المصطلح الأخير هو لفظ سئ وكريه في اللغة اليونانية كما هو الحال في اللإنجليزية. وكثيرا ما يوضع بجوار المصطلح «gnesion» الذي يعني شيئا مثل شرعي أو معتمد.
              دوافع تأليف الكتابات المزورة
              من الواضح، من استقراء عدد واسع من المصادر القديمة، أن الغرض من التزوير الأدبي كان خداع القراء وجعلهم يعتقدون أن شخصا آخر بخلاف المؤلف الحقيقي هو من كتب هذا الكتاب. ولكن ما الذي دفع المؤلفين لأن ينحوا إلى هذا المنحى؟ لماذا لم يكتفوا بتأليف كتب مستعملين في ذلك أسماءهم الحقيقية؟
              كان ثمة الكثير من الدوافع بالنسبة للمؤلفين الوثنيين واليهود والمسيحيين تؤزُّهم أزًّا نحو تزوير النصوص الأدبية. وهاكم عشرة منها:
              1- تحقيق ربح ماديٍّ: لقد كانت أعظم مكتبتين في العالم القديم قائمتين في مدينتي الإسكندرية وبيرجاموم. وكان اقتناء الكتب لفائدة مجموعات الكتب التي بحوذة المكتبة في العصور القديمة مختلفا عن ما يحدث اليوم اختلافا كبيرا. فلأن الكتب كانت تنسخ نسخا يدويا، وقد تختلف النسخ المتعددة من الكتاب نفسه أحيانا من ناحية الحجم بين كتاب وآخر، فقد فضلت أهم المكتبات أن تقتني لنفسها نسخة أصلية من الكتاب على أن تقتني نسخة متأخرة ربما تكون الأخطاء قد تسربت إليها. وفقا لما ذكره جالن، هذا الأمر أدى بفئات أصحاب الأعمال أن يختلقوا نسخا «أصلية» من الأعمال الكلاسيكية لبيعها لمكتبتي الإسكندرية وبيرجاموم. ولو كانت المكتبتان تدفعان مالا على كل النسخ الأصلية من المقالات التي كتبها الفيلسوف أرسطو، فستندهش إذا عرفت العدد الكبير من نسخ مقالات أرسطو الأصلية التي ستبدأ في الظهور. بحسب ما تناهى إلى علمي، هذا الحافز المادي لم يكن له أي تأثير على كتابات المسيحيين الأوائل حيث إنها لم تكن تباع في السوق حتى عصور متأخرة جدا.
              2- مواجهةً لخصم: كانت الأعمال الأدبية عرضة للتزوير في كثير من الأحيان بهدف تشويه صورة عدوٍّ شخصيّ. أحد مؤرخي الفلسفة اليونانيين ويدعى «ديوجينيس لايرتياس» يشير إلى أن فيلسوفا يدعى «ديوتيماس» زور ثم نشر خمسين رسالة بالغة الفحش نسبها إلى خصمه الفلسفي أبيقور. هذا الأمر لم يكن له أي تأثير نافع على سمعة أبيقور. تساءلت في كثير من الأحيان عن ما إذا كان شئ من هذا النوع يحدث في واحدة من أكثر الأعمال المزورة تميزا في العصر المسيحي الأول. «إبيفانوس» عالم الهرطقات من القرن الرابع أشار إلى أنه قد قرأ كتابا كانت مجموعة مسيحية من الهراطقة المسيحيين بالغي التهتك الأخلاقي تدعى «الفبيونيين»تستعمله في الظاهر. هذا الكتاب، «الأسئلة الكبرى لمريم »، كان في الظاهر يحوي رواية شاذة عن يسوع ومريم المجدلية يأخذ يسوع ضمن أحداثها مريم المجدلية إلى جبل عال وفي حضورها يخلق من ضلعه امرأة (تماما كما أخرج الرب حواء من ضلع آدم) ثم ينخرط في علاقة جنسية معها. وحينما يصل إلى ذروة استمتاعه الجنسي، يقوم عنها ويجمع منيه بين يديه ويَطْعَمُهُ وهو يخبر مريم:« هكذا ينبغي أن نفعل لكي نعيش.» فتفقد مريم وعيها، كما هو متوقع، في الحال(من كتاب«خزانة الأدوية»( The Panarion)، سفر رقم 26 ). هذه القصة الغريبة لا نجد لها أثرا في أي كتاب آخر باستثناء مؤلفات أبيفانيوس الذي اشتهر باختلاقه ما لديه من «معلومات» عن الهراطقة. كثيرا ما أتساءل عما إذا كان قد اختلق هذه الرواية بأكملها، زاعما بأنه عثر عليها في كتاب من كتب الفيبيونيين، لكنه في الحقيقة اختلقها اختلاقا. ولو صح هذا، فقد قام بتزوير كتاب الفبيونيين جزئيا باسم مريم لكي يسئ إلى صورة خصومه الدينيين.
              3- مقاومة لوجهة نظر معينة: إذا كنت محقا فيما ذهبت إليه بشأن «إبيفانيوس» وكتابه «الأسئلة الكبرى لمريم»، فإن قدرا كبيرا من دوافعه ستكون رغبته في مقاومة وجهة نظر، وهي هنا الهرطقة الفيبيونية، كان يراها وجهة نظر ضارة. هذا ويمكننا العثور على دوافع مشابهة في حالات عدد كبير من الأعمال المسيحية الأخرى المزورة. فبالإضافة إلى الرسالتين الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس، لدينا الرسالة الثالثة إلى أهل كورنثوس لم تصبح جزءًا من العهد الجديد.[6] هذا الكتاب كتب يقينا خلال القرن الثاني وذلك لأنه يدحض بعض الآراء الهرطوقية التي ظهرت في هذه الفترة والتي تفترض أن يسوع لم يكن كائنا بشريا من لحم ودم وأن تلامذته لن يبعثوا حقيقة من الموت في جسد بشري. وفقا لهذا المؤلف، هؤلاء التلاميذ سيبعثون من بين الأموات، كما يصرح هو بكل وضوح بينما يزعم أنه الرسول بولس. ربما يبدو غريبا أن نحاول أن ندحض تعليما باطلا عبر ادِّعائنا لأنفسنا هوية مزيفة، ولكن هذا هو الحال حينها. وهذا حدث كثيرا في الكتابات المزورة المنتمية للتقليد المسيحي المبكر.
              4- دفاعا من الشخص عما يؤمن به من تقاليد باعتباره وحيا إلهيا: هناك مجموعة من الكتابات القديمة تعرف باسم«نبوءات العرافة» أو(the Sibylline oracles).[7] العرافة كان من المفترض أن تكون نبية وثنية من العصور القديمة يوحي إليها إله اليونانيين «أبولو». ولكن النبوءات التي نتحدث عنها والتي ما تزال محفوظة حتى وقتنا هذه كتبها اليهود في أغلب الحالات. وتقوم فيها النبية، التي يزعمون أنها كانت تعيش قبل وقوع الأحداث التي تتنبَّأ بها بردح من الزمن طويل، بمناقشة أحداث التاريخ المستقبلية- وهي دائما مصيبة في تنبوءاتها(وذلك لأن المؤلف الحقيقي يعيش بعد وقوع هذه الأحداث) ودائما تعمل على تأكيد صحَّة المعتقدات والممارسات اليهودية الهامَّة. ولكي لا يتفوق عليهم أحد، التقط بعض المسيحيون المتأخرون زمانيا هذه النبوءات وأقحموا فيها إشارات إلى مجئ المسيح فيهم، لكي يصبح الوضع الآن وكأن هذه النبية الوثنية تتنبأ تنبوءات صحيحة عن مجئ المسيح. أي شهادة على صحة الحقيقة الدينية التي يؤمن بها شخص ما من شهادة يزعمون أنها مأخوذة من فم متنبئ من متنبئي الأعداء؟
              5- كأمارة من أمارات التواضع؟ يجادل علماء العهد الجديد كثيرا لإثبات أن أفراد بعض المدارس الفلسفية كانوا يكتبون مقالات وينسبونها إلى معلميهم ويوقعون بأسماء معلميهم على كتبهم التي ألفوها هم(أي التلاميذ) كأمارة من أمارات تواضعهم، وذلك لأن أفكارهم الشخصية لا تعدو أن تكون امتدادا لما قاله المعلم نفسه. وقد قيل إن هذا الأمر يصدق تحديدا على مجموعة من الفلاسفة عرفوا باسم «الفيثاغورسيين»، تيمنا باسم معلمهم الفيلسوف اليوناني العظيم «فيثاغورس». مع ذلك، هناك نزاع خطير فيما يتعلق بما إذا كان الفلاسفة الفيثاغورسيون الذين زعموا في كتاباتهم أنهم فيثاغورس قد فعلوا ذلك بالفعل تواضعا منهم أم لا: فليس ثمة أي إفادات يمكن العثور عليها بخصوص هذا المؤثر داخل كتابات هؤلاء، ما لدينا ليس إلا إفادات في كتابات مؤلفين عاشوا بعد العصر الذي عاش فيه هؤلاء بقرون.[8] أقول إن هؤلاء الفيثاغورسيين ربما كانت لهم دوافع أخرى أوحت إليهم أن يُقْدِموا على هذا الصنيع الذي صنعوه.
              6- حبًّا في شخص المؤلف: على المنوال ذاته ينسج بالفعل أحد مؤلفي العصور القديمة كان قد زعم أنه زور كتابه بدافع من الحب والتبجيل. إن هذا موقف بالغ الشذوذ أمسك فيه مزور متلبسا بجريمته. وقد حكى هذه القصة «ترتليانوس»، أحد أباء الكنيسة في بواكير القرن الثالث، والذي يشير إلى أن القصص المشهورة التي تحكي عن بولس وتلميذته «تيكلا» والتي اشتهرت خلال القرون الوسطى كتلميذة مثالية هي قصص زورها أحد قادة الكنيسة في آسيا الصغرى ويضيف أن هذا الرجل اكتشف أمره وعزل من منصبه الكنسي نتيجةً لما اقترفه. في معرض دفاعه عن نفسه، زعم المزوِّرُ أنه كان قد كتب عمله « بدافعٍ من محبته لبولس».[9] ليس واضحا تمام الوضوح ما كان يعنيه من قوله هذا، لكنه ربما كان يعني أن حبه لبولس قاده إلى أن يختلق قصة وينسبها لاسم بولس ليعبر عن بعض ما اعتبره أهم الآراء والتعاليم التي كان يبشر بها بولس. لكن التعاليم والآراء التي نجدها في النص المحفوظ من «أعمال بولس وتيكلا» هو، في حقيقة الأمر، لا يمت بأي صلة لما كان يبشر به بولس: فمن بين أمور أخرى تدفعنا لهذا الاعتقاد، نعلم من هذه الروايات أن بولس قد ادعى أن السبيل إلى الحياة الأبدية لا يتأتى عبر الإيمان بموت يسوع وقيامته من بين الأموات، كما يزعم بولس نفسه، وإنما عبر اقتفاء آثار يسوع في محافظته على زهده في الجنس- حتى إن كان المرء متزوجا.
              7- ليروا ما إذا كانوا سينجحون في خداع القراء: كان هناك بعض المزورين في العصور القديمة ممن زوروا كتاباتهم لكي يروا ما إذا كانوا سينجحون في التغرير بالقراء أم لا. والمصطلح المستخدم للدلالة على هذا الصنيع هو هو «الخداع» أو (mystification). أشهر النماذج على هذا الأمر، والذي حكاه «ديوجينيس لايرتيوس»، هو مؤلف يدعى «ديونيسيوس» قام بالتخطيط للإيقاع بواحد من أعدائه الألداء وهو المسمى «هيراكليدس البنطي» عبر تزويره مسرحية ناسبا إياها إلى مؤلف الأعمال التراجيدية الشهير «سوفوكليس». وقد وقع «هيراكليدس» في شباكه وانخدع بالمسرحية واقتبس منها ظنا منه أنها صحيحة النسبة إلى مؤلفها. فما كان من «ديونيسيوس» إلا أن كشف الأستار عن خدعته- ومع ذلك رفض «هيراكليدس» أن يصدقه في قوله هذا. وهكذا أشار عليه «ديونيسيوس» أنه إذا أخذ الحروف الأولى من العديد من سطور نص المسرحية وكتبها في هيئة كلمات( يطلق عليها مصطلح« acrostic»)، فإنها ستكوِّن اسم «رفيق ديونيسيوس»( Dionysius’s boyfriend). فما كان من هيراكليدس أن ادعى أن الأمر لا يعدو أن يكون صدفة، حتى بيَّن «ديونيسيوس» أن نص المسرحية يتضمن في آخرها مثالين آخرين لهذا الأمر، الأول منهما كتبت فيه الرسالة التالية«قرد عجوز لا يقع في المصيدة؛ مرحى! لقد وقع أخيرا، لكن وقوعه أخذ وقتا طويلا» والآخر يعطي الرسالة التالية« هيراكليدس جاهل بالحروف ولا يشعر بالخزي من جهله».[10] ومع ذلك فلم يتناهى إلى علم وجود نماذج لهذا الخداع بين مزوري العصر المسيحي المبكر.
              8- استكمالا لنقص في التقليد: كان هناك في العصر المسيحي المبكر بوجه خاص الكثير من النماذج التي قدم فيها المزورون كتابات «ذات موثوقية» من شأنها أن تكمل ما كان يُظنُّ نقصا في التقليد. مؤلف العدد 4 : 17 من الرسالة إلى أهل كولوسي(هل هو بولس بالفعل؟)، على سبيل المثال، يأمر القراء أن يقرأوا هم أيضًا الرسالة التي أرسلها إلى اللاودكيين. ليس لدينا، مع ذلك، رسالة إلى أهل لاودكيا نسبتها صحيحة إلى بولس. ليس من العجيب إذن أن نجد رسالتين قد ظهرتا خلال القرن الثاني الميلادي منسوبتين زورا إلى بولس لتسدا ذلك النقص.[11] مثال آخر: من المعروف أن الأناجيل التي يتضمنها العهد الجديد قد أمسكت فعليا عن ذكر أي معلومات تخص حياة يسوع المبكرة. هذا الأمر أصاب بعض المسيحيين الأوائل بالحيرة، وفي القرن الثاني بدأت روايات عن الغلام يسوع في الظهور المفاجئ. أشهرها قيل إن شخصا يسمى «توماس»، وهو الاسم الذي يعني «التوأم»، قد كتبه. وهذا ربما يحمل إشارة إلى تقليد نعرفه نقلا عن المسيحيين السوريانيين يخبرنا أن «يهوذا» أخا يسوع هو في الحقيقة أخوه التوأم أو «يهوذا التوأم». على أية حال، تعد هذه الرواية حكاية شاذة عن مغامرات يسوع الصغير والتي بدأت حينما كان ابن خمس سنين.[12]
              9- مقاومةً لكتابات مزورة: واحدة من أقل الظواهر خضوعا للدراسة في عمليات التزوير التي تنتمي للعصر المسيحي المبكر هي تأليف النصوص المزورة الذي يكون القصد منه مجابهة فرضيات جرى تدعيمها في كتابات مزورة أخرى. في بواكير القرن الرابع، وفقا ليوسابيوس، أحد آباء الكنيسة، ألف كتاب وثني مزور معاد للمسيحية أطلق عليه أعمال بيلاطس. وبديهي أن هذا الكتاب كان يحكي قصة المحاكمة التي أخضع لها يسوع وإعدامه بمعرفة السلطات الرومانية وذلك من وجهة نظر رومانية، والغرض من ذلك بيان أن يسوع كان مستحقا تماما ما حصل عليه من حكم. ولقد كان هذه الوثيقة مقروءة على نطاق واسع: فلقد أصدر الإمبراطور الروماني ماكسيمين دايا مرسوما يقضي بجعل قراءته إلزامية في سن أطفال المدارس الذين ما يزالون يتعلمون الحروف(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 9 . 5 ). بعد ذلك بوقت قصير ظهرت وثيقة مسيحية تعرف هي الأخرى باسم«أعمال بيلاطس». في هذه الرواية يتم تصوير بيلاطس في صورة المتعاطف تماما مع يسوع والذي يحاول أن يطلق سراحه لأنه برئ من كل ووجه به من اتهامات.[13] وقد كتبت النسخة المسيحية من الأعمال فيما يبدو ردًّا على النسخة الوثنية منها. ظاهرة التزوير في مقابل التزوير التي ظهرت في العصر المسيحي كانت واسعة الانتشار على نحو كبير فيما يبدو. فلدينا نص كتب في القرن الرابع يسمى «قوانين الرسل»( Apostolic Constitutions). يزعم مؤلفوا هذه الوثيقة أن التلاميذ الاثني عشر هم من ألفوها وذلك بعد وفاة يسوع، على الرغم من أن الرسل كان قد مر على موتهم أبان كتابة نص هذه الوثيقة ثلاثة قرون. بين المميزات الجديرة بالملاحظة التي يتميز بها هذا الكتاب إصراره على ضرورة ألا يقرأ المسيحيون الكتب التي تنسب زورا إلى الرسل(«قوانين الرسل»، 6 . 16 ). وحتى العهد الجديد يتضمن شبيها لهذا الأمر: فمؤلف الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي يأمر قراءه بألا ينزعجوا من رسالة زعم البعض أنها كتبت بيد بولس( يقصد رسالة جرى تزويرها ونسبتها إلى بولس؛ 2 تسالونيكي 2 : 2 ). رغم هذا، وكما سنرى عما قريب، هناك أسباب جيدة تدفعنا للاعتقاد بأن الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي هي نفسها كتاب مزور، ليست في الواقع من تأليف بولس لكنها في الظاهر منسوبة إليه.
              10- لإضفاء الموثوقية على آراء المؤلف: أعتقد أن هذا الدافع يعدُّ إلى حدٍّ بعيد أكثر دوافع التزوير في العصور المسيحية المبكرة شيوعا. فهناك الكثير من المسيحيين الذين عاشوا خلال القرون الأولى للكنيسة ممن زعموا العديد من وجهات النظر أغلبها جرى وسمه بالهرطقات. ومع ذلك فكل هؤلاء كانوا يزعمون أن يقدمون آراء يسوع وتلاميذه. كيف تظهر بوضوح أن آرائك نابعة من مصدر رسولي، لكي تقنع، فلنقل، المهتدين الجدد بها؟ أيسر السبل أن تكتب كتابا وأن تدعي أن رسولا من الرسل قد ألفه، وأن تعمد إلى نشره بين الناس. كل جماعة من المسيحيين الأقدمين كان لديهم سبيل إلى الاطلاع على كتابات كتبها فيما يزعمون رسل المسيح. وغالبية هذه الكتابات هي كتابات مزورة.


