تنوير وتحضر .. أم تزوير وتحجر ؟

تقليص

عن الكاتب

تقليص

عبد الصمد حدوش مسلم معرفة المزيد عن عبد الصمد حدوش
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تنوير وتحضر .. أم تزوير وتحجر ؟

    يقول الدكتور البشير عصام المراكشي: (وأقبح أفكار الباطل تلك التي ترفع شعار الحق، فتلتبس على الناس ببعض الحق .. والتنوير لفظ ساحر في نفسه .. فإن تدثر بمصطلحات الشريعة زاد سحرا وجمالا .. وزاد التباسا أيضا .. ) [1]

    أكثر دعاة التنوير المعاصرين يقحمون بعض الكلمات والعبارات الدينية أو حتى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أحيانا في كلامهم ، تزيينا منهم له وتسهيلا لقبوله بين الناس ، ولم لا نشره بينهم وجعلهم أيضا من جنوده ودعاته ، وهذا الإقحام يكون دائما بعد انتقاء فائق العناية لتلك النصوص ، بما يخدم منهجهم ويدعمه ، أما بقية النصوص -إن لم يرفضوها- فهم يخضعونها لتأويلات وتفسيرات غريبة عجيبة تضعف موقف الشريعة وتميّعها وتفرغ الدين من محتواه وتجوفه .

    يتجلى هذا التمييع والتجويف بالدرجة الأولى في التطبيع مع التيارات المنحرفة سواء المبتدعة -وهذا أخف ضررا- أو المذاهب الكفرية كالإلحاد واللادينية ، وبالتالي إضعاف الشخصية الإسلامية وإعطاءها قابلية امتصاص أي فكر وأي منهج ! لكونه -زعموا- مجرد قناعات يعتنقها الإنسان بعد ما تتكون لديه رؤىً ووجهات نظر حول قضية ما ، فيبني عليها استنتاجاته ليصل إلى أن ذلك الفكر/المنهج هو ما يجب أن يكون عليه ، وهذا إبعاد للناس عن جوهر القضية ولبّها ، وتدليس خبيث وتسفيه لصريح آي القرآن ، إذ أن الثابت فيه أن كل ما خالف الإسلام من أديان أو مذاهب أو حتى آراء جزئية ، كفر أكبر يعني الإخفاق في تحقيق غاية الوجود أولا ، ثم الخلود في النار ثانيا .

    ومن التزويرات التي يقومون بها في هذا الصدد :
    ● أنه من المفترض "أن يكون حكمنا على الإنسان من خلال ما يقدمه للبشرية وليس من خلال انتماءاته العقدية ، فتلك أمور بينه وبين نفسه ما دام لا يؤذي بها غيره".

    ◇ وهنا في رأيي هناك تدليسان متتاليان :
    .
    ▪︎أولهما : عبارة "حكمنا على الإنسان" تلك ، على ماذا تحيل وماذا يُقْصَد بها ؟ هل حكمنا عليه في ميزان الشرع أم في ميزان الإنجازات البشرية ؟ ببساطة ، فحكمنا عليه في ميزان الشرع بكفر أو إيمان (والذي هو حكم الله فيه) ، وحكمنا على إنجازاته البشرية أمران منفصلان تماما ، فمن قدم للبشرية شيئا قل أو كثر وهو على غير الإيمان (وبالتالي فمنطقيا يستحيل أن يكون مستحضرا للجزاء الإلهي أو طامعا فيه، ببساطة لأنه لا يؤمن به) ، فلينتظر جزاءه من البشرية، من مال وشهرة وجاه ومكانة وتخليد ذكرى بعد الممات ، وانتهى الأمر هنا. ومن غير المنطقي أن ترفض بيان منهجه على أنه كفر.
    لأن عطاءه للبشرية على غير الملة التي يرضاها رب البشرية لا يشفع له في الحكم الآخر (الحكم الشرعي) ، و كمثال توضيحي: طالب يدرس مادتين منفصلتين، إحداهما تحدد المصير ، والثانية تزيده تفوقا ، عندما جاء موعد النتائج أخذ درجة عليا في الثانية ،لكنه فشل في الأولى والتي تحدد المصير ، فمن الحمق أن يحتج على النتيجة ب"أنا حصلت على درجة عليا في الثانية فلماذا لم أنجح في الأولى" .. وإضافة إلى كل هذا فقد حث الشرع أصلا على خدمة البشرية في الكثير من النصوص، ومن أهمها قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" [2] ، وهذا حث على خدمة البشرية في موضع ظاهره أنه لم تعد هناك فائدة من خدمتها ، وبعمل صغير .. فما ظنك بعمل أكبر ، وفي وقت يسبق قيام الساعة !

