العقل بين العلم و الغيب

تقليص

عن الكاتب

تقليص

د.أنس أبوهيام مسلم معرفة المزيد عن د.أنس أبوهيام
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العقل بين العلم و الغيب

    يقتضي مبدأ البساطة فيما يبدو..أن يفسر العلم الأشياء الطبيعية بلغة المادة وحدها..مالم يثبت أن مثل هذا النهج غير قابل للتطبيق..و في هذا السياق تبدو النظرة العلمية القديمة إلى العقل معقولة إلى حد بعيد..فهي تحتج بأن جميع الأشياء الطبيعية تنشأ في نهاية المطاف عن تفاعلات بين جسيمات تتكون منها هذه الأشياء..وهكذا فالماء سائل على نحو ما نعرفه لأن جزيئاته تتزلق بجانب بعضها بعضا بقليل من الإحتكاك..و المطاط متمغط لأن جزيئاته بحكم مرونتها تغير شكلها بسهولة..و الماس شديد الصلابة لأن ذرات الكربون الموجودة فيه متراصة بشدة على هيئة شعرية محكمة النسج..ولابد من أن الأمر نفسه ينطبق على العقل..
    يذكر عالم الأحياء " توماس هـ.هكسلي " وهو من علماء القرن التاسع عشر أن : " الأفكار التي أعبر عنها بالنطق..و أفكارك فيما يتعلق بها إنما هي عبارة عن تغيرات جزيئية " ..
    فخير طريقة للبحث في العقل من زاوية النظرة القديمة هي إظهار كيفية إنبثاق العقل من المادة..
    يتبع..

    التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 30 أبر, 2016, 10:26 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

  • #2
    رد: العقل بين العلم و الغيب

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    يا مرحبا بكم يا استاذنا الكريم

    تسجيل متابعة واهتمام ..
    شموس في العالم تتجلى = وأنهار التأمور تتمارى , فقلوب أصلد من حجر = وأنفاس تخنق بالمجرى , مجرى زمان يقبر في مهل = أرواح وحناجر ظمئى , وأفئدة تسامت فتجلت = كشموس تفانت وجلى

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا اله الا انت نستغفرك ونتوب اليك ،،، ولا اله الا انت سبحانك إنا جميعا كنا من الظالمين نستغفرك ونتوب إليك
    حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكيلُ
    ،،،
    يكشف عنا الكروب ،، يزيل عنا الخطوب ،، يغفر لنا الذنوب ،، يصلح لنا القلوب ،، يذهب عنا العيوب
    وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد
    وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد
    عدد ما خلق الله - وملئ ما خلق - وعدد ما في السماوات وما في الأرض وعدد ما احصى كتابه وملئ ما احصى كتابه - وعدد كل شيء وملئ كل شيء
    وعدد ما كان وعدد ما يكون - وعدد الحركات و السكون - وعدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته




    أحمد .. مسلم

    تعليق


    • #3
      رد: العقل بين العلم و الغيب

      ربنا يكرمك أخ محب المصطفى ..
      " متابعة موضوعي " ..
      إن إحدى النتائج التي تستتبعها النظرة العلمية القديمة أن العقل البشري لا يستطيع أن يختار بحرية لأن المادة لا تتصرف إلا بضرورة ميكانيكية..وهذا هو السبب في نزوع النظرة القديمة إلى تفسير تصرفات الإنسان بلغة الغريزة..و الفسيولوجيا " علم وظائف الأعضاء " ..و الكيمياء و الفيزياء..فلا مجال هناك لحرية الإختيار..و الواقع أنه لو أخذنا بالمذهب المادي بمفهومه الضيق فلا مناص من إنكار أي تأثير للعقل أو للإرادة في الدماغ..فالتغيرات المادية هي التي تسبب الأفكار لا العكس..و قد عبر " و . ك . كليفورد " أحد علماء الرياضيات في القرن التاسع عشر..في محاضرة له عن العلومعن هذه الفكرة بإيجاز بليغ : " إذا قال أحد إن الإرادة تؤثر في المادة فقوله ليس كاذبا فحسب..و إنما هو هراء " ..و يصف هكسلي العلاقة بين العقل و الجسد على هذا النحو : " يبدوا أن الوعي متصل بآليات الجسم كنتيجة ثانوية لعمل الجسم..لا أكثر..و أن ليس له أي قدرة كانت على تعديل عمل الجسم مثلما يلازم صفير البخار حركة القاطرة دونما تأثير على آليتها " ..
      و من المستلزمات الأخرى لتصور العقل وفقا للنظرة العلمية القديمة أن لا شيء في الإنسان يمكن أن يبقى بعد الموت..فإذا كان التفكير و الإرادة نشاطين من أنشطة الدماغ فليس هناك سبب يجعلنا نفترض أن هذين النشاطين يمكن أن يستمرا بعد فناء الدماغ..و إذا كان كل جزء من أجزاء الإنسان مادة فلا بد من أن يكون كل جزء منه عرضة للفناء..ففي النظرة العلمية القديمة لا خلود إلا للمادة..
      و على ذلك كان للنظرة العلمية القديمة برنامج واضح لتفسير العقل..و لكن ما من أحد في القرن التاسع عشر إستطاع أن يحدد بالضبط كيفية كيفية انبثاق العقل من المادة..و كان علماء الفسيولوجيا يتوقعون أن يأتي المستقبل بالجواب..و في عام 1868 كتب هكسلي يقول : " و هكذا سيوسع علم وظائف علم الأعظاء في المستقبل شيئا فشيئا من عالم المادة و قوانينها إلى أن يصبح مساويا في امتداده نطاق المعرفة و الشعور و العمل " ..قد تطلع الكثيرون إلى القرن العشرين لإنجاز هذا البرنامج المادي..
      يتبع ...إن شاء الله..

      التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 28 أبر, 2016, 09:38 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

      تعليق


      • #4
        رد: العقل بين العلم و الغيب

        جاء القرن العشرون بكشوف رائعة عن الفسيولوجيا و لكنها لم تكن بأي حال من النوع المتوقع..فالكشوف الجديدة لم تكمل النظرة القديمة..ولكنها قدمت نظرة جديدة بدأت بالسير تشارلز شرنغتون الذي يعتبر مؤسس فسيولوجيا الأعصاب الحديثة..و نتيجة بحوثه الرائدة في الجهاز العصبي و الدماغ خلص شرنغتون إلى ما يلي : " هكذا ظهر فرق بين الحياة و العقل ..فالحياة هي مسألة كيمياء و فيزياء..أما العقل فهو يستعصي على الفيزياء على الكيمياء و الفيزياء " ..
        يقصد شرنغتون بالحياة الإشارة إلى التغذية الذاتية..و استقلاب الخلايا " الأيض " و النمو..فهو يقول إن هذه الظواهر تتم بواسطة قوانين الفيزياء و الكيمياء و يمكن تفسيرها بلغة هذين العلمين..أما أنشطة العقل فهي تتجاوز آليات الفيزياء و الكيمياء..ويوافق على ذلك السير جون أكلس ..المتخصص في مبحث الأعصاب فيقول : " التجارب التي تتم عن الوعي تختلف في نوعها كل الإختلاف عما يحدث في آلية الأعصاب شرط ضروري للتجربة..و إن كان هذا شرطا غير كافي " ..
        فلنورد مثالا لتوضيح المراد من أقوال اكلس و شرنغتون..
        ماذا يحدث مثلا عندما يرى سقراط شجرة ؟؟؟
        تدخل أشعة الشمس المنعكسة من الشجرة في بؤبؤ عين سقراط..و تمر من خلال العدسة التي تركز صورة مقلوبة و مصغرة للشجرة على شبكية العين فتحدث فيها تغيرات فيزيائية و كيميائية..فهل هذا هو الإبصار ؟؟؟
        كلا!!! إذ لو كان سقراط فاقد الوعي لأمكن تركيز تلك الصورة على شبكية عينه..محدثة نفس التغيرات الفيزيائية و الكيميائية..و لكنه في هذه الحالة لا يبصر شيئا..و بالمثل تركز آلة التصوير على الصورة ما..فيتعرض الفيلم الموجود على الآلة لتغيرات فيزيائية و كيميائية..و لكن آلة التصوير لا تبصر بالمعنى الحرفي الألوان و الأشكال التي تسجلها..
        أما إذا أردنا أن نفسر إبصار سقراط فنحن بحاجة إلى أكثر من ذلك كثيرا..فالشبكية : و هي صفحة من المستقبلات شديدة التراص " عشرة ملايين مخلوط و مائة مليون قضيب " ..تبدأ حين ينشطها الضوء المنبعث من الشجرة ..بإرسال نبضات إلى العصب البصري الذي ينقلها بدوره إلى قشرة الدماغ البصرية..و كل شيء إلى الآن قابل لأن يفسر بلغة الفيزياء و الكيمياء..و لكن أين مكان اللون الأخضر من كل هذا ؟؟؟
        فالدماغ نفسه رمادي اللون أبيضه..فكيف يستطيع أن يتلقى لونا جديدا دون أن يفقد لونه السابق ؟؟؟
        وكيف يستطيع دماغ سقراط أن يبصر الضوء إذا كان دماغه مغلقا و معزولا تماما عن أي ضوء ؟؟؟
        ويكون الأمر معقولا لو أن سقراط حين وجه بصره نحو الشجرة لم يحس إلا بأزيز من الكهرباء في دماغه..و لكن النشاط الكهربائي و الكيماوي لدماغه الذي يمكنه من الإبصار بطريقة ما هو بالضبط ما لا يراه سقراط..و بدلا من ذلك فسقراط عندما ينظر يرى الألوان و الأشكال و الحركات و الضوء و كلها بأبعادها الثلاثة..بل من العسير أن تتخيل كيف يمكن لأي من هذه الأشياء أن ينشأ عن المواد الكيمياوية و الكهرباء ؟؟؟
        يؤكد اكلس على سر الإدراك الحسي فيتساءل : " أليس صحيحا أن أكثر تجاربنا شيوعا تقبل دون أي تقدير لما تنطوي عليه من غموض هائل ؟؟ ألسنا لا نزال كالأطفال في نظرتنا إلى ما نقبله من تجاربنا المتعلقة بالحياة الواعية..فلا نتريث إلا نادرا للتفكير في أعجوبة التجربة الواعية أو لتقديرها ؟
        فالبصر مثلا يعطينا في كل لحظة صورة ثلاثية الأبعاد لعالم خارجي..و يركب في هذه الصورة من سمات الإلتماع و التلون مالا وجود له إلا في الإبصار الناشئ عن نشاط الدماغ..و نحن بالطبع ندرك الآن النظائر المادية لهذه التجارب المتوطدة من الإدراك الحسي كحدة المصدر المشع و الطول الموجي للإشعاع المنبعث..و مع ذلك فعمليات الإدراك ذاتها تنشأ بطريقة مجهولة تماما عن المعلومات المنقولة بالرموز من شبكية إلى الدماغ " ..
        يتبع ...إن شاء الله..

        التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 28 أبر, 2016, 09:38 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

        تعليق


        • #5
          رد: العقل بين العلم و الغيب

          الصورة التي تسلط على الشبكية مثلا لا تعود أبدا إلى الظهور مجددا في الدماغ..بل لابد للعقل الواعي من أن يعيد تركيبها من أنماط النبضات المرموزة..فكل عملية إدراك حسي تتكون من ثلاث مراحل..المنبه الأصلي لعضو الحس..و النبضات العصبية المرسلة إلى الدماغ..و نمط النشاط العصبي المثار في الدماغ..و يلخص اكلس هذه العملية فيقول : " إن عملية النقل من عضو الحس إلى قشرة المخ تستخدم نمطا من النبضات العصبية معبرا عنها برموز مورس..و تنحصر فيها النقاط في تسلسلات زمنية شتى.. و من المؤكد أن هذا النقل المرموز يختلف تمام الإختلاف عن عملية الحفز الأصلي لعضو الحس المعني..كما أن النمط المكاني / الزماني للنشاط العصبي المثار في قشرة المخ مختلف هو الآخر كل الإختلاف " ..
          و عملية الترجمة المزدوجة هذه تضخم أعجوبة الإدراك الحسي..ذلك أن هذه السلسلة من الترجمات الفيزيائية / الكيميائية تسفر عن تجربة حسية محددة كإبصار " اللون الأخضر "..و في هذه النقلة ما يبعث على قدر من الذهول ليس أدق إثارة للعجب من حالة شخص يفهم فجأة نصا ترجم له من لغة يجهلها إلى لغة أخرى يجهلها كذلك..
          إذا فعالم الإحساس وفقا للنظرة العلمية الجديدة يتوقف على عالم الفيزياء و الكيمياء..و لكنه ليس مقصورا عليه..و قد تفيد مقارنة ما في إيضاح هذا الفارق الدقيق : فمن المؤكد أن وجود كتاب ما يتوقف على عناصر الورق و الصمغ و الحبر التي يتكون منها..ومن دونها لا يمكن أن يوجد الكتاب..و مع ذلك فالكتاب لا يفهم فهما كافيا بمجرد إجراء تحليل كيميائي للحبر ولألياف الورق..و حتى لو عرفنا طبيعة كل جزء من جزيئات الورق و الحبر معرفة كاملة فذلك لا يكشف لنا عن محتوى الكتاب..ذلك أن محتوى الكتاب يشكل نظاما أسمى يتجاوز عالم الفيزياء و الكيمياء..و بطريقة مماثلة تؤكد النظرة العلمية الجديدة أن أحاسيسنا تتوقف على أعضاء الجسم..ولكن لا يمكن حصرها في الخواص الفيزيائية و الكيميائية للمادة..
          ويتناول شرنغتون مثال البصر لإيضاح أن النظرة العلمية القديمة التي يسميها " مخطط الطاقة " لا تستطيع أن تعلل إحساسنا " بنجم نراه " ..فمخطط الطاقة يتناول هذاالإحساس ويصف مرور الإشعاع من النجم إلى العين..و الصورة الضوئية الصغيرة التي تتشكل له في قاع العين..وما يسفر عنه ذلك من النشاط الضوئي / الكيميائي في الشبكية..وسلسلة التفاعلات التي يحتمل أن تحدث إبتداء بالعصب وانتهاء بالدماغ..وكذلك التشويش الكهربائي في الدماغ..ولكنه لا يقول شيئا عن إبصارنا للنجم..فمخطط الطاقة لا يفسر إدراكنا أن للنجم سطوعا و اتجاها وبعدا..و لا كيفية تحول الصورة في قاع مقلة العين إلى نجم نراه فوق رؤوسنا ؟؟؟؟
          نجم لا يتحرك رغم أننا و أعيننا نتحرك نحمل الصورة معنا..وهذا المخطط لا يفسر كذلك أخيرا إدراكنا الأكيد أن الشيء المرئي هو نجم..ومخطط الطاقة يتناول النجم بالحث كواحد من الأشياء التي يمكننا مشاهدتها..ولكنه يسكت سكوتا تاما عن إدراك العقل له..وقد يقال عنه إنه يوصلنا إلى عتبة فعل الإدراك ليودعنا هناك..وهو فيما يبدو ينقلنا إلى صميم المكان و الزمان المرتبطين بالتجربة الذهنية..ولكنه لا يعطينا أي إشارة خفية أخرى..
          إذا!! فالنشاط الفيسيولوجي و الكيميائي للدماغ وفقا للنظرة العلمية الجديدة أمر ضروري للإحساس متزامن معه..و لكنه ليس الإحساس بعينه..و المادة وحدها لا تستطيع أن تفسر الإدراك الحسي..فالنظرة العلمية القديمة تستطيع أن تتحدث عن الموجات الضوئية و التغيرات الكيميائية و النبضات الكهربائية في الأعصاب..ونشاط خلايا المخ..أما عن عمليات الإبصار و الشم و الذوق و السمع و اللمس ذاتها فليس عند المادية ما تقوله..
          يتبع...إن شاء الله..

          التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 28 أبر, 2016, 09:39 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

          تعليق


          • #6
            رد: العقل بين العلم و الغيب

            إن الإدراك الحسي حقيقة..و لكنه ليس المادة..و لا هو من خواص المادة..و ليس في مقدور المادة أن تفسره..و من هنا يخلص شرنغتون إلى : " أن كون وجودنا مؤلفين من عنصرين جوهريين أمر ليس في تصوري أبعد احتمالا بطبيعته من اقتصاره على عنصر واحد " ..فالنظرة العلمية الجديدة تفترض وجود عنصرين جوهريين في الإنسان : الجسم و العقل..
            لقد تناولنا بالبحث حتى الآن مثالا واحدا وهو الإدراك الحسي..و لكن ماذا تقول النظرة العلمية الجديدة عن العقل البشري ؟؟؟
            قبل أن نطرق هذه المسألة يلزم أولا أن نميز بوضوح بين العقل وملكاتنا العقلية الأخرى..و سنفعل ذلك بإيجاز و بطريقة معقولة استنادا إلى ما نشترك فيه من تجارب داخلية..
            إن كلمة " إدراك " تعني " المعرفة أو الوعي " ..و بهذا المعنى فأي نشاط ينطوي على معرفة أو إدراك هو من أنشطة العقل المدرك..فالمسألة كلها تبدأ بالإدراك الحسي.. والحواس الخارجية هي الأساس الأول لكل المعارف الإنسانية و مصدرها..و من دون المعلومات الآتية من هذه الحواس لا يكون لدى الذاكرة شيء تتذكره..و لا للخيال أي شيء يتصوره..و لا للعقل أي شيء يفهمه..و كل حاسة من الحواس الخمس " البصر و الشم و السمع و الذوق و اللمس " تدرك صفة محددة من صفات الأشياء المادية..فحاسة البصر وحدها تدرك الألوان..و حاسة السمع الأصوات..و حاسة الشم الروائح..و حاسة الذوق الطعوم..و حاسة اللمس درجات الحرارة و الأنسجة و الضغوط..و بعض الصفات الأخرى كالحجم و الشكل يمكن إدراكها بأكثر من حاسة واحدة..فنحن نستطيع مثلا أن نعرف حجم قطعة نقدية عن طريق حاسة البصر أو حاسة اللمس ..و اللمس وحده بين الحواس الخارجية الخمس موزع على مختلف أجزاء الجسم..أما الحواس الأربع الأخرى فكل منها يقتصر على عضو متخصص : العين أو الأذن..أو الأنف أو اللسان..
            و إلى جانب الحواس الخارجية نجد تحت تصرفنا مجموعة كبيرة من ملكات الإحساس الداخلي..نأمل لحظة أننا نملك القدرة على الإحساس لا بالبياض و بحلاوة الطعم فحسب..بل على إدراك الفرق بينهما..فالعين تدرك البياض ولا تدرك الحلاوة..و اللسان يدرك الحلاوة ولا يدرك البياض..فلا اللسان ولا العين يستطيعان التمييز بين البياض و الحلاوة لأن أيا منهما لا يدرك الإثنين معا..و يصدق هذا القول نفسه على الفرق بين ارتفاع الصوت و ارتفاع الحرارة..ذلك لأن أي ملكة قادرة على مقارنة شيئين لابد لها من أن تعرفهما كليهما..وما من حاسة خارجية تستطيع أن تؤدي هذه المهمة..و تبعا لذلك..لابد من أن تكون فينا حاسة داخلية تستطيع أن تدرك جميع الصفات التي تدركها الحواس الخارجية و أن تميز بينها..
            و نحن كذلك نملك القدرة على أن نستدعي أمورا لم تعد حاضرة..فعملية التذكر شيء حاضر بالفعل..و لكن الشيء الذي نتذكره ليس كذلك..إذ إن إدراكنا الحسي الأصلي قد زال على نحو ما..و لكنه مع ذلك تحت تصرفنا..فالذاكرة لا تستحضر التجربة الماضية فحسب بل تستحضرها بوصفها حدثا ماضيا..و تستطيع ترتيبها زمنيا من حيث صلتها بتجارب أخرى ماضية..بل إن الأدعى إلى الدهشة هو قدرتنا على أن نجعل أنفسنا نتذكر الشيء المنسي..صحيح أن الذاكرة تخوننا أحيانا فلا نستطيع أن نتذكر إسم شخص ما و لكننا نستطيع في الغالب أن نحمل أنفسنا على تذكره بالتركيز على أمور أخرى مرتبطة بذلك الإسم..
            و الخيال ملكة حسية داخلية أخرى نستطيع بواسطتها أن نتصور لا الأشياء المدركة بالحواس الخارجية الخمس فحسب..بل الأشياء التي لا تدركها هذه الحواس كجبل من ذهب أو فيل بحجم البرغوث..فالخيال بخلاف الذاكرة يستخدم المعلومات الواردة من الحواس الخارجية الخمس بحرية و بطريقة إبداعية ..
            ثم إن قدرتنا على الإحساس بالعواطف كالحب و الغضب و الفرح و الخوف..و الأمل و الرغبة و الحزن..تربطنا بالعالم بطريقة أخرى مختلفة كذلك..فكل عاطفة تنشأ من فعل ملكة حسية ..سواء كانت حاسة خارجية كالخيال أو الذاكرة..فالغضب مثلا يثيره الإحساس بالضرر أو الإهانة..و الخوف يحركه تخيل وقوع شر يتهددنا في المستقبل..و الحزن يسببه الإحساس بألم حاضر أو تذكر ألم مضى زمانه..كذلك فمن طبيعة العاطفة أن يحس بها..بل إن العواطف تسمى أحيانا أحاسيس لوثاقة صلتها بحاسة اللمس ..ورغم ذلك ومع أن الأحاسيس تسبب و تلازم على الدوام كل عاطفة..فإن العواطف ذاتها ليست أفعالا تندرج تحت الإدراك الحسي..فالخوف لا يدل على مجرد الإحساس بشيء ما و إنما يدل على موقف أو رد فعل إزاء ذلك الشيء..و العاطفة ليست ععملية الإبصار ولكنها رد الفعل إزاء الشيء المبصر و الذي يجعلنا نميل إليه أو يدفعنا بعيدا عنه..
            و الحيوانات العليا تمارس معظم القدرات المذكورة حتى الآن..و لكن إذا كان الإنسان أكثر من مجرد حيوان فمن المحتوم أن تكون هناك قدرة خاصة تميزه من سائر الحيوانات الأخرى..و إن إلقاء نظرة على مراتب الأحياء كفيلة بأن تقودنا إلى اكتشاف تلك القدرة ..
            يتبع ...إن شاء الله...

            التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 28 أبر, 2016, 09:39 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

            تعليق


            • #7
              رد: العقل بين العلم و الغيب

              جزاكم الله خيراً أستاذنا الكريم

              تسجيل متابعة بإذن الله تعالى
              وَريحُ يوسفَ لا تَأتي نَسائمُها
              إِلا لِقلبٍ كانَ هواهُ يَعقوبا



              تعليق


              • #8
                رد: العقل بين العلم و الغيب

                بارك الله فيكم وأحسن إليكم ..