              [/CENTER]
              تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


              تعليق


              • #22
                [align=justify]
                الكتب المزورة في العصر المسيحي المبكر
                لا يمكن أن يشك عاقل في أن كما كبيرا من الأدب المسيحي المبكر كان نتاج التزوير. فمن خارج جلدتي العهد الجديد، على سبيل المثال، عندنا كمية كبيرة من الأناجيل الأخرى التي يزعمون(وبعض الزعم إثم) أنها قد كتبت بيد المشهورين من القادة المسيحيين الأوائل من أمثال «بطرس» و«فيلُبُّس» و«توماس» و«يعقوب» أخي يسوع، و«نيقوديموس» ومعهم آخرون؛ كما أننا نملك العديد من أعمال الرسل مثل «أعمال يوحنا» و«أعمال بولس وتيكلا»؛ كما يوجد لدينا رسائل مثل «الرسالة إلى اللاودكيين» و«الرسالة الثالثة إلى أهل كورينثس» إلى جانب الرسائل المتبادلة بين بولس والفيلسوف الروماني «سينيكا» ورسالة أخرى مزعومة قيل إن «بطرس» أرسلها إلى «يعقوب» مناوئةً منه لـ«بولس»؛ كما أن بحوذتنا عددا من الرؤى النبوية، مثل «رؤيا بطرس»، على سبيل المثال، (وقد كادت أن تنجح في أن تكون عنصرا من عناصر القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس) وكذا «رؤيا بولس». هذا وسنتعرض لبعض من هذه الكتابات بالبحث في الفصل السادس.
                لقد كان الكُتَّابُ المسيحيون الأوائل كثيري المشاغل، وكانت واحدة من أنشطتهم الشائعة هي تزوير الوثائق باسم رسل المسيح. يقودنا هذا الآن للسؤال الأهم: هل نجحت أيٌّ من هذه الكتابات المزورة في التسلل إلى العهد الجديد؟
                ليس هناك سبب، من المنظور التاريخيٍّ، للشك في أن بعض الكتب المزورة ربما قد نجحت في التسرب إلى قائمة الأسفار الرسمية. نحن نمتلك العديد من الكتابات المزورة خارج العهد الجديد، فلماذا لا يكون داخله منها؟ لا أعتقد أن المرء بمقدوره أن يجادل في أن يكون آباء الكنيسة، بدءًا من نهاية القرن الثاني، قد عرفوا أي الكتب بالفعل كتبها الرسل وأيها لم يكتبوه. فمن أين لهم أن يعرفوا؟ أو ربما يكون السؤال أكثر التصاقا بصميم الموضوع لو صغناه كالتالي: كيف يمكننا نحن أنفسنا أن نعرف؟
                ربما يبدو وقع هذه الكلمات غريبا على الأذهان بعض الشيء، لكن اكتشاف التزوير في أيامنا هذه صار أيْسَرَ بالنسبة لنا مما كان عليه الأمر بالنسبة للناس في العالم القديم. فأما المناهج التي نستعملها فهي ذاتها التي كانت مستعملة في عصرهم. فنحن، مثلما كان يفعل جالن، ندرس الأسلوب (style )المكتوبة به الرسالة. فهل هو الأسلوب ذاته الذي يستعمله الكاتب في الكتابات الأخرى؟ وإن كان مختلفا عنه، فإلى أيِّ حدٍّ يصل هذا الاختلاف؟ أهو اختلاف بسيط أم اختلاف بيِّن؟ وهل من الممكن أن يكون مؤلفا كان يكتب بأساليب مختلفة؟ أم أن هناك مميزات أسلوبية تختلف اختلافا تامًّا مع ما يستخدمه المؤلف في مؤلفاته الأخرى، وخاصة في هذه الجوانب التي لا نعيرها كثير تفكير أثناء ممارستنا للكتابة (أي نوع مثلا من حروف العطف نستعمله، كيف نبني الجمل المركبة، كيف يكون استعمالنا لاسم الفاعل وللصيغ المصدرية)؟ كما نعير انتباها كبيرا لدراسة اختيار المؤلف لكلماته: هل هناك تشكيلة معينة من الكلمات التي يستعملها المؤلف نفتقدها في هذا النص؟ أم هل هناك بعض الكلمات المستعملة في هذا الكتاب لم يكن لها وجود استعمالي حتى حلول الأزمنة المتأخرة للغة اليونانية القديمة؟ وكذا الأفكار والأراء ووجهات النظر اللاهوتية التي يحتويها الكتاب لها نصيب كبير من الأهمية في هذا السياق. هل ما في هذا الكتاب منها مطابق لما في كتابات المؤلف الأخرى، أو على الأقل مشابهة لها كثيرا؟ أم بينهما ما بين السماء والأرض من التباعد؟
                أما السبب الذي يجعلنا أكثر جاهزية لإصدار أحكام من هذا النوع مقارنة بما كان لدى الأقدمين فهو أننا بالفعل أكثر منهم جاهزية! فالنقاد الأقدمون الذين حاولوا أن يميزوا الكتابات المزورة لم يكن لديهم من بنوك المعلومات وأنظمة استرداد البيانات ومن الأجهزة الحاسوب ما به للخروج بتقييمات مفصلة من بين ركام الكلمات والأساليب. لقد كان لزاما عليهم أن يعتمدوا اعتمادا كبيرا على المنطق السليم والحدس. هذا ما نحن نملكه، الكثير جدا من البيانات.
                ومع ذلك، ورغم ما نملكه من تقنيات متطورة، ما يزال الباب مفتوحا أمام الشك في كثير من المواقف. ليس عندنا في هذا الكتاب فسحة من الصفحات لنقاشٍ موسَّعٍ لكل فقرة من كتابات العهد الجديد تكون موضعَ تساؤل. بل بدلا من ذلك سأقوم بشرح أكثر الأسباب التي تدفعنا للتفكير في أن بولس لم يكن مؤلفا لست من الرسائل المنتمية للقائمة الرسمية المنسوبة إليه إقناعا. عن نفسي، أؤمن أن كل هذه الكتب منحولةٌ عليه. وربما مؤلفوهم كانوا ذوي نيات حسنة. ولربما ظنوا أنهم يفعلون الصواب. ولعلهم شعروا بأن لديهم ما يبرر صنيعهم تبريرا مقبولا. لكنهم، في كل الأحوال، زعموا لأنفسهم هوية مختلفة عن هويتهم الحقيقية، لكي يضمنوا لآرائهم، وهذا احتمال، قبولا.
                رسائل بولس المنحولة(المزورة)
                لن يكون بمستطاعي في أي من المواقف التي سأناقشها هنا أن أقدم تغطية متعمقة لكل الحجج فيما يتعلق بهوية مؤلفي هذه الرسائل.[1] يكفيني، لإمضاء مقاصدي في هذا الفصل، أن أشرح بعضا من الأسباب الرئيسة التي تحجج بها العلماء ردحا طويلا من الزمان لإثبات أن هذه الرسائل لم يكتبها بولس على الرغم من كونها يزعم لها أنها قد كتبت بيديه.
                وحيث إنني بالفعل قد ذكرت شيئا عن الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، فسأبدأ بها- فهي، على أية حال، من أفضل المواضع التي يمكن للمرء أن يبدأ بها وذلك لأنها الرسالة التي جرى بشأنها أكثر النزاعات سخونة من بين الرسائل الست التي كتبها بولس والتي تعد هوية مؤلفيها الحقيقيين محلا للتساؤلات. وقد ضم جانبا النزاع كثيرا من العلماء الأفذاذ (على النقيض تماما من حال الرسائل الرعوية ورسالة بطرس الثانية والتي تعتقد الغالبية الساحقة من النقاد أنها رسائل مزورة). ومع هذا فلدينا أسباب قوية تدفعنا للاعتقاد بأن بولس لم يكتب هذه الرسالة.
                الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي
                واحد من أسباب النزاع على هوية مؤلف هذه الرسالة هي أنها، فيما يتعلق بأسلوب الكتابة وبالألفاظ المستعملة فيها، تبدو مشابهة كثيرا لرسالة نحن على يقين كبير من أن بولس بالفعل قد كتبها، وأعني بها الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي. بل إنهما متشابهتين كثيرا حتى إن بعض العلماء قد تذرعوا بهذا التشابه في القول إن المؤلف المزوِّر للرسالة الثانية قد استعمل الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي كنموذج يسترشد به في بناء الرسالة، لكنه أضاف بعد ذلك المحتوى الذي ينتمي لأفكاره هو والذي يختلف اختلافا بيِّنا عن محتوى نموذجه الاسترشادي. إن التشابه بين الرسالتين يكشف واحدة من المشكلات التي واجهها العلماء في طريق إصدار حكمهم على وثيقة قديمة بكونها مزورة أم لا. إن أي إنسان لديه المهارة في اجتراح تزوير سيبذل بطبيعة الحال قصارى جهده لجعل عمله الخاص يبدو شبيها لعمل الشخص الآخر الذي يقلده. بعض المزورين سيكون أفضل من البعض الآخر في هذا المضمار. ولكن إذا كان شخص ما يجيد هذا إجادة خاصة، فمن العسير أن نظهر ما فعله، على الأقل على أساس اعتماد الأسلوب كقرينة للحكم.
                ولكن ما السبب الذي قد يدفع شخصا ما أن يحاكي أسلوب بولس ومع ذلك يأخذ لنفسه توجها لاهوتيًّا مخالفا لتوجهه؟ بمقدور المرء أن يفكر في كثير من الأسباب المحتملة: ربما تغير الحال داخل الكنائس، وأراد المؤلف أن يواجه المشكلات الجديدة مستدعيا بولس من بين الأجداث، كما يقال؛ وربما لم يكن في ذهن المؤلِّف تصورا كاملا عن بولس وربما أخطأ في استيعاب بعض من آرائه الهامة(أشار بولس إلى حدوث ذلك في حياته في رسالته إلى أهل رومية على سبيل المثال؛أنظر الرسالة إلى أهل رومية 3 : 8 )؛ وربما ظن المؤلف مخلصًا أن قراءه قد أخطأوا فهم الرسالة الحقيقة التي كان يبشر بها بولس وأراد أن يصحح لهم فهمهم غير عالم بأن القراء منذ البداية قد فهموا الرسالة البولسية فهما صحيحا.
                النقطة المنهجية الأساسية التي أدندن حولها سأصوغها كالتالي: سوف يتوقع المرء من مقلد ماهر لأسلوب بولس أن ينجح في جعل نصه ذا جرس مشابه لجرس كلام بولس. لكنه لن ينتظر من بولس أن يكون جرس كلامه غير مشابه لجرس كلام بولس. إن المفتاح لرؤية الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي كرسالة لم يكتبها بولس هو أن فرضيتها الرئيسة تبدو متناقضة ما ما قاله بولس نفسه في الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي.
                لقد كتبت الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي لمواجهة العقيدة التي تنص على أن «أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ»(2 : 2 )، وهذه العقيدة من المحتمل أنها تعتمد على رسالة أقدم من الرسالة الثانية إلى تسالونيكي وقد جرى تزويرها ونسبت إلى بولس وهي الآن مفقودة. فأما المسيحيون الذين وجهت إليهم هذه الرسالة فيبدو أنهم كانوا يعتقدون أن نهاية الأيام-أي لحظة عودة المسيح في مجده- وشيكة جدا. فكتب هذا المؤلف تصحيحا لهذا الانطباع المغلوط. وهكذا في الإصحاح الثاني، الذي يعد قلب الرسالة، يشير المؤلف إلى أنه ثمة سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تقع قبل مجيء النهاية. فأولا سيقع نوع من العصيان العام الموجه ضد الرب، وستظهر الشخصية المعروفة بـ«ضد المسيح» وسيجلس في هيكل اليهود معلنا نفسه ربًّا. هذا الرجل المناوئ للشريعة سيصنع كل أنواع المعجزات المبنية على الخديعة وسيتجول ليقود الشعب إلى الضلال( 2 : 1 – 12 ). وفقط بعد هذه الأحداث ستأتي النهاية أخيرا. وإذن فالنهاية لم تأت بعد وليست حتى وشيكة الحدوث؛ وحينما ستأتي ستسبقها علامات واضحة وظاهرة للعيان حتى إن الراسخين من أهل العلم من المسيحيين لن يأخذوا على غرة.
                إن هذه رسالة آسِرة وقوية. لكن المشكلة أنها لا تتفق كثيرا مع ما قاله بولس بلسانه في الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي.
                لقد كتبت الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي لمواجهة سؤال عما سيحدث قبل نهاية الأيام حينما يعود يسوع من السماء في مجده(1 تسالونيكي، 4 : 13 – 18 ). والسبب الذي أدى ببولس إلى كتابة هذه الرسالة هو أن أفراد رعوية تسالونيكي تعلموا من بولس أن النهاية على الأبواب. ولكن الحيرة قد ألمَّت بهم وأصابهم الذهول لأن بعضا من أفراد كنيستهم قد ماتوا بالفعل قبل عودة يسوع. فهل هؤلاء لم ينجحوا في الحصول على جائزتهم بأن يؤتى بهم مع يسوع عند قدومه الثاني؟ يكتب بولس ليؤكد لهؤلاء الذين ما يزالون أحياء أن الموتى سيكونون أول من يبعثون من بين الأموات عند المجئ الثاني للمسيح، وأنهم، كذلك، سيحصلون يقينا على النعم المناسبة لهم.
                ثم يواصل بولس تكرار ما قد أخبرهم به حينما كان في وسطهم( 1 تسالونيكي 5 : 1 – 2 ) من أن مجيء يسوع سيكون مفاجئا وعلى نحو غير متوقع«كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ»( 5: 2 ). وسيفاجئهم «هلاك مباغت»( 5 : 3 )، وهكذا كان على أهل تسالونيكي أن يبقوا مستعدين دائما حتى لا يدهمهم المجيء دهما لا يتوقعونه.
                لو أن بولس كان يعني ما قاله في الرسالة الأولى للتسالونيكيين من أن عودة يسوع ستكون على حين غرة وأنها ستكون غير متوقعة، فمن العسير أن يصدق المرء أن بإمكانه أن يكتب ما قاله في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي من أن النهاية ليست وشيكة الحدوث وأن هناك علامات واضحة المعالم نعرف منها أن النهاية قريبة، علامات لم يظهر أي منها بعدُ. وها هو مؤلف الرسالة الثانية يكتب:« أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هَذَا؟»( 2 : 5 ). لو كان هذا القول صحيحا، فلماذا سيصيب الانزعاج أهل تسالونيكي لموت واحد من أفراد جماعتهم؟ لقد كانوا سيعرفون أن النهاية لم تكن على الأبواب، وإنما ستكون مسبوقة بظهور شخصية«ضد المسيح» ومعه علامات أخر.
                يبدو هذا الأمر وكأن بولس لم يكتب الرسالتين جميعا. وربما ألجأت التوقعات المضاعفة من جهة المسيحيين قريبا من نهاية القرن الأول مؤلفًا ما من بين أفراد الكنائس التي أقامها بولس مجهول الهوية أن يؤلف الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي لكي يهدئ من غلواء توقعاتهم قليلا، ولكي يجعلهم على يقين بأن النهاية نعم آتية، ولكنها ليست وشيكة. بل هناك أشياء ينبغي أن تقع قبل ذلك.
                الرسالتان إلى شعبي كولوسي وأفَسُس
                الحجج التي استعملت للنيل من موثوقية نسبة هاتين الرسالتين إلى بولس متشابهتان. وهما ومعهما الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي أطلق عليهم العلماء اسم الرسائل «البولسية الثانوية»( Deutero-Pauline)، وذلك لأن أحدًا لا يؤمن بأن بولس هو مؤلفهم وهو الأمر الذي يجعل من مكانتهم وسط المجموعة الكاملة التي كتبها بولس مكانة ثانوية(وهو المعنى الأصلي لكلمة «deutero»).
                وتعدُّ الحجج المساقة من أجل إثبات كون الرسالتين إلى كولوسي وأفسس مزورتين، في رأي غالبية العلماء، أقوى(وخاصة في حالة الرسالة إلى أفَسُس) من أمثالهم مما سيق لبيان عدم أصالة الرسالة الثانية إلى تسالونيكي.