    ▪︎وثانيهما: أن تلك الأمور عقيدة شخصية بين الإنسان ونفسه و"أنك حر ما لم تضر" وأن "لكم دينكم ولي دين" ، وتعريف الحرية الفردية بهذا الشكل مصادم للتصور الإسلامي ، فبالفعل أنت حر ما لم تضر ، لكن "تضر" ماذا ؟ ومن؟ هنا يبدو خلل النظرة العلمانية للمجتمع، فهي تنظر له على أنه مجموعة من الأفراد تربط بينهم علاقات ضيقة المجال يعيش كل منهم حياته منفردا بنفسه ، وهذا لا يراعي مصلحة الجماعة ، وهل فعله أو توجهه ذاك يضر بالجماعة ككل أو لا ، وهل يضر بشكل قريب المدى أو بعيده ! بينما في النظرة الإسلامية فالأمر هكذا : قال النبي صلى الله عليه وسلم ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا "لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا"، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)) [3] .. وهذا فيه مراعاة لسير الأمة ككتلة واحدة وهي رؤية شاملة لحياة الإنسان .. والحديث كاف لا يحتاج للكثير من التفسير .
    .
    ●وهذه التطبيعات يطالبون بها أيضا مع اهل المعاصي والفجور ، بمحاربة عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي هي من أهم الصفات التي جعلت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الله عز وجل :(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [4] .. وهذه العقدة عندهم هي عبارة عن امتداد لرؤيتهم الإصلاحية التي يمكن تلخيصها في كونها دعوة لإسقاط التجربة الغربية الكنسية على العالم الإسلامي، وذلك بشكل تعسفي لا يراعي المتغيرات التي تتحكم في محاولة الإصلاح ، فأوروبا في عصورها الوسطى كانت تحت السيطرة التامة للكنيسة ، وقد عرف الشعب خلال حكمها أنواع الظلم والقهر والاستبداد والقمع ومحاربة العلم بتكفير كل من يأتي باكتشاف يصادم تصورات الكنيسة ، وهنا يحاول أصحابنا التشبيه بينهم وبين أئمة الإسلام الذين كفروا بعض العلماء فعلا ، لكن ذلك لم تكن له أي علاقة بالعلوم التجريبية، بل بآرائهم المصادمة للعقيدة الأسلامية وثوابتها التي تبنوها في حياتهم أو في مرحلة من حياتهم ، وهم أصلا قلة معدودة جدا والبقية كانوا على الإسلام .
    ولذلك هناك علاقة حميمية بين هذا التيار و العقائد المغالية التي تنسب نفسها للإسلام كعقيدة وحدة الوجود مثلا ، إضافة إلى أنه يلاقي قبولا كبيرا في الوسط الإلحادي أو اللاديني عموما .. ● هذه تزويرات التنوير ، فأين يتجلى التحجر ؟! أ ليس هذا التيار في ظاهره يتميز بالانفتاح التام وتقبل الجميع؟ لا طبعا فهذا ظاهره فقط ، لكن جرب مثلا أن تبين لتنويري أن ما يتبناه من فكر مناف ومصادم للإسلام ، وأنه يدخل غالبا في نطاق الكفر ، وستسمع وابلا من التهم المعلبة، وستلقى رفضا واستنكارا شرسا من طرفهم ، فهو منهج يداهن كل المذاهب ، فيقبل سخرية الملحد من المقدسات ونعت المؤمنين بالجهل، وقد ينتقي أحيانا بعضا من شبهاته (مع مراعاة ألا ينفضح طبعا) ليستعملها ضد من ينسب نفسه إليهم!

    وهذا التعصب في الرؤية ، وذلك الاستنكار الذي يبديه المتنور عندما ترد أفكاره للشرع وتحاكمها حسب ميزانه ، فهو إما راجع لجهله بهذا المنهح أصلا ، وهذا ما يكون غالبا عند عوام التيار التنويري ، فهو يشعر أنك قد أيقظت في داخله تلك التناقضات التي كان يتغاضاها ، وإما كذاب منافق ، رفض أن يتم كشفه .

    -------------------
    [1]- كتاب "أسلمة الإلحاد" لعبدالله الشتوي، تقريظ ، صفحة 6.
    [2]- الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الأدب المفرد، الصفحة أو الرقم: 371 |خلاصة حكم المحدث : صحيح
    [3]- رواه البخاري والترمذي وأحمد، وقال الألباني: حديث صحيح .
    [4]- سورة آل عمران، الآية 110.
    كتبه الفقير لرحمة الله : عبدالصمد.

مواضيع ذات صلة

تقليص

المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
أنشئ بواسطة عبد الصمد حدوش, 25 سبت, 2019, 06:15 م
ردود 0
55 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة عبد الصمد حدوش  
أنشئ بواسطة هشام المصرى, 15 يون, 2018, 11:09 ص
ردود 4
333 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة هشام المصرى
بواسطة هشام المصرى
 
أنشئ بواسطة هشام المصرى, 30 ماي, 2018, 02:40 ص
ردود 0
197 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة هشام المصرى
بواسطة هشام المصرى
 
أنشئ بواسطة هشام المصرى, 1 ماي, 2017, 11:33 م
ردود 0
293 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة هشام المصرى
بواسطة هشام المصرى
 
أنشئ بواسطة هشام المصرى, 19 مار, 2017, 02:44 ص
ردود 0
655 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة هشام المصرى
بواسطة هشام المصرى
 
يعمل...
X