الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

تقليص

عن الكاتب

تقليص

كريم البرلسي مسلم معرفة المزيد عن كريم البرلسي
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تجميع لأدلة وجود الله ووحدانيته

    هل هناك أدلة على الإلحاد؟
    لا بد لكل فكر من موقف يرتكز عليه
    فهل يبنى الملحد إلحاده على يقين ؟
    على الملحد أن ينتهج أحد طريقين لا ثالث لهما
    • الأول طريق الإثبات : بأن يثبت بالبرهان العقلى القاطع القائم على المقدمات الضرورية استحالة وجود إله للكون سواء كان مبدعا وخالقا أو محركا .
    • الثانى طريق النفى : فيبطل أولا كل الأدلة الواردة على وجود الله تعالى ثم يبطل ثانيا قاعدة ((عدم الدليل ليس دليل العدم )) أو يثبت بطلان المدلول ببطلان الدليل ...
    وإلا فليس وراء ذلك إلا الشك والوهم وإن بناء الإنسان موقفه من تلك القضية المصيرية على شك ووهم لهو مجازفة كبيرة بل هو المجازفة الكبرى .

    يقول بعض الملحدين إنه ليس هناك من خالق لأنه لا دليل على ذلك من عقل ولا حس. ويقول بعض المؤمنين من المسلمين وغير المسلمين: بلى إن للكون خالقاً. ولكنهم يوافقون الملحدين في أنه لا دليل عقلي على وجوده، وأن التصديق بوجوده أمر يعتمد على الإيمان القلبي فحسب، لا دليل عقلي، أو هو أمر يعتمد فحسب على تصديق الرسل فيما أتوا به.

    أما كون الإقرار بوجود الخالق أمراً إيمانياً قلبياً؛ فلا شك في ذلك، وأما كونه أمراً تعززه رسالات السماء؛ فلا شك في ذلك أيضاً. ولكن من قال إن الإيمان والعلم لا يجتمعان ؟! ومن قال إن القلب يطمئن إلى ما لا يدل عليه عقل ؟

    إن الإيمان الصحيح المعتبر هو الإيمان القائم على العلم، إلا لم يكن هنالك من فرق بين مَن يؤمن بوجود خالق ومَن يؤمن بخالقين، ومن لا يؤمن بخالق؛ لأن كلا منهم يمكن أن يقول إن اعتقاده أمر قلبي لا يخضع للمناقشة العقلية. ولم يعد من حق واحد منهم أن يقول للآخر إنك مخطئ في اعتقادك.

    ولو كان الأمر كذلك لكان من حق من شاء أن يؤمن بما شاء من غير تثريب عليه. وإذا كان بعض المتدينين من غير المسلمين يلجؤون إلى مثل هذه الأقوال المتهافتة ليستروا بها عيب اعتقاداتهم الفاسدة؛ فما هكذا ينبغي أن يكون موقف المؤمن المسلم وهو يقرأ في كتاب ربه:
    ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ محمد : 19
    ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ الحج : 54

    فالعلم أولاً، ثم الإيمان المترتب على هذا العلم ترتيباً تعبر عنه فاء السببية ﴿ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ﴾، ثم الإخبات المترتب على الإيمان ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾.
    ويقرأ في عشرات من آياته تشديد النكير على الذين يتبعون الظن وأهواء النفوس ويتكلمون بغير علم ويدعون في مجال أصول الدين دعاوى لا تسندها الأدلة والبراهين، ويعدهم من الجاهلين، بل من غير العاقلين، ويتوعدهم بأشد أنواع الوعيد:

    ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ البقرة : 111
    ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ الأنبياء : 24
    ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ النجم : 23
    ﴿ هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ﴾ آل عمران: 66

    الناس نوعان
    نوع سليم الفطرة يعرف الله تعالى ويؤمن به، فمعرفته وإيمانه سابقان لمعرفته بالآيات، لكنه إذا رأى المخلوقات عرف أنها آيات له. فمعرفته بالآيات تؤكد إيمانه ولا تنشئه.
    ونوع حدث في فطرته خلل، فلم يعد يؤمن بوجود الخالق، لكنه إذا تأمل الآيات وجدها دالة عليه، فآمن بالله عن طريق الآيات. لكن حتى هذا ما كان ليؤمن لولا أنه كان متصوراً للخالق قبل رؤيته للآيات، فلما رأى الآيات رأى المناسبة بينها وبين ذلك الذي تصوره، رأى دلالتها على وجود الخالق الذي كان قد تصوره ولم يؤمن به.
    يقول الشيخ ابن تيمية "إن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة. وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها"


    الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته


    1 - الدليل الغائي
    قال به سقراط وأفلاطون، ومضمونه أن لكل شيء في الطبيعة غرضا، لا يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود موجود غير مادي، يتجاوز الطبيعة وينظم كل الظواهر على نحو منسجم
    دليل الحركة ووضعه أرسطو و مضمونه:
    أ- الحركة تحتاج إلى محرك.
    ب- الحركة والمحرك متزامنان.
    ج- كلّ محرك إما أن يكون متحركاً وإما أن يكون ثابتاً.
    د- كل موجود جسمي متغير ومتحرك.
    هـ- التسلسل والدور في الأمور المترتبة غير المتناهية محال .
    النتيجة: تنتهي سلسلة الحركات إلى محرك غير متحرك.



    2 - الدليل الكوني(دليل العلية)
    وقال به أرسطو أيضا ، ومضمونه أن الله موجود باعتباره العلة الأولى لكل الأشياء والظواهر .
    و إن قالوا ما نسميه بالعلية ماهو إلا اقتران ظاهرتين زمانا ومكانا فالجواب أن هذا الإقتران لظاهرتين إقتران واقعي فعلي ضروري و ليس مجرد عادة ذهنية فهناك ترابط و عدم إنفكاك بين السبب و النتيجة و العلة و المعلول و كلما حدث السبب حدثت النتجة و كلما حدثت العلة حدث المعلول و دون حدوث السبب لا تحدث النتيجة .
    ووجود هذا الكون بعد أن لم يكن لدليل بديهي على وجود مسببه و موجده ولا ينكر هذا إلا عديم العقل و منتكس الفطرة


    3 - الدليل الوجودي
    وقد وضعه أنسلم ومضمونه أنه لا شك أن كل إنسان مهما كانت درجته ، يستشعر في عقله ضرورة أن يكون هناك موجود ليس هناك من هو أكمل منه. وفكرة الكمال تظل ناقصة ما لم يوجد لها مقابل في الخارج، ولكي تكون هذه الفكرة كاملة لابد وأن يكون هناك موجود في الخارج غاية في الكمال لا يوجد من هو أكمل منه وهذا الوجود الأكمل على الإطلاق هو الله
    وجود الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال هو أمر واجب الوجود ولايستطيع العقل البشري تصور غير ذلك, فليس وجوب الوجود يكون فقط لذات إلهيه خلقت الكون , وإنما يكون الوجود للإله المتصف بصفات الكمال النهائي وهو خالق الكون أيضاً, وأول من قال بهذا البرهان هو الراهب أنسلم , ثم اعتنى به ديكارت وأخرجه في صورته النهائية , وفحوى البرهان كما قال عنه العقاد : أن العقل الإنساني كلما تصور شيئاً عظيماً تصور ماهو أعظم منه , لأن الوقوف بالعظمة عند مرتبة قاصرة يحتاج إلى سبب, وهو - أي العقل الإنساني- لايعرف سبب القصور. فما من شيء كامل إلا والعقل الإنساني يتطلع إلى ماهو أكمل منه , ثم أكمل منه , ثم نهاية النهايات, وهي غاية الكمال المطلق التي لامزيد عليها ولانقص فيها. وهذا الموجود الكامل الذي لامزيد على كماله موجود لامحالة , لأن وجوده في التصور أقل من وجوده في الحقيقة , فهو في الحقيقة موجود, لأن الكمال ينتفي عنه بسبب عدم وجوده , ولايبقى له شيء من الكمال بل نقص مطلق هو عدم الوجود, فمجرد تصور هذا الكمال مثبت لوجوده , ومن هنا يتبين لنا الضرورة الفكرية التي تجعل العقل يتصور إله خالق للكون متصف بصفات الكمال المطلق وهو الله عز وجل.


    4 - الدليل الأنطولوجي
    وقال به ديكارت يعرف أيضا بالبرهان السببي، و يعتمد على مبدأ أنه : إذا وجد أي شيء فلابد من وجود شيء آخر هو سببه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وقد وجد ديكارت من بين أفكاره الفطرية فكرة الكائن الكامل اللامتناهي، التي لا يمكن أن يكون هو سببها لأنه شاك فهو ناقص، إذ أن الشك ينطوي على النقص، ولما كان ما هو ناقص لا يمكن أن يكون سبباً لما هو كامل ،فمن المحال أن نحصل على فكرة الكمال اللامتناهي من تراكم أفكار أشياء متناهية، لأن المتناهيات لا يمكن أن تؤدي إلى لا متناهي. وأخيراً لما كان الوجود الموضوعي الصوري للفكرة لا يمكن أن ينشأ من قبل كائن موجود بالقوة فحسب، بل من قبل كائن له وجود صوري وفعلي أيضاً، فإنه ينبغي أن نستنتج أن سبب فكرة الكمال اللامتناهي هو كائن كامل لا متناهي بالفعل وهو الله. فالله باعتباره الكائن الكامل اللامتناهي موجود ضرورة.
    يقول ( اندرو كونواى إيفي ) وقد كتب تحت عنوان " وجود الله حقيقة مطلقة " :
    " إن أحداً لا يستطيع أن يثبت خطأ قانون السببية ، فبدونه تنعدم الأشياء والعقل البشري لا يستطيع أن يعمل إلا على أساس السببية ، إنني أُسلِّم أن لقانون السببية وجوداً حقيقياً "

    قانون السببية هو قانون عقلي ويصدقه الواقع.
    وقبل أن نسأل (كيف نستطيع ان نثبت ان قانون السببية قانون عقلي)
    لا بد من أن ننتبه أن الإثبات نفسه يعتمد على السببية..
    الاستدلال ليس مجرد انتقال عشوائي من جملة إلى أخرى إلى أخرى بدون سبب
    بل لا بد من ذكر السبب المنطقي الذي جعلك تنتقل من المقدمة إلى النتيجة.

    ومن ينكر قانون السببية .. أطلب منه أن يكتب دليله.. ومتى كتبه .. اسأله: لماذا انتقلتَ من هذا الجملة إلى تلك إلى تلك؟
    1- إذا أجاب .. "بدون سبب".. إذاً لا قيمة لدليله.
    2- وإذا بحث عن أسباب منطقية ليثبت صحة استدلاله: إذاً استدلاله خاطئ ومتناقض لأنه يعتمد على السببية لنفي السببية

    إن برهان السببية أعلى من القانون، بل وعليه تقوم جميع علوم الدنيا ومقاصد الغايات .. ولولا هذا البرهان القبلي – أي الذي يسبق أي تجربة- لما سلَّمنا بصحة تجربة ولا قضية ولا مُبرهنة ولا فكرة، ولصارت جميع علوم الدنيا لغوٌ فارغ، ولصار مهرجي السيرك أكثر مصداقية من العالِم والفلكي والفيزيائي والمُفكر، فلولا اليقين العلمي من نتائج التجربة - ونتائج التجربة هي أحد مسلمات السببية ونتائجها والدليل على صحتها - ما قام علم ولا استقرت فكرة ولا استوعبنا قضية في الدنيا، وبما أنه يوجد عِلم وبما أنه توجد حقائق علمية وأٌسس نظرية يستقر عليها الإنسان ثم ينتقل منها إلى غيرها، إذن يبقى برهان السببية دليل جوهري وأصيل على إثبات الموجِد والخالق

    ولم يَكفُر بمبدأ السببية إلا الملحد وعليه قبل أن يَكفر بالسببية أن يَكفر اضطراراً بكل علوم الدنيا، وببديهيات عقله حتى يتسنى له أن يحيا في اتساق مع إلحاده.

    فلا يوجد شيء يسير في هذا الكون بلا قانون، فالكل مُسخَّر تماماً، بمنتهى السببية من المِجرة إلى ما دون الذرَّة، وحتى التذبذب الكمومي يخضع لقانون وإطار كلاسيكي صارم، ولا يستطيع أن يتمرد على أُسس الميثودولوجيا السببية .

    يقول ديفيد هيوم ومن تابعه أن ما يسمى بالسببية والعلوم الضرورية لا حقيقة لها لأن مصدر ثقتنا بها هو خبرتنا البشرية، فيقال له: تقريرك هذا إما أن تجزم أن "سببه" الخبرة، وهذا يبطل أصلك، وإما أن تقول أن "سببه" مصدرٌ خارج الخبرة، وهذا أيضاً باطل عندك لأنك تنكر أي مصدر للمعرفة من خارج الخبرة/التجربة البشرية، وإما ألا يكون له سبب إطلاقاً، فيكون تقريركم الذي قررتموه - وكل ما ستقررونه في المستقبل - ساقط لا معنى له، وإما ألا يكون للسبيية أية وجود لا داخل ولا خارج الخبرة البشرية، وهذا هو عين تقريركم الأول وهذا التصرّف مغالطة معروفة لا تُقدّم ولا تؤخّر

    بطلان التسلسل والدور
    كثيرا ما احتج الملاحدة بوجود سلسلة لا نهائية من الحوادث، أو أن هذا الكون مستمر بحكم التفاعل الذاتي الذي لا أول له زعما منهم أن هذا دليل لنفي وجود الله عز وجل.

    أ - بطلان التسلسل

    التسلسل هو استناد وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه، وتستند هذه العلة إلى علة مؤثرة فيها، وهي إلى علة ثالثة مؤثرة فيها، وهكذا تسلسلاً مع العلل دون نهاية، يقول ابن تيمية :«ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات، وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل، وهذا باطل بصريح العقل و اتفاق العقلاء»

    ونستدل على بطلان التسلسل اللانهائي من وجوه :
    الوجه الأول
    إن الموجودات بأسرها إما أن تكون واجبة الوجود أو ممكنة الوجود أو ممتنعة الوجود، فأما الأول فباطل لأنا نشاهد في العالم ما يحدث بعد أن لم يكن والواجب بنفسه لا يسبقه العدم، والثاني باطل أيضا لان ممكن الوجود هو الذي يمكن وجوده وعدمه أي هو الذي يسبقه العدم، وما سبقه العدم لا يستطيع إيجاد نفسه، فوجب وجود موجود لم يسبقه العدم افتقرت إليه الموجودات جميعها، أما الثالث فهو باطل لأن العالم موجود، فما وجد لا يكون ممتنع الوجود.

    فلزم لبطلان هذه الأقسام الثلاثة أن يكون بعضها واجبا وبعضها ممكن.
    وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة وليس كلها ممكنا ولا كلها واجبا دل ذلك على انتهاء التسلسل وبطلان لانهائيته.

    الوجه الثاني
    كل ممكن الوجود لا يوجد إلا بموجب يجب به وجود لأن الممكن كان مسبوقا بعدمه وهو مفتقر في وجوده إلى واجب الوجود الذي لا يسبقه العدم، والممكن لا بد لرجحان وجودها من مرجح واجب الوجود.

    الوجه الثالث
    الممكنات لا توجب الوجود بنفسها، فلا بد للممكن الذي يقبل الوجود والعدم من موجود ليس بممكن، ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره وليس كل موجود وجد بنفسه لأن منها المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها ، فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وما هو موجود بغيره، والموجود بنفسه هو الواجب و الموجود بغيره هو الممكن، فسقطة بذلك دعوى التسلسل اللانهائي.

    الوجه الرابع
    لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة. وعند ذلك فلا يخلو : إما أن يقال بأنها أزلية وهو محال لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم، أو يقال بأنها ليس أزلية وهو المطلوب ، ويلزم من قول عدم أزليتها وعدم وجود واجب الوجود الأزلي بالقول بعدم وجودها، فبحكم العقل، العدم لا يعطينا وجودا وفاقد الشيء لا يعطيه، فتبين أن هذا القول خلاف المشاهد، فهذه العلل والمعلولات كل منها يكون مسبوقا بالعدم، فمجموعها مسبوق بالعدم، فوجب أن يكون لوجودها أول تنتهي إليه، فلو قيل لأحد لن أعطيك درهما إلا وقبله درهم لكان الإعطاء محال، كذلك الحال بالنسبة لمجموعة من الأصفار التي لا تكتسب قيمة إلا إذا كان عدد بين الواحد والتسعة على يسار هذه الأصفار، فالصفر يستمد القيمة من الصفر الذي إلى يساره، وهو أيضا إنما يستمد القيمة العددية من الصفر الثالث فالرابع فالخامس ... إلى أن تنتهي الأصفار برقم عددي كالواحد فما فوق. فهذا الرقم هو الذي يملك قيمة ذاتية في داخله، وهو الذي يضفي الحياة والقيمة على الأصفار المتسلسلة التي عن يمينه. فلو فرضنا أن سلسلة الأصفار لم تنته إلى رقد عددي يملك قيمة ذاتية، فهي أصفار خالية عن قيمة بل عن أي معنى الوجود.
    وافتراض التسلسل اللانهائي فيها لا يغير من طبيعة الحال ولا يجعل لها أي قيمة
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:«وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء، فتكون الموجودات كلها معدومات». ويقول أيضا : «مهما قُدِّر من الممكنات التي ليست متناهية، فإنه ليس واحد منها موجودا بنفسه، بل هو مفتقر إلى ما يُبدعه ويُفعله... فإذا قدر ممكنات متسلسلة كل منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم، والوجود موجود محسوس، فعلم أن فيه ما هو موجود بنفسه ليس وجوده من غيره»

    الوجه الخامس
    قد يُقال: لما لا يجوز تطبيق مفهوم اللانهاية على العالم المادي، ذلك أن هذا المفهوم يتم تطبيقه فكريا، فمثلا: الذهن يقبل بفكرة عدم وجود نهاية للأعداد الرياضية حيث كلما تصورنا عددا إلا وكان بالإمكان أن نتصور عددا آخر يُضاف إليه ومادام هذا التصور ممكن عقلا، فلما لا يكون أيضا بالإمكان عقلا أن يكون تكون الكون عملية مستمرة على نحو لا نهائي.
    أقول : إن مفهوم اللانهائية لا يجب تنزيله على الظاهرة المادية وهذا هو مايقوله علماء الرياضيات أنفسهم فالعالم الرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول :" إن اللانهاية لا توجد داخل الطبيعة... إن دورها الوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة "
    ونلاحظ التناقض الكبير عند محاولة تطبيق هذا المفهوم على العالم المادي ذلك أن العدد اللانهائي هو العدد الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
    وحتى الملحد دفيد هيوم يقول بصريح العبارة :" إن عددا لانهائيا من مراحل الزمن التي تتوالى يبدو مجرد فكرة متناقضة، وهي فكرة لا يوجد إنسان يقتنع بها دون أن يكون في اقتناعه يفكر على نحو فاسد مختل "

    ب - بطلان الدور
    الدور هو توقف الشيء على نفسه، بأن يكون هو نفسه علة لنفسه بواسطة أو بدون واسطة.
    أو توقف شيء على شيء قد توقف على الأول بمرتبة أو مراتب بمعنى : توقف الشيء على ما توقف عليه.
    وهذا الدور هو الدور السبقي أو الدور القبلي، وهو باطل لأنه يقتضي أن يكون الشيء نقيض نفسه، فيكون متقدماً ومتأخراً في لحظة واحدة وموجوداً ومعدوماً في وقت واحد، وهذا جمع بين النقيضين، والجمع بين المتناقضات باطل.
    يقول ابن تيمية:« فأما الدور القبلي فممتنع، فإنه إذا كان هذا لا يوجد إلا بعد ذاك، وذاك لا يوجد إلا بعد هذا، لزم أن يكون ذاك موجودا قبل هذا، وهذا قبل ذاك، فيكون كل من هذا وذاك موجودا قبل أن يكون موجودا، فيلزم اجتماع الوجود والعدم غير مرة، وذلك كله ممتنع ».
    ما قاله شيخ الاسلام بين فيه بطلان الدور لأنه يلزم اجتماع الوجود والعدم، وهو ايضا باطل لأنه يجمع التقدم والتأخر فهو يستلزم -أي الدور- يستلزم تقدم الشيء على نفسه وهو ضروري الاستحالة، وجه الاستلزام أن الشيء إذا كان علة لآخر كان متقدما عليه وإذا كان الآخر علة له كان متقدما عليه والمتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء فيكون الشيء متقدما على نفسه ويلزمه كون الشيء متأخرا عن نفسه وهو معنى احتياجه إلى نفسه وتوقفه على نفسه والكل بديهي الاستحالة
    أمثلة توضيحية لبطلان الدور
    • الكون وجد بنفسه: هذا الكلام فيه دور مرفوض عقلا، إذ يقتضي أن يكون الكون علة لنفسه، ومعلولا لها بآن واحد، فجُعِلَت العلة هي نفس المعلول، وهذا يقتضي أن يكون وجود الكون سابقاً على وجوده نفسه، وفي هذا تناقض ظاهر، فمعلوم أن العلة تسبق المعلول في الوجود، فبوصف الكون علة هو موجود، وبوصفه معلولا هو غير موجود، فهو إذن حسب الدعوى موجود غير موجود أو موجود ومعدوم، وهذا جمع بين النقيضين وهو باطل.

    • لو قلنا أن الدجاجة متوقف وجودها على البيضة، والبيضة متوقف وجودها على الدجاجة، فهذا أيضا دور مستحيل، إذ يقتضي أن علة الدجاجة البيضة وعلة البيضة الدجاجة، وهذا دور بواسطة، وكلاهما سيظل معدوما ما دام متوقفا على الآخر.
    وبطلان ذلك يظهر إذا أزلنا الواسطة، فستصير الجملة كالتالي: علة الدجاجة هي الدجاجة نفسها أو علة البيضة هي البيضة نفسها.
    فلزم منه إثبات أن يكون الشيء الواحد موجودا قبل أن يكون موجودا، ليوجِد شيئا آخر، يكون هذا الشيء الآخر علَّة في وجود ما كان هو سببا في وجوده، وهذا باطل بَيِّنُ البطلان.

    • لو فرضنا أن شخصا حاول الانتساب إلى شعبة الدراسات الإسلامية، فقيل له إن ذلك متوقف على أن تكون مسجلا في جامعة الشريعة، ولما حاول التسجيل في جامعة الشريعة، قيل له إن ذلك متوقف على أن تكون عندك شهادة حسن السيرة، ولما حاولت أخذ هذه الشهادة قيل لك إن ذلك متوقف على أن تكون مسجلا في شعبة الدراسات. فمن البديهي أنه لن يستطيع أن يحقق لنفسك أي الغرض ما دام سقط في هذا الدور الممتنع.
    فالدور المستخدم في المثال الأول -حدوث الكون بنفسه- والمثال الثاني -الدجاجة والبيضة- يسمى الدور الصريح، لأنه دور يتوقف فيه الشيء على نفسه مباشرة دون واسطة أو بواسطة واحدة.
    والدور المستخدم في المثال الثالث يسمى دورا مضمرا لتوقف الشيء على نفسه بواسطة عنصرين فأكثر.

    قال ابن رشد : الموجودات الممكنة لا بد لها من علل تتقدم عليها ، فإن كانت العلل ممكنة لزم أن يكون لها علل ، ومر الأمر إلى غير نهاية ، وإن لم يكن لها علة لزم وجود الممكن بلا علة وذالك مستحيل ، فلا بد أن ينتهي الأمر إالى علة ضرورية . فإذا انتهى الأمر إلى علة ضرورية لم تخل هذه العلة الضرورية أن تكون ضرورية بسبب أو بغير سبب ، فإن كانت بسبب سئل أيضا في ذالك السبب ، فأما أن تمر الأسباب إلى غير نهاية ، فليزم بأن يوجد بغير سبب ما وضع أنه موجود بسبب وذالك محال ، فلابد أن ينتهي الأمر إلى سبب ضروري بلا سبب أي بنفسه ، وهذا هو واجب الوجوب ضرورة


    التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 19 فبر, 2016, 01:09 ص. سبب آخر: تكبير الخط ..
    ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

  • #2
    رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

    5 - الدليل الهندسي
    وقال به ديكارت أيضا ومضمونه انه كما أن فكرتنا عن المثلث تستتبع أن تكون زواياه الداخلية مساوية لقائمتين ( 180 درجة ) ، كذلك فإن فكرتنا عن الله باعتباره كائناً كاملاً متناهياً تستلزم وجوده بالضرورة. وعليه فإذا كان من التناقض أن نقول أن الزوايا الداخلية للمثلث لا تساوي قائمتين، فمن التناقض كذلك أن نقول أن الله غير موجود، لأن الوجود متضمن في ماهية الله على نحو ما تكون مساواة الزوايا الداخلية للمثلث لقائمتين متضمنة في تعريف المثلث.


    6 - دليل الإمكان والوجوب
    وقال به ابن سينا ، ويتكون من مقدمات ثلاث هي:
    المقدمة الأولى: إنّ موجودات هذا العالم ممكنة الوجود، وهي ذاتاً لا تقتضي الوجود؛ إذ لو كان واحد منها واجب الوجود لتم إثبات المطلوب
    المقدمة الثانية: كل ممكن الوجود فهو محتاج في وجوده إلى علّة تمنحه الوجود.
    المقدمة الثالثة: استحالة الدور والتسلسل في العلل .
    النتيجة: إنّ كلّ واحد من موجودات هذا العالم الممكنة الوجود يحتاج إلى العلّة الفاعلية، ويستحيل أن تمتد سلسلة العلل إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أيضاً الدور؛ إذن لابدّ أن تنتهي سلسلة العلل من ناحية البدء إلى علّة ليست محتاجة إلى علّة, وهي التي نسميها واجب الوجود، وهو المطلوب

    الأحكام العقلية هي جميع الأمور والأشكال المفروضة في الذهن، أي كل ما يتصوره الفكر، وهذه الأحكام لا تخلوا أن تكون واحدة من الأقسام الثلاثة الآتية
    القسم الأول : ممكن الوجود
    وهو ما يقبل العقل وجوده وعدمه ويسمى أيضا الجائز و الممكن عقلا، وهو نفس تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية حين يقول :«هو الذي يمكن وجوده وعدمه»

    • أمثلة توضيحية :
    1 – البشر موجودون في هذا الكون، لكن وجودهم جائز عقلا إذ أنه من الممكن أن لا نكون موجودين، دل على ذلك الشرع و العقل و العلم .
    2 – عودة الإنسان إلى الحياة بعد موته أمر ممكن لا يمنعه العقل رغم أن الحس و المشاهدة تنفيان هذا الأمر، إلى غير ذلك من الأمثلة.
    ونخرج من هذين المثالين بنتيجة مهمة وهي : أن كل حادث فوجوده و صفاته، وكذلك انعدامه و انعدام صفاته، أمر ممكن عقلا، وليس شيء منها في حكم العقل المجرد بواجب ولا مستحيل.

    القسم الثاني : مستحيل الوجود
    وهو ما يوجب العقل عدمه، ولا يجيز إمكان وجوده في أية حالة من الحالات التي يتصورها الذهن.

    • أمثلة توضيحية
    1 – يستحيل في حكم العقل أن يكون الشيء موجودا و معدوما في نفس الوقت .
    2 – يستحيل أن يكون الجزء من الشيء الواحد أكبر من كل ذلك الشيء .
    3 – يستحيل ترجيح أخد المتساويين تساويا تاما على الآخر من غير مرجِّح.

    القسم الثالث : واجب الوجود
    وهو ما يوجب العقل وجوده، ولا يجيز إمكان انعدامه في أية حالة من الحالات التي يمكن أن يتصورها الذهن.

    • أمثلة توضيحية
    1 – متى كان الكل موجودا وجب عقلا أن يكون جزء هذا الكل موجودا أيضا.
    2 – يجب أن يكون للحادث محدِث قد أحدثه.
    3 – متى وُجد المعلول وجب عقلا أن تكون علته قد وُجدت.
    4 – متى وُجد المسبب وجب عقلا أن يكون سببه قد وُجد.
    5 – متى رجح أحد المتساويين على الآخر، وجب عقلا أن يكون مرجِّحٌ قد رجَّحه.
    6 – وأما واجب الوجود على الإطلاق، فهو وصف ليس له إلا موصوف واحد هو الله جل وعلا.

    فإن جميع الأمور والأشكال المفروضة في الذهن لا تعدو أن تتصف بأحد أوصاف ثلاثة : الوجوب، الاستحالة، الإمكان.
    فما اتصف بالوجوب هو ما يحيل العقل عدمه، وما اتصف بالاستحالة هو ما يحيل العقل وجوده، وما اتصف بالإمكان هو ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه

    وقد ذكر الشهرستاني نحو هذا الكلام، حيث يقول :« القسمة العقلية حصرت المعلومات في ثلاثة أقسام واجب ومستحيل وممكن فالواجب هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه لزم منه محال والمستحيل هو ضروري العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال والممكن ما لا ضروري في وجوده ولا عدمه »

    وكل البشر على اختلاف مللهم ومذاهبهم، يقرون بهذا التقسيم، بل حتى الملاحدة أنفسهم، ويبقى موضع النزاع في تعيين واجب الوجود، فمنهم من جعله صنما ومنهم من جعله كوكبا ومنهم من جعله الطبيعة الصماء أو الصدفة العمياء، وأهل الحق أقروا أن واجب الوجود هو صانع العالم الخالق البارئ سبحانه.

    إثبات واجب الوجود
    بعد بيان أقسام الأحكام العقلية، فإن الموجودات إما أن تكون كلها ممكنة أو كلها واجبة أو منها الممكن والواجب، فأما الأول ممتنع، لأن الممكن وجوده بغيره وليس بنفسه والممكن يسبقه العدم، ومعلوم أن العدم لا يعطينا وجودا من نفسه وهذا معلوم بالضرورة والممكنات لا يترجح وجودها على عدمه إلا بمرجح مغاير لها- وسيتم بيان ذلك لاحقا- والثاني ممتنع أيضا لأنه خلاف المشاهد فالواجب هو الأزلي الأبدي الذي لا يقبل التغير،والعالم له بداية وستكون له نهاية ويقبل التغير، فثبت إذا أن الموجودات تنقسم لممكن الوجود بغيره وواجب الوجود لذاته.

    ولا يكفينا القول بوجود القسمين معا، بل إن الناظر في الموجودات الممكنة لا يجد لها بدا من مُوجد واحد واجب الوجود، وإلا لما كان هناك وجود أصلا، فتبين لنا أن بالإضافة إلى وجود القسمين فإن واجب الوجود لذاته مستغن في وجوده عن كل ما سواه، ووجوده واجب ضروري، لا يجيز إمكان انعدامه العقل ، وأن كل ما عداه فهو ممكن لذاته، مفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته.

    ولبيان ذلك : سأقوم بصياغة قضايا ثم أبني عليها نتيجة، هي ما قررته آنفا
    القضية الأولى : العدم "نقيض الوجود" لا يستطيع أن يوجد لنا شيئا.
    القضية الثانية : العالم حادث أي أنه كان مسبوقا بعدمه.
    القضية الثالثة : المشاهدة والحس والبداهة تؤكد أننا موجودين والعالم كذلك موجود.
    من القضية (1) و (2) نستنتج أن الأصل ليس هو العدم، إذ لو كان كذلك لما كان هناك عالم ولما كنا موجودين حتى نفكر ونكتب بحثا.

    ومن الاستنتاج الأول والقضية الثالثة، ثبت لنا أن الأصل هو موجود ليس قبله عدم، وإذا قلنا أن قبله عدم، سنكرر نفس المقدمتين الأولى والثانية لنخرج بنفس النتيجة، أن الأصل هو موجود ليس قبله عدم أي :أنه "موجود أزلي"، "واجب الوجود" وواجب الوجود هو الله الأول والآخر والظاهر والباطن.

    فتبين لنا إذاً أن الممكنات لابد لها من واجب الوجود لذاته وإلا لكانت الموجودات كلها معدومة، وهو ما أشار إليه ابن تيمية في قوله:« وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء، فتكون الموجودات كلها معدومة » وينقل رحمه الله كلاما للآمدي من كتابه أبكار الأفكار على أن واجب الوجود وجوده لذاته لا لغيره بغلاف الممكن الذي وجوده بغيره، «مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين القول بوجوب وجود موجود وجوده لذاته لا لغيره، وكل ما سواه فمتوقف في وجوده عليه»

    دليل بطلان الرجحان بدون مرجح
    الرجحان في اللغة هو الميلان، يُقال رجح الميزان رجحانا أي مال
    ونقول : أن معنى الرجحان بدون مرجح هو تغيير جريان شيء من نسق معين إلى نسق آخر من دون وجود أي مغير أو محول، وهذا معلوم بطلانه و فساده عند جميع العقلاء، ولا بدل لتحويله عن حاله السابقة من مرجح يفرض عليه الوضع الجديد . وحتى العلوم المادية تقر بهذه الحقيقة فإسحاق نيوتن الذي اشتهر بعبقريته في الغرب، يضع قانونا عاما للحركة يثبت ذلك

    وبتطبيق هذه الحقيقة على مسألة وجود الله، واعتمادا على ما أقررته في أقسام الموجودات والأحكام العقلية نقول :
    أن هذا الكون الذي نعيش فيه من نوع الممكن، أي أن فرض عدمه ليس بالمستحيل عقلا،

    حيث نجد أن جزئياته تقبل العدم والوجود، فالأفلاك و الأجرام لم تكن موجودة ثم وُجدت وكذلك كوبنا الأرض و جميع الكائنات، وما يثبت للجزئيات يثبت أيضا للكلي، يقول ابن تيمية:«من المعلوم أن بعض أجزاء العالم يشاهد عدمه بعد الوجود ووجوده بعد العدم كصور الحيوان والنبات والمعدن وأنواع من الأعراض وهذا معلوم بالحس أنه ليس واجب الوجود بل هو ممكن الوجود لقبوله العدم » وهناك شواهد طبيعية كثيرة تثبت أن الكون لم يكن موجودا منذ الأزل، وان له عمرا محدودا، ومعنى ذلك أن كفة العدم كانت إذ ذاك هي الراجحة، وكان الأمر مستمرا على ذلك. ثم إن الأمر انعكس بعدئذ فترجحت كفة الوجود على كفة العدم. فمن البديهيات العقلية أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم الأصل فيه هو العدم، إذ لو كان أصله الوجود لكان واجب الوجود،فلا يكون مع ذلك ممكن الوجود والعدم، لاستحالة التناقض.

    فإذا ثبت أن الكون مسبوق بعدمه، وعلمنا أن العدم لا يعطينا وجودا ولا يؤثر في الوجود، وجب علينا حينئذ التصديق بوجود قوة مؤثرة رجَّحت الوجود على العدم.

    فإذا ادعى أحدهم أن في الكون قوة ذاتية أخرجته للوجود، فمعنى ذلك رجحان كفة الوجود على العدم دون الحاجة لأي عامل أو مرجح أو قوة، وهذا أمر بين بطلانه وفساده لذوي العقول، فكما أنه يستحيل رجحان كفتي الميزان المتساويتين إلا بوجود قوة كانت سببا في هذا الرجحان بل ويزيد الأمر استحالة عند فرض أن الكفة الثقيلة الراجحة طاشت وأصبحت مرجوحة وتهبط الخفيفة رغم خفتها وكل هذا من غير مرجح، فكذلك الشأن بالنسبة للوجود و العدم، فيبطل رجحان الموجود على العدم من غير مرجح.

    العالم يطرأ عليه التغير والحدوث والعدم، وكل ما يطرأ عليه التغير والحدوث والعدم فهو ممكن الوجود، وكل ممكن الوجود وجوده بإيجاد غيره أي أنه لم يوجد نفسه وهذا واضح بَيِّن، فغيره من أوجده، واثبات إمكان وجود العالم إما من الطريقة الأعلى أو من الطريق الأسفل، أي إما أن نثبت أن "الكل" ممكن الوجود، والكل متركب من آحاد فثبت أن الآحاد ممكنة أيضا، إذ ما يثبت للكل يثبت للجزء، وإذا انطلقنا من الآحاد وأثبتنا أنها ممكنة، فالكل واجب أن يكون ممكن الوجود، وكل ممكن فهو باعتبار ذاته جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد وإذا ترجح جانب الوجود على العدم احتاج إلى مرجح، والذي رجح الوجود على العدم هو الله سبحانه وتعالى بإرادته ومشيئته.

    يشير الآمدي إلى هذا المعنى موضحا أن ممكن الوجود وجوده وعدمه جائر: « وعند ذلك فإما أن يكون في وجوده مفتقرا إلى مرجح أو غير مفتقر إليه، فإن لم يكن مفتقرا إلى المرجح فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح، وهو ممتنع. وإن افتقر إلى مرجح فذلك المرجح إما واجب أو ممكن، فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فإما أن يقف على موجود هو مبدأ الموجودات غير مفتقر في وجوده إلى غيره، أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فهو ممتنع »
    فالذين لا يؤمنون بوجود خالق الكون وواضع نظمه مثلهم كمثل المنكرين لوجود من بنى تلك البيوت و القصور القائلين أنها مبنية من نفسها ما داموا لم يروا بانيها و هو يبنيها . و نحن المؤمنين بالغيب تحت إشراف العقل و إرشاده نعترف عند رؤية البناء بوجود الباني و لو لم نره . فالفرق بيننا بسيط إلى هذا الحد ، فهل يسع الملاحدة أن يدعوا إمكان وجود قصر أو بيت من تلك القصور أو البيوت التي هي من صنع البشر ، بنفسها من غير وجود بان أو صانع ؟ فإن لم يسعهم ذلك فكيف يسعهم القول بوجود صرح العالم بسمواته و أرضه بنفسه من غير وجود بانيه ؟ أليس للسموات و الأرض أهمية كأهمية واحد من البيوت المبنية بأيدي البشر حتى تستغنيا عما لا يستغني عنه من الباني ، أم كان استغناؤهما عن الباني لكونهما في غاية العظمة و البداعة ؟ أما الاحتمال الأول و هو كونهما في الأهمية دون البيوت المبنية بأيدي البشر فباطل بداهة ، أما الاحتمال الثاني و هو أن يكون البناء الأعظم و الأبدع مستغنيًا عن الباني حين كان أقل البنيان و أحقره غير مستغن عنه ففي غاية البعد من العقل .

    و لكن يمكن لهم أن يسوقوا اعتراضًا قائلين أنه كما تقولون أنتم بوجود خالق بنفسه من غير موجد ، فنحن كذلك نقول بعالم موجود بنفسه دون الحاجة لموجد . و هذا عندنا من المحال لأن الموجود بذاته لا يكون إلا واجب الوجود و يكون مستحيلاً تغيره من حال إلى حال و وجوده أو وجود شئ منه بعد العدم و عدمه أو عدم شئ منه بعد الوجود ، بل يستحيل تركبه و تجزؤه المستلزم لاحتياجه لأجزائه و العالم المتغير المتجزئ المحتاج على القل لأجزائه لا يكون واجب الوجود بل ممكنًا يقبل الوجود و العدم متساويين بالنسبة إلى ذاته ، فيحتاج وجوده إلى مرجح يرجح له جانب الوجود و يوجده بعد أن كان معدومًا ، و في عدمه إلى مرجح يرجح له جانب العدم فيعدمه بعد ان كان موجودًا ، و في وجوده كذلك يحتاج أيضًا إلى مرجح يرجح له أن يكون على نوع معين من أنواع الوجود و على شكل معين من أشكاله فلو أنكرنا له هذه الحاجات كان قولاً برجحان أحد المتساويين بنفسه على الآخر من غير مرجح و هو محال متضمن للتناقض . و هذا المرجح عندنا في وجوده أو عدمه و في كونه على نوع معين من أنواع الموجودات و على شكل معين من أشكاله هو إرادة الله تعالى واجب الوجود .

    فلو كان العالم أو أي جزء من أجزائه موجودًا بنفسه من غير موجد و وجودًا على نوع معين و شكل معين من غير معين ، لزم الرجحان من غير مرجح أي لزم كون ما فرض وجوده و عدمه ثم وجوده على نوع دون نوع و شكل دون شكل متساويين بالنسبة إلى ذاته ، خلاف ذلك أي غير متساويين . و خلاف الفرض محال متضمن للتناقض .


    7 - دليل الخلق والاختراع

    قال ابن رشد : الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرئ الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين :
    أحدهما طريق الوقوف على العناية بالانسان وخلق جميع الموجودات من أجلها ولنسم هذه ( دليل العناية ) .
    والطريقة الثانية : ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد والادراكات الحسية والعقل ، ولنسم هذه ( دليل الاختراع ) .
    فأما الطريقة الأولى فتبنى على أصلين : أحدهما أن جميع الموجودات التي هاهنا موافقة لوجود الإنسان ، والأصل الثاني أن هذه الموافقة هي ضرورية من قبل فاعل قاصد لذالك مريد إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالإتفاق ، فأما كونها موافقة لوجود الانسان ، فيحصل اليقين بذالك بإعتبار موافقة الليل والنهار ، والشمس والقمر لوجود الإنسان ، وكذالك موافقة الأزمنة الأربعة له ، والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض ، وكذالك تظهر أيضا موافقة كثير من الحيوان له والنبات والجماد وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار ، وبالجملة ؛ الأرض والماء والنار والهواء وكذالك أيضا تظهر العناية في أعضاء البدن وأعضاء الحيوان . أعني كونها موافقة لحياته ووجوده ، وبالجملة فمعرفة ذالك أعني منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس ، ولذالك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع الموجودات .

    وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ، ووجود السماوات . وهذه الطريقة تبنى على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس .
    أحدهما : أن هذه الموجودات مخترعة وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات كما قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الحج : 73 الآية . فإنا نرى أجساما جمادية ، ثم تحدث فيها الحياة ، فنعلم قطعا أن هاهنا موجدا للحياة ومنعما بها ، وهو الله تبارك وتعالى . وأما السماوات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ها هنا ومسخرة لنا ، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة.
    وأما الأصل الثاني : فهو أن كل مُخْتَرَع فله مُختَرِع ، فيصح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلا مخترعا له . وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على المخترعات ، ولذالك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات ، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع ، والى هذا الاشارة بقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ) الاعراف : 185 . وكذالك أيضا من تتبع معنى الحكمة في موجود موجود . أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق ، والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم . فهذان الدليلان هما دليلا الشرع.
    وأما الآيات المنبهة على الأدلة المفضية الى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فذالك بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى ، وذالك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع ، إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية . وإما آيات تتضمن التنبيع على الإختراع . وإما آيات تجمع الأمرين معا .

    فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط ، فمثل قوله تعالى : 5( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً)6( وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً)7( وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً)8( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً)9( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً)10( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً)11( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً)12( وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً)13( وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً)14( لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً)15( وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً)16 النبأ . ومثل قوله (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً) الفرقان : 61. ومثل قوله تعالى : (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) عبس : 24 . الآية ومثل هذا كثير في القرآن.
    وأما الآيات التي تتضمن دلالة الاختراع فقط ، فمثل قوله تعالى : (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ) الطارق : 5. ومثل قوله تعالى : (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) الغاشية : 17. ومثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) الحج : 73 . ومثل هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) الأنعام : 79. الى غير ذالك من الآيات التي لا تحصى .
    وأما الايات التي تجمع الدلالتين فيهي كثيرة أيضا ، بل هي الأكثر مثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة : 21 ، 22 . فإن قوله : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) تنبيه على دلالة الاختراع ، وقوله : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء) تنبيه على دلالة العناية ، ومثل هذا قوله تعالى : (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) يس : 33 . وقوله : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران : 191.
    وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الدلالة . فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا الله الناس منها الى معرفة وجوده ، ونبههم على ذالك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى ، والى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طبع البشر الاشارة بقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا) الاعراف : 172

    دليل الخلق
    وهو دليل أورده المتكلمين المسلمين ، ومضمونه إن وجود المخلوقات بعد العدم دليل على وجود الخالق ، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق قال تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)،ويرتكز هذا الدليل على فكرتين بديهيتين
    الأولى: حدوث المخلوقات ، وهذا معلوم بالمشاهدة في آحاد الحيوان والنبات ، وبالضرورة العقلية في سائر المخلوقات ، لأﻧﻬا مسخرة ، والمسخر مخترع من قبل غيره ضرورة.
    والثانية : حاجة المحدَث إلى محدِث : وهذه الفكرة معلومة بضرورة العقل، فالمحدَث لابد له من محدِث لا يفتقر إلى غيره، وهو الله تعالى.

    يقول مؤلف العقيدة السفارينية
    دلت على وجوده الحوادث****سبحانه فهو الحكيم الوارث

    وكثيرٌ من علماء المسلمين الذين ألفوا في أصول الدين والعقيدة، استدلوا على وجود الله بدليل الحدوث، وابن خلدون يشير أيضا في مقدمته إلى دليل الحدوث فيقول :« إن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونه وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضا فلابد له من أسباب أخر ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه » .
    فالكرسي صنعه نجار و الساعة صنعها ساعاتي و القصر صنعه بناء، والعاقل عند زوال الحجب والموانع، يتفكر في خلق السموات و الأرض فيعلم أن هذا الكون من المستحيل أن يأتي صدفة أو من نفسه، فيؤمن في قرارات نفسه أن هذا الكون مخلوق له خالق.
    وقد اعتمد النظار على مقدمات عديدة ليصلوا إلى نتيجة واحدة وهي أن العالم حادث وكل حادث لا بد له من محدِث وإلا لزم إيجاد الشيء نفسه أو الدور والتسلسل والكل محال

    والاستدلال على وجود الله تعالى استنادا على دليل الحدوث يعتمد على قضيتين، القضية الأولى إثبات حدوث العالم، والثانية إثبات أن كل حادث لابد له من محدث

    إثبات حدوث العالم

    أولا الأدلة العقلية على حدوث العالم

    1 – إن قبول الوجود والعدم على موجودات العالم دليل على حدوثه، فغيث ينزل، وزهر يتفتح، وطفل يولد وآخر يموت، ونجوم تنشأ وأخرى تخبو، إلى غيرها من الحوادث، وفي ذلك يقول ابن تيمية :« من المعلوم أن بعض أجزاء العالم يشاهد عدمه بعد الوجود ووجوده بعد العدم كصور الحيوان والنبات والمعدن وأنواع من الأعراض وهذا معلوم بالحس أنه ليس واجب الوجود بل هو ممكن الوجود لقبوله العدم »

    2 – الموجودات إما أن تكون كلها حادثة أو كلها قديمة أو منها الحادث والقديم، فالأول ممتنع لأن الحوادث تفتقر لمن يُحدثها، ومحدِث الموجودات لا يكون معدوما وهذا معلوم بالضرورة والثاني ممتنع أيضا لأنه خلاف المشاهد والضرورة الحسية، فلو كانت الموجودات كلها قديمة لما طرأ عليها التغير أو الفناء، فثبت إذا أن الموجودات تنقسم لقديم ومحدث، ولابد للمحدَث من محدِث قديم.

    3 – أجزاء العالم مفتقرة لغيرها ولا يوجد منها ما هو قائم بذاته، فالشمس مفتقرة لذراتها ومفتقرة لقانون الجاذبية، وكذلك سائر الكواكب والأفلاك، والإنسان أيضا مفتقر للماء والطعام، وشرط القديم الغنى، فإذا ثبت افتقار أجزاء العالم لغيره ثبت حدوثها، وحدوث الأجزاء حدوث للكل.

    4 – بيان استحالة حوادث لا أول لها، فإذا علمنا أن موجودات العالم خاضعة لمبدأ السببية، وأن تسلسل الحوادث إلى ما لانهاية باطل، ثبت إذا حدوث العالم، وسيأتي بيانه فيما بعد.

    ثانيا أدلة العلم الحديث على حدوث العالم


    وأما الأدلة العلمية على حدوث العالم فتكاد لا تحصى، وسأقتصر على أكثرها قوة وأظهرها حجة،

    1 – القانون الثاني للتيرموديناميك

    هذا القانون يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزليا، فهو يصف لنا أن الحرارة تنتقل دائما من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، والعكس غير ممكن. وبناء على هذا الكشف العلمي الهام فان اتجاه الكون نحو التوازن الحراري يزداد يوما بعد يوم، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينذاك لا تبقى أية طاقة مفيدة للحياة والعمل، وسيترتب على ذلك أن تنتهي العمليات الكيماوية والطبيعية،

    وانطلاقا من هذه الحقيقة القائلة بان العمليات الكيماوية والطبيعية جارية، وان الحياة قائمة، يثبت لدينا قطعا أن الكون ليس بأزلي، إذ لو كان الكون أزليا لكان من اللازم أن يفقد طاقته منذ زمن بعيد، بناء على هذا القانون، ولما بقي في الكون بصيص من الحياة
    يقول ادوارد لوثر كسيل عالم أمريكي في علم الحيوان « وهكذا توصلت العلوم - دون قصد - إلى أن لهذا الكون بداية. وهي بذلك تثبت وجود الله، لأن ما له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ نفسه ولا بد من مبدئ، أو من محرك أول، أو من خالق، هو الإله »
    وقد قال نفس الكلام السير جيمس: « تؤمن العلوم الحديثة بان عملية تغير الحرارة سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض، حتى نفكر فيها. إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن.، ومن ثم لابد لها من بداية، ولا بد أنه قد حدثت عملية في الكون، يمكن أن نