جامع الردود على بعض مزاعم الملاحدة (سلسلة متجددة)

تقليص

عن الكاتب

تقليص

د/ربيع أحمد مسلم سلفي العقيدة معرفة المزيد عن د/ربيع أحمد
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #31
    الرد على زعم الملاحدة عدم وجود سبب للكون لأن الوجود الكلي واجب الوجود لذاته

    الرد على زعم الملاحدة عدم وجود سبب للكون لأن الوجود الكلي واجب الوجود لذاته










    إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .





    و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .





    أما بعد :







    فقد قال الملاحدة إن الوجود ككل واجب الوجود بذاته و لا يحتاج لأي وجود خارجه فالوجود الكلي هو مسبب الأسباب الذي لا سبب له ، إذ لكي يستقيم وجود سبب للوجود لابد و أن يكون خارجه ، ما يعني بأن ما وصفناه " كل " لم يكن كذلك .




    و الجواب أن الوجود الكلي عبارة عن مطلق كلي و المطلق الكلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان و إن اتفقت الموجودات في مسمى الوجود ، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان ، و الموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه ،و لكل شيء وجود يخصه أي أن الوجود أمر مطلق في الذهن لم يعين ولم يخصص، ويتحول هذا المطلق إلى الحقيقة إذا عين بآحاده، فنقول: الله سبحانه و تعالى موجود ، فكل ذلك يشمله لفظ الوجود، وهو يطلق على جميع معناه دون استثناء، وكذلك الوجود الكلي - أي: أن جميع آحاده تدخل فيه كل الموجودات .






    و توهمهم أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد و اسم الوجود قابل للتقسيم ، كما يقال : الموجود ينقسم إلى واجب و ممكن ، و قديم و حادث و مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ، و اللفظ المشترك لا ينقسم معناه و لا يجد خارج الذهن وهذا الوجود بإطلاقه لو تصور فيه الذهن اشتراكا لكان هذا فقط في الذهن أما خارج الذهن وفي الحقيقة والماهية فوجود واجب الوجوب يختلف بتاتا وقطعيا عن وجود سائر الأشياء .





    و مثل لفظ الوجود لفظ الإنسان من الألفاظ المطلقة و لا يوجد هذا اللفظ مطلقا إلا في الذهن أما خارجه فلا يوجد مسمى الإنسان إلا معينا و مقيدا مثلا خالد , محمد ، عمر , عثمان إلخ .




    و مثال آخر الحياة من الألفاظ المطلقة التي يتصورها الذهن ؛ ولكن في خارجه لا يوجد هذا اللفظ إلا مقيدا و معينا مع بيان اختصاص كل واحد بحقيقة حياته و ماهيتها فلو قلنا مثلا حياة الله وهذا لفظ مقيد دل على حقيقة هذه الحياة التي لايسبقها عدم ولا يلحقها زوال و لو قلنا حياة خالد أو فلان من الناس لعرف أن حياته تختص به التي يسيقها العدم ويلحقها زوال , وعند التحقيق لا يتصور الاشتراك بين حياة الخالق وحياة المخلوق إلا في الذهن و هو الاشتراك باللفظ فقط ؛ و أما خارج الذهن في الحقيقة فلا اشتراك بينهما .






    و أصل الخطأ والغلط : توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين ، وليس كذلك ، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كليا ، بل لا يوجد إلا معينا مختصا ، و هذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينا مختصا به ، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصا به . فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره ، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره ، فكيف بوجود الخالق ؟[1]





    و من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو مُحْدَث ممكن، يقبل الوجود والعدم ، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود و لا يلزم من اتفاقهما في مسمى «الوجود» أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا ، بل وجود هذا يخصّه و وجود هذا يخصه ، و اتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الاضافة و التقييد و التخصيص في غيره [2] .




    و إذا تصورنا شيئاً ، فإما أنْ يكون على وجه لا يقبل الوجود الخارجي عند العقل أو يقبله. و الأول هو ممتنع الوجود لذاته كاجتماع النقيضين و ارتفاعهما ، و اجتماع الضدين ، و وجود المعلول بلا علة


    و الثاني ، إما أنْ يستدعي من صميم ذاته ضرورة وجوده و لزوم تحققه في الخارج ، فهذا هو واجب الوجود لذاته و إما أَنْ يكون متساوي النسبة إلى الوجود و العدم فلا يستدعي أَحدهما أَبداً ، و لأجل ذلك قد يكون موجوداً و قد يكون معدوماً ، و هو ممكن الوجود لذاته ، كأفراد الإِنسان و غيره


    و هذا التقسيم ، دائر بين الإِيجاب و السلب و لا شق رابع له ، و لا يمكن أَنْ يُتصور معقول لا يكون داخلا تحت هذه الأَقسام الثلاثة و الكون كان غير موجود ثم وجد فالكون ممكن الوجود و ممكن الوجود يحتاج يستحيل أن يوجد إلا بواجب وجود يدفعه من العدم الى الوجود وبما أنه يستحيل أن يحدث الوجود من عدم وحده بلا موجد ، فلا بد من موجود من غير نوعه أوجده .








    هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات










    [1] - شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 57
    [2] - التدمرية ص 20م
    د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
    بعض كتاباتي على الألوكة
    بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

    تعليق


    • #32
      الرد على زعم الملاحدة بأن العدم خرافة و أن المادة يبقى جزء منها

      الرد على زعم الملاحدة بأن العدم خرافة و أن المادة يبقى جزء منها




      إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


      و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين


      أما بعد :



      فقد قال الملاحدة مفهوم الفراغ في العلم ليس هو ذلك العدم المطلق الذي يرمي إليه الفكر الديني , و الأهم من ذلك هو أنه مهما حاولنا إفراغ حيز ما من المادة فيجب أن يبقى هناك مقدار ما من المادة فلا يوجد عدم مطلق أو فراغ تام أو طاقة صفرية بل يوجد قدر ضئيل من الطاقة ،و كل ما يمكن الحصول عليه هو حيز من المكان المليء بالجسيمات الافتراضية و التي تعيش على طاقة مقترضة .. وذلك بحيث يمتلك هذا الحيز المكاني مقدار بغاية الضآلة من الطاقة , يدعى هذا المستوى الطاقي بطاقة نقطة الصفر و يدعى الحيز المليء بهذه الجسيمات بالفراغ الكمي .


      و معنى كلام الملاحدة : أنهم يشنعون على المسلمين أنهم يقولون بأن الله خلق الكون من عدم – وقصد المسلمين أن الله خلق الكون بعد أن لم يكن – فيقول الملاحدة لا يوجد عدم و العدم خرافة يعني أنتم يا مسلمون إذا قلتم قد خلق الله الكون من العدم فأنتم مخرفون لأنه لا يوجد عدم أي توهم الملاحدة أن العدم يخضع للتجارب و أن التجارب أثبتت عدم وجود العدم مع أن العدم شيء في الأذهان لا في الواقع و السر في كتابتي هذا المقال انخداع كثير من المسلمين ووقوعهم في الإلحاد بسبب هذه الشبهات




      و الجواب أن غاية كلامكم أن عدم وجود كتلة و طاقة ، لا يعني العدم المطلق لوجود جسيمات أو موجات افتراضية أي أن العدم المطلق هو لا وجود لأي كتلة أو أي طاقة أو أي جسيمات أي موجات ، وهذا غير ممكن في عالم الأعيان ، فهناك تراوحات كمومية بشكل دائم إذ العدم المطلق ليس من عالم الأعيان بل يوجد في الأذهان لا في الأعيان و ما يوجد في عالم الأذهان لا يخضع للتجارب .


      و هذا الكلام لا يناقض كلام المؤمنين عن العدم أنه لا شيء فالمؤمن بالله لا يتكلم عن عدم في الوجود ، أو عدم من الوجود بل يتكلم عن عدم الوجود فلا مجال لتَّكلم عن العدم كالتكلم عن الوجود ، فالوجود يخضع للتجارب ، أمَّا العدم ؛ فلا يخضع للتجارب ؛ لأنَّ العدم ليس بشيء متَّصِف بالوجود ؛ وتفريغهم للطاقة تفريغ لشيء موجود في الوجود و العدم ليس بشيء حتى يفرغ وبهذا فلا مجال للقول بعدم وجود عدم أو أن العدم خرافة و المادة المتبقية من المادة مادة متبقية في الوجود و ليس في العدم أي ليست المادة متبقية في اللاشيء و كان قبل الوجود لاشيء من المادة .



      هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
      د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
      بعض كتاباتي على الألوكة
      بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

      تعليق


      • #33
        الرد على قول الملاحدة كيف تأتي العدالة الإلهية بعد أن يبلغ الظلم مداه ؟

        الرد على قول الملاحدة كيف تأتي العدالة الإلهية بعد أن يبلغ الظلم مداه ؟





        إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


        و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين


        أما بعد :



        فيقول الملاحدة هداهم الله :كيف تأتي العدالة الإلهية بعد أن يبلغ الظلم مداه ، و العدالة البطيئة ظلم و الإسلام بهذا يخدر الناس عن عذاباتهم الحاضرة بحلم الجنة في الآخرة .

        و الجواب أن الله هو الخالق و الخالق يفعل في خلقه ما يشاء و لا يصح أن نقول لما لم يفعل الله كذا فالله عز وجل ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾[1] و الخلق خلقه و الكون ملكه وَ بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَلَا شريك مَعَه فِي ملكه فلا يعترض أحد عليه بتصرفه في ملكه ، و قال تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[2] ,و قال تعالى : ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾[3] .

        و الله قد أمر بالعدل و نهى عن الظلم قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون ﴾[4] و قال تعالى : ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾[5] ،و قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾[6] و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم »[7] .


        و الله قد أمر الناس أن يرفضوا الظلم الناشئ من تحكيم شرائع غير شريعة الله ، وأمرهم أن يجاهدوا لتغيير المنكر . وأما الذين يحتجون بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض وأنهم رضوا من أجل ذلك بالظلم فيسميهم الله " ظالمي أنفسهم " ويقول فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾[8] فكيف يقال أنه يخدر الناس عن عذاباتهم الحاضرة بحلم الجنة في الآخرة ؟!! .

        و الله يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لردع النفوس الضعيفة عن التهاون في الواجبات و ارتكاب المحرماتقال تعالى : ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[9] فكيف يقال أنه يخدر الناس عن عذاباتهم الحاضرة بحلم الجنة في الآخرة ؟!

        و بالنسبة لوقوع الظلم في العالم فالله ليس غافلا عن الظلم الواقع في العالم و هذا الظلم قد يجزي الله من فعله في الآخرة كما في قوله تعالى : ﴿ و َلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ﴾[10] ، و الحياة الدنيا ليست هى نهاية المطاف فهناك يوما القيامة يجمع الله فيه الناس ويعطى كل ذى حق حقه .

        و قد يجزي الله الظالم في الدنيا كما في قوله تعالى : ﴿ وَ كَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾[11] أي فأمهلت أهل القرية الظالمة ولم أعاجلهم بالعقوبة فاغتروا، ثم أخَذْتُهم بعذابي في الدنيا، وإليَّ مرجعهم بعد هلاكهم ، فأعذبهم بما يستحقون و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته »[12] و لذلك تعميم القول بأن الله يؤخر عذاب جميع الظالمين إلى يوم القيامة و لا يجزيهم في الدنيا قول غير صحيح .