                تعليق


                • #9
                  رد: العقل بين العلم و الغيب

                  آمين ..وجزاكم الله بالمثل .. " قلب ينبض بحب الله " ..
                  وفيكم بارك و في أهلكم أستاذنا هشام ..
                  ---------
                  طيب..نحن نلاحظ أن النباتات تتحرك من خلال النمو..غير أنها لا تدري إلى أين تمضي؟؟؟
                  فالشجرة تمد جذورها إلى أعماق التربة..لا لأنها تدرك أن الماء و المواد المغذية موجودان هناك..و من جهة أخرى فالحيوانات تدرك بحواسها إلى أين تمضي ؟؟؟ ولكنها لا تدري لماذا ؟؟
                  فالعصفور مثلا بفضل قوته على الإبصار ينتقي المواد المناسبة لبناء عشه..غير أنه لا يبني هذا العش لأنه يدرك أن ذلك ضروري للتوالد..بل إن ردود فعل العصفور تثيرها حوافز معينة بطريقة آلية..فشمس الربيع الدافئة تجعل الغدد النخامية عند العصفور تفرز بعض الهرمونات التي تحرك نشاط بناء العش..و العصافير التي تحقن بهرمون الأستروجين الأنثوي تشرع في بناء الأعشاش في غير أوانها..
                  النباتات تحرك نفسها ولكنها لا تدري إلى أين تمضي ؟؟؟ و الحيوانات تدرك إلى أين تمضي ؟؟ ولكنها لا تعرف السبب..و لإكمال مراتب الأحياء لابد من وجود مخلوقات لا تعرف فقط إلى أين تمضي ؟؟
                  ولكن لماذا تمضي أيضا ؟؟
                  و نحن البشر نشكل هذه المخلوقات و الملكة التي تمكننا من فهم علل الأشياء تسمى العقل أو الفكر..و هي تسمى كذلك سلطان العقل " Power of Reason " ..لأننا بواسطتها نتعرف على علل الأشياء.. وما من قوة حسية تستطيع أن تؤدي هذه الوظيفة..فاللسان مثلا يدلنا على أن البحر مالح ولكن لا يفسر لنا علة ملوحته..
                  و العقل كذلك يمكننا من إدراك ماهية الأشياء ؟؟؟
                  وهو أمر لا تستطيع الحواس القيام به!! و لا ملكة الخيال ذاتها!!
                  فإذا حاولنا مثلا أن نتخيل ما هو الحيوان فالصورة التي ترتسم في أخيلتنا الحسية تختص بحيوان بعينه له صفات محددة من حيث الحجم و الشكل و اللون..و من المستحيل تكوين صورة حسية لما يشترك فيه جميع الحيوانات..و مع ذلك فليس من المستحيل على العقل أن يفهم ما هو الحيوان ؟؟
                  و المكان الذي يتحدث عنه أينشتاين لا يمكن تصوره..يقول عالم الفيزياء الفلكية وليم وفمان ما نصه : " من المستحيل عمليا أن نتصور متصل الزمان* و المكان الملتوي ذا الأبعاد الأربعة " ..
                  فالمكان الرباعي الأبعاد لا يستطيع أن يحس به أو يتخيله حتى علماء الفيزياء و الرياضيات..و لكن يمكن فهمه..و العقل ففي مجال العلوم يسمو على قيود الخيال وهو حاسة داخلية..فالعقل البشري إذا ليس متميزا من الخيال فحسب..بل هو قدرة إدراكية تفوقه بكثير..و العقل " لا الحواس " هو الذي يصنع العلم لأنه وحده يستطيع أن يستكشف ماهية الأشياء و عللها..
                  و العقل يطلق عليه أحيانا إسم الفهم " Understanding " وهي تسمية مناسبة لأن طبيعة الأشياء تكمن " Stands under " تحت صفاتها الظاهرية التي تفهمها الحواس..و الفهم يستطيع كذلك أن ينفذ إلى العلة التي يرتكز عليها الأثر الذي تدركه الحواس..ومن هنا فتسمية الفهم مشتقة من قدرة العقل على معرفة ماهية الأشياء وعللها..
                  * ملحوظة : المتصل الرباعي الأبعاد الناشئ وفقا لنظرية النسبية من اندماج الزمان بالأبعاد الثلاثة وهي : الطول و العرض و الإرتفاع..
                  يتبع ...إن شاء الله ..

                  التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 29 أبر, 2016, 09:56 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

                  تعليق


                  • #10
                    رد: العقل بين العلم و الغيب

                    هناك ملكة أخرى تفصلنا عن عالم الحيوان وهي الإرادة..و من اليسير التمييز بين الإرادة و العاطفة لأن الإثنين يمكن أن تتصادما..و الأعمال الجريئة تبرهن على أن الإرادة تفرض نفسها حتى على الخوف من الموت..فالعواطف تثيرها الحواس و لكن الإرادة تختار و فقا لما يراه العقل " reason " ..بل إننا كثيرا ما نقول إن فلانا من الناس قد تغلب على عاطفته لأنه كان عنده سبب وجيه للقيام بذلك..فالحيوان يتبع حكم الإحساس و العاطفة..و لكن الإنسان يتمتع بقدرة على الإختيار وفقا لما يفهمه عقله..
                    أما وقد رأينا ما يميز العقل البشري و الإرادة البشرية من ملكاتنا الأخرى ففي وسعنا الآن أن نعود إلى مسألة ما تقوله النظرة العلمية الجديدة بشأن العقل و الإرادة..وفيما يتعلق بالعلاقة القائمة بين العقل و الإرادة..
                    تم بعض أروع إكتشافات القرن العشرين خلال عمليات جراحية أجراها ويلدر بنفيلد على أدمغة ما يربو على ألف مريض في حالة الوعي..وملاحظات بنفيلد حول وظيفة الدماغ تفوق في حجيتها وكمالها جميع الأدلة السابقة غير المباشرة المستفادة من بحوث أجريت على حيوانات..ومن عمليات جراحية أجريت على أدمغة أشخاص مبنجين..وكان بنفيلد الذي يعود له الفضل الأول في إدماج مباحث الأعصاب و فسيولوجيا الأعصاب و جراحة الأعصاب..قد شرع في بحوثه الرائدة في الثلاثينات من القرن الماضي..غير أن الآثار الكاملة المترتبة على اكتشافاته لم تتضح إلا في عام 1975 حين نشر كتابه المسمى : " لغز العقل " .. " The Mystery of the Mind " ..
                    إن بعض أنواع الصرع قابل للعلاج عن طريق الجراحة..فبعد أن يبنج الجراح المريض تبنيجا عاما ويزيل بطريقة جراحية جزءا من جمجمته لتعريض الدماغ يعيده إلى وعيه..ونظرا لانعدام الإحساس في الدماغ نفسه يستطيع الجراحأن يستكشفه بواسطة الإلكترود " القطب الكهربائي "..وأن يحدد مستعينا بالمريض موقع الخلايا التي تسبب نوبات الصرع و أن يزيل هذه الخلايا..
                    و في عام 1933 إكتشف بنفيلد بمحض الصدفةأن تنبيه مناطق معينة في الدماغ بالكهرباء تنبيها خفيفا يحدث استرجاعا فجائيا للذاكرة عند المريض الواعي..لقد ساورت بنفيلد الشكوك أول الأمر..ثم أخذته الدهشة !! فعندما لامس الإلكترود قشرة مع شاب تذكر هذا الشاب أنه كان جالسا يشاهد لعبة " بيسبول " في مدينة صغيرة ويراقب ولدا صغيرا يزحف تحت السياج ليلحق بجمهور المتفرجين..وهناك حالة مريضة أخرى سمعت آلات موسيقية تعزف لحنا من الألحان..ويروي بنفيلد هذا الخبر فيقول : "أعدت تنبيه الموضع نفسه ثلاثين مرة محاولا تضليلها و أمليت كل استجابة عل كاتبة الإختزال..وكلما أعدت تنبيه الموضع كانت المريضة تسمع اللحن من جديد..وكان اللحن يبدأ في المكان نفسه ويستمر من اللازمة إلى مقطع الأغنية..وعندما دندنت مصاحبة الموسيقى كان إيقاعها يسير بالسرعة المتوقعة له "..
                    وكان المرضى يحسون دائما بالدهشة لتذكر الماضي بمثل هذه التفاصيل الحية ويفترضون على الفور أن الجراح هو المسؤول عن تنبيه الذاكرة التي هي وحدها التي أودعها في محفوظات دماغه..
                    وكان بنفيلد من وقت لآخر يحذر المريض أنه سينبه دماغه ولكنه لا يفعل ذلك..وفي مثل هذه الحالات لم يكن المريض يذكر أي ردود فعل إطلاقا..
                    يتبع..إن شاء الله..

                    التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 30 أبر, 2016, 10:22 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

                    تعليق


                    • #11
                      رد: العقل بين العلم و الغيب

                      موضوعك طيب للغاية دكتور أنس

                      فقط أرجو تقسيم الموضوع لفقرات ووضع مسافات بينها ، فهذا يجعل الموضوع جاذبًا لعين القارئ ومحفزًا له على قراءته .

                      {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}
                      ـــــــــــــــــــــــــ ــ

                      تعليق


                      • #12
                        رد: العقل بين العلم و الغيب

                        أشكرك أخت رحمة ..وهذا يرجع إلى تقصيري و نظرا للظروف الأسرية و الإجتماعية ..
                        -----------
                        على أي ..إن ملامسة المنطقة الخاصة بالنطق في الدماغ تؤدي إلى فقدان مؤقت للقدرة على الكلام " حبسة " عند المريض..و نظرا لانعدام الإحساس في الدماغ فالمريض لا يدرك أنه مصاب بالحبسة إلا عندما يحاول أن يتكلم أو يفهم الكلام فيعجز عن ذلك..و يروي بنفيلد ما حدث ذات مرة : " أخذ أحد مساعدي يعرض على المريض مجموعة من الصور على الجانب الآخر من الشاشة المعمقة..و كان في البداية المريض يسمي كل صورة باسمها الدقيق..و قبل أن تعرض على المريضصور فراشة و ضعت الإلكترود " القطب الكهربائي " حيث كنت أفترض وجود قشرة المخ الخاصة بالنطق..فظل المريض صامتا للحظات ثم طقطق بأصابعه كما لو كان غاضبا..ثم سحبت الإلكترود فتكلم في الحال..وقال : - الآن أقدر على الكلام..إنها فراشة لم أكن قادرا على النطق بكلمة فراشة فحاولت أن أنطق بكلمة عثة - " ..
                        لقد فهم الرجل بعقله الصورة المعروضة على الشاشة و طلب عقله من مركز الكلام في دماغه أن ينطق بالكلمة التي تقابل المفهوم الماثل في ذهنه..و هذا يعني أن آلية الكلام ليست متماثلة مع العقل..و إن كانت موجهة منه..فالكلمات هي أدوات التعبير عن الأفكار و لكنها ليست الأفكار ذاتها..و حين عجزالمريض عن التفوه بالكلمة لانسداد مركز الكلام عنده استغرب وأمر بالبحث عن اسم شيء مشابه هو " العثة " ..و عندما فشل ذلك أيضا طقطق بأصابعه غضبا " إذ إنهذا العمل الحركي لا يخضع لمركز الكلام " ..و أخيرا عندما انفتح مركز الكلام عند المريض شرح تجربته الكاملة..مستخدما كلمات تناسب أفكاره..و قد استنتج بنفيلد أن المريض : " حصل على كلمات من آليات الكلام عندما عرض عليها مفاهيم و نحن نستطيع الإستعاضة عن ضمير الغائب في عملية الإستبطان هذه بكلمة " عقل " ..فعمل العقل ليس عملا آليا " ..
                        وتوصل بنفيلد إلى نتائج مماثلة في مناطق الدماغ التي تضبط الحركات : " عندما جعلت أحد المرضى يحرك يده بوضع الإلكترود على القشرة الحركية في أحد نصفي كرة دماغه كنت أسأله مرارا عن ذلك و كان جوابه على الدوام : - أنا لم أحرك يدي و لكنك أنت الذي حركتها - ..و عندما أنطقته قال : - أنا لم أخرج هذا الصوت أنت سحبته مني - " ..
                        وهذه الحركات اللاإرادية تشبه إجفال ساق المريض استجابة لنقرة خفيفة بمطرقة الطبيب..وكلنا يدرك أن مثل هذه الحركات ليست أفعالا إرادية..ويلخص بنفيلد ذلك بقوله : " إن الإلكترود يمكن أن يخلق عند المريض أحاسيس بسيطة متنوعة كأن يجعله يدير رأسه أو عينيه أو يحرك أعضاءه..أو يخرج أصواتا أو يبلع..و قد يعيد إل الذاكرة إحساسا حيا بتجارب ماضية أو يوهمه أن التجربة الحاضرة هي تجربة مألوفة..أو أن الأشياء التي يراها تكبر و تدنو منه..و لكن المريض يظل بمعزل عن كل ذلك..وهو يصدر أحكاما عل كل هذه الأمور..وربما قال : - إن الأشياء تكبره لكنه لا يتحرك خوفا من أن يداس - ..و إذا حرك الإلكترود يده اليمنى فهو لا يقول : - أنا أردت أن أحركها - ..ولكنه يستطيع مع ذلك أن يمد يده اليسرى ويقاوم هذه الحركة " ..
                        ونتيجة مراقبة مئات المرضى بهذه الطريقة ينتهي بنفيلد إلى أن " عقل المريض " الذي يراقب الموقف بمثل هذه العزلة و الطريقة النقدية..لابد من أن يكون شيئا آخر كليا عن فعل الأعصاب اللاإراي..ومع أن مضمون الوعي يتوقف إلى حد كبير على النشاط العصبي..فالإدراك نفسه لا يتوقف على ذلك..
                        و باستخدام أساليب المراقبة هذه إستطاع بنفيلد أن يرسم خريطة كاملة تبين مناطق الدماغ المسؤولة عن النطق و الحركة وجميع الحواس الداخلية و الخارجية..غير أنه لم يكن في المستطاع تحديد موقع العقل أو الإرادة في أي جزء من الدماغ..فالدماغ هو مقر الإحساس و الذاكرة و العواطف و القدرةعلى الحركة..ولكنه فيما يبدو ليس مقر العقل أو الإرادة..
                        ويعلن بنفيلد أنه : " ما من عمل من الأعمال التي نعزوها إلى العقل قد أبتعه التنبيه بالإلكترود أو الإفراز الصرعي " ..ويضيف قائلا : " ليس في قشرة الدماغ أي مكان يستطيع التنبيه الكهربائي فيه أن يجعل المريض يعتقد أو يقرر شيئا " ..و الإلكترود يستطيع أن يثير الأحاسيس و الذكريات غير أنه لا يقدر أن يجعل المريض يصطنع القياس المنطقي..أو يحل مسائل في الجبر..بل إنه لا يستطيع أن يحدث في الذهن أبسط عناصر الفكر المنطقي..و الإلكترود يستطيع أن يجعل جسم المريض يتحرك..ولكنه لا يستطيع أن يجعله يريد تحريكه..إنه لا يستطيع أن يكره الإرادة..فواضح إذا أن العقل البشري و الإرادة البشرية ليس لهما أعضاء جسدية..
                        يتبع..إن شاء الله..

                        التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 30 أبر, 2016, 10:23 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

                        تعليق


                        • #13
                          رد: العقل بين العلم و الغيب

                          بناء على ما تقدم لا ترى النظرة العلمية الجديدة إستحالة في تأثير الإرادة في المادة..و يشرح اكلس ذلك فيقول : " تعلمت بالتجربة الثابتة أنني بالتفكير و الإرادة أستطيع أن أتحكم بأفعالي إذا شئت ذلك..و ليس في وسعي أن أفسر تفسيرا علميا كيف يستطيع التفكير أن يؤدي إلى الفعل..ولكن هذا العجز يأتي مصداقا لكون علوم الفيزياء و الفسيولوجيا في وضعها الراهن بدائية للغائية..و أعجز من أن تتصدى لهذهالمهمة العسيرة..و حين يؤدي التفكير إلى الفعل يجدني مضطرا كعالم متخصص في الأعصاب إلى افتراض أن تفكيري يغير بطريقة تستعصي على فهمي تماما أنماط النشاط العصبي التي تؤثر في دماغي..وهكذا يصبح التفكير يتحكم بشحنات النبضات الناشئة في الخلايا هرمية الشكل للقشرة الحركية في دماغي..كما يتحكم آخر الأمر بتقلصات عضلاتي و الأنماط السلوكية الناشئة منها " ..
                          فإذا كانت الإدارة البشرية غير مادية فليس مما ينافي العقل أن تتصرف بغير طرق المادة..أي بحرية إختيار ..و من ثم فالنظرة العلمية الجديدة لا ترى في الإعتراف باستقلال الإدارة فينا أي مجانبة للأسلوب العلمي..و يخلص اكلس من ذلك إلى أنه : " ليس هناك إذا أسباب علمية وجيهة لإنكار حرية الإدارة التي لابد من افتراض وجودها إذا أردنا أن نتصرف كباحثين علميين " ..
                          بل إن إنكار حرية الإدارة يجعل من العلم كله أمرا منافيا للعقل..فعلى العالم ألا يسأل : ما هو الصحيح ؟؟؟
                          بل : ما الذي نحن مهيأون لاعتقاده ؟؟؟
                          يقول الفيزيائي " كارل فون فايتزساكر " : " الحرية شرط من شروط التجربة..فأنا لا أستطيع أن أجري التجارب إلاحين يكون فيها فعلي و تفكيري محكومين بالظروف و الحوافز و العادات بل بحرية اختياري " ..
                          زد على ذلك أن النظرة العلمية الجديدة لا ترى في قدرة العقل على توجيه أنشطة الدماغ أمرا مستحيلا ..ويصف عالم الأعصاب " روجر سبري " الثورة الفكرية التي حدثت في علم النفس خلال السبعينات من القرن الماضي و التي أحدثت إنقلابا مثيرا في معالجة الوعي فيقول : " لقد قلبت المبادئ السلوكية التي سادت طوال نصف قرن ونيف..و أخذ علم النفس فجأة يعالج أحداثا ذاتية كالصور الذهنية و الأفكار الباطنية و الأحاسيس و المشاعر و الأفكار وما إليها بوصفها عوامل ذات دور سببي حقيقي في وظيفة الدماغ و في السلوك..و أصبحت مضامين الإستبطان و عالم التجارب الداخلية كلها مقبولة على نحو فجائي كعوامل تستطيع أن تؤثر في العمليات الفيزيائية و الكيميائية التي تتم في الدماغ..و لم تعد تعامل بوصفها جوانب منفعلة و غير سببية بل غير موجودة " ..
                          وينتهي سبري من ذلك إلى أن : " الخواص المخية العليا للعقل و الوعي هي التي تملك زمام الأمر..فهي تكتنف التفاصيل الفيزيائية / الكيميائية وتحملها و تيتمن عليها..وهي التي تحدد الحركات و تتحكم نزوليا بحركات النبضات العصبية..و نموذجنا الجديد أي المبدأ الذهني هو الذي يشغل العقل و الخواص الذهنية و يعطيها سبب وجودها و تطورها في نظام مادي " ..
                          إن المعرفة و القيادة تتطلبان قدرا من البعد..فلا يمكن أن يكون العقل ظاهرة ثانوية مصاحبة لآلية الأعصاب إذا أريد له أن يعاين و يوجه الكل..ويقول بنفيلد : " إن العقل لا الدماغ هو الذي يراقب ويوجه في آن معا " ..
                          فالعقل هو المسؤول عن الوحدة التي نحس بها في جميع أفكارنا و أفعالنا و أحاسيسنا و عواطفنا..ويضيف اكلس : " إن وسدة التجربة الواعية يتيحها العقل الواعي نفسه لا آلية الأعصاب " ..
                          يتبع..إن شاء الله..