                فأولا، أسلوب الكتابة المستعمل في الرسالتين كلتيهما ليس بالأسلوب المميز لكتابات بولس. هذا النوع من الحجج لا يمكن توضيحه من غير التعرض بالتفصيل إلى الطريقة التي تبنى بها الجمل في اللغة اليونانية. ومع ذلك، فالفكرة الأساسية هي أن مؤلفي الرسالتين إلى كولوسي وأفسس كانا ميالين إلى كتابة جملا طويلة ومركبة، فيما لا يميل بولس إلى هذا. فالأعداد من 3 – 8 في الأصحاح الأول هي في النص اليوناني مجرد جملة واحدة؛ إنها جملة بالغة الطول، وتختلف عن أي نوع من الجمل كتبه بولس في كتاباته النمطية اختلافا كبيرا. وكذلك الأعداد 3 – 14 من الإصحاح الأول من الرسالة إلى أفسس فهي حتى أكثر من السابقة طولا، فهي تكوِّن اثني عشر عددا: ولا نجد لذلك مثيلا مطلقا في كتابات بولس. وعشرة في المائة من الجُمَل التي تتكون منها الرسالة إلى أهل أفسس يزيد طولها عن خمسين كلمة؛ وهذه الميزة لا تتسم بها الرسائل البولسية غير المتنازع على نسبتها إليه. فالرسالة إلى أهل فليبِّي، وهي التي تقترب طولا من الرسالة إلى أفسس، تضم فحسب جملة واحدة بهذا الطول؛ وكذلك الرسالة إلى أهل غلاطية والتي تزيد طولا عن الرسائل السابق ذكرها ومع ذلك فهي تضم جملة واحدة فقط بهذا الطول.[2]
                وهناك كذلك الكثير من الفقرات في الرسالة إلى أهل كولوسي(أنظر على سبيل المثال الأعداد «1 : 15 – 20 » من الرسالة إلى أهل كولوسي) والرسالة إلى أهل أفسس والتي تملك نبرة لاهوتية أكثر رقيا وتطورا عما يجده المرء في رسائل بولس. ومع ذلك، يبقى الأمر الأكثر أهمية من كل ما سبق هو أنه ثمة نقاط محددة يبدو فيها مؤلفا هاتين الرسالتين، إذا افترضنا أنهما اثنان وليسا واحدا، مختلفان مع ما يطرحه بولس. فالطرفان كلاهما(المؤلفان وبولس كلٌّ على حدى) يريدان أن يتكلما عن الأشياء وكيف كان تغيرها بالنسبة لمن نالوا المعمودية من المؤمنين بيسوع. ولكن ما يذكرانه عن هذا الموضوع يختلف اختلافا كبيرا.
                لم يكن الأطفال، في الكنيسة الأولى، يجري تعميدهم، بل الراشدون بعد أن يكونوا قد آمنوا بالمسيح. أما بولس، فقد كانت المعمودية بالنسبة إليه حدثا طقسيا بالغ الأهمية، وليس عملا رمزيا فحسب. فهناك شيء ما يحدث حقيقة عندما يخضع المرء للمعمودية. كان الشخص المعمَّد يتحد مع المسيح في موته اتحادا غير ظاهر.
                ولقد طور بولس هذه الفكرة تطورا حذرا في رسالته إلى أهل رومية. والفكرة الأساسية تتميز ببعد رؤوي(apocalyptic). فالعالم يحوي بين جنباته قوىً للشر اتخذت من البشر عبيدا صارفة إياهم عن الله، والخطيئة من بين هذه القوى. فالخطيئة إذن قوة شيطانية، وليست مجرد أمرا سيئا تجترحه. وكل إنسان مستعبد لهذه القوة، وهو ما يعني أننا جميعا معزولون عن الرب انعزالا لا سبيل تقريبا إلى الفكاك منه. والموت هو السبيل الوحيد للهروب من هذه القوة. ولهذا مات المسيح، أي لكي يحرر الناس من قوة الخطيئة. ولكي يهرب الإنسان من الخطيئة، بدوره، ينبغي عليه أن يرافق المسيح في موته. وهذه الرفقة تقع عندما يخضع المرء للمعمودية. فعبر وضع المؤمن تحت الماء(كانت الكنائس البولسية تمارس الغمر الكامل بالماء)، يتحد بالمسيح في موته، ولأنه وضع في القبر ، وكما وضع في القبر، كان كذلك موته موتا لقوى الشر التي بسطت سيطرتها على العالم. فمن خضع للعماد من البشر، لم يعد خاضعا بالعبودية لقوة الخطيئة وإنما «مات مع المسيح»(رومية 6 : 1 – 6 ).
                ولقد كان بولس مصرًّا، رغم ما سبق ذكره، على أن الذين قد ماتوا مع المسيح من الناس «لم يقوموا معه من بين الأموات». فأتباع يسوع سوف يقومون من بين الأموات مع المسيح فقط حينما سيعود المسيح من السماء في مجده. فقيامة الأجساد من ثم ستكون حقيقة واقعة. فهؤلاء الذين ماتوا بالفعل في المسيح سيُحْيَوْن، وأما من كانوا ما يزالون أحياء عند هذه اللحظة فسيشهدون تجربة التحول المجيد لأجسادهم والتي سيتحول خلالها هذا الهيكل الفاني إلى آخر، غير فاني، ولا خاضع لآلام الحياة أو لإمكانية الموت.
                ومتى تحدث بولس عن قيامة الأموات مع المسيح، فهو يعني دائما حادثا مستقبليا (أنظر، لا على سبيل الحصر، الإصحاح 6 من الرسالة لرومية والإصحاح 15 من الرسالة إلى أهل كورينثوس). إلا أن البعض من المعتنقين للمسيحية داخل الكنائس التي أقامها بولس كان لهم رأي آخر، فقد كانوا يعتقدون أنهم قد شهدوا بالفعل نوعا من القيامة الروحية مع المسيح وأنهم كانوا بالفعل «يحكمون» مع المسيح في السماء. وهذه هي الرؤية التي قاومها بولس مقاومة لا هوادة فيها في رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس والتي تأتي فحواها المحورية وذروتها عند نهاية الرسالة حيث يشدد بولس على أن القيامة ليست شيئا مشهود بالفعل بل شيء سيشهده الناس مستقبلا لم يأت بعد، قيامة جسدية حقيقية، مستقبلية، ومادية، وليست قيامة روحية وقعت في الماضي(1 كورينثوس 15 ). وبولس أكثر إلحاحا وتأكيدا في العددين 5 و 8 من الإصحاح السادس من الرسالة إلى رومية على أن من خضعوا للمعمودية قد ماتوا حقا مع المسيح، لكنهم لم يقوموا معه من بين الأموات( لاحظ استعماله للـ«سين» التي تعبر عن الزمن المستقبل):
                لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ (فسـ)نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ...فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنَّنَا (سَـ)نَحْيَا أَيْضاً مَعَهُ.
                أما الرسالتان إلى أهل كولوسي وإلى أهل أفسس، فكلاهما لا يتفق مع هذا الطرح. فهاكم ما يقوله مؤلف الرسالة إلى أهل كولوسي عن القضية ذاتها:
                مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا اقِمْتُمْ ايْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي اقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. (كولوسي، 2 : 12 )
                القارئ العابر ربما لن يكتشف كثير اختلاف بين هاتين الرؤيتين: فكلا المؤلفين، في نهاية المطاف، يتحدثان عن الموت وعن القيامة مع المسيح. لكن الدقة كانت أمرا بالغ الأهمية من وجهة نظر بولس. الموت مع المسيح حدث في الزمان الماضي، لكن القيامة معه لم تكن بالأمر الذي وقع في الماضي على الإطلاق. لقد كانت حدثا مستقبليا. ولقد خصص بولس نصيبا كبيرا من رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس للدفاع عن هذه القضية، وذلك تحديدا لأن بعض المؤمنين حديثا قد فهموا هذه القضية فهما خاطئا تماما وهو الأمر الذي بات لأجله منزعجا تمام الانزعاج. ومع ذلك فقد انحازت الرسالة إلى أهل كولوسي تمام الانحياز لوجهة النظر التي كتب بولس رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس لمقاومتها.
                والرسالة إلى أهل أفسوس هي أكثر تأكيدا في هذا الباب عما تجده في الرسالة إلى كولوسي. ففي معرض حديث المؤلف عن القيامة الماضوية ذات الطبيعة الروحية، يقول، متناقضا مع وجهة النظر البولسية:«وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ- وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ»(2 : 5 – 6 ). كل ما ذكره هنا قد وقع بالفعل. فالمؤمنون بالفعل يحكمون الآن مع المسيح. وهذا عينه ما فهمه البعض من المؤمنين الجدد من أهل كورينثوس و معهم مؤلفا الرسالتين إلى شعبي كولوسي وأفسس، والذان هما كذلك عضوان في الكنائس التي أنشأها بولس، فهما خاطئا.
                هناك كذلك نقاط أخرى أساسية تختلف حولها الرسالتان إلى كولوسي وأفسس مع بولس التاريخي، بما في ذلك الاختلاف من ناحية الكلمات المستعملة والاختلافات في الكيفية التي تستعمل فيها بعض المفردات الشائعة الاستعمال عند بولس في هاتين الرسالتين. لكن قصدي هو أن أنشئ على الأقل وعيا بالأسباب التي أدت بغالبية علماء النقد إلى التشكيك في كون بولس هو من كتب أيا من هاتين الرسالتين. فهاتان الرسالتان، مثلهما في ذلك مثل الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، يبدو عليهما أنهما قد كتبتا بعد وفاة بولس(بعد موته بعقد أو عقدين) بيد مؤلفين كانا عضوين في الكنائس البولسية أرادا أن يتوجها إلى المجتمع المسيحي وأن يواجها المشكلات التي طرأت فيه منذ وفاة بولس. ولقد أنجزا ذلك عبر الادعاء بأنهما الرسول نفسه استغفالا منهما لجمهور القراء.
                الرسائل الرعوية
                هناك قدر أقل من النزاع بين العلماء فيما يتعلق بالرسائل الرعوية، الأولى والثانية إلى تيموثاوس و الرسالة إلى تيطس،مقارنة بالنزاع الحاصل في حالتي الرسالتين إلى شعبي كولوسي وأفسس. ففي أوساط علماء النقد ممن يحاضرون في جامعات أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة وأوروبا الغربية، وهي المناطق الرائدة في ميدان الدراسات الكتابية، انعقد الإجماع لسنوات كثيرة على أن بولس لم يكتب هذه الكتب.
                وأما أصل التسمية بالرسائل «الرعوية» فلأن «بولس» يبذل في هذه الرسائل النصح لتيموثاوس وتيطس، الذين يزعم أنهما كانا راعيي أبرشيات في أفسس وجزيرة كريت، في شأن السبيل الذي ينبغي عليهما أن يسلكاه لأداء مهامهما الرعوية في الكنائس التي تحت أيديهما. والكتب الثلاثة تغص بالنصائح الرعوية حول مثل هذه القضايا مثل الحديث عن الكيفية التي ينبغي أن يدير بها هذان التابعان لبولس الكنائس بشدة وبحزم وكيف أنه لزاما عليهما أن يفرضا سيطرتيهما على المعلمين الكذبة وأن يختارا للكنيسة قادة مناسبين.
                فهل من الممكن أن يكون بولس هو كاتب هذه الرسائل؟ من الناحية الافتراضية لا مانع من ذلك، لكن الدفوع التي تنفي قيامه بهذا تبدو مقنعة على نحو حاسم لغالبية العلماء.
                من المتفق عليه عموما أن الرسائل الثلاث مصدرها شخص واحد. فحينما تقرأ الرسالة الأولى إلى تيموثاوس والرسالة إلى تيطس، فستشعر أن هذا واضح وضوح الشمس في رائعة النهار: فكلاهما يتعاملان مع كثير من القضايا عينها، وغالبا ما يستعملان اللغة نفسها أو لغة مشابهة لها. فالرسالة الثانية إلى تيموثاوس تختلف في كثير من الأمور، لكنك إن تقارن بين السطور الافتتاحية فيها مع السطور الافتتاحية للرسالة الأولى إلى تيموثاوس، تجدها، كذلك، تبدو متطابقة تقريبا.
                أما كون بولس ليس هو المؤلف ذاته فهذا من الوضوح بمكان بالنسبة لبعض العلماء وذلك اعتمادا على مفردات الرسائل وأسلوب كتابتها. هناك 848 كلمة يونانية مختلفة استعملت في هذه الرسائل، منها 306 كلمة لم تستعمل ولو لمرة واحدة في الرسائل التي تنسب افتراضا لبولس داخل العهد الجديد( بما في ذلك حتى الرسائل: الثانية لأهل تسالونيكي، والرسالتان إلى شعبي أفسس و كولوسي). ويعني هذا أن ما يزيد عن ثلث الكلمات المستعملة فيها ليست كلمات بولسية. ورقم قريب من ثلثي هذه الكلمات غير البولسية هي كلمات كانت تستعمل عادة في كتابات المؤلفين المسيحيين في القرن الثاني الميلادي. يعني هذا أن المفردات المستعملة في هذه الرسائل أكثر تطورا وذات ملامح أكثر تميزا للمسيحية على الحال التي تطورت إليها في أزمنة أحدث.
                بعض الكلمات المهمة التي يستعملها هذا المؤلف هي نفسها تلك الكلمات التي يستعملها بولس، لكنا صاحبنا هذا يستخدمها استخدامات مختلفة. خذ كلمة «إيمان» على سبيل المثال. كانت مفردة «إيمان» عند بولس تعني أن يقبل المرء موت المسيح قبولا مبني على الثقة حتى يتبرر أمام الله. وهو إذن مصطلح علائقي يعني شيئا قريبا من كلمة «الثقة». أما في الرسائل الرعوية، فتعني هذه الكلمة شيئا مغايرا: إنها مجموعة العقائد والأفكار التي تتشكل منها الديانة المسيحية(تيطس 1 : 13 ). إنها هنا ليست مصطلحا علائقيا، وإنما مصطلح يحدد مجموعة من التعاليم المسيحية، أو محتوى ما ينبغي الإيمان به- والذي يعبر عن الكيفية التي يصير إليها استعمال المصطلح في السياقات المسيحية الأحدث زمانيا. ومن هنا، فهذا مثال يوضح أن الرسائل الرعوية نشأت فيما يبدو من إطار غير بولسي ينتمي لعصر تال لعصر بولس.
                عندما يحاول المرء أن يقرر ما إذا كان مؤلف معين قد كتب كتابا معينا، فمن المعروف أن الحجج المبنية على نوعية الكلمات المستخدمة هي حجج خادعة: فالناس تستعمل الكلمات المختلفة في الظروف المختلفة. لكن في حالتنا هذه تبدو الفروق كبيرة بعض الشيء. ومع ذلك، فهناك حجة أكثر إقناعا وهي تنبع من حقيقة أن وضع الكنيسة الذي تفترضه الرسائل الرعوية برمته هو وضع يختلف فيما يبدو اختلافا بيِّنًا عما نعلمه عن الكنيسة في عصر بولس.
                لدينا فكرة جيدة عن أوضاع الكنائس البولسية نستقيها من بعض الرسائل مثل الرسالتين الأولى والثانية إلى أهل كورينثوس واللتين يناقش فيهما بولس أعمال كنائسه الداخلية وكيف جرى تنظيمها وبناؤها، وكيف كانت تدار. لكن الأمور تتغير تغيرا حادًّا حينما نصل إلى عصر تدوين الرسائل الرعوية.
                لم تكن الكنائس البولسية مبنية على النظام الهرمي. فلم يكن هناك قائد أو مجموعة من القادة المسئولين عن تدبير شئون الكنيسة. بل كان هناك بالأحرى مجتمعات من المؤمنين كانت تدار عبر الروح القدس العامل في كل فرد من أفراد الكنيسة.
                ولعله من المهم جدا أن نتذكر أن بولس كان رؤويا على نحو شامل في آرائه. فقد كان يؤمن أن قيامة المسيح قد ألمحت إلى قرب وقوع نهاية الزمان. وأن هذه النهاية ستحل في أي يوم وذلك عند عودة المسيح من السماء؛ وحينها سيقام الموتى من رقادهم وستتحول أجساد الأحياء من المؤمنين إلى أجساد أخرى غير فانية، وهكذا سيحيا المؤمنون إلى الأبد في المملكة المستقبلية.
                وماذا كان ليحدث في غضون ذلك، بينما يجلس المؤمنون في انتظار الرب القادم؟ كان عليهم أن يلتقوا معا في جماعات للعبادة وللتثقيف وللتعلم وطلبا للعون المشترك. وكيف كان على هذه المجتمعات أن تنظم نفسها؟ كان بولس يعتقد أن الله نفسه نظم هذه الكنائس عبر الروح القدس؛ وهذا الأمر قد شرح في الرسالة الأولى إلى كورينثوس، الأعداد 12 – 14 . حينما كان يجري تعميد الناس للدخول في الكنيسة المسيحية، لم يقتصر الأمر على كونهم قد «ماتوا مع المسيح»، بل تعداه إلى أن منحوا موهبة الروح القدس، الذي يمثل الحضور الإلهي هنا على الأرض قبل حلول النهاية. فكل إنسان حتى هذه النقطة يكون قد تلقى نوعا ما من «الموهبة الروحية» التي بمقدوره أن يستعملها لمد يد العون إلى الآخرين داخل الكنيسة. فبعض الناس أعطي موهبة المعرفة، والبعض الآخر موهبة التعليم، والبعض الثالث موهبة العطاء، والرابع موهبة التحدث بالنبوءات التي يتلقاها من الرب، والبعض الخامس يعطي إعلانات إلهامية مصاغة بلغات أجنبية أو سماوية غير مفهومة لدى الجميع (وهو ما يعرف بـ«التكلم بالألسنة»)، وآخرون يفسرون هذه الإعلانات(أو ما يعرف بـ«تفسير الألسنة»). هذه المواهب كان المقصود منها أن تكون في مصلحة الجميع حتى يكون بمقدور جماعة المؤمنين أن تعمل في سلام وتناغم في هذه الأيام الأخيرة التي تسبق النهاية.
                ومع ذلك، فكثيرا ما سارت الرياح على غير ما تشتهي السفن في كنيسة كورينثوس على سبيل المثال. لقد كان الأمر فيها، في حقيقة الأمر، أشبه بالفوضى العارمة. فلقد زعم بعض «القادة» الروحيون أنهم أعطوا موهبة روحية أكثر مما أعطي البعض الآخر وحصلوا لأنفسهم على مجموعة خالصة من الأتباع، الأمر الذي أدى إلى حدوث انشقاقات داخل الكنيسة. ولقد خرجت هذه الانشقاقات عن السيطرة خروجا تاما: فبعض أفراد الكنيسة سحبوا البعض الآخر إلى ساحة القضاء مخضعين إياهم للمحاكمات. وكان ثمة انحرافات لا أخلاقية: فبعض الرجال داخل الكنيسة كانوا يترددون على العاهرات ويتفاخرون بذلك داخل أروقة الكنيسة؛ وكان ثمة رجل يرتكب مع زوجة أبيه الفاحشة. وكانت أمور الخدمة داخل الكنيسة كارثة خالصة، فلقد قرر «الأكثر روحانية» بين أهل كورينثوس أن علامة الروحانية التي لا مراء فيها هي القدرة على التكلم بالألسنة وهكذا كانوا يتنافسون الواحد مع صاحبه أثناء الصلاة ليروا أيهما سيفعل ذلك بصوت أعلى صخبا وأكثر مرات من الآخرين. وفي أثناء وجبة العشاء الإلهي الأسبوعية، وقد كانت وجبة حقيقية وليس رقاقة حلوى أو رشفة نبيذ، كان بعض أفراد الكنيسة يأتون مبكرا ويلتهمون من الطعام ما يصيبهم بالتخمة ثم يسكرون، أما الآخرون ممن كان لزاما عليهم أن يَصِلُوا للكنيسة في وقت متأخر(كانوا من الطبقات الدنيا و العبيد ممن كان على الأرجح ملزمين بقضاء ساعات عمل أطول) وأن لا يجدوا من الطعام والشراب ما يتناولونه. بعض أعضاء الكنيسة كانوا على قناعة تامة بتفوقهم الروحي لدرجة أنهم ادعوا أنهم قاموا بالفعل مع المسيح من بين الأموات وأنهم يسيرون أمور الحكم معه في الأماكن السماوية(وهو الأمر المشابه لما ادعاه في وقت تلى هذه اللحظة بسنوات طويلة مؤلف الرسالة إلى أهل أفسس).
                يتعامل بولس مع هذه المشكلات التي تمور بها الكنيسة مورا عبر توجهه بخطابه إلى الكنيسة بمعناها الأوسع ملتمسا من أعضائها جميعا أن يغيروا سلوكياتهم. لماذا لم يختص أسقف الكنيسة بحديثه، أو حتى القسيس المسئول؟ لماذا لا يكتب رسالة إلى رأس الكنيسة ليأمره أن يوحد صفوف كنيسته؟ لأنه لم يكن ثمة قائد مطلق للكنيسة. لم يكن هناك أساقفة أو رؤساء قساوسة. في كنائس بولس، التي ازدهرت في الوقت الفاصل بين قيامة المسيح وقيامة المؤمنين، كانت الكنيسة تدار بمعرفة روح الله العامل عبر كل أفراد الكنيسة.[3]
                ماذا سيحدث حينما لا يكون هناك هيئة كهنوتية منظمة تنظيما هرميا تمثل الكنيسة رسميا، وحينما لا يكون هناك زعماء معيَّنين، وحينما لا يكون ثمة أحد يتولى المسئولية على عاتقه؟ سيحدث ما حدث بالفعل في كنيسة الكورينثيين. فوضى عارمة ذات امتداد كبير. وكيف يمكننا السيطرة على مثل هذه الفوضى؟ يحتاج شخص من الأشخاص أن يتقدم ليتحمل المسئولية. بمرور الوقت، حدث هذا بالفعل داخل الكنائس التي أسسها بولس. فبعد أن توارى عن مسرح الأحداث، قدرت كنائسه نوع الهيكل الإداري الذي كنت ستقدره حيث يحتل أحد الأشخاص موقع الصدارة، شخص يكون مخولا بإصدار الأوامر، شخص لديه تحت سلطانه قادة آخرين جرى تعيينهم في هذه المناصب لكي يضمنوا أن تظلل الجميع روح التعاون، ولكي يتيقنوا أن التعاليم الصحيحة، والتعاليم الصحيحة وحدها، هي التي يبشر بها داخل الكنيسة، ولكي يهذبوا كل من سار سلوكياته على غير السبيل السويّ.
                لم يكن المرء ليجد هذا النوع من الهياكل الإدارية في عصر بولس. لكنه حتما سيجده في الرسائل الرعوية. فلدينا رسائل موجهة للقساوسة الرؤساء داخل الكنائس في اثنين من المجتمعات التي أقامهما بولس. هذه الرسائل توجه إرشادات تعين على إقناع المعلمين الكذبة بالخضوع؛ وتعطي توجيهات لتعيين الأساقفة الذين كانوا مسئولين بوضوح عن الإشراف الروحي على الكنيسة، وكذا الشمامسة الذين كانت مسئولياتهم محصورة في الإشراف على شئون الصدقات والاعتناء بالحاجات المادية للمجتمع؛ كما تصدر تحذيرات بشأن الكيفية التي ينبغي أن يضبط بها الشعب سلوكياته في مختلف الظروف الاجتماعية( سواء أكانوا أزواج، أو زوجات، أباء أم أولاد، سادة أم عبيد) وذلك بغية أن تتوفر لدى الكنيسة القدرة على البقاء لسنوات طويلة.
                بالنسبة لبولس، في الجانب الآخر، لم تكن الكنيسة مقدر لها أن تبقى لسنوات طويلة. فقد كان يؤمن بأن النهاية قريبة جدا. لكن النهاية لم تأت، وأصبح لزاما على الكنائس التابعة له أن تخضع لنظام حتى تستطيع البقاء. وهذا ما حدث بالفعل: أنشئ للكنيسة نظام، وكتبت الرسائل الرعوية في ظل هذه المعطيات الجديدة، وربما حدث ذلك بعد موت بولس بعقد أو عقدين من الزمان. في الظروف الجديدة، كتبت الرسالات الثلاث بمعرفة مؤلف ما زعم أنه هو نفسه بولس لكي يضمن لرسالته السلطان الذي تتمتع به كتابات بولس في نفوس المؤمنين. لكن فحوى رسالته لم يكن بولسي على الإطلاق. فبولس عاش في زمان وفي عصر مختلفين.
                من كتب الكتب الأخرى داخل العهد الجديد؟
                كثير مما قيل فيما سبق يمكن أن ينطبق كذلك على الكتب الأخرى داخل العهد الجديد. فبعضها مجهول المؤلف، وأعني تحديدا الرسالة إلى العبرانيين والكتب التي تعرف برسائل يوحنا الأولى والثانية والثالثة. ليس هناك أي سبب، كما أدرك ذلك بالفعل الكثير من مؤلفي الكنيسة، للاعتقاد بأن بولس هو من كتب الرسالة إلى العبرانيين، لكنها ضُمَّت في نهاية المطاف إلى القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس بمعرفة آباء الكنيسة الذين دافعوا عن صحة نسبتها إلى بولس. لكن أسلوب الكتابة، في حقيقة الأمر، مختلف تمام الاختلاف عن أسلوب بولس؛ كما أن القضايا الأساسية التي أهتمت ببيانها الرسالة غائبة تماما عن رسائل بولس الأخرى، وكذا طريقة مؤلفها في الاستدلال ليست أبدا مشابهة لطريقة بولس. ولماذا أصلا يظن ظانٌّ أن بولس هو مؤلفها؟ فعلى العكس من كتاباته الشخصية، كاتب هذه الرسالة أمسك عن التصريح باسمه.
                وكذا ما يعرف برسائل يوحنا، لا تدعي هي الأخرى أن يوحنا هو مؤلفها؛ فالرسالتان الثانية والثالثة كتبتا بيد إنسان يطلق على نفسه لقب «الشيخ»، فيما لا يذكر مؤلف الرسالة الأولى أي شئ عن نفسه. فالمؤلف من المحتمل جدا أن يكون أي رئيس من رؤساء الكنيسة في نهاية القرن الأول الميلادي تقريبا.
                وهناك كتابات أخرى يجمع مؤلفيها تشابهٌ في الأسماء(homonymous) مع شخصيات أخرى دينية. فمؤلف رسالة يعقوب لا يزعم أنه «يعقوب» معين على وجه الحصر، ناهيك عن يعقوب الذي تعرفه التقاليد الأخرى باعتباره أخا ليسوع. أما رسالة يهوذا، ففيها زعم بأن كاتبها هو يهوذا «أخو يعقوب». وهكذا فيمكن ترجمة تلك الإشارة على أنها زعم منه بأنه أخو يسوع، وذلك لأن اثنين من أخوة يسوع، وفقا لإنجيل مرقس، كانا يسميان يعقوب ويهوذا. لكن الغرابة في هذا المسلك تنبع من أنه إذا كان يريد أن يظن الناس أنه أخو يسوع لكي يحصل لكتابه على سلطان أكبر في نفوس المؤمنين، فلن يخرج عليهم ليقول ما قال. وكلا الاسمين، يعقوب ويهوذا، كانا أسماء شائعة الاستعمال في العصور اليهودية القديمة وداخل الكنيسة المسيحية. وقد زعم مسيحيون من أزمنة تالية ممن كانوا منهمكين في رسم حدود القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس أن هذين الاثنين هما قريبا يسوع، لكن الرجلين نفسيهما لم يدعيا هذا مطلقا.
                كذلك من الصعب أن يصدق المرء أن هذه الرسائل قد كتبها ريفيان ينتميان إلى الطبقة الدنيا ويتحدثان اللغة الآرامية ينحدران من الجليل(أخوهما الأكثر منهما شهرة لم تعرف عنه إجادته للكتابة، ناهيك عن تأليف مقال بالغ التعقيد باللغة اليونانية). حجتنا هنا هي نفسها التي سقناها من قبل في شأن إنجيل يوحنا: فمن الناحية النظرية، من الجائز أن أخوي يسوع - وهما الذان نشأا في المناطق النائية من ريف الجليل، ويعملان بأيديهما من أجل الحصول على لقمة العيش، واللذان لم يكن لديهما أبدا لا الوقت ولا المال اللازمان للحصول على قسط من التعليم- قد قررا أن يتعلما اللغة اليونانية في وقت متأخر من حياتهما وأن يحصلا على دورات في تعلم الصياغة الأدبية، وذلك حتى يكون بمقدورهما أن يكتبا هذه الكتب التي تتسم بعلو بلاغتها وتعقيدها النسبي. لكن هذا إلى حد ما يبدو بعيد الاحتمال.
                والفكرة ذاتها تصدق تماما على رسالتي بطرس الأولى والثانية. لكن هذين الكتابين، شأنهما في ذلك شأن الرسائل البولسية الثانوية(الرسالة الثانية إلى تسالونيكي والرسالة إلى أهل كولوسي والرسالة إلى أهل أفسس) والرسائل الرعوية، يزعمان بالفعل أنهما قد كتبا بيد شخص لم يكتبهما. فالكتابان منسوبان زورا بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معنى: فكلاهما مزوران على ما يبدو.
                لكن الأمر الذي لا خلاف حوله هو أن كاتب رسالة بطرس الثانية، أيًّا ما تكن حقيقة شخصيته، ليس هو من كتب الرسالة الأولى: فبين أسلوبي الكتابة في الرسالتين بون شاسع. ولقد ظهر بالفعل في الكنيسة في عصورها الأولى من بين العلماء المسيحيين من حاول إثبات أن بطرس لم يكتب الرسالة الثانية. والنزاع حول هذا الأمر في أيامنا هذه هو أقل منه فيما يتعلق بالرسائل الرعوية. إن الكتاب المسمى بـ«رسالة بطرس الثانية» كتبه بعد وقت طويل من وفاة بطرس شخص ما أزعجه أن يرى بعض الناس ينكرون اقتراب حلول نهاية الزمان (بوسع المرء أن يتفهم وجهة نظر هؤلاء المتشككين كلما مرت السنين)؛ وقد أراد هذا المؤلف أن يحرر هؤلاء الناس من مفاهيمهم الباطلة، وقد فعل ذلك عبر الزعم بأنه ليس سوى سمعان بطرس، اليد اليمنى ليسوع.
                أما الكتاب المعروف باسم «رسالة بطرس الأولى» فسخونة النزاع حوله بين العلماء هي أشدُّ أوارا منها في شأن رسالته الثانية. لكن مرة أخرى أقول: كيف لصياد بسيط الحال ينحدر من ريف الجليل أن يطور مهاراته بغتةً في الصياغة الأدبية باللغة اليونانية؟ يدافع البعض أحيانا بقولهم إن بطرس قد استأجر شخصا آخر ليكتب الرسالة بدلا منه، ربما سيلفانوس، على سبيل المثال، الذي ورد اسمه في الرسالة (5 : 12 ). لكن الرسالة ذاتها لا تنطق بهذا. ولو كان شخص آخر هو من كتب الرسالة، ألا يمكن أن يكون هو، وليس بطرس، المؤلف الحقيقي؟ إن الاستخدام الذي تبدو عليه سيماء الحنكة للعهد القديم في هذا الكتاب تفترض أنه مهما يكن من ألفه، فهو حاصل على تعليم عال ومتمرس بعكس سمعان بطرس. ومن الجدير بالذكر أننا نمتلك عددا كبيرا من الكتب التي يعود تاريخها إلى زمان المسيحية الأولى وتدعي أن بطرس هو مؤلفها فيما ليس له بها أي علاقة- لدينا، لا على سبيل الحصر، إنجيل بطرس ورسالة بطرس إلى يعقوب، والعديد من «أعمال»(Acts) بطرس، وثلاثة أسفار رؤوية مختلفة تنسب لبطرس. لقد كان تزوير الكتب ونسبتها إلى بولس صناعة منزلية رائجة.
                الخاتمة: من كتب الكتاب المقدس؟
                أعود الآن لسؤالي الأصلي: من كتاب الكتاب المقدس؟ من بين سبعة وعشرين كتابا يتكون منها العهد الجديد، لدينا ثمانية كتب فحسب نحن على يقين تام من أنها كتبت بيد مؤلفيها الذين تنسب هذه الكتب إليهم عبر التقليد: إنها رسائل بولس السبع غير المتنازع عليها ورؤيا يوحنا، والتي يمكن أن نصنفها ضمن الكتابات مجهولة المؤلف، وذلك لأنها لم تزعم أنها كتبت بيد «يوحنا» محدد؛ وهذا قد اعترف به حتى بعض كتَّاب الكنيسة الأولى.
                إن ما سردته من آراء حول مؤلفي أسفار العهد الجديد لا يحسب ضمن الآراء المتطرفة داخل الدوائر العلمية. ولا شك أن ثمة نزاعات بين العلماء حول هذا الكتاب أو ذاك. فقد تجد بعض العلماء المنحكين يعتقدون أن بولس كتب الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، أو أن يعقوب أخا يسوع كتب رسالة يعقوب، أو أن بطرس هو مؤلف رسالته الأولى. لكنَّ غالبية علماء النقد قد ساورتهم الشكوك طويلا حول نسبة هذه الكتب، ويكاد ألا يكون هناك أي نزاع حول بعض أسفار العهد الجديد، مثل الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ورسالة بطرس الثانية. فهذان الكتابان لم يكتبهما مؤلفاهما المفترضان.
                لقد ثارت الشكوك حول تأليف الكتابات التي أصبحت جزءًا من القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس في عصر الكنيسة الأولى، ولكن العلماء في العصور الحديثة والتي تبدأ من القرن التاسع عشر قد زادوا الحجج الأصلية قوة باستدلالاتهم المقنعة. وحتى في يومنا هذا ينفر الكثير من العلماء من مجرد تسمية الوثائق المزورة التي يشتمل عليها العهد الجديد بالكتابات المزورة- فما نتحدث عنه هنا، في نهاية المطاف، هو الكتاب «المقدس». لكن الحقيقة هي أنه مهما يكن تعريفك لمصطلح «التزوير»، فهو ينطبق على هذه الكتابات. لقد كتبت أعداد كبيرة من الكتب في عصر الكنيسة الأولى بمعرفة مؤلفين ادعوا زورا أنهم رسل المسيح لكي يغرروا بقرائهم فيقبلوا كتبهم والآراء التي كانوا يمثلونها.
                هذا الرأي الذي يشتمل على القول بأن العهد الجديد يحوي بين جلدتيه كتبا ألفت بأسماء غير حقيقية يجري تدريسه في كل مؤسسات التعليم العالي الرئيسة تقريبا باستثناء المدارس الإنجيلية في العالم الغربي. إنها وجهة النظر التي يجري تعليمها في كل مناهج التدريس الأساسية لمادة العهد الجديد والتي تشرح في هذه المؤسسات. إنها الرؤية التي تدرس في المعاهد اللاهوتية والمدارس الدينية. إنها المادة العلمية التي يدرسها القساوسة عندما يجري تأهيلهم من أجل الخدمة في الكنيسة.
                ولماذا لا ينتشر العلم بهذا الأمر على نطاق أوسع؟ ولماذا لا يعرف ذلك الفرد القابع على مقاعد إحدى مقصورات الكنيسة، ناهيك عن الأشخاص العاديين في الشارع، شيئا عن هذا؟ لا شك أن تخمينك للإجابة صحيح مثلما هو تخميني لها.
                [/CENTER]
                تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


                تعليق


                • #23
                  نهاية الفصل الرابع ولا تنسونا من صالح دعائكم
                  تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


                  تعليق


                  • #24
                    الفصل الخامس: كذاب، أم مجنون أم رب؟

                    [align=justify]
                    الفصل الخامس
                    كذاب، أم مجنون أم رب؟
                    البحث عن يسوع التاريخي
                    منذ عامين بدأت بعض رسائل البريد الإليكتروني بالغة الغرابة تردني من دولة السويد. لم يحدث أن زرت السويد من قبل، كما أن مرسلي هذه الرسائل هم أناس ليس لي بهم سابق معرفة من أي مكان آخر. كانوا جميعا تحدوهم الرغبة في معرفة مدى صحة المعلومات التي تتحدث عن أنني أؤمن بأن يسوع هو شخصية أسطوريةلم يكن لها يوما أي وجود. بدا السؤال غريبا بعض الشئ. فقد كتبت منذ سنين طويلة كتابا عن يسوع التاريخي أشرت فيه إلى ما توفره لنا المصادر القديمة من معلومات عن حياته واستعرضت فيه ما جزمت أن بإمكاننا الحديث عنه بشأن الأمور التي قالها أو صنعها. ولا يقتصر الأمر على أنني كنت أعتقد أن يسوع كان شخصية لها وجود تاريخي، بل تعداه إلى القول بأننا قادرون على أن نكتبل عنه بعض الأقوال ذات المصداقية من وجهة نظر تاريخية. فلماذا إذن يسألني البعض عما إذا كان صحيحا أنني أعتقد أنه لم يكن مطلقا شخصية تاريخية؟
                    لم تكن هذه الرسائل لتعد محاولات هجومية لإقناعي بأنه كان إنسانا عاش على الأرض. بل العكس تماما هو الصحيح: لم يكن هؤلاء الناس ممن يعتقدون أنه كان شخصية من لحم ودم كان لها وجود تاريخي وقد سمعوا أنني أنا العالم المتخصص في دراسة العهد الجديد قد منحت وجهة النظر هذه دعمي. هذا النوع من وجهات النظر قد يبدو وقعه غريبا على أذهان الشعب الأمريكي الذي يعتقد غالبيته أن يسوع هو شخصية عاشت ذات يوم على سطح الأرض، وأنه فوق ذلك كان وما يزال ابنا لله. لكن غالبية الشعوب في أجزاء من الدول الإسكندينافية يعتقدون أن يسوع هو شخصية مختلقة اختلاقا كاملا وأنه لم يكن له وجود حقيقي في يوم من الأيام، وحقيقة الأمر أن مجموعة من الناس كانوا عازمين على إقامة ديانة جديدة قاموا باختلاق شخصيته.
                    بعد حيرة انتابتني واستمرت عدة أسابيع أثارها تفكيري في السبب الذي قد يدفع شخص ما إلى أن يصنفني ضمن هذا التصنيف، أدركت أن مصدر هذا الالتباس كان حالة من سوء الفهم لما ورد في مقال كتبته عني جريدة الـ«واشنطن بوست» في مارس من العام 2006 .
                    كانت الـ«بوست» قد قررت أن تكتب لمحة مختصرة عن حياتي وأعمالي وعن تحولي إلى اللاأدرية في ضوء كتابي المنشور حديثا في ذلك الوقت «تحريف أقوال المسيح». وقد أرسلت الصحيفة صحفيا حاد الذكاء ذو عقلية متفتحة، «نيلي تاكر»، إلى تشابيل هيل ليتعقب خطاي لبعض الأيام. وقد تكررت لقاءاتنا في مكتبي وتجاذبنا أطراف الحديث، كما جاء إلى بيتي زائرا ليطلع على أبحاثي، وتناولنا سويا بعض الوجبات، كما زارني كذلك في أحد فصولي في الجامعة. وعلى أساس من تعارفنا وجها لوجه كتب لمحة مختصرة عن حياتي وقام بنشرها مطلقا عليها اسم«كتاب بارت.» قرأت القطعة الأدبية التي كتبها عندما نشرت ووجدتها ممتعة على نحو معتدل ثم كدت بعد ذلك أن أتناسى الموضوع.
                    إلا أن فقرة في مقال «نيلي» كان من السهل جدا أن يساء فهمه وهذا هو ما أدى بنا إلى المشكلات التي وقعت في السويد. كان «نيلي» قد جاء ليستمع إلي وأنا ألقي محاضرة على أحد فصول طلابي الكبيرة في تخصص العهد الجديد في يوم تصادف أنني كنت أتحدث فيه عن إنجيل يوحنا. وقد أوضحت في هذا اليوم أثناء المحاضرة- كما فعلت لمرات عديدة في فصول هذا الكتاب الأولى- أن يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي يجري تعيين هوية يسوع فيه بكل وضوح باعتباره نازلا من السماء. لا شك أنه قد قد أطلق عليه في الأناجيل كلها لقب «ابن الله». لكن كون المرء «ابنا لله» بالنسبة لليهود القدماء لا يجعل منه إلها؛ بل يجعله كائنًا بشريًّا مرتبطا بالله برباط وثيق، إنه ذلك الإنسان الذي يجري الله مشيئته في الأرض على يديه. أما إنجيل يوحنا فيتجاوز هذا المفهوم. فيسوع إنجيل يوحنا هو كلمة الله السابقة الوجود قبل الزمان والتي خلق الله بها الكون والتي تأنست(1 : 1- 4)؛ وهو مساو لله (10 : 30 )؛ ويجوز له أن يخلع على نفسه الأسماء الإلهية ( 8 : 58 )؛ بل إنه هو الله نفسه ( 1 : 1 ؛ 20 : 28 ). إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي يضم هذه الرؤية الممجدة للمسيح.
                    وبينما أقوم بشرح هذه الأفكار أمام طلابي، وبينهم «نيلي» جالسا في الصف الأخير من قاعة المحاضرة، خطرت ببالي خاطرة كانت تأتيني حينما كنت مسيحيا إنجيليا. كنت قد تلقيت في معهد مودي لدراسة الكتاب المقدس دورة حول الدراسات المسيحية الدفاعية، وهي كتابات فكرية بها دفاع (أصله كلمة أبولوجيا اليونانية) عن الإيمان. في هذه الدورة كنا قد درسنا أعمال المدافع الإنجليزي الشهير «سي.إس.لويس» وخاصة نظرياته عن أن يسوع لا مناص من أن يكون إلها. في الصيغة التي ابتكرها لويس، حيث إن يسوع كان قد وصف نفسه بالألوهية، فليس ثمة سوى ثلاثة احتمالات منطقية: إما أنه كان كذابا، أو مجنونا، أو ربا. كانت فكرة لويس تتمحور حول أنه إذا كان يسوع كاذبا في زعمه-أي إذا لم يكن إلها- فهو إما أنه كان يعرف ذلك أو كان لا يعرفه. فإذا كان يعلم أنه ليس إلها بل مجرد مدعيا للألوهية، فهو كاذب. أما إذا لم يكن إلها لكنه يعتقد صادقا أنه كان كذلك، فهو إذن مخبول، أو مجنون. الخيار الآخر الوحيد سيكون أنه كان محقا فيما زعمه، وفي هذه الحالة فهو الله حقا. ويواصل لويس دفاعه عن فرضيته بالقول إنه ثمة كثير من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أنه لم يكن مجنونا أو كذابا. والنتيجة التي لا مفر منها هو أنه لا مناص من أنه كان صادقا فيما ادعى. فالمسيح هو الله.
                    حينما كنت في «مودي» كنت قد وجدت هذا الخط من البراهين بالغ الإقناع، ولسنوات استخدمته لإقناع الآخرين بألوهية المسيح. لكن هذا حدث منذ سنوات كثيرة مضت، وقد طرأت على أفكاري تغييرات جذرية. (كل هذه الأمور- معهد مودي للكتاب المقدس، والدراسات الدفاعية التي كتبها «سي.إس.لويس»، وهوية يسوع، وتغير أفكاري- كلها لمعت في ذهني في جزء من الثانية بينما ألقي محاضرتي عن يوحنا في «تشابيل هيل»). صرت أعتقد أن المقدمات نفسها التي بنى عليها «لويس» طرحه كانت تشوبها الأخطاء. فالطرح المبني على يسوع باعتباره كذابا أو مجنونا أو ربًّا كان مبنيا على الافتراض بأن يسوع كان قد دعى نفسه إلها. وقد صرت أؤمن منذ وقت طويل أنه لم يفعل. فقط ، يشير يسوع إلى أنه إله في آخر إنجيل لدينا، إنجيل يوحنا، الذي يظهر على نحو ملحوظ تطورا لاهوتيا يفوق أقرانه الآخرين. أصبحت أدرك أنه ليس ثمة تقليد بين تقاليدنا الأقدم يشير إلى أن يسوع قد تفوه بمثل هذا الكلام عن نفسه. وإذا كان يسوع قد أمضى جل وقته بالفعل في الجليل ثم في أورشليم في ادعاء الألوهية لنفسه، فلا شك أن كل مصادرنا كانت ستصبح أكثر تلهفا على تسجيل هذا الأمر. ودعونا نصوغ فكرتنا صياغة مختلفة: لو أن يسوع زعم أنه إله، فمن الغريب جدا فيما يبدو أن متَّى ومرقس ولوقا جميعا قد أهملوا ذكر أي شئ عن هذا. فهل هم نسوا أن يذكروا هذا الجزء ليس إلا؟
                    أصبحت أدرك أن ألوهية يسوع كانت جزءًا من الفكر اللاهوتي الذي يؤمن بها يوحنا، وليس جزءًا من تعاليم يسوع الشخصية.
                    *هذا جزء من قضية أكثر اتساعا تتناول الشخصية التي كانها يسوع في الحقيقة، وتتناول حقيقة تعاليمه وما قام به من أفعال في الحقيقة وما مر به من تجارب وخبرات. هذه القضية هي موضوع عدد لا يحصى من الكتب بعضها متبحر في المسئلة تبحرا مفرطا والطول سمة من سماته. لا يسعني أن أغطي هذا الخضم الواسع في هذا الفصل، وجل ما يمكنني التعامل معه هو المسائل الأكثر أهمية منه كما يناقشها مؤرخو المسيحية الأولى، وبوسعي أن أوفر لكم مقدارا قليلا مما أعتقد أننا بوسعنا معرفته عن يسوع الإنسان وليس فقط عن الكيفية التي جرى تصويره عبرها داخل هذا الإنجيل أو ذاك، بل عن شخصيته الحقيقية التي كانت في التاريخ- أو يسوع التاريخي.
                    مصادر معلوماتنا المبكرة عن يسوع
                    غالبية من لا يتوافر لديهم الإلمام بالعلوم الكتابية من الناس ربما يظنون أن الحصول على معلومات بشأن يسوع التاريخي هو قضية يسيرة نسبيا. فلدينا أربعة أناجيل في العهد الجديد. كي نعرف ماذا قال يسوع وماذا صنع، فمن الضروري أن نقرأ الأناجيل. هي تخبرنا أن بما قاله وما فعله. فأين المشكلة إذن؟ المشكلة جزئيا تتمثل في أن الأناجيل تغص بالتناقضات وفي أنها دونت بعد خدمة يسوع الأرضية وموته بعشرات السنين بأقلام مؤلفين لم يكونوا شهود عيان على أي من أحداث حياة يسوع.
                    لنعرض المشكلة في حجمها الحقيقي، لعله من المفيد أن نتأمل أنواع المصادر التي يحب العلماء أن يمتلكوها بين أيديهم عندما يكتبون رواية تاريخية عن شخصية تاريخية من الماضي، مثل يوليوس قيصر، أو ويليام الغازي، أو شيكسبير. إن امتلكنا بعض مصادر المعلومات فهذا هو السبيل الوحيد للتعرف على هذه الشخصيات. لا يمكننا التعرف بسهولة على حقيقة يوليوس قيصر أو يسوع. فأي نوع من المصادر إذن يحتاجه العلماء كي يعيدوا تكوين حياة شخصية تاريخية ذات ثقل؟
                    لو أتت الرياح بما يشتهي العلماء، لكان بحوذتهم مقدار ضخم من المصادر؛ فكلما زاد عدد المصادر كلما كان ذلك أفضل وذلك لأن البعض منها أو جميعها ربما تعطينا روايات مشوهة. هذه المصادر ينبغي أن تكون معاصرة للأحداث التي تسرد تفاصيلها، لا أن تكون مبنيةً على إشاعة سرت في أزمنة متأخرة عن الأحداث. وينبغي أن تتضمن إفادات لأناس ليس لهم مصلحة ما، أي ألا تكون ببساطة روايات متحيزة. أفضل المصادر هي تلك التي تكون مستقلة أحدها عن الأخرى حتى نتيقن من أن مؤلفيهالم يتواطؤوا فيما بينهم على تأليف قصة. ومع ذلك ينبغي أن يكونوا متوافقين وأن يؤكد بعضهم قول بعض ، مانحين إيانا التوثيق أو البرهان الإضافي من غير تواطؤ فيما بينهم.