        و بالنسبة للفساد و الظلم الواقع في العالم فهو بسبب ظلم الناس بعضهم بعضا ، و ظلمهم أنفسهم و بعدهم عن طاعة الله قال تعالى : ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾[13] أي ظهر الفساد فى العالم بالحروب والغارات، والجيوش والطائرات، والسفن الحربية والغواصات، بما كسبت أيدى الناس من الظلم وكثره المطامع، وانتهاك الحرمات، وعدم مراقبة الخلاق ، و طرح الأديان وراء ظهورهم ، و نسيان يوم الحساب ، و أطلقت النفوس من عقالها، وعاثت فى الأرض فسادا، إذ لا رقيب من وازع نفسى، ولا حسيب من دين يدفع عاديتها، ويمنع أذاها، فأذاقهم الله جزاء بعض ما عملوا من المعاصي والآثام ، لعلهم يرجعون عن غيهم، ويثوبون إلى رشدهم ، و يتذكرون أن هناك يوما يحاسب الناس فيه على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، و إن شرا فشر ، فيخيّم العدل على المجتمع البشرى ، ويشفق القوىّ على الضعيف، ويكون الناس سواسية فى المرافق العامة، وحاج المجتمع بقدر الطاقة البشرية[14] .


        و قال السعدي في قوله تعالى : ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾[15] أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها[16] .

        و قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾[17] أي وما كان ربك -أيها الرسول- ليهلك قرية من القرى وأهلها مصلحون في الأرض, مجتنبون للفساد والظلم, وإنما يهلكهم بسبب ظلمهم وفسادهم[18] .


        هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات




        [1] - الأنبياء الآية 23
        [2] - آل عمران الآية 26
        [3] - الأعراف من الآية 54
        [4] - النحل الآية 90
        [5] - غافر من الآية 18
        [6] - الأنعام الآية 21
        [7] - رواه مسلم
        [8] - النساء الآية 97
        [9] - ال عمران الآية 104
        [10] - إبراهيم الآية 42
        [11] - الحج الآية 48
        [12] - متفق عليه
        [13] - الروم الآية 41
        [14] - تفسير المراغي 21/55
        [15] - الروم الآية 41
        [16] - تفسير السعدي ص 643
        [17] - هود الآية 117
        [18] - التفسير الميسر
        التعديل الأخير تم بواسطة محب المصطفى; الساعة 29 سبت, 2012, 09:50 م. سبب آخر: تكبير الخط
        د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
        بعض كتاباتي على الألوكة
        بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

        تعليق


        • #34
          الرد على قول الملاحدة الله غير موجود لأنه لم ينتقم ممن يسبه

          الرد على زعم الملاحدة أن الله غير موجود لأنه لم ينتقم ممن يسبه





          إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

          و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

          أما بعد :



          فيقول الملاحدة أن الله لم يستطع أن يوقف الشاعر حلمي سالم عن كتابة ونشر تلك القصيدة التيتسيء إلى ذاته الإلهية، رغم أنه قد أرسل خمسة آلاف من الملائكة المسومين لنصرةالمسلمين، ولا يستطيع أن يرسل ملاكاً واحداً ليمنع هذا الشاعر من الإساءة إلية، أوحتى أن يقول له: لا تكتب هذه القصيدة، فلا يكتبها. وكل هذا الضعف لأنه غيرموجود فلو كان موجودا لما لم ينتقم ممن يسبه .


          و الجواب عن سوء الأدب هذا أن عدم الانتقام و عدم الرد لا يستلزم عدم الوجود فما العلاقة بين عدم الرد و عدم الانتقام و بين الوجود ؟!!


          و ليس انتقام الله ممن يسبه بسبب لحوق الضرر به سبحانه فلا أحد يستطيع أن يضر الله و لا أحد يقدر أن ينفع الله .

          و من يريد الانتقام من شخص قد يؤخر انتقامه منه لأسباب عنده و من يريد الرد على شخص قد يؤخر رده لأسباب عنده فتأخير الانتقام و تأخير الرد ليس دليلا على عدم الانتقام فضلا عن عدم الوجود .

          و الله عز وجل يسمع من يسيء إليه و يَعلم أفعاله وتعديه ، و لكنه يمهله إلى أجل و إلى حين تنزل به العقوبة، فعند ذلك ينتقم منه فالله يمهل المتعدي الظالم إلى وقت و لا يهمله قال تعالى : ﴿ و َرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً [1] .


          والإملاء للظالم الكافر ليس إهمالاً له من المولى تعالى، بلَ هو إمهال فقط، ثم يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر في الدنيا أو الآخرة قال تعالى : ﴿ و َلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [2] .


          و تأخير عقوبة الله للمسيء إليه مع إنعامه عليه ليزداد معصية إلى معصيته وشرا على شره قال تعالى : ﴿ و َلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [3].


          و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا ، و إذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة»[4] و في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن علامة إرادة الله الخيرَ بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا حتى يخرج منها و ليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة ؛ لأن من حوسب بعمله عاجلاً خفّ حسابه في الآجل ، و من علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنوبه في الدنيا حتى يجيء يوم القيامة مستوفر الذنوب وافيها ، فيجازى بما يستحقه يوم القيامة .


          هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات





          [1]- الكهف الآية 58
          [2]- إبراهيم الآية 42
          [3]- ال عمران الآية 17
          [4]- رواه الترمذي برقم في سننه رقم 2398
          التعديل الأخير تم بواسطة محب المصطفى; الساعة 29 سبت, 2012, 09:50 م. سبب آخر: تكبير الخط
          د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
          بعض كتاباتي على الألوكة
          بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

          تعليق


          • #35
            الرد على سؤال الملاحدة من قال أن الكون منظم و دقيق ؟

            الرد على سؤال الملاحدة من قال أن الكون منظم و دقيق ؟







            إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

            و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين

            أما بعد :

            فالملاحدة هداهم الله ينكرون أن الكون منظم و يقولون هل لدينا كون آخر يمكن مقارنته بهذا الكون حتى يمكننا تحديد مدى لدقته و نظامه مقارنةً بغيره ، إن النجوم تنفجر إنفجارات هائلة تنسف كل ما يجاورها مشكلة مجموعات تشبه مجموعتنا الشمسية و المجرات تتصادم في فوضى عارمة و ثمة ثقوب سوداء تلتهم كل شيء حتى الضوء ، بينما الشهب والنيازك والبراكين والزلازل لا تعبأ بأي نظام في خضم كون مترامي الأطراف بشكل تبذيري مذهل وهو مليء بالجماد والحياة العاقلة فيه استثناء إلى حد يشكك أن هناك أي تعمد في نشأتها .

            و الجواب يحاول الملاحدة إنكار النظام الدقيق للكون خاصة كلامهم عن تصادم المجرات فى فوضى عارمة و كيف يكون الكون مستمرا و متماسكا حتى الآن و المجرات تتصادم فى فوضى عارمة ؟!!


            و لا يشترط في القول بأن الكون منتظما وجود كون آخر يقارن بكوننا ، فوصف أي شيء بصفة لا يستلزم وجود مماثل له لكي يوصف و الشيء يوصف عن طريق رؤيته بالبصر أو الاحساس به عن طريق الحواس الأخرى أو رؤية الشبيه بالبصر أو الاحساس بالشبيه عن طريق الحواس الأخرى .

            و لعل الملاحدة خلطوا بين وصف الشيء و مقارنة الشيء بغيره فالمقارنة تحتاج وجود شيء آخر يقارن بالشيء مثل فلان جميل هذا وصف و عند مقارنة فلان بغيره تقول فلان أجمل من فلان و هذا الشيء منظم و هذا الشيء أكثر نظاما من هذا الشيء .


            و علماء الفلك و الفيزياء يبدون إنبهارهم بأسرار الكون و يضعون القوانين و النظريات ، و لو لم يكن الكون منتظما ، و لو كانت الفوضى في الكون هي الشائعة لما استطاع العلماء وضع قوانين لهذا الكون و شرح الظواهر الكونية و تفسيرها على ضوء قوانين الكون .

            و هذه الظواهر التي يدعون أنها فوضوية لا تلغي وجود نظام في الكون فكم يوجد في الكون من أشياء منظمة منسقة حتى أبهرت علماء الفيزياء و الأحياء و الكيمياء و الفلك و الجولوجيا و غيرهم .


            و الفوضى تستلزم عدم وجود أنظمة و قوانين تحكم هذه الظواهر الفوضوية و إمكان استنتاج قوانين عامة تحكم هذه الأمور يدل على انتظامها و ليس على عدم انتظامها ، و لا يوجد شيء في الكون في الغالب لا يخضع لقوانين ،و ما لم يتم معرفة قوانينه فهذا لقصور العلم في الوقت الحالي و مع مرور الزمن سيكشف لنا العلم وجود نظام لهذه الظواهر .



            و ما دامت الفوضى تخضع لقوانين فليست فوضى ، و لكن نظام مرتب لم يتم الكشف عن ماهيته الحقيقية ، و هل وجود ظواهر فوضوية في الكون كما يدعون ينفى وجود موجد لها ؟!!

            و كيف تكون هناك فوضى في الكون و الطبيعة بها آلاف المناظر الخلابة التي تجذب الأنظار من مناظر بحار و أسماك و أنهار و حيوانات و أشجار وجبال و أزهار و تلال غاية في الروعة والجمال ؟!! و الجمال دليل على النظام و الاتساق و الفوضى لا تجعل القبيح حسنا .


            و دليل النظام دليل و دليل الإيجاد و الحدوث دليل آخر فدليل النظام يدل على وجود منظم ، و دليل الإيجاد يدل على وجود موجد .


            و بالنسبة لكبر الكون و اتساعه فهذا لحكم كثيرة منها :
            أن الله خلق كل هذا الكون ليظهر به قدرته و عظمته للخلق فعظمة الخلق دليل على عظمة الخالق .

            ومنها أيضا أن من أدرك عظمة الخالق من خلال آياته و مخلوقاته و عجيب صنعه ، سارع في عبادته وطاعته .

            و منها أيضا أن كثرة الخلق تزيد من كثرة تسبيح الخالق و تدل على الخالق فكل شيء في الكون يدل على الله سبحانه و تعالى ويسبح بحمد الله و يعلن خضوعه لله قال تعالى : ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
            [1] .

            و منها أيضا أن كثرة الخلق مع اتساق و تكامل الخلق يدل على وحدانية الخالق فقد خلق الله تحت السموات خلقاً كثيراً منها أعداد كبيرة من مخلوقات عظيمة الحجم والشأن يطلق عليه (المجرات) و كل مجرّة تتكون من عدد كبير من النجوم والكواكب والأجرام ، بعض المجرَّات تضم كواكب و شموس وأراضين الواحد منه حجمه مرات عديدة حجم الكرة الأرضية و خلق الله الشموس والأراضين والمجرات العظيمة الحجم . و بجانب هذه المخلوقات العظيمة خلق الله سبحانه مخلوقات دقيقة الحجم لا ترى بالعين المجردة بل تحتاج إلى مكبر قوي كي ترى بوساطته، فهو يكبرها عشرات ومئات المرات حتى يمكن أن تدركها العين و يتحكم في تنظيم هذه المخلوقات الدقيقة سنن وقوانين بنفس المنطق الذي تسير به الأجرام والمجرات و اتساق كل هذه المخلوقات لدليل ساطع على وحدانية الخالق سبحانه .


            هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات





            [1]- الإسراء من الآية 44
            د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
            بعض كتاباتي على الألوكة
            بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

            تعليق


            • #36
              الرد على زعم الملاحدة الكون لم يكن بحاجة إلى إله يشعل فتيل ما لخلقه

              الرد على زعم الملاحدة الكون لم يكن بحاجة إلى إله يشعل فتيل ما لخلقه





              إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


              و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .


              أما بعد :





              فقد زعم الملاحدة أن الكون لم يكن بحاجة إلى إله يشعل فتيل ما لخلقه فنشأة الكون لم تكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء و هذا كلام غير صحيح إذ العلم يجيب لنا عما يحدث ، و ليس له أن يجيب : لماذا يحدث ؟؟!!


              و العلماء يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمل الكون بها، هم يكشفون لنا كيف تعمل القوانين في الأشياء ، ونحن نريد إجابة عن موجد الكون و موجد القوانين التي تحكمه[1] .


              و من الذي فرض هذه القوانين على المادة ؟


              إن قالوا الذي سن هذه القوانين التى تغير المادة إما أن تكون المادة نفسها أو شىء آخر خارج عنها فالجواب إن قلتم المادة نفسها فمقتضى قولهم أن المادة تحرك نفسها بنفسها و لا يمكن أن يكون الشيء بعينه محركاً لنفسه، وإلا لزم وجوده قبل نفسه، و هذا محال ، و إن كانت القوانين غير المادة فقد أثبتوا شيئا آخر غير المادة و هو ينقض افتراضهم الأول أن المادة هى كل شىء و تصوير القوانين على أنها محرك يعتبر تصوير فاسد لأن القوانين هى مجرد وصف سلوك شبه دائم للمادة يفرض عليها من خارجها ونحن نكتشف ذلك باستقراء أحوال المادة .


              و هل قوانيين الفيزياء تستطيع صنع قصر بلا بان ؟!

              و لو أن الرّمال في أحد الصحراء كشفت إثر عواصف هبت على المنطقة عن بقايا مدينة كانت مطموسة في الرمال، لأخذ العلماء يبحثون عن محتوياتها ويحاولون أن يحققوا العصر الذي بنيت فيه، و لا يتبادر إلى ذهن شخص واحد من علماء الآثار أو من غيرهم أن هذه المدينة وجدت بفعل العوامل الطبيعية من الرياح والأمطار والحرارة والبرودة و بفعل قوانين الفيزياء لا بفعل الإنسان ، ولو قال بذلك واحد من الناس لعده الناس مخرّفاً ، فكيف لو قال شخص ما : إنّ هذه المدينة تكونت في الهواء من لا شيء في الأزمنة البعيدة ، ثم رست على الأرض بفعل قوانين الفيزياء الحتمية ؟


              و قد سئل أعرابي بم عرفت ربك ؟ فقال : الأثر يدل على المسير، و البعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج ، و أرض ذات فجاج ، و بحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟


              و مما يروى في هذا الصدد أن أحد الملوك شكك في وجود الخالق عز وجل ، و لما أحس وزيـره بذلك أمر ببناء قصر فخم تحيطه الأنهار و البساتين ، ولما تم بناؤه ، اصطحب الملك معه فيجولة ترفيهيـة ، وجعل طريقه على ذلك القصـر ، وتوقف عنده ، فأعجـب الملك بالقصركثيراً ، فسأل عن بانيه و مهندسه فأجابه الوزير : بأن ليس لهذا القصر من مهندس و لابان ، و إنما وجد لوحده هكذا ، فغضـب الملك من جوابه هذا قائلاً : (( أتستهزأ بي ؟ )) فأجابه الوزير : إذا كان لا يمكن أن يوجد هذا القصـر وحده بدون مهندس ولا بان ،فكيف يمكن أن يكون هذا الكون العظيم المترامي الأطراف وجد وحده بدون مهندس وبان؟!!

              و في يوم من الأيام حضر رجل لا يؤمن بوجود الله تعالى إلى أحد الخلفاء ، و قال له في ثقة : " إنني لا أجد أحداً يقنعني بوجود إله وأتحدى أكبر عالم عندكم وإني واثق من النصر عليه "
              فسكت الخليفة قليلاً ، و قال في نفسه : " إن أمرتُ بقتله فسوف يقول الناس أنني لم أستطع مواجهته بالدليل ، ثم نادى وزيره ليستدعي له الإمام النعمان أبو حنيفة " فلما جاءهم طلب منه الخليفة إقناع هذا الرجل بوجود الله تعالى .
              قال له الإمام أبو حنيفة : " سوف أثبت له ذلك و لكني أستأذنك لكي أنهي أمراً ضرورياً في القرية المجاورة ، ثم أعود سريعاً ، فأذن له الخليفة ، و لكنه تأخر كثيراً ، فأحس الرجل بالغرور والكبر
              و قال للخليفة : "إئذن لي بالانصراف ، فقد هرب أبو حنيفة لأنه عاجز عن إقناعي "
              و لكن أبو حنيفة ما لبث أن عاد ، و اعتذر عن التأخير ، ثم أخبرهم أنه وجد في طريقه نهراً ، و لم يجد قارباً ، فجلس ينتظر حضور قارب ، و طال انتظاره ، ثم فجأة رأى أبو حنيفة أمراً عجيباً..رأى أخشاباً تتجمع و مسامير تقف فوق الخشب و ظهرت مطرقة و أخذت تدق على المسامير، حتى رأى أمامه قارباً متقن الصنع ، فركبه و حضر .
              فأخذ الرجل يضحك و قال :" إن هذا الكلام لا يقوله إلا مجنون، ولا يصدقه أحد، فكيف تطير المسامير و الألواح في الهواء ، و تتجمع على الماء ويتكون منها قارب دون أن يصنعه أحد ؟! "
              و هنا تبسم أبو حنيفة وقال:" إذا كان وجود قارب صغير بدون صانع لا يصدقه عقل ، فهل يصدق العقل أن هذا الكون بكل ما فيه من أرض وسماء وشمس وقمر قد وُجد بنفسه دون أن يخلقه خالق ؟!!!"
              فبهت الرجل ثم قال : " صدقت ، فلابد أن يكون لهذا الكون من خالق هو الذي خلقه و نظمه ، هو الله .

              و إذا كان العقل يحيل صنع كرسي بلا صانع و صنع باب بلا نجار فكيف بهذا الكون الشاسع ؟

              و إذا كان العقل يحيل تكوّن قصر بدون عمال و بدون بانٍ فكيف بهذا الكون الشاسع ؟

              و ليس مسألة الاعتقاد بوجود الله و أنه مسبب الأسباب مسألة أصابع تمتدّ من وراء الغيب ، فتقطر الماء في الفضاء تقطيراً ، أو تحجب الشمس عنّا ، أو تحول بيننا وبين القمر ، فيوجد بذلك المطر والكسوف والخسوف ، فإذا كشف العلم عن أسباب المطر وعوامل التبخير فيه ، وإذا كشف عن سبب الكسوف ، و الخسوف يخيّل لهؤلاء الملاحدة أنّ الإيمان بوجود الله لم يبقَ له موضوع ، وأنّ الأصابع الغيبية التي تحجب الشمس أو القمر عنّا ، عوَّض عنها العلم بالتعليلات الطبيعية ، وليس هذا إلاّ لسوء فهم الإيمان بالله ، وعدم تمييز لموضع السبب الإلهي من سلسلة الأسباب .


              و الاعتقاد بوجود الله و أنه مسبب الأسباب لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية ، أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح ، وإنّما هو اعتقاد بأن الله هو المسبب لهذه الأسباب الطبيعية ، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة و فوق الكون و حتى لو سلمنا جدلا أن العلم وصل إلى معرفة كل الأسباب الطبيعية فهذا لا ينفي وجود الخالق بل هذه الأسباب الطبيعية دالة على موجد لها فكل سبب له مسبب ، و الله عز و جل مسبب هذه الأسباب الطبيعية .


              هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات



              [1]- العقيدة في الله ص 81
              د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
              بعض كتاباتي على الألوكة
              بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

              تعليق


              • #37
                الرد على زعم الملاحدة لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس آلهة شتى

                الرد على زعم الملاحدة لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس آلهة شتى






                إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


                و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

                أما بعد :
                فيزعم الملاحدة أن لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس آلهة شتى .


                والجواب : أن الإنسان إذا لم يهتد إلى الله تعالى فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين ، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثا ليسد به جوعته .

                و الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكنّ الإنسان تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق مثل ما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء ، وما يلقيه الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة يبدّل هذه الفطرة ويقذرها ، ويلقي عليها غشاوة ، فلا تتجه إلى الحقيقة .

                و رغم أن الناس مفطرون على الإيمان بخالق مدبر إلا أن الفطرة قابلة للتغير و الانحراف بفعل مؤثرات خارجية ، وهذا الانحراف كان هو السبب في وجود الوثنيات والشرك في الأمم السابقة ، وهو أيضا سبب الشرك و الضلال في زمننا الحاضر .
                و هذه المؤثرات هي :
                أولا : الشياطين : وهي المؤثر الخارجي الأصلى والأول في هذا الأمر كما يتضــح ذلك من حديث عياض بن حمار السابق عرضه .
                ثانيا : البيئة : سواء كانت من الجو المحيط داخل الأسرة - وبوجه خاص الوالـــدان - ، أو من خلال المجتمع خارج مستوى الأسرة .
                وهذا المؤثر قوى وخطير وعليه تكون النشأة ، وبسببه ينطمس كثير من نور الفطرة إن لم تطمس بالكلية . كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأبواه يهودانه أو ينصــرانه أو يمجسانه .
                ثالثا : الغفلـة : وقد ذكر الله سبحانه هذا المؤثر في سورة الأعراف حين قال : " أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " .
                ولا شك أن هناك عوامل أخرى مؤثرة كالإعلام ووسائله ، وكالدراسة وأساليبها وما يدرس فيها ولكن عندما نمحصها نجد أنه يمكن أن تندرج تحت واحدة من هذه الثلاث .


                و كثيراً ما تنكشف الحجب عن الفطرة ، فتزول عنها الغشاوة التي رانت عليها عندما تصاب بشدة ، أو تقع في مأزق لا تجد فيه من البشر عوناً ، وتفقد أسباب النجاة ، فكم من ملحد عرف ربّه و رجع إليه عندما أحيطت به شدة ، وكم من مشرك أخلص دينه لله لضرّ نزل به قال تعالى : ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئنِ أنجيتنا من هذه لنكوننَّ من الشاكرين ﴾[1] .


                و لا يصح لنا أن نستنتج من توجه البشر إلى اللّه في الشدائد بأنّ الإيمان وليد الخوف والرهبة من الطبيعة الغاضبة كما يدعي الملاحدة بل الخوف مجرد وسيلة تكشف الغطاء عن ذلك الإيمان المغروس في أعماق البشر ، المودوع في الفطرة وكذلك تكون فطرة الإيمان باللّه و التدين و حب الجمال واكتناز الثروة وطلب العلم رغم أنّها أُمور مجبولة مع فطرتنا ومعجونة مع خلقتنا فهي لا تظهر ولا تتفتّح ولا تبرز في كل الأوقات والظروف ، ولا تتجلّى في عالم الذهن في كل الأزمنة والأحوال ما لم تتهيّأ الظروف المناسبة لها في وجودنا .

                و غاية قول الملاحدة لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس آلهة شتى الدلالة على انتكاس ما أودع الله في الناس من فطرتهم على الإيمان به و توحيده لا نفي فطرة وجود الخالق .

                و قد ثبت وجود إله خالق فالكل مفطور على وجود خالق ،و لا دليل على وجود أكثر من إله خالق ، فلا يصح ادعاء أكثر من إله و لو كان هناك خالق غير الله لادعى الخلق ، و لم يدع أحد غير الله لنفسه الخلق إلا خذله الله في الدنيا و افتضح أمره ، أما الله سبحانه فقد دعا لنفسه بالخلق عن طريق رسله و أنبيائه و لم ينازعه أحد و الكون يشهد بوحدانية الخالق للنظام و التناسق الذي في الكون .

                قال اليافعي : (( لَا يعرف الله سُبْحَانَهُ إِلَّا بِصِفَات الْكَمَال الْمُطلق وَإِلَّا لَكَانَ نَاقِصا وَالنَّقْص محَال عَلَيْهِ تَعَالَى وَمن جملَة الْكَمَال كَونه وَاحِدًا متوحدا بِالْملكِ مُنْفَردا بتدبير المملكة غير مشارك فِي الْخلقَة وَالْأَمر لِأَن الشّركَة يلْزم مِنْهَا الْمحَال أَو النَّقْص الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ لأَنا إِذا فَرضنَا إِلَهَيْنِ وفرضنا إِرَادَة أَحدهمَا شَيْئا وَإِرَادَة الآخر نقيضه كإيجاد شَيْء وَعدم إيجاده أَو تحريكه وتسكينه فإمَّا أَن يحصل مرادهما فيجتمع النقيضان أَو لَا يحصل مُرَاد وَاحِد مِنْهُمَا فيرتفعان وَالْكل محَال أَو يحصل مُرَاد أَحدهمَا دون الآخر فَيلْزم عجز من لم يحصل مُرَاده فَلَا يكون إِلَهًا لنقصه فَلَزِمَ أَن لَا يكون الْإِلَه إِلَّا وَاحِدًا ))[2] .


                و قال الشيخ الهراس : (( إذا تعددت الآلهة فلا بد أن يكون لكل منهم خلق و فعل ، و لا سبيل إلى التعاون فيما بينهم ؛ فإن الاختلاف بينهم ضروري، كما أن التعاون بينهم في الخلق يقتضي عجز كل منهم عند الانفراد .

                والعاجز لا يصلح إلها، فلا بد أن يستقل كل منهم بخلقه وفعله، وحينئذ؛ فإما أن يكونوا متكافئين في القدرة، لا يستطيع كل منهم أن يقهر الآخرين ويغلبهم، فيذهب كل منهم بما خلق، ويختص بملكه؛ كما يفعل ملوك الدنيا من انفراد كل بمملكته إذا لم يجد سبيلا لقهر الآخرين، وإما أن يكون أحدهم أقوى من الآخرين، فيغلبهم، ويقهرهم، وينفرد دونهم بالخلق والتدبير، فلا بد إذا مع تعدد الآلهة من أحد هذين الأمرين : إما ذهاب كل بما خلق، أو علو بعضهم على بعض .

                و ذهاب كل بما خلق غير واقع؛ لأنه يقتضي التنافر والانفصال بين أجزاء العالم، مع أن المشاهدة تثبت أن العالم كله كجسم واحد مترابط الأجزاء، متسق الأنحاء، فلا يمكن أن يكون إلا أثرا لإله واحد و علو بعضهم على بعض يقتضي أن يكون الإله هو العالي وحده ))[3].

                و ليس تعدد الآلهة ذريعة لترك عبادة الإله الحق فلو كنت قاضيا و أمامك أشخاص و كل منهم يدعي أيحق لك أن تقول لا يوجد حق ، بسبب تعدد مدعي الحق و البينة على المدعي و الحق له .


                هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات







                [1]- يونس الآية 22
                [2]- مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة لليافعي ص 57
                [3] - شرح العقيدة الواسطية للهراس ص 135
                د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                بعض كتاباتي على الألوكة
                بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                تعليق


                • #38
                  فساد قول بعض الملاحدة أنه لا ديني بالفطرة

                  فساد قول بعض الملاحدة أنه لا ديني بالفطرة





                  إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

                  و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

                  أما بعد :


                  فنجد بعض الملاحدة يخبر أنه لا ديني بالفطرة و إن العاقل ليتعجب كيف تكون الفطرة عدم التدين و عدم الإيمان بخالق و عدم الإيمان بمعبود و التاريخ يشهد بعكس ذلك ؟!!


                  و جميع الأمم التي درس العلماء تاريخها تجدها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها، وما يحصل من ضلال أو انحراف أمر طارئ على هذه الفطرة السليمة فالإنسان قد تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف عن المعبود الحق .


                  ولا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور، و لا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين و لا بلا إله معبود، حقاً كَانَ أو باطلاً فهناك اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك دين ، و إله معبود حتى قال بعضهم : " لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات ، لم توجد جماعة بغير ديانة " و ذكر بعضهم أن فكرة التدين لم تخل منها أمة من الأمم في القديم و الحديث فكيف يكون الشخص لا ديني بالفطرة ؟!!! .


                  و قد وجد العلماء أن التدين وعبادة إله معبود من الأمور الثابتة بشكل من الأشكال، في كل العصور على امتداد التاريخ، وهذا الثبات والشمولية للدين دليل على فطريته .


                  ولم توجد لغة في العالم خالية من اسم الله أو من هو في مقام الله عند الناس يعبد و بما أن اللغة تعبّر عن أفكار الإنسان واحاسيسه يكون ذلك دليلاً على أن شعور الإنسان بوجود الله عميق في قلبه و وجود دين يعتنقه الإنسان شيء عميق فيه ولا ينقض ذلك أن البعض ينكرون وجود الله و ينكرون الدين ، لأن الإنسان يقدر أن يناقض طبيعته إذا أراد لشبهات عنده أو هوى ،و كل إنسان يتجه إِلَى ما يظن أنه نافع له، وإلى ما يعتقد أن فيه مصلحته، ما لم يأت صارف فيصرفه عن ذلك


                  والإنسان لو نشأ في مكان ليس فيه أحد و لم يسمع بالدين ولم يعرف شيئاً عنه فإنه يعرف أنه مخلوق له خالق ، لكن يخفى عليه أشياء من تفاصيل العبادة، فيقول -مثلاً-: أنا مخلوق ولي خالق، وخالقي له حقوق علي ، ولكن ما هي ؟ وكيف أؤدي هذه الحقوق ؟ وما الذي يحبه حتى أفعله؟ و ما الذي يكرهه حتى أتركه ؟ و كل هذه الأسئلة يجيب عنها الدين .


                  و إذا لم يهتد الإنسان إلى الله تعالى فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين ، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثا ليسد به جوعته .


                  و قد يسأل البعض لماذا يهمل بعض الناس البحث عن الدين مع أن التدين فطرة و الجواب أن من الممكن أن يتجنب البعض البحث عن الدين بسبب الكسل وحب الارتخاء والراحة، أو بسبب أن الإيمان بالدين يفرض عليهم الكثير من الضوابط و الحدود و يمنعهم من بعض الممارسات التي ترغب بها نفوسهم فعلى هؤلاء اللادينيين تقبل الآثار السيئة لهذا الكسل والغرور و ما يعقبها بعد ذلك من العذاب الأبدي في جهنم و و يمكن أن يكون سبب إفساد هذه الفطرة البيئات والمجتمعات، و الآباء والأجداد والأمهات والجدات، و المربين والمعلمين والمنشئين .


                  و الناس جميعهم في كل العصور والأزمان ، وفي كل البقاع والأماكن ذكورهم وإناثهم ، كبيرهم وصغيرهم ،عالمهم وجاهلهم ، فقيرهم وغنيهم ، رئيسهم ومرؤسهم ، كل أصناف البشر إذا ما تعرضوا لشدائد يعجز البشر عن إخراجهم منها .هنالك تستيقظ الفطرة ، وتنفض ما بها من غبار وما علق فيها من شوائب فتلجأ إلى خالقها ذليلة صاغرة تستنجد بربها وحده لا تلتفت إلى أحد سواه .


                  هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
                  التعديل الأخير تم بواسطة محب المصطفى; الساعة 29 سبت, 2012, 09:51 م. سبب آخر: تكبير الخط
                  د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                  بعض كتاباتي على الألوكة
                  بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                  تعليق


                  • #39
                    الرد على سؤال الملاحدة كيف تخصصون قاعدة كل شيء له سبب ؟

                    الرد على سؤال الملاحدة كيف تخصصون قاعدة كل شيء له سبب ؟





                    إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

                    و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

                    أما بعد :

                    فقد قال الملاحدة هداهم الله إن الله عند المؤمنين شيء بلا سبب ، و هذا يستلزم تخصيص القاعدة العقلية القائلة بأن الشيء لا يتحقق بلا سبب فكيف تخصصون قاعدة كل شيء له سبب ؟.


                    و الجواب أن الإشكال الموجّه إلى المؤمنين يتوجه أيضا إلى الملحدين ؛ لأن كل من المؤمنين و الملحدين يعترفان بموجود قديم تنتهي إليه كل الممكنات ، أما الملحدون فهم يرون أن ذلك الموجود المتحقق بلا سبب هو المادة الأولى التي تتحول و تتشكل إلى صور و حالات و لذلك يجب على المؤمنين و الملحدين الإجابة على هذا السؤال على حدّ سواء ، و لا يتوجه الإشكال إلى المؤمنين وحدهم .

                    و الفرق كبير بين توقيف وجود الممكنات عند سبب عاقل و هو الله ، و توقيف وجود الممكنات عند سبب مادي غير عاقل و هو المادة .

                    و غير صحيح أن نوقف وجود الممكنات على المادة لأسباب منها :

                    السبب الأول : أن المادة تخضع لقوانين فمن الذي فرض عليها القوانين ؟

                    و الجواب إما المادة نفسها أو القوانين نفسها أو شيء خارج عن المادة و إن قلتم الذي فرض على المادة القوانين هو المادة نفسها فهذا يستلزم أن الشيء يكون قبل نفسه لأن الفاعل قبل المفعول و هذا باطل و إن قلتم قوانين المادة هي التي فرضت القوانين على المادة فهذا باطل لأن القوانين مجرد وصف سلوك للمادة يفرض عليها من خارجها و نحن نكتشف ذلك باستقراء أحوال المادة و الوصف لا يكون ذاتا فاعلة فلا يبقى إلا فاعل خارج عن المادة هو الذي فرض القوانين عليها و هو الله .

                    السبب الثاني : أن المادة غير حية فكيف تهب الحياة للممكنات الأحياء فمن الذي وهب الحياة للممكنات الأحياء و واهب الحياة لا بد أن يكون حيا ؟!!

                    السبب الثالث : أن المادة غير عاقلة فكيف تهب العقل لذوي العقول من الأحياء ؟!!

                    السبب الرابع : أن المادة غير حكيمة فكيف تهب الحكمة لذوي الحكمة من الأحياء ؟!!

                    السبب الخامس : أن المادة عمياء فكيف تهب البصر لذوي الأبصار من الممكنات ؟!!

                    السبب السادس : أن المادة صماء فكيف تهب السمع لمن يسمع من الممكنات ؟!!


                    و قاعدة كل شيء له سبب تخُص الموجودات الممكنة و الظواهر المادية المسبوقة بالعدم و التي تحتاج في وجودها إلى سبب فالقاعدة كل شيء معلول له سبب أو كل شيء حادث له سبب ، إذ لولا السبب للزم وجود الممكن بلا سبب ، و هو محال و الله واجب الوجود لذاته فكيف نسأل عن سبب وجود واجب الوجود لذاته ؟!! و لفظ " الشيء " أعمّ من واجب الوجود الأزلي و الممكن الحادث ..
                    و الله عند المؤمنين غني عن السبب و الإيجاد ؛ لأنه أزلي قديم غير مسبوق بالعدم ، و الحاجة إلى الإيجاد من خصائص الشيء المسبوق بالعدم ، أما لو كان موجودا في الأزل فلا يحتاج إلى الجعل و الإيجاد .

                    و لعل الملاحدة تصوروا أن الحاجة إلى السبب من خصائص كل الموجودات ، و السبب من خصائص الموجود الممكِن المسبوق بالعدم ، و واجب الوجود لذاته خارج عن هذه القاعدة ، إذ القاعدة لا تشمل واجب الوجود .

                    و الله ليس له بداية فكيف نسأل عن سبب في بدايته و السؤال عن سبب وجود الله كسؤال ما سبب الشيء الذي لا سبب له ؟!!

                    و لو فرضنا جدلا أن الله له سبب – تعالى الله عن ذلك – و سبب الله له سب و هكذا سينتهي بنا الأمر إلى الدور و التسلسل .

                    أما الدور فباطل لما يترتب عليه من التناقض مثل قولك زيد سبب أحمد و أحمد سبب زيد فزيد توقف سببه على أحمد و أحمد توقف سببه على زيد و بهذا يكون زيدا سابقا لأنه سبب و يكون مسبوقا لأن له سبب و الشيء الواحد لا يكون سابقا و مسبوقا في وقت واحد و إذا اتفق صديقان على إمضاء وثيقة و اشترط كل واحد منهما لإمضائها إمضاء الآخر ، فتكون النتيجة توقف إمضاء كلٍ على إمضاء الآخر ، و عند ذلك لن تكون تلك الورقة ممضاة .

                    و أما التسلسل فباطل أيضا لأنه يقتضي ألا يكون هناك سبب لتوقف وجود السبب على السبب الذي قبله و الذي قبله على الذي قبله إلى ما لا نهاية فيلزم من هذا التسلسل اللانهائي أن لا سبب للكون ، و هذا مستحيل للظواهر الكونية الدالة على وجود الله مسبب الأسباب و علة العلل .

                    و الخلاصة ليس كل شيء محتاج إلى سبب ، بل كل ما هو حادث يحتاج إلى سبب ، و الله عند المؤمنين ليس بحادث فلا يحتاج إلى سبب ، لأنه تعالى لا ينفكُّ عن الوجود أصلاً و قولنا الممكنات تنتهي إلى مسبب سبب كل شيء ، وليس له سبب، بل هو سبب ما سواه فهذا هو الموافق للعقل و المنطق .

                    هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
                    التعديل الأخير تم بواسطة محب المصطفى; الساعة 29 سبت, 2012, 09:52 م. سبب آخر: تكبير الخط
                    د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                    بعض كتاباتي على الألوكة
                    بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                    تعليق


                    • #40
                      الرد على زعم بعض الملاحدة أن العلة يجب أن تكون من جنس المعلول

                      الرد على زعم بعض الملاحدة أن العلة يجب أن تكون من جنس المعلول




                      إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


                      و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .


                      أما بعد :

                      فيزعم بعض الملاحدة أن العلة لا بد أن تكون من جنس المعلول و عليه فعلة الكون المادي لا يمكن أن تكون إلا علة مادية ؛ لأنه يجب أن يكون هناك تناسب بين العلة و المعلول و إلا لصدر أي شيء من كل أي شيء .


                      والجواب أن هذا الكلام فيه خلط بين العلة الفاعلة و العلة المادية و العلة المادية هي الأجزاء المادية التي يتكون و يتركب منها المعلول و العلة الفاعلية و هي التي تفعل الفعل، و سبب وجود الفعل فمثلا صناعة السرير و صانع السرير صناعة سرير من خشب تتوقف على وجود نجّار يصنعه ، فيعدّ النجّار، علة فاعلية في صنع السرير ، و السرير لا يوجد بلا خشب، فالخشب علة مادية لوجود السرير و مثال آخر كتابة رسالة و كاتب الرسالة العلّة الماديّة للكتابة المواد التي يلزم توفّرها لكتابة الرسالة: الورق ، القلم ، الحبر ... فهذه أمور ماديّة للكتابة و العلّة الفاعليّة للكتابةالمراد منها القوّة و الفاعل الذي سيقوم بفعل الكتابة أي كاتب الرسالة .

                      و قولهم يجب أن تكون العلة من جنس المعلول لا يصح و الواجب يجب أن تكون العلة المادية من جنس المعلول .

                      و العلة الفاعلة قد تكون من جنس المعلول و قد لا تكون من جنس المعلول و مادام هناك فعل و فاعل فهناك علة و معلول ، و مادام هناك سبب و نتيجة فهناك علة و معلول فالكتابة ليست من جنس الكاتب و الصنعة ليست من جنس الإنسان الصانع و الأكل ليس من جنس الإنسان الآكل .

                      و اشتراط المناسبة بين العلة و المعلول معناه أن أحدهما يناسب الآخر و يصلح له دون غيره ، كما في مناسبة الاذن للسمع ، و العين للبصر ، و الخشب للسرير ، و الماء للبرودة ، و النار للحرارة و الحرارة لا تصدر عن الثلج ، و البرودة لا تنبعث من الحرارة، و الجاهل لايكون مصدراً للعلم كما أن العلم لايصدر عن جاهل، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، و العطاء لا يصدر من لاشيء .

                      و اشتراط المناسبة بين العلة و المعلوللا يستلزم أن تكون العلة من جنس المعلول فهناك تناسب بين الكتابة و الإنسان الكاتب لكن ليست الكتابة من جنس الإنسان و هناك تناسب بين الأكل و الإنسان الآكل لكن ليس الأكل من جنس الإنسان .


                      و الملاحدة فهموا من قاعدة التناسب بين العلة و المعلول أن العلة يجب أن تكون من جنس المعلول بدل أن يفهموا أن قاعدة التناسب بين العلة و المعلول أفادت أن كل مجموعة من الأشياء إذا كانت متفقة فى حقيقتها، يلزم انسجامها فى أسبابها و نتائجها و عللها و معلولاتها فكل حكم يستحيل تعميمه كقانون علمى شامل لجميع موارده المفترضة إلاّ بالاعتماد على قاعدة التناسب بين العلة و المعلول .
                      و قاعدة التناسب بين العلة و المعلول تنفي أن تكون علة الكون الفاعلة علة مادية و تثبت أن علة الكون علة عالمة حكيمة قادرة حية سميعة بصيرة... لأن وجود مخلوقات عالمة في هذا الكون ينفي أن يكون موجودها فاعل غير عالم ؛ لأن من ليس عنده علم لا يهب العلم ففاقد الشيء لا يعطيه .

                      ووجود مخلوقات حكيمة في هذا الكون ينفي أن يكون موجودها فاعل غير حكيم ؛ لأن من ليس عنده حكمة لا يهب الحكمة ففاقد الشيء لا يعطيه .

                      و الكون منتظم لأنه يظهر فيه حسن النظام والتركيب والقصد في كل شيء، فيستلزم وجود كائن ذي علم و إرادة قد نظمه وهو الله لا الطبيعة غير العاقلة و غير العالمة و غير الحكيمة .

                      و زعم الملاحدة أن الطبيعة هي التي خلقت الكون غير صحيح فالطبيعة هي حقيقة هذه الأشياء المخلوقة الموجودة ، فهم بهذا ينسبون هذا الشيء إِلَى نفسه مثل الذي يقول: الإِنسَان خلق الإِنسَان، والطبيعة خلقت الطبيعة و كيف يكون الشيء خالق و مخلوق في نفس الوقت و إنما هي اسم يطلق عَلَى المخلوقات، فمن الذي يخلق المخلوقات؟ .

                      و لا تناسب بين خلق الطبيعة نفسها و لا تناسب بين خلق الطبيعة الميتة الأحياء و لا تناسب بين خلق الطبيعة البكماء لذوي السمع و لا تناسب بين خلق الطبيعة العمياء لذوي البصر .

                      و كيف يأتي من الميت الذي يسمونه الطبيعة ، و هي الجبال و الأشجار و ما إِلَى ذلك إيجاد الحياة ، و كيف يتأتي منها الفعل أو التدبير؟
                      [1]

                      هذاو الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات









                      [1]- شرح العقيدة الطحاوية لسفر الحوالي
                      د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                      بعض كتاباتي على الألوكة
                      بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                      تعليق


                      • #41
                        الرد على زعم الملاحدة وجود الكون ليس دليلا على وجود الله لأننا لم نر الله يخلق الكون

                        الرد على زعم الملاحدة وجود الكون لا يقوم دليلا على وجود الله لأننا لم نر الله يخلق الكون





                        إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


                        و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .


                        أما بعد :

                        فيزعم الملاحدة هداهم الله أن وجود الكون لا يقوم دليلا على وجود الله لأننا لم نر الله يخلق الكون و يقولون إننا لا نعلم عن العلةشيئا إلا أنها الحادثة السابقة التي نشاهدها قبل حدوث معلولها, وإذن لا بد منمشاهدة الحادثتين معا السابقة واللاحقة على السواء, إننا نستدل بوجود الساعة علىوجود صانعها ؛ لأننا رأينا الساعة و الصانع كليهما و إذن فوجود الكون لا يقوم دليلاعلى وجود صانعه إلا إذا رأينا الصانع و المصنوع جميعا .

                        والجواب أن دلالة الفعل على الفاعل و دلالة الأثر على المؤثر و دلالة المعلول على العلة من البديهيات و لا تحتاج مشاهدة الفعل و الفاعل معا أو مشاهدة الأثر و المؤثر معا أو مشاهدة العلة و المعلول معا ومجرد أن ترى المعلول تعتقد بداهة أن له علة و لو لم تشاهد العلة و مجرد أن ترى الفعل تعتقد بداهة بأن له فاعل و لو لم تشاهد الفاعل و مجرد أن تشاهد الأثر تعتقد بأن له مؤثر و لو لم تر المؤثر .

                        و الفعل يدل على الفاعل و الأثر يدل على المؤثر و المعلول يدل على العلة بدلالة اللزوم أو دلالة العقل أي يحكم العقل بوجود هذه الدلالة بين الدال و المدلول و هذه الدلالة تنشأ من الملازمة بين الشيئين ملازمةً ذاتية في وجودهما الخارجي كالأثر والمؤثِّر و كالفعل و الفاعل و كالعلة و المعلول و كضوء الصبح الدال على طلوع الشمس. و تتميَّز هذه الدلالة : بأنَّها لا تختلف باختلاف الأشخاص والأمصار، فهي تحصل لأيِّ إنسانٍ مهما كان سواء العالم أو الجاهل ، القروي أو الحضري .

                        و نعترف عند رؤية البناءبوجود الباني و لو لم نره و نعترف عند رؤية الصنعة بوجود صانع و لو لم نره و نعترف عند رؤية الكتابة بوجود كاتب و لو لم نره .

                        و إذا كان أصغر شيء مصنوع في الكون لم نر صانعه يستحيل أن يكون بلا صانع فكيف يصح أن يقال هذا الكون بأكمله بلا خالق لأننا لم نر الله يخلق الكون ؟!!!

                        و من هنا يتبين فساد زعم الملاحدة أن وجود الكون لا يقوم دليلا على وجود الله لعدم رؤيتنا خلق الله للكون .

                        هذاو الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


                        د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                        بعض كتاباتي على الألوكة
                        بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                        تعليق


                        • #42
                          الرد على زعم الملاحدة بعدم صحة دليل النظام كدليل على وجود الله

                          الرد على زعم الملاحدة بعدم صحة دليل النظام كدليل على وجود الله





                          إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


                          و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .


                          أما بعد :

                          فقد زعم الملاحدة هداهم الله أن دليل النظام لا يصح أن يكون دليلا على وجود الله ؛ لأن الاستدلال به قائم على التشابه بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية ، فلأننا شاهدنا أن جميع المصنوعات البشرية لا تخلو من صانع ، فلا بد أن يكون للكون المنظَّم من صانع خالق أيضا ، لشباهته بتلك المصنوعات البشرية و قال الملاحدة : هذا التشابه بمجرده لا يكفي لسحب و تعْدِيَة حكم أحدهما إلى الآخر لاختلافهما ، فإن مصنوعات البشر موجودات صناعية ، بينما الكون موجود طبيعي ، فهما صنفان لا تناسب بينهما ، فكيف يمكن أن نستكشف من أحدهما حكم الآخر وصحيح أننا جربنا مصنوعات البشر فوجدناها لا توجد الا بصانع عاقل، ولكننا لم نجرب ذلك في الكون ؟


                          والجواب أن برهان النَّظم ليس مبنياً على التشابه و التماثل بين مصنوعات البشر والموجود الطبيعي حتى يقال بالفرق بين الصنفين ، و يقال هذا صناعي و ذاك طبيعي و يقال إِنَّا جربنا ذلك في المصنوعات البشرية و لم نجرّبه في الكون لعدم تكرر وقوعه وعدم وقوفنا على تواجده مراراً ولا يمكن إِسراء حكم الأَول إلى الثاني .


                          وبرهان النظم قائم على إدراك الحس بوجود النظام في الكون بملاحظة العقل للنَّظم و التناسق و الانضباط بين أَجزاء الوجود أي ملاحظة نفس ماهية النظام من دون تنظيرها بشيء ، فيحكم بما هو هو، من دون دخالة لأَية تجربة و مشابهة ، بأَنَّ موجد النَّظم لا محالة يكون موجوداً حكيما قديرا .


                          و برهان النظام قائم أيضا على البديهة العقلية القاضية بأن النظام لا يكون إلا من منظم ذي إرادة و قدرة وحكمة و ما ذكروه من أن هذا مصنوع وهذا طبيعي لا يلغي وجود النظام في كليهما ، ولا يلغي البديهة العقلية القاضية بوجود منظم للكون .

                          و الفارق الذي ذكروه بين الأحداث التي تكون في الطبيعة و التي يفعلها الانسان غير مؤثر إذ لا فارق بين الأحداث التي تكون في الطبيعة و التي يفعلها الانسان من حيث السبب و العلة .



                          و محل دليل النظام هو وجود النظام و النظام يفتقر إلى منظم و هو متحقق في جميع المخلوقات كما أنه متحقق في المصنوعات البشرية فلا يجوز التفريق بينهما وهما متماثلان في هذه الوجهة و إنما اختلفا في غير محل الدليل بأن هذا طبيعي و هذا صناعي .

                          و العقل إذا رفض الإِذعان بأَنَّ الساعة وجدت بلا صانع أَو أنَّ السيارة وجدت بلا علة، فإِنما هو لأَجل ملاحظة نفس الظاهرة (الساعة والسيارة) حيث يرى أَنَّها تحققت بعد ما لم تكن، فيحكم من فوره بأَنَّ لها موجداً. وليس هذا الحكم إِلا لأَجل الإِرتباط المنطقي بين وجود الشيء بعد عدمه، ولزوم وجود فاعل له، وإِنْ شئت قلت لأَجل قانون العلية والمعلولية الذي يعترف به العقل في جميع المجالات .

                          و إذا كان الشيء الأقل نظاما في الكون محتاجـًا لمريد حكيم ذي قدرة ، فكيف بالنظام الأحكم والأشمل للكون فهو أولى بالاحتياج إلى مريد حكيم .

                          و الاعتقاد بوجود علامات النظام التي تدل بالضرورة على منظم عاقل قادر من أوليات العقل[1] .

                          و زعمهم بعدم صحة دليل النظام ؛ لأنه قائم على التشابه بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية رغم أنه خطأ فهو أيضا القول بعدم صحة أمر حسي ضروري بأمر متوهم إذ انتظام الكون أمر مشاهد و حاجة النظام إلى منظم من البديهات[2] ، و الأمور الحسية الضرورية لا تحتاج إلى أدلة تثبت صحتها فكيف يقال أنها لا تصح ؟!!!

                          هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات




                          [1]- العقل يميّز بعض الحقائق دون حاجةٍ إلى براهين تثبتها أو لشهادة إنسان لتصدّقها. وتُسمى تلك الحقائق أوليات وبديهيات وضروريات


                          [2] - البدهيات هي حقائق ضرورية لا تحتاج إلى برهان، أي أنها تفرض نفسها على الذهن بحيثلا يحتاج إلى برهان لإثباتها. ويجمع العقلاء على صحتها واعتمادها كأصول ضروريةلازمة، وهي تعتبر أسسا وقواعد أولية ومقاييس تبنى عليها باقي الأفكار، وبراهينلإثبات صدق غيرها من الأفكار .
                          د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                          بعض كتاباتي على الألوكة
                          بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                          تعليق


                          • #43
                            الرد على زعم الملاحدة باستحالة الحياة الآخرة و بقاء الروح بعد الموت

                            الرد على زعم الملاحدة باستحالة الحياة الآخرة و بقاء الروح بعد الموت







                            إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


                            و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

                            أما بعد :
                            فيزعم الملاحدة هداهم الله باستحالة الحياة الآخرة و بقاء الروح بعد الموت و برروا ذلك أن الخلود لو كان هو المصير الذي تنتصر فيه النفس بعد الموت ، فما السبب في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا ؟

                            و الجواب أن لا علاقة بين استقلال الروح عن الجسد في الحياة الدنيا و بين بقاء الروح بعد الموت و قد اقتضت حكمة الله أن تكون الروح بداخل الجسد لا مفارقة له في الحياة الدنيا ، وليس معنى عدم وجود الروح منفصلة عن الجسد في الحياة الدنيا أن الروح لا يمكن أن توجد بعد موت الشخص فالذي خلق الروح في الجسد قادر أن يبقي الروح بعد موت الجسد .

                            و إن قالوا لا نتصور بقاء الروح بعد الموت و الحكم على الشيء فرع عن تصوره فالجواب عدم تصوركم بقاء الروح بعد الموتلا يعني امتناعه في نفسه، فقد تعجز العقول عن تصور أمور كثيرة كعجزها عن تصور حقيقة العقل رغم أنه داخلنا ولا يمكن أن نفكر بلا عقل و عجزها عن تصور حقيقة الروح رغم أنها بداخلنا ، فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يخضع بعقله أفعال الله سبحانه لقوانين البشر وقدراتهمو الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلاً أن يكون غير ممكن الوجود ، فعدم الوجود لا يدل على استحالة الوجود .




                            و إنكارهم الحياة الآخرة و البعث باطل فمن بدأ الخلق من العدم فهو قادر على إعادة الخلق بعد أن يكونوا ترابا و بداهة من قدر على الإبداء قدر على الإعادة من باب أولى ، و لو كان الله عاجزاً عن الإعادة بعد الموت لكان عن الإبداء أعجز وأعجزقال تعالى : ﴿ و َضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [1]فاحتج تعالى بالإبداء على الإعادة ، و بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة .

                            و قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
                            [2] و قوله : (أهون) هذا بالنسبة للبشرفالآية متوجهة لجميع المخاطبين على حسب فهمهم ، فيكون الهون بالنسبة للبشر لا لله ؛ لأن الإعادة أسهل عندهم من الإبتداء أما بالنسبة لله تعالى فإن كلا الأمرين هين عليه تعالىلا؛ فلا فرق بين الأمرين .

                            و من أدلة البعث أن من يقدر على إحياء الأرض بعد موتها , يقدر أيضاً على بعث الأجساد بعد موتها قال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾[3] أي : ومن علامات وحدانية الله وقدرته : أنك ترى الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها المطر دبَّت فيها الحياة , و تحركت بالنبات, و انتفخت و علت , إن الذي أحيا هذه الأرض بعد همودها, قادر على إحياء الخلق بعد موتهم, إنه على كل شيء قدير, فكما لا تعجز قدرته عن إحياء الأرض بعد موتها, فكذلك لا تعجز عن إحياء الموتى[4] .

                            و من أدلة البعث أن من قدر على خلق السموات و الأرض و هما في غاية العظم قادر من باب أولى على إعادة خلق الإنسان قال تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5]فمن قدر أن يخلق هذه السموات على ارتفاعها وعظمتها, وهذه الأرض على اتساعهاو تنوعها كانأقدر على أن يحيي عظاماً قد صارت رميماً ، فيردها إلى حالتها الأولى.

                            و إن قال الملاحدة كيف يحيى الله الإنسان من جديد بعد أن يضمحل و يتلاشى بدنه فيستحيل إعادة الإنسان بعد أن يصير عدما ؟ و الجواب أن الملاحدة هداهم الله يعتقدون بأن حقيقة الإنسان هي عبارة عنهذا البدن المادي الذي يتلاشى وينعدم بالموت، وإذا ردت له الحياة من جديد بعدالموت، فهو إنسان آخر لا هو عين الأول ، لأن إعادة المعدوم أمر محال .

                            و هذا لجهل الملاحدة أن المعاد ليس من باب إعادة للمعدوم ، بل عودة الروحالموجودة إلى الجسد المادي مره أخرى فالبعث إعادة و ليس تجديدًا إعادة لما زال و تحول ؛ فإن الجسد يتحول إلى تراب ، و العظام تكون رميما ؛ يجمع الله تعالى هذا المتفرق ، حتى يتكون الجسد ، فتعاد الأرواح إلى أجسادها ، و أما من زعم بأن الأجساد تخلق من جديد ؛ فإن هذا زعم باطل بنص القرآن قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
                            [6].

                            الملاحدة جهلوا حقيقة الإنسان أنها من روح وبدن , و أن الروح باقية لا تنعدم , و إنما كانت متلبسة بالبدن ثم تفارقه عند الموت , و أما البدن فأنه لا ينعدم و إنما يتحلل إلى عناصره بعد أن كان مركباً والتحلل إلى العناصر الأصلية لا يسمى عدماً. فلو فرضنا أن هناك مهندس فكك السيارة بصورة تامة إلى أجزائها الأولية ثم أعاد تركيبها فهل هذا يسمى عدماً للسيارة ؟! فتحصل لدينا أن الموت لا يعني عدم الإنسان أما الروح فهي باقية,وأما البدن فهو يتحلل إلى عناصره ولا تنعدم هذه العناصر.

                            و إذا قيل : ربما تأكل السباع الإنسان ، و يتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه وتخرج في روثه وبوله فكيف يعاد هذا الجسد ؟ و الجواب : أن الأمر هين على الله ؛ يقول للشيء كن فيكون ، و يتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلط بها ، وقدرة الله عز وجل فوق ما نتصوره ؛ فالله على كل شيء قدير .

                            و إذا قيل البدن الذي يتلاشى و يضمحل يفقد قابليته و استعداده للحياة و وقوع العودة فعلا و خارجا مشروط بقابلية البدن لتلك العودةو الجواب أن النظام الذي نشاهده في عالم الدنيا، ليس هو النظامالوحيد الممكن ، والشروط والأسباب التي نعرفها من خلال مشاهداتنا وتجاربنا ليست هيالأسباب والعلل الوحيدة و الإيمان بالبعث إيمان بأمر غيبي و الأمور الغيبية لا تخضع للتجارب التي نخضع لها ظواهر هذا الكون المادّية .

                            و سر إنكار الملاحدة البعث الجهل و القول بغير علم مما أوقعهم في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة و إخضاع عالم الغيب للتجارب و قياس فعل رب الخلق على فعل الخلق و قد قال تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [7] .

                            هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات






                            [1] - يس الآية 78 - 79
                            [2]- الروم من الآية 27
                            [3]- فصلت الآية 39
                            [4]- التفسير الميسر
                            [5] - الأحقاف الآية 33
                            [6]- الروم من الآية 27
                            [7]- الإسراء الآية 36
                            د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                            بعض كتاباتي على الألوكة
                            بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                            تعليق


                            • #44
                              الرد على زعم الملاحدة باستحالة إثبات وجود الله

                              الرد على زعم الملاحدة باستحالة إثبات وجود الله




                              إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

                              و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين

                              أما بعد :

                              فيزعم الملاحدة هداهم الله أن وجود الله حتى يثبت واقعاً لابد أن يثبت بدليل تركيبي ،و القضايا التركيبية فقط هي التي تصف الحقيقة و القضايا التركيبية تحتاجإلى معرفة بالعالم و تعتمد علي المشاهدة و التجربة فقط و لأنه لايوجد ظاهرةفوق طبيعية أو غير مادية في العالم تثبت وجود الله فإن إثبات وجود الله مستحيل هكذا سولت لهم عقولهم المريضة .


                              و القضايا التركيبية عبارة عن قـضـايـا يـضـيـف مـحـمـولـهـا ( ما نخبر به عن الشيء ) إلـى مـوضـوعـهـا ( الشيء الذي نخبر عنه ) شـيـئـا جـديـدا غـيـر مـتـضـمـن فـيـه مثل (طـول الـسـبـورة أربـعـة أمـتـار) و ( الـكـتـاب قـديـم ) ... فـالأربـعـة أمـتـار فـي الـمـثـال الأول لـيـسـت صـفـة جـوهـريـة لـلـسـبـورة، بـل هـي صـفـة زائـدة إذ قـد تـكـون الـسـبـورة أقّـل أو أكـثـر طـولا و مـع ذلـك تـبـقـى سـبـورة و قديم في المثال الثاني ليست صفة جوهرية للكتاب فقد يكون الكتاب جديدا و مع ذلك يبقى كتابا .

                              و الجواب وجود الله أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات و أوضح من أن يُبَرهن كما أن دلالة الفعل على الفاعل لا تحتاج أن تبرهن أو يدلل عليها و كما أن دلالة الأثر على المؤثر لا تحتاج أن تبرهن أو يدلل عليها .

                              و الدليل يُطلب في المسائل التي لا تدرك بداهة، أمّا الأمور التي تدرك بداهة فلا نحتاج فيها إلى دليل، بل الدليل ينتهي عند الأمور البدهية، ولولا البدهيات لما أمكن تقديم الدليل، لأنّ الدليل يتسلسل حتى يستقرّ مستنداً إلى بدهية .

                              و هذا الكون وجد بعد أن لم يكن فلابد أن يكون له موجد أوجده .

                              و الحياة في المخلوقات الحية دليل على وجود خالق لها فمن الذي وهب الحياة للمخلوقات الحية ؟

                              و العقل في المخلوقات العاقلة دليل على وجود خالق له فمن الذي وهب العقل لهذه المخلوقات ؟

                              و الحكمة في المخلوقات الحكيمة دليل على وجود خالق لها فمن الذي وهب الحكمة لهذه المخلوقات ؟

                              و البصر في المخلوقات ذي البصر دليل على وجود خالق له فمن الذي وهب البصر لهذه المخلوقات ؟

                              و السمع في المخلوقات التي تسمع دليل على وجود خالق له فمن الذي وهب السمع لهذه المخلوقات ؟

                              و الضحك في المخلوقات التي تضحك و تبكي دليل على وجود خالق له فمن الذي وهبه لهذه المخلوقات ؟

                              و لا يصح القول بأن المادة أو الطبيعة هي الخالقة فهي ليست حية و ليست عاقلة و ليست حكيمة و ليست سميعة و ليست بصيرة .

                              و كل أثر فهو بحاجة إلى مؤثر و احتياج الأثر إلى مؤثر يمثل محمول قضية : كل أثر فهو بحاجة إلى مؤثر و هذا المحمول يدركه العقل بنحو تلقائي من تحليل مفهوم الموضوع وهو كلمة ( الأثر). فالأثر يعني الشيء الذي يحتاج الى مؤثر و احتياج الكون لخالق من هذا الباب .

                              و إن قيل هذا الكلام مبني على التشابه بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية ، لكن هذا التشابه بمجرده لا يكفي لسحب و تعْدِيَة حكم أحدهما إلى الآخرلاختلافهما ، فإن مصنوعات البشر موجودات صناعية ، بينما الكون موجود طبيعي ، فهما صنفان لا تناسب بينهما ، فكيف يمكن أن نستكشف من أحدهما حكم الآخر وصحيح أننا جربنا مصنوعات البشر فوجدناها لا توجد الا بصانع عاقل، ولكننا لم نجرب ذلك في الكون ؟ والجواب أن لا فارق بين الأحداث التي تكون في الطبيعة أو التي يفعلها الانسان من حيث السببو العلة .


                              و دليل السببية دليل عقلي لا يخضع للتجربة و عليه فيصح فيه قياس الشاهد على الغائب .

                              و محل الدليل هو وجود أثر و الأثر يفتقر إلى مؤثر و هو متحقق في جميع المخلوقات كما أنه متحقق في المصنوعات البشرية فلا يجوز التفريق بينهما وهما متماثلان في هذه الوجهة و إنما اختلفا فيغير محل الدليل أي وجه التشابه أو الربط الذي سوغ القياس بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية هو البديهة العقلية القاضية بأن الأثر لا بد أن يكون له مؤثر و الفعل لا بد له من فاعل و لا يلغي البديهة العقلية التي بيناها أن هذا طبيعي و هذا صناعي ، فالفارق الذي ذكر غير مؤثر في الحكم .

                              و إذا كان أصغر شيء مصنوع في الكون يستحيل أن يكون بلا صانع فكيف يصح أن يقال هذا الكون بأكمله بلا خالق ؟!!!


                              و هناك أسئلة تدور في ذهن الإنسان و تلح على الإنسان في داخله لا يستطيع دفعها عن أصل الوجود و نهايته وسببه، وعن الموت وأسراره، وعن الروح وأسرارها مما يدل على وجود فطرة كافية في النفوس تبرز هذه الأسئلة عن الإله والوجود فمن الذي فطر النفوس على إبراز هذه الأسئلة عن الإله ؟!

                              وقد لاحظ العلماء أن جميع الأمم التي درس علماء تاريخ الأديان تاريخها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها، و لا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور ، و لا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين و لا بلا إله معبود ، حقاً كَانَ أو باطلاً فهناك اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك دين ، و إله معبود فمن الذي فطر البشر على الإيمان بوجود إله ؟!

                              و كم من شخص دعى الله فاستجيبت دعوته و هذا الأمر مشهود في كل الأزمان و كل العصور فمن الذي استجاب دعاء الشخص ؟!!

                              و كم من شخص مريض شفي من مرضه و آخر مريض بنفس المرض لم يشف من مرضه رغم أنه أخف من الأول فمن الذي شفى هذا و لم يشف هذا ؟!!

                              و قولنا الله موجود لا تدل على أكثر من الإخبار عن أمر بديهي و إنكار وجود الله يؤدي إلى تناقض لذلك فهي من جنس القضايا التحليلية لا القضايا التركيبية و القضايا التحليلية هـي الـتـي يـكـون مـحـمـولـهـا ( ما يخبر به ) تـكـرارًا أو تـحـلـيـلا لـموضـوعـهـا ( ما يخبر عنه ) ، ولا يـضـيـف إلـيـه شـيـئـا جـديـدا كـقـولـنـا :
                              (الأب رجـل لـه ابـن ) أو ( الـمـثـلـث شـكـل هـنـدسـي ) أو (الـجـسـم مــتـدّ ) أو( 5 = 3 + 2 ) أو = ( أ + ب ) ( أ - ب ) .

                              و القرءان الكريمالذي بين أيدينا يثبت وبدون شك عند تفحصه و مقارنته بكلام البشر أنه ليس من كلامهم و في الوقت ذاته فهو رسالة من خالق هذا الكون لنا يبلغنا فيه أنه خالقنا ويبلغنا فيهعن صفاته فإن لم يكن هناك خالق فمن أرسل بهذه الرسالة ؟ وإذا كان هناك خالق آخرفلماذا لم يتفضل بإبلاغنا عن وجوده؟!


                              و إن قيل لو كان وجود الله بديهيا لما أنكر وجوده أحد ؟
                              و الجواب رغم أن وجود الله أمرا بديهيا إلا أن البعض أنكر وجوده بسبب شبهات و مؤثرات خارجية تجعله يغفل أو ينكر هذه البديهة فقد تختلج شبهة في الذهن تسبب مشكلة للإنسان، فيظن أنَّ هذا الضروري الواضح ليس بضروريٍ ، مثلاً استحالة اجتماع النقيضين من البديهيات الأوليَّة، بل هي أساس جميع البديهيّات - كما سيتَّضح - ولكن ربَّ شبهة تشكك في هذا البديهي، فيتصوَّر البعض أنّه من الممكن اجتماع النقيضين كما لو توهَّم أنَّ بين النور والظلمة حالةً ليست من الظلمة وليست من النور! و و البديهي بديهيٌ على أي حال .

                              و من أثر عنه إنكار و جود الله في البشر قليلون جداً على مرّ التاريخ مقارنة مع من يثبت وجوده ، و هذه القلة على قسمين :
                              أحدهما : قسم ينكر وجود الله ظاهراً فقط ، مع إيمانه بخلاف ذلك في قرارة قلبه و أشهر هؤلاء : فرعون موسى وأمثاله .
                              قال الله تعالى في حقهم : ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً
                              [1] .
                              الثاني : قسم آخر هو في الحقيقة معترف بوجود صانع مدبر خالق ظاهراً و باطناً ، غير أنه يحيل ذلك إلى الطبيعة أو غيرها، مما يدل على وجود علوم أولية بديهية مشوبة بالشبهات و المؤثرات الخارجية .

                              و إن قيل نفوس العقلاء تتطلع إلى الاستدلال على وجود الله فلو كان أمرا بديهيا لما تطلع للاستدلال عليه :
                              و الجواب الاستدلال على وجود الله رغم بداهته من باب تعدد الأدلة ،وتعدد الأدلةيزيد في التصديق، واليقين، والمعرفة .
                              .

                              و الإقرار والاعتراف بالخالق فطري و ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته و ما يجعله يغفل عن الأمور البديهة حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة .

                              و زعم الملاحدة أن وجود الله حتى يثبت واقعاً لابد أن يثبت بدليل تركيبي و القضايا التركيبية هي فقط التي تصف الحقائق نتيجة عدم اعترافهم بمعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة و اعتبارهم التجربة الأساس الوحيد للحكم الصحيح و لذلك حددوا طاقة الفكر البشري بحدود الميدان التجريبي ، و أصبح من العبث كلّ بحث ميتافيزيقي أو دراسة لمسائل ما وراء الطبيعة ، على عكس المذهب العقلي تماماً .

                              و الجواب عن هذه الشبه أن مقولتكم : أن أساس المعرفة القضايا التركيبية و للحكم على الأشياء لابد من التجربة إن كانت خطأ سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية ، وإن كانت صواباً صحّ لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعلكم تؤمنون بصواب هذه القاعدة ، فإن كنتم قد تأكّدتم من صوابها بلا تجربة فهذا يعني : أنّها قضية بديهية وأنّ الإنسان يملك حقائق وراء عالم التجربة ، وإن كنتم قد تأكّدتم من صوابها بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل ; لأنّ التجربة لا تؤكّد قيمة نفسها .

                              و بمقولتكم : أن أساس المعرفة القضايا التركيبية و للحكم على الأشياء لابد من التجربة لن تستطيعوا الحكم باستحالة شيء أو بالضرورة شيء آخر ومع سقوط مفهوم الإستحالة يكون التناقض ممكناً ومع إمكانه تنهار العلوم .

                              و هناك عدّة أشياء لم تكشف التجربة عن وجودها ، بل دلّت على عدمها في نطاقها الخاصّ ، ومع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة ، ولا نسلب عنها إمكان الوجود كما نسلبه عن الأشياء المستحيلة ، فكم يبدو الفرق جليّاً بين اصطدام القمر بالأرض ، أو وجود بشر في المرّيخ ، أو وجود إنسان يتمكّن من الطيران لمرونة خاصّة في عضلاته من ناحية ، وبين وجود مثلّث له أربعة أضلاع ، ووجود جزء أكبر من الكلّ ، ووجود القمر حال انعدامه من ناحية اُخرى . فإنّ هذه القضايا جميعاً لم تتحقّق ولم تقم عليها تجربة ، فلو كانت التجربة هي المصدر الرئيسي الوحيد للمعارف لماصحّ لنا أن نفرّق بين الطائفتين ; لأنّ كلمة التجربة فيهما معاً على حدّ سواء ، وبالرغم من ذلك فنحن جميعاً نجد الفرق الواضح بين الطائفتين : فالطائفة الاُولى لم تقع ولكنّها جائزة ذاتياً ، وأمّا الطائفة الثانية فهي ليست معدومة فحسب ، بل لا يمكن أن توجد مطلقاً ، فالمثلّث لا يمكن أن يكون له أضلاع أربعة سواءٌ اصطدم القمر بالأرض أم لا . وهذا الحكم بالاستحالة لا يمكن تفسيره إلاّ على ضوء المذهب العقلي بأن يكون من المعارف العقلية المستقلّة عن التجربة .

                              و مبدأ العلّية لا يمكن إثباته عن طريق التجربة ، و التجربة لا يمكنها أن توضّح لنا إلاّ التعاقب بين ظواهر معيّنة ، فنعرف عن طريقها أنّ الماء يغلي إذا صار حارّاً بدرجة مئة ، أو أّنه يتجمّد حين تنخفض درجة حرارته إلى الصفر ، وأمّا سببية إحدى الظاهرتين للاُخرى والضرورة القائمة بينهما فهي ممّا لا تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة ومهما كرّرنا استعمالها و إذا انهار مبدأ العلّية انهارت جميع العلوم الطبيعية .

                              و الخلاصة أن زعم الملاحدة باستحالة إثبات وجود الله لأن الله لا يثبت إلا بالقضايا التركيبية و القضايا التركيبية تقوم على التجربة والمشاهدة و هذا غير ممكن زعم باطل مبني على أساس أن أساس العلوم هو التجربة و هذا قول فاسد لا أساس له من الصحة و وجود الله أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات .

                              هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات






                              [1]- النمل الآية 14
                              د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                              بعض كتاباتي على الألوكة
                              بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                              تعليق


                              • #45
                                الرد على زعم الملاحدة أن قانون السببية يؤدي بنا أن نبحث عن سبب وجود الله

                                الرد على زعم الملاحدة أن قانون السببية يؤدي بنا أن نبحث عن سبب وجود الله




                                إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .


                                و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .


                                أما بعد :

                                فيزعم الملاحدة هداهم أن التمسك بقانون السببية , و أن كل موجود له سبب يستلزم السير في القانون إلى نهايته وهو البحث عن سبب لوجود اللهو يقولون إذا كان لا بد لنا من البحث عن علة لكل شيء لوجب إذن أن نبحث عن علة للإله نفسه .


                                و الجواب ليس كل شيء محتاج إلى سبب ، بل كل ما هو حادث يحتاج إلى سبب، و لا يحتاج الله إلى سبب ، لأنه تعالىلا ينفكُّ عن الوجود أصلاً ، و لأنهأزلي قديم غير مسبوق بالعدم ، و الحاجة إلى الإيجاد من خصائص الشيء المسبوقبالعدم ، أما لو كان الشيء موجودا في الأزل فلا يحتاج إلى الإيجاد .


                                و زعمهم أن البحث عن علة لكل شيء في هذا الكون ، يجرّ إلى البحث عن علة لله نفسه زعم باطل فهو قائم على قياس الله على الكون و الله أزلي و الكون حادث فالقياس فاسد أي هم قاسوا الأبدي واجب الوجود لذاته ، ويستحيل في العقل عدمه ، على الكون الحادث الممكن في العقل عدمه و الممكن في العقل عدمه ووجد بعد أن لم يكن لا بد من البحثِ عن علة انتقاله من العدم إلى الوجود .

                                و قاعدة الشيء لا يتحقق بلا علّة تختص بالموجودات الإمكانية التي لا تقتضي في ذاتها وجوداً ولا عدماً؛ إذ الحاجة إلى العلّة، ليس من خصائص الموجود بما هو موجود، بل هي من خصائص الموجود الممكن، فإنه حيث لا يقتضي في حدِّ ذاته الوجود ولا العدم، لا بدّ من علّة توجده، ويجب إنتهاء أمر الإيجاد إلى ما يكون الوجود عين ذاته ولا يحتاج إلى غيره، لامتناع التسلسل إذ التسلسل يقتضي ألا يكون هناك سبب إذ عند التسلسل يتوقف وجود السبب على السبب الذي قبله و الذي قبله على الذي قبله إلى ما لا نهاية فيلزم من هذا التسلسل اللانهائي أن لا سبب للكون ، و هذا مستحيل للظواهر الكونية الدالة على وجود الله مسبب الأسباب و علة العلل ، و الإشتباه نشأ من الغفلة عن وجه الحاجة إلى العلّة وهو الإمكان لا الوجود .

                                و كون الله سبب الموجودات لا يستلزم أن يكون له سبب إذ كما لا يتطلّب المعلول دائماً معلولا ينشأ منه فقد تتولّد ظاهرة من سبب ولا يتولّد عن الظاهرة شيء جديد كذلك العلّة لا تتطلّب علّة فوقها ، وإنّما تتطلّب معلولا لها ، و قياس رب الخلق على الخلق قياس فاسد .

                                و إذا كان الموجود فى ذاته غنياً عن غيره فى الوجود، فلا معني لإحتياجهِ الى علة تفيضعليه الوجود ما دام غنياً عما سواه فى ذلك إذ الوجود بالنسبة اليه متحقق، و هذا من قبيل عدم احتياج الملح الى ملح حتى يكونمالحاً فما دام هو مالحاً لا معنى لاحتياجه الى الملح، اذ ان امراً كهذا يكون لغواً .

                                هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


                                __________________
                                د. ربيع أحمد طبيب بشري قليل التواجد في المنتدى
                                بعض كتاباتي على الألوكة
                                بعض كتاباتي على المختار الإسلامي

                                تعليق

                                مواضيع ذات صلة

                                تقليص

                                المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                                أنشئ بواسطة Adil Kharrat, منذ 4 يوم
                                ردود 0
                                26 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة Adil Kharrat
                                بواسطة Adil Kharrat
                                 
                                أنشئ بواسطة Namilos, منذ 2 أسابيع
                                ردود 2
                                28 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة د.أمير عبدالله  
                                أنشئ بواسطة Namilos, منذ 2 أسابيع
                                ردود 14
                                51 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة عاشق طيبة
                                بواسطة عاشق طيبة
                                 
                                أنشئ بواسطة عبدالمهيمن المصري, منذ 2 أسابيع
                                ردود 0
                                11 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة عبدالمهيمن المصري  
                                أنشئ بواسطة Namilos, منذ 3 أسابيع
                                ردود 36
                                144 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة عاشق طيبة
                                بواسطة عاشق طيبة
                                 
                                يعمل...
                                X