                          التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 30 أبر, 2016, 10:23 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

                          تعليق


                          • #14
                            رد: العقل بين العلم و الغيب

                            لو كان الدماغ حاسبة إلكترونية بالغة التعقيد فلابد له إذا شأنه شأن الحاسبة من أن يوجه من قبل العقل..ويقول بنفيلد : " إن الحاسبة الإلكترونية - و الدماغ هو كذلك - لابد من أن تبرمجها و تديرها قوة قادرة على الفهم المستقل " ..و يحدد بنفيلد دور العقل هكذا : " إن ما تعلمنا أن نسميه العقل هو الذي يركز الإنتباه فيما يبدو..و العقل يعي ما يدور حوله..وهو الذي يستنبط ويتخذ قرارات جديدة..وهو الذي يفهم ويتصرف كما لو كانت له طاقة خاصة به..وهو يستطيع أن يتخذ القرارات وينفذها مستعينا بمختف آليات الدماغ " ..وهكذا فإن توقع العثور على العقل في أحد أجزاء الدماغ أو في الدماغ كله أشبه بتوقع كون المبرمج جزءا من الحاسبة الإلكترونية..
                            و بناء على الأدلة سالفة الذكر لا يرى بنفيلد أي أمل في النهج المادي للنظرة العلمية القديمة إزاء العقل فيعلن : " إن توقع قيام آلية الدماغ العليا أو أي مجموعة من ردود الفعل مهما بلغت من التعقيد بما يقوم به العقل..و بإبداء جميع وظائفه أمر محال تماما " ..
                            ويوافق عالم الأحياء أدولف بورتمان على ذلك فيقول : " ما من كمية من البحث عن النسق الفيزيائي أو الكيميائي يمكنها أبدا أن تقدم صورة كاملة للعمليات النفسية و الروحية و الفكرية " ..
                            كما أن بنفيلد لا يتوقع أن يقوم علم وظائف الأعضاء في المستقبل كما كانت تتوقع النظرة العلمية القديمة..بإظهار انبثاق العقل من المادة فيقول : " يبدو من المؤكد أن تفسير العقل على أساس النشاط العصبي داخل الدماغ سيظل أمرا مستحيلا كل الإستحالة " ..و لذلك فهو يرى أنه : " أقرب إلى المنطق أن نقول إن العقل ربما كان جوهرا متميزا و مختلفا عن الجسم " ..
                            و من دواعي السخرية أن بنفيلد بدأ أبحاثه بهدف إثبات العكس تماما فيقول : " طوال حياتي العلمية سعيت جاهدا كغيري من العلماء إلى إثبات أن الدماغ يفسر العقل " ..فهو قد بدأ مسلحا بجميع افتراضات النظرة العلمية القديمة غير أن الأدلة حملته آخر الأمر على الإقرار بأن العقل البشري و الإرادة البشرية حقيقتان غير ماديتان وهذا انهيار لأسس الإلحاد..ويعلن بنفيلد : " ياله من أمر مثير إذا!! أن نكتشف أن العالم يستطيع بدوره أن يؤمن عن حق بوجود الروح " ..
                            و إذا كان العقل و الإرادة غير ماديين فلاشك أن هاتين الملكتين على حد تعبير اكلس : " لا تخضعان بالموت للتحلل الذي يطرأ على الجسم و الدماغ كليهما " ..
                            يتبع..إن شاء الله..

                            التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 30 أبر, 2016, 10:24 م. سبب آخر: تكبير الخط ..

                            تعليق


                            • #15
                              رد: العقل بين العلم و الغيب

                              ----- إنتهى ----
                              هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..و السلام عليكم..
                              التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 30 أبر, 2016, 10:26 م. سبب آخر: تكبيير الخط ..

                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة Sid Ali, منذ يوم مضى
                              ردود 0
                              8 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Sid Ali
                              بواسطة Sid Ali
                               
                              أنشئ بواسطة أحمد., 15 ماي, 2019, 09:20 ص
                              ردود 10
                              57 مشاهدات
                              1 معجب
                              آخر مشاركة أحمد.
                              بواسطة أحمد.
                               
                              أنشئ بواسطة الشبح البغدادي, 22 يول, 2018, 09:17 م
                              ردود 0
                              38 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة الشبح البغدادي  
                              أنشئ بواسطة هشام المصرى, 16 مار, 2018, 04:28 ص
                              رد 1
                              299 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة هشام المصرى
                              بواسطة هشام المصرى
                               
                              أنشئ بواسطة هشام المصرى, 27 ديس, 2017, 06:34 م
                              ردود 7
                              646 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة هشام المصرى
                              بواسطة هشام المصرى
                               

                              Unconfigured Ad Widget

                              تقليص
                              يعمل...
                              X