                    ما الذي نملكه من مصادر تتحدث عن يسوع؟ حسنا، لدينا مصادر متعددة داخل أناجيل العهد الجديد. وهذا أمر حسن. لكن مؤلفيهالم يكونوا شهود عيان عاصروا الأحداث التي يروونها. فقد كتبها بعد موت المسيح بخمسة وثلاثين إلى خمسة وستين عاما أناسٌ لم تكن بينه وبينه أي معرفة ولا رأوا أعماله التي صنعها أو سمعوا شيئا مما بشر به، أناس كانوا يتحدثون لغة تختلف عن لغته الأم وعاشوا في بلادة مختلفة عن البلد التي عاش فيها. لم تتسم رواياتهم بالنزاهة؛ بل هي روايات استحدثها مسيحيون كانوا يؤمنون فعليا بيسوع، وهو ما يجعلهم غير منزهين عن تحريف الروايات في ضوء أهوائهم الشخصية. لم يكونوا خالصين من الترافد حيث استعمل إنجيل مرقس كمصدر لإنجيلي متى ولوقا. وبدلا من أن يبعث هذا التناغم التام فيما بينهم، كان أحدهم مناقضا لآخر تمام التناقض، بما تغص به صفحاتهم من التناقضات بنوعيها: تناقضات بشأن التفاصيل الدقيقة أو مفاهيم متناقضة في الأمور كبيرة المقياس بشأن شخص يسوع. كيف يمكن لمصادر على هذا الحال أن تستخدم لإعادة تركيب حياة يسوع التاريخي؟ ليست مهمة يسيرة، ومع ذلك هناك سبل متاحة للقيام بها. أول خطوة هي أن نقف على حقيقة الكيفية التي استقى بها مؤلفو الأناجيل رواياتهم وقوفا أفضل. فإن كانوا يعيشون بعد الأحداث التي رووا شيئا من أخبارها بثلاثين إلى ستين عاما، فما هي مصادر معلوماتهم؟ الإجابة المختصرة هي أن مؤلفي الإنجيل حصلوا على القدر الأكبر من معلوماتهم من التقليد الشفوي والقصص التي كانت متداولة في زمانهم عن يسوع مشافهة منذ اللحظة التي مات فيها وحتى اللحظة التي دون فيها مؤلفو الأناجيل هذه القصص. يلزمنا أن نتعرف أكثر على التقاليد الشفوية التي تتناول شخصية يسوع لكي نستوعب كيف يمكن للمؤرخين أن يستفيدوا من هذا النوع من المصادر-تلك الروايات المتناقضة المكتوبة بعد الحدث بعشرات السنين والمعتمدة على إفادة شفوية- في تقرير ما حدث بالفعل مع درجة ما من الترجيح.

                    التقليد الشفوي
                    على الرغم من أنه من العسير جدا أن يحدد المرء بدقة تاريخ كتابة الأناجيل، فإن غالبية العلماء يتفقون على مجموعة أساسية من التواريخ وذلك لمجموعة من الأسباب. من غير الخوض في كل التفاصيل، بوسعي الآن أن أقول إن نعرف بيقين نسبي أن بولس- من واقع رسائله الشخصية ومن سفر الأعمال-كان يمارس الكتابة في عقد الخمسينات من القرن الأول. كما كان كثير الأسفار إلى المجتمعات المسيحية وفي كتاباته لم يعط على الإطلاق أي برهان على أنه يعرف أو حتى سمع عن وجود أية أناجيل. من هذه المعلومة يمكن الإشارة إلى أن الأناجيل على الأرجح كتبت بعد عصر بولس. يبدو كذلك أن مؤلفي الأناجيل كانوا على اطلاع على بعض الأحداث التاريخية المتأخرة مثل دمار أورشليم في عام 70 م(مرقس 13: 1 احتمالا؛ ولوقا 21: 20-22 يقينا أو يكاد). هذا الأمر يستلزم أن يكون هذين الإنجيلين مكتوبين على الأرجح بعد عام 70.
                    هناك أسباب تدفعنا إلى الاعتقاد أن مرقس هو أول ما كتب من الأناجيل، وهكذا ربما يكون مؤلفه قد كتبه في وقت قريب من زمان الحرب ضد روما، عام 70م. لو استعمل متى ولوقا كلاهما إنجيل مرقس كمصدر لهما، فقد يكونا قد ألفا بعد أن انتشر إنجيل مرقس لفترة من الزمان خارج المجتمع الذي كتب فيه- فلنقل، بعد ذلك بعشر سنوات أو خمسة عشر، أي بين عامي 80 و 85 م. يبدو أن يوحنا هو الإنجيل الأكثر تطورا من الناحية اللاهوتية، ولذلك فمن المرجح أنه كتب بعد ذلك، قريبا من نهاية القرن الأول، أي قريبا من عام 90 إلى عام 95 م. لا تعدو هذه أن تكون تخمينات تقريبية، لكن غالبية العلماء متفقون عليها.
                    يعني هذا أن أقدم رواياتنا المكتوبة المحفوظة عن حياة يسوع كتبت بعد خمسة وثلاثين عاما إلى خمسة وستين عاما بعد وفاته.
                    فماذا إذن كان يحدث في كل السنوات الفاصلة بين الوفاة وبداية التدوين؟ ما حدث بالمسيحية كان من الوضوح بمكان: فقد كانت في طور الانتشار في جميع أنحاء المناطق الحضرية الرئيسة في منطقة البحر المتوسط. إن كانت الأناجيل وسفر الأعمال يمنحاننا معلومات صحيحة، فبعد قيامة المسيح بوقت قصير كان أتباعه يتشكلون من خمسة عشر إلى عشرين رجلا وامرأة كانوا معه فيما سبق في الجليل وصاروا يؤمنون أنه كان قد قام من بين الأموات. عند نهاية القرن الميلادي الأول- بفضل الجهود التبشيرية التي بذلها الرسل والمتنصرون من أمثال بولس-كان من الممكن أن يصادف المرء الديانة المسيحية داخل قرى يهوذا وبلداتها ومدنها وفي السامرة والجليل وسوريا؛ لقد انتشرت شمالا وغربا إلى كليكية وفي أنحاء آسيا الصغرى(تركيا المعاصرة) ومكدونية وأخائية(أي اليونان المعاصرة)؛ كما شقت لنفسها سبيلا نحو روما، عاصمة الإمبراطورية، ومن المحتمل أن تكون قد وصلت غربا حتى إسبانيا. كما ارتحلت المسيحية في اتجاه الجنوب، إلى شمال إفريقيا على سبيل الاحتمال وإلى أجزاء من مصر على الأرجح.
                    ليس الأمر أن آلافا تلو الآلاف من الناس كانوا يعتنقونها بين ليلة وضحاها. بل بمرور السنين كان العشرات والعشرات-وربما المئات- يتحولون إلى المسيحية داخل المناطق الحضرية الرئيسة. كيف حول المسيحيون الناس من دياناتهم الوثنية(في المقام الأول) إلى الإيمان بإله واحد فحسب، إله اليهود، وبيسوع ابنه الذي مات كي يرفع خطايا العالم؟ إن السبيل الوحيد لتحويل الناس إلى المسيحية كان عبر إخبارهم بالروايات التي تتحدث عن يسوع: ماذا قال وماذا فعل وكيف مات وأقيم من بين الأموات.
                    بمجرد أن يتحول إنسان ما إلى الدين ويصير عضوا في كنيسة مسيحية، سيبدأ، بدوره، في نشر الروايات. وسيبدأ الناس الذين تحولوا على أيديهم حينئذ في سرد الروايات، والأمر ذاته سيفعله هؤلاء الذين حولهم المتحولون الجدد. وعلى هذا النحو صار الأمر، ديانة انتشرت كلية عبر الأقوال الشفاهية في عالم ليس فيه وسائل إعلام.
                    مع ذلك، من كان يتولى أمر سرد هذه القصص التي تتحدث عن يسوع؟ في كل مرة تقريبا كانوا أشخاصا لم يكونوا قد التقوا بيسوع من قبل ولا التقوا بأحد آخر كان قد عرفه معرفة شخصية. دعوني أوضح الأمر بمثال افتراضي. أنا شخص أعمل كنحَّاس وأعيش في أفسوس في آسيا الصغرى. يقدم علي غريب ويبدأ في الحديث عن حياة يسوع ووفاته الخارقتين للطبيعة. أستمع إلى جميع القصص التي كان عليه أن يقصها علي وأقرر التخلي عن الإيمان بالإله الوثني المحلي، أثينا، وأصير إلى مؤمن بالإله اليهودي وابنه يسوع. ثم إني أنجح في تحويل امرأتي بناءً على القصص التي أكررها على مسامعها. زوجتي تخبر الجارة بالجنب فتتحول هي الأخرى. هذه الجارة تسرد الحكايات على مسامع زوجها، تاجر، فيؤمن. يخرج في رحلة عمل إلى مدينة سميرنا ويقص ما عنده من قصص على شريكه في التجارة. يتحول هذا الأخير ثم يحكي لامرأته التي تؤمن هي الأخرى.
                    هذه المرأة التي آمنت مؤخرا سمعت كل أنواع القصص عن يسوع. وممن؟ أواحد من الرسل؟ لا، بل من زوجها. حسنا، وممن سمع زوجها هذه القصص؟ جاره في البيت المجاور، تاجر أفسس. أين سمعها هذا الأخير؟ في البيت ومن زوجته. وأين سمعتها هي؟ من زوجتي. وزوجتي ممن سمعتها؟ مني. ومن أين سمعتها أنا؟ أمن شاهد عيان؟ لا، بل سمعتها من الغرب الذي وفد على البلدة.
                    هذه الطريقة التي انتشرت بها المسيحية، عاما بعد عام، وعقد من الزمان بعد آخر، حتى قام شخص ما بتدوين القصص في نهاية المطاف. برأيك، ماذا حدث لهذه القصص بمرور السنين، بما إنها رويت ثم أعيدت روايتها، لا كروايات تتضمن أخبارا نزيهة رواها شهودٌ عيانٌ، بل كدعاية كان القصد منها تحويل الناس إلى الإيمان أطلقها أناس كانوا قد سمعوها من السلسلة الخامسة أو السادسة أوالتاسعة عشر من الرواة؟ هل لعبت أو أطفالك لعبة الهاتف أثناء احتفالكم بعيد ميلاد؟ يجلس الأطفال في دائرة وتقص طفلة قصة إلى الطفلة الجالسة بجوارها التي تحكيها إلى التي تليها، وهكذا دواليك، حتى تعود القصة مرة أخرى إلى الطفلة التي حكت القصة أول مرة. لكنها الآن قصة مختلفة. (لو لم تكن مختلفة لكانت اللعبة عبثية قليلا.) تخيل أنك تلعب لعبة التليفون ولكن ليس وسط مجموعة من الأطفال اللذين ينتمون إلى الطبقة الاجتماعية الاقتصادية ذاتها ومن الحي نفسه والمدرسة نفسها وفي المرحلة السنية ذاتها ويتحدثون لغة مشتركة، بل تخيل أنك تلعبها لمدة أربعين عاما أو أكثر في بلاد مختلفة وفي سياقات تاريخية مختلفة وبلغات مختلفة. ماذا يحدث حينها للقصص؟ تطالها يد التغيير.
                    هل من غرابة في أن تغص الأناجيل على هذا النحو بالتناقضات؟ سمع يوحنا قصصا مختلفة عما سمعه مرقس وعندما سمع القصص نفسها فهمها فهما مغايرا. بل من الواضح أن مؤلفي الأناجيل أنفسهم قد أحدثوا في القصص التي تلقوها من مصادرهم تغييرات( تذكر كيف غير لوقا رواية مرقس عن رحلة يسوع نحو الموت). لو أمكن أن تتغير الأشياء بهذا القدر الكبير من كاتب واحد للذي يليه، فتصور عظم التغير الذي يمكن أن يطرأ عليها في التقليد الشفهي؟
                    قد ينجر المرأ منا إلى الشعور باليأس نحو قدرته على صوغ أي معلومة تاريخية عن يسوع، مع وضع الحالة المضطربة للأشياء في الاعتبار. اعتمادا على مصادر من هذا القبيل، كيف يمكننا أن نعرف أي شئ عن يسوع التاريخي؟
                    ربما يكون اليأس أمرا سابقا لأوانه في هذه المرحلة. فلعل ثمة طرق لتطبيق مناهج تحليلية صارمة على المصادر لتجنب المشكلات التي تفرضها. أول طريقة هي أن ننظر فيما إذا كان ثمة أي مصادر أخرى للمعلومات عن يسوع خارج الأناجيل يمكننا وضعها في الاعتبار. كما سيتضح، هناك بعض المصادر-لكنها ليست ذات فائدة كبيرة.

                    مصادر أخرى لإعادة تشكيل حياة يسوع
                    لو كنتم قد شاهدتم ما يكفي من أفلام هوليوود التي تحكي قصة يسوع، لربما ظننتم أن يسوع هو واحد من أكثر ما الشخصيات التي تناولها الناس بالحديث في الإمبراطورية الرومانية. مع ذلك، لا يظهر ابن الله الذي شفى المرضى وأخرج الشياطين من الأجساد وأحيا الموتى كل يوم. فمن الواضح أن السلطات الرومانية كانت من الهلع والرعب بما يكفي لأن تتملكها الرغبة في التخلص منه، كانوا مرعوبين من هذا الإله المتأنس الذي حل بينهم. وربما هبطت الأوامر بالفعل من أسمى وأبعد جهة، من روما ذاتها.
                    لسوء الحظ كل ما ذكرته الآن هو محض اختلاق. ما أنا على وشك البوح به يبدو غريبا على مسامع غالبيتنا، فالمسيح، رغم ذلك، هو بكل المقاييس أهم شخصية في تاريخ الحضارة الغربية. لكنه لم يكن الشخصية الأكثر أهمية في عصره. بل العكس تماما هو الصحيح، فهو، كم يبدو، يكاد يكون شخصا مغمورا بكل ما تعنيه الكلمة من معاني.
                    ماذا تقول المصادر اليونانية والرومانية عن يسوع؟ أو دعونا نجعل السؤال أكثر تحديدا: لو عاش يسوع ومات خلال القرن الأول(موته كان عام 30 تقريبا)، فما الذي تقوله المصادر اليونانية والرومانية بداية من عصره وحتى نهاية القرن(فلنقل حتى عام 100 م) عنه؟ الجواب مثير. لم يذكروا أي شئ عنه على الإطلاق. لم يحدث يوما أن كان موضوع نقاش، أو تحدٍ أو هجوم أو ازدراء ولم يتحدث عنه أحد بأي طريقة في أي مصدر وثني ما يزال محفوظا من هذه الفترة المذكورة. ليس ثمة سجلات تشير إلى الميلاد، أو روايات عن محاكمته وموته، أو تأملات في أهميته أو نزاعات حول تعاليمه. لم يرد لاسمه، في حقيقة الأمر، أي ذكر أبدا ولو لمرة واحدة في مصدر وثني. ونحن نمتلك مع هذا الكثير من المصادر اليونانية والرومانية من الفترة المشار إليها: من علماء دين ومؤرخين وفلاسفة وشعراء وعلماء طبيعة؛ ولدينا الآلاف من الرسائل الشخصية؛ وبين أيدينا نقوشات محفورة على الأبنية في الأماكن العامة. لا يذكر يسوع في أي مصدر يوناني أو روماني (وثني) عرفه القرن الأول الميلادي. لم يستطع العلماء أبدا أن يستوعبوا هذا الأمر. فلنفترض بكل بساطة أن يسوع لم يكن بهذه الأهمية في عصره. ولكن سواء أكان هذا صحيحا أم لم يكن كذلك، فالحقيقة هو أننا إن أردنا أن نتعرف على ما قاله يسوع أو ما فعله، لا يمكننا أن نعتمد على ما كان يقوله أعداؤه داخل الإمبراطورية. بقدر ما وصلنا من علم، لم يذكر هؤلاء عنه شيئا.
                    أول ذكر ليسوع في مصدر وثني وقع في العام 112 م. كان المؤلف بليني الصغير[1] حاكما لإقليم روماني. في رسالة كتبها إلى إمبراطوره تراجان، يشير إلى مجموعة من الناس يدعون المسيحيين كانوا يجتمعون بصفة غير شرعية؛ كان صاحبنا يريد أن يعرف كيف يتعامل مع هذا الوضع. هؤلاء الناس، يخبر بليني الإمبراطور،«يتخذون المسيح إلها.» هذا كل ما قاله عن يسوع. ليس بالمقدار الكافي الذي تعتمد عليه إن كنت تريد أن تعرف شيئا عن يسوع التاريخي.
                    قدر أكبر قليلا من المعلومات يوفره لنا صديق بليني، المؤرخ الروماني تاسيتس(Tacitus). في معرض كتابته لتاريخ روما في عام 115 م، يذكر تاسيتوس الحريق الذي أشعله نيرون والذي اضطرم في روما عام 64، الذي اتهم الإمبراطور به «المسيحيين». يشرح تاسيتوس أن المسيحيين اكتسبوا اسمهم من «المسيح(Christus)...الذي أعدم على يد الوالي بيلاطس البنطي في عهد طيباريوس»(حوليات 15.44). ويواصل حديثه إلى أن يقول إن«خرافة» المسيحية ظهرت للمرة الأولى في أرض يهوذا قبل أن تتفشى إلى روما. هنا على الأقل ثمة بعض تأكيد لما علمناه بالفعل من الأناجيل عن موت يسوع على يد بيلاطس. لكن تاسيتوس، مثل بليني تماما، لا يعطينا أي معلومة نعتمد عليها لو أننا نريد أن نعرف ما فعله يسوع أو قاله في الواقع.
                    لو طرحنا شباكنا على كل المصادر اليونانية والرومانية الوثنية المحفوظة خلال امائة سنة الأولى بعد وفاة يسوع(30-130 م)، فهاتان الإشاراتان المقتضبتان هما كل ما نجد.[2]
                    بالإضافة إلى مصادر القرن الأول الوثنية، لدينا مصادر يهودية غير مسيحية، غير أنها ليست تقريبا بقدر الوثنية من جهة العدد. فهناك مصدر واحد، ومصدر واحد فحسب، هو الذي يذكر يسوع بالفعل. إنه المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس الذي كتب في عام 90 م تقريبا تاريخ الشعب اليهودي في عشرين مجلدا منذ أيام آدم وحواء وحتى عصره. في هذا الكتاب المطول لم يتحدث عن يسوع بإطناب كبير، لكنه يشير إليه بالفعل مرتين. في إشارة واحدة يحدد ببساطة هوية إنسان يسمى يعقوب على أساس أنه«أخو يسوع الذي يدعى المسيح»(تاريخ اليهود، 20 .9 .1).
                    الإشارة الأخرى أكثر طولا، غير أنها أثيرت حولها الشكوك. فيوسيفوس فيها يبدو كما لو كان يعترف على نفسه أنه مسيحي، لكننا نعلم من أعماله الأخرى أنه لم يكن كذلك(فقد كتب ترجمة ذاتية ضمن أشياء أخرى كتبها). عرف أهل العلم منذ أمد بعيد أن مؤلفات يوسيفوس لم يكن اليهود ينسخونها خلال العصور الوسطى، لأنهم (وهم محقون في هذا على الأرجح) اعتبروه خائنا للقضية اليهودية خلال الحرب المدمرة ضد روما التي دمرت فيها أورشليم عام 70 م. بدلا من ذلك، كان المسيحيون هم من اضطلعوا بنسخها. وعند الموضع الذي يتناول فيه يوسيفوس يسوع بالحديث، يبدو أن ناسخا مسيحيا أدرج القليل من الكلمات المختارة بعناية كي يوضح حقيقة يسوع. وضعت فيما يلي الأجزاء التي من المحتمل أن الناسخ أقحمها بين قوسين:
                    في هذا الوقت ظهر يسوع، إنسان حكيم[إن صح بالفعل أن يطلق عليه المرء وصف «إنسان»، فقد] صنع أعمالا مدهشة، ومعلم للشعب الذي تلقى الحقيقة بابتهاج. وقد اكتسب أتباعا بين الكثيرين من اليهود والكثيرين من ذوي الأصل اليوناني. [لقد كان هو المسيح.] وعندما حكم عليه بيلاطس بالموت صلبا، بسبب اتهام افتراه قادتنا، لم يقلع عن حبه من أحبوه في السابق.[فقد ظهر لهم في اليوم الثالث، حيا من جديد، تماما على النحو الذي تحدث به أنبياء الله عن هذه الأمور وعن أشياء أخرى مدهشة لا تحصى عددا بشأنه]وحتى يومنا هذا لم تختف قبيلة المسيحيين، الذين سموا على اسمه.(تاريخ اليهود 18 . 3 . 3)[3]
                    من الجدير بالذكر، لا ريب في ذلك، أن أبرز مؤرخ يهودي في القرن الأول عرف على الأقل شيئا ما عن يسوع- أنه تحديدا كان معلما صنع أشياء عجيبة في ظاهرها، وأنه اكتسب عدد كبيرا من الأتباع وأن حكما بالموت صلبا قد أصدره بيلاطس البنطي بحقه. وتؤكد هذه الرواية بعضا من أهم جوانب حياة يسوع ومماته كما حكتها الأناجيل. لكنها لا تشير على وجه الدقة إلى ما فعله أو قاله أو إلى الظروف التي أدت إلى اتهامه بالموت حتى لو أدرجت في النص الأصلي العبارات التي وضعت بين الأقواس.
                    لا يذكر يسوع في أية مصادر أخرى غير مسيحية -يهودية أو وثنية- من المائة سنة الأولى التي تلت موته.
                    هناك بطبيعة الحال مصادر مسيحية متأخرة- أناجيل أخرى كثيرة على سبيل المثال- من القرنين الثاني والثالث وما بعدهما. هذه المصادر سنتناولها بالبحث في الفصل التالي. هناك سنرى أن هذه الروايات مشوقة إلى أبعد الحدود وأنها تستحق القراءة بجدارة. لكنها لا تزودنا، في العادة، بمعلومة تاريخية يعول عليها. فجميعها كتبت في عصور تالية لأناجيل العهد الجديد وجميعها تغص بالقصص الخرافية، وإن اتسمت بالتشويق، عن ابن الله.
                    ربما يعتقد المرء أن أسفار العهد الجديد الأخرى بمقدورها أن تزودنا بمعلومات إضافية عن يسوع، لكن هنا من جديد ليس ثمة الكثير لنبني عليه. فهذا بولس الرسول، على سبيل المثال، يحدثنا كثيرا عن موت يسوع وقيامته، لكنه مُقِلٌّ في الحديث عن حياته-أعني ما قاله وما فعله قبل موته. في مواضع قليلة يؤكد ما قالته الأناجيل: أن يسوع كان معلما يهوديا قام بالتبشير وسط اليهود؛ وأن له أخوة، أحدهم يدعى يعقوب، واثني عشر تلميذا. وهو يذكر كلمات يسوع في العشاء الأخير وقولين آخريين من أقواله: أن الطلاق محرم على أتباعه وأن عليهم أن يدفعوا لمعلميهم أجرا.[4] بخلاف ذلك لا يخبرنا بولس الكثير. بل إن مؤلفي العهد الجديد الآخرين يخبروننا بمعلومات أقل مما يخبرنا به بولس.
                    نتائج هذا المسح السريع ينبغي أن تكون واضحة: إذا كنا نريد أن نعرف معلومات عن حياة يسوع التاريخي، فليس أمامنا تقريبا سوى استعمال الأناجيل الأربعة، متى ومرقس ولوقا ويوحنا. وهذه ليست روايات منزهة عن الغرض رواها شهود عيان. فهي كتب ألفها بعد عشرات السنين من الحدث مؤلفون كانوا قد تلقوا القصص التي تتحدث عن يسوع من التقليد الشفوي عن طريق السمع، قصص كانت عرضة للتحريف بل وحتى للاختلاق بمرور السنين. ثمة تناقضات كثيرة في هذه القصص ومؤلفو الإنجيل أنفسهم مارسوا تحريفها كلما بدا لهم ذلك مناسبا. كيف يجوز للمرء أن يستعمل مثل هذه القصص ليكتشف ما حدث بالفعل من الناحية التاريخية؟ في الحقيقة، ثمة طرق تجعل هذا ممكنا. فلقد ابتكر العلماء بعض المبادئ المنهجية التي بوسعها، إن اتبعت بإحكام وصرامة، أن تزودنا بإشارات عن حقيقة يسوع.

                    معايير للتأكد من صحة المادة التاريخية

                    لا شيء يصعب فهمه تماما بشأن هذه المبادئ- فكلها مبادئ منطقية، على فرض صحة كل ما رأيناه بشأن التقاليد الإنجيلية حتى هذا الموضع. أول مبدأ ينبغي أن يكون واضحا قليلا:
                    1- كلما كانت المصادر التاريخية أقدم، كلما كان ذلك أفضل:
                    فحيث إن التقاليد التي تتناول شخصية يسوع قد تغيرت بمرور السنين لأن القصص التي تحكي طرفا من أخباره حكيت ثم أعيد حكيها مرارا وتكرارا، ولأن المصادر المكتوبة تعرضت للتحريف، وللإطناب وللتعديل، فمن المنطقي أن تكون المصادر الأقدم كتابةً هي الأكثر استحقاقا لثقتنا من الأخرى التي تعود لزمن لاحق. فالأناجيل التي يعود تاريخ نسخها إلى القرن الثامن لن تتساوى، في العادة، في الموثوقية من الناحية التاريخية مع أناجيل القرن الأول(مع أن قراءتها قد تكون مسلية إلى أبعد حد).
                    يعد إنجيل يوحنا آخر ما كتب من الأناجيل وهذا ما يجعله أكثر عرضة لأن يكون الأقل موثوقية من الناحية التاريخية مقارنة بباقي الأناجيل. وهو يقدم من الآراء بشأن يسوع ما يمثل تطورات لاحقة ضمن التقليد- فيسوع، على سبيل المثال، هو خروف الفصح الذي مات في اليوم الذي تذبح فيه خراف الفصح، أو أنه زعم أنه مساو لله. بيد أن ما سبق لا يعني أننا نسقط تماما من حساباتنا كل ما نجده في إنجيل يوحنا؛ على العكس، فنحن بحاجة لأن نطبق المعايير الأخرى على رواياته كذلك. مع ذلك، يبقى الأقدم هو الأفضل بوجه عام.
                    مرقس هو أقدم إنجيل محفوظ، وقد يشتمل على معلومات يمكن التعويل عليها أكثر مما يفعل يوحنا. لكن مرقس لم يكن المصدر الوحيد الذي استقت منه الأناجيل التالية له معلوماتها. فهناك على الأرجح مصدر آخر للأناجيل من المحتمل أنه قد دون قبل مرقس وذلك الإنجيل لم يعد له وجود. في فصل سابق، أوضحت أن متى ولوقا حصلا على كثير من قصصهما من مرقس الذي استعملاه كمصدر. وثمة تقاليد أخرى متعددة عن يسوع في كل من متى ولوقا لا يمكننا أن نعثر عليها في مرقس. غالبية هذه التقاليد، وليسوا كلهم، هي أقوال ترد على لسان يسوع، منها، على سبيل المثال، صلاة الرب والتطويبات(نجدها في متى ولوقا ولا نجد لها أثرا في مرقس). وحيث إن الأناجيل اللاحقة لا يمكن أن تكون قد أخذت هذه التقاليد عن مرقس، فمن أين؟ لدينا أسباب منطقية تدفعنا للاعتقاد بأن متى لم يقتبسهم من لوقا، ولا لوقا حصل عليهم من متى. ولهذا، منذ القرن الثالث عشر تحديدا، أيقن العلماء أنالإنجيلين كلاهما قد حصلا عليها من مصدر آخر غير محدد. أطلق العلماء الألمان الذين صاغوا هذه الفكرة على المصدر الآخر اسم «كويلا»(Quelle)، تلك الكلمة الألمانية التي تقابل كلمة «مصدر». هذا «المصدر» الإضافي المجهول صار يشار إليه اختصارا باسم « Q ».[5]
                    «Q» إذن هو مصدر المادة الموجودة في متى ولوقا وغير الموجودة مع ذلك في مرقس. هذا المادة، فيما يبدو، كان مصدرها إنجيل مفقود كان بمقدور كاتبي الأناجيل الأحدث أن يطلعا عليه. لا ندري كل شئ كان في الإنجيل «Q» (ولا ندري كل شئ لم يكن في «Q»)، ولكن متى اتفق متى ولوقا كلمة بكلمة حول قصة ليس لها وجود في مرقس، فمن المعتقد أن هذه القصة مستقاة من «Q». ومن هذا يتضح أن مرقس و«Q» هما مصدرانا الأقدمان. استعمل متى مصدرا آخر أو أكثر من مصدر بين مكتوب وشفوي، لفائدة إنجيله، وهذه نسميها المصادر المتاوية، أو اختصارا باسم «M». مصادر المادة التي انفرد بهال لوقا نطلق عليها اختصارا اسم «L». من هذا نعلم أنه في الفترة التي سبقت ظهور إنجيلي متى ولوقا، كان ثمة أربعة مصادر متاحة: مرقس و«Q» و«M» و«L»( كل من «M» و«L» يحتمل قد يكونان مصادر متعددة). وهذه هي أدواتنا الأكثر قدما لإعادة تكوين حياة يسوع.[6]
                    2- كلما كثرت المصادر التاريخية كلما كان ذلك أفضل:
                    فلنفترض أن قصةً بطلها يسوع وجدت في مصدر واحد لا أكثر، فمن الجائز أن مؤلف هذا المصدر قد اختلق هذا التقليد بنفسه. ولكن ماذا إن وجدت قصة بشكل مستقل في أكثر من مصدر واحد؟ لن تكون هذه القصة من مخترعات أي واحدة منها حيث إنها مصادر مستقلة؛ فلا مفر حينئذ من أن تكون سابقة في الوجود لهم جميعا. إن القصص التي نجد لها ثبوتا في مصادر متعددة ومستقلة بعضها عن بعض فهي لذلك تتمتع بقدر أفضل من أرجحية أن تكون هي الأقدم وربما هي تمثل القصص الأجدر بالتصديق.(ملحوظة: إن وجدت القصة ذاتها في متى ولوقا ومرقس، فهذه ليست ثلاثة مصادر للقصة، بل مصدر واحد: فمتى ولوقا كلاهما قد أخذاها عن مرقس.)
                    متى ولوقا، على سبيل المثال لا الحصر، يشيران كلٌ على حدة إلى أن يسوع ترعرع في الناصرة، لكن قصتيهما عن كيفية ذهابه إلى هناك مختلفتان، فبذا تكون إحداهما قد أتت من المصدر«M» والأخرى من المصدر«L». ومرقس يشير إلى الأمر نفسه. وكذلك يفعل يوحنا الذي لم يستعمل أيا من الأناجيل المتوازية أو أيا من مصادرها. فماذا نستنتج من هذا؟ نستنتج أن القصة ثابتة في مصادر مستقلة: فالناصرة على الأرجح كانت موطنا ليسوع. نموذج آخر: هناك علاقة تربط يسوع بيوحنا المعمدان كما يبدو في بداية إنجيل مرقس وفي بداية المصدر«Q»(يحتفظ متى ولوقا كلاهما بأجزاء من أقوال يوحنا التي لا تظهر في إنجيل مرقس)، وفي بداية إنجيل يوحنا. وماذا نتستنتج؟ ارتبط يسوع على الأرجح بيوحنا المعمدان عند بداية خدمته.
                    3- السير عكس التيار ذلك أفضل جدا:
                    الشئ الأول الذي رأيناه مرارا وتكرارا هو أن التناقضات قد نشأت في ما نعرفه من قصص تدور حول يسوع نتيجة لقيام رواة القصص والمؤلفين بإدخال تغييرات على التقاليد كي يجعلوها تتناغم أكثر وأكثر مع ما يعتنقونه من أفكار. كيف يمكننا تفسير التقاليد المتعلقة بيسوع والتي لا تتوافق بوضوح مع جدول أعمال «مسيحي»، أي لا تعضد أفكار الأشخاص الذين يروون القصص ووجهات نظرهم؟ التقاليد التي على هذه الشاكلة ما كان للرواة المسيحيين أن يختلقوها وهي لهذا السبب دقيقة على الأرجح من الناحية التاريخية. كثيرا ما يطلق على هذا الأمر«معيار الحرج.» أي تقليد مروي عن يسوع لا يتفق مع كان المسيحيون الأوائل ينوون على الأرجح قوله عنه من المرجح جدا أنه تقليد جدير بالتصديق. خذ المثالين السابقين كنموذج. يمكنك تفهم السبب الذي قد يريد لأجل المسيحيون أن يقولوا إن يسوع كان منحدرا من بيت لحم: فتلك كانت المدينة التي كان من المنتظر أن يخرج منها ابن داوود(ميخ 5 : 2 ). لكن من كان ليفتري قصة تقول إن المخلص جاء من الناصرة، تلك البلدة الصغيرة التي لم يسمع بها أحد من قبل؟ هذا التقليد لا يدعم أي جدول أعمال مسيحي. فهو لهذا السبب، ويالسخرية، تقليد دقيق على الأرجح من الناحية التاريخية. أو خذ عندك مثالا من يوحنا المعمدان. في مرقس، إنجيلنا الأكثر قدما، يقوم يوحنا بتعميد يسوع. هل كان للمسيحيين أن يختلقوا هذا الأمر؟ تذكر أنه في التقليد المسيحي المبكر كان هناك اعتقاد بأن الشخص الأرفع مقاما من الناحية الروحية كان يقوم بتعميد الأدنى منه منزلة من الناحية الروحية. فهل كان لمسيحي أن يختلق فكرة تعميد يسوع على يد شخص آخر، وما يترتيب على ذلك من كونه أقل منه منزلة؟ أضف إلى ذلك أن يوحنا كان يعمد «لأجل مغفرة الخطايا»(مرقس 1 : 4 ). فهل سيريد شخص ما أن يزعم أن يسوع قد احتاج أن تغفر له خطاياه؟ لا يبدو هذا مرجحا بدرجة كبيرة. فماذا نستنتج من هذا؟ أنه من المرجح أن يسوع قد ارتبط بالفعل بيوحنا المعمدان عند بادية فترة خدمته وأنه على الأرجح قد تعمد على يديه.
                    4- ينبغي أن تتوافق مع السياق:

                    بما أن يسوع كان يهوديا عاش في فلسطين خلال القرن الميلادي الأول، فأي تقليد يتناوله بالحديث ينبغي أن يتوافق مع السياق التاريخي الذي عاش فيه حتى يكون جديرا بالقبول. كثير من أناجيلنا المتأخرة زمنيا- تلك المكتوبة خلال القرن الثالث او الرابع، وفي أجزاء أخرى من العالم- تقول عن يسوع أشياء لا معنى لها إن وضعت في السياق التاريخي. هذه الأشياء يمكن أن نستبعدها لأنها غير جديرة بالقبول من الناحية التاريخية. لكن أناجيلنا الأربعة القانونية هي الأخرى تشتمل على قدر من الأمور لا يمكن تصديقها. ففي إنجيل يوحنا، الإصحاح الثالث، وقع بين يسوع ونيقوديموس حوار مشهور يقول فيه:« يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ.» الكلمة اليونانية[7] التي جرت ترجمتها إلى «من فوق» لها في حقيقة الأمر معنيان: فمن الممكن أن تترجم «مرة ثانية»، كما يمكن ترجمتها «من فوق» كذلك. وأينما تستعمل هذه الكلمة في إنجيل يوحنا، فإنها تعني «من فوق» (يوحنا 19 : 11 ، 23). وهذا فيما يبدو ما يعنيه يسوع في الإصحاح الثالث من إنجيل يوحنا عندما يتحدث إلى نيقوديموس: ينبغي أن يولد الإنسان من فوق لكي ينال الحياة الأبدية في السماء، أي فوق. غير أن نيقوديموس يسئ فهم العبارة، ويظن أن يسوع يضمر المعنى الثاني للكلمة، أي أن يولد الرجل مرة ثانية. فيتساءل وقد أصابه الإحباط بعض الشئ:« أَلَعَلَّنِيْ أَقْدِرُ أَنْ أَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّيْ ثَانِيَةً؟» فيصحح له يسوع: فهو لا يتحدث عن ميلاد ثان بالجسد، بل عن ميلاد سماوي، أي من فوق.
                    هذا الحوار الذي جمعه بنيقوديموس مبني على حقيقةٍ هي أن إحدى الكلمات اليونانية لها معنيان اثنان(أي أن الكلمة بها «تورية»). فإن غابت التورية عن الحوار، فقد الحوار معناه. تتلخص الإشكالية هنا في التالي: لم يكن يسوع ومعه هذا الرئيس اليهودي في أورشليم يتحدثان باليونانية، بل باللغة الآرامية. لكن الكلمة الآرامية التي تعني «من فوق» لا تعني كذلك «مرة ثانية». فهذه تورية لا تؤتي أكلها إلا في اللغة اليونانية. لذا يبدو الأمر كما لو كان هذا الحوار مختلقا- أو أنه قد حدث ولكن على الأقل ليس بالطريقة التي وصف بها في إنجيل يوحنا.
                    هذه إذن بعض المعايير التي يستعملها العلماء لفحص التقاليد المتنوعة التي يكون يسوع محورا لها، خاصة كما نجدها في أناجيل العهد الجديد. التطبيق الحذر والصارم لهاتيك المعايير يمكن أن تقودنا إلى بعض النتائج الإيجابية. بمقدورنا على الأرجح أن نعرف بعض المعلومات عن يسوع التاريخي. ماذا إذن بمقدورنا أن نعرف؟

                    * يقصد بالجناس الاستهلالي أن تبدأ كلمتان أو أكثر متجاورتان بحرف واحد. وقد جاءت الاحتمالات الثلاثة في الأصل الإنجليزي للكتاب مبتدأة بالحرف L وهي (liar, lunatic, Lord)، فاختار المؤلف كلمة رابعة تبدأ بالحرف نفسه لتعبر عن فكرته من ناحية ولتحافظ على الجناس الاستهلالي في الكلمات الثلاثة التي اختارها سي.إس لويس وهي:Legend. هامش للمترجم

                    [1] بليني الصغير أو الأصغر(62-113) ابن أخ لجايوس بلينيوس سيكوندوس الكاتب والخطيب الروماني الذي كان كذلك سياسيا رومانيا. (هامش غير أصلي)

                    [2] (أصلي)

                    [3] (أصلي)

                    [4] أنظر الرسالة إلى أهل غلاطية 4: 4 ؛ وأهل رومية 15 : 7 ؛ والأولى إلى الكورونثيين 9 : 5 ؛ والغالطيين 1 : 19 ؛ والأولى إلى الكورينثيين 15 : 5 ؛ و11 : 22 – 25 ؛ و 7 : 10 – 11 ؛ و 9 : 14 .(هامش أصلي)

                    [5]

                    [6]

                    [7] لتأكيد ما ذهب إليه المؤلف، هذا تعريف قاموس سترونج لهذه الكلمة «ἄνωθεν»:
                    from above; by analogy from the first; by implication anew: - from above, again, from the beginning (very first), the top. (هامش غير أصلي)


                    [/CENTER]

                    يتبـــــــــــع بإذن الله
                    تفضلوا بزيارة مدونتي الشخصية على


                    تعليق


                    • #25
                      رد: صوت يسوع المحجوب..كشف تناقضات الكتاب المقدس وأسباب عدم ملاحظتنا لها:::.د. بارت إيرمان

                      جزاك الله خير، موضوع رائع

                      تعليق

                      مواضيع ذات صلة

                      تقليص

                      المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                      أنشئ بواسطة وداد رجائي, منذ يوم مضى
                      ردود 0
                      8 مشاهدات
                      0 معجبون
                      آخر مشاركة وداد رجائي
                      بواسطة وداد رجائي
                       
                      أنشئ بواسطة وداد رجائي, منذ 2 يوم
                      ردود 0
                      6 مشاهدات
                      0 معجبون
                      آخر مشاركة وداد رجائي
                      بواسطة وداد رجائي
                       
                      أنشئ بواسطة mohamed faid, منذ 2 يوم
                      ردود 0
                      5 مشاهدات
                      0 معجبون
                      آخر مشاركة mohamed faid
                      بواسطة mohamed faid
                       
                      أنشئ بواسطة mohamed faid, منذ 2 يوم
                      رد 1
                      9 مشاهدات
                      1 معجب
                      آخر مشاركة عاشق طيبة
                      بواسطة عاشق طيبة
                       
                      أنشئ بواسطة mohamed faid, منذ 3 يوم
                      ردود 0
                      5 مشاهدات
                      0 معجبون
                      آخر مشاركة mohamed faid
                      بواسطة mohamed faid
                       
                      يعمل...
                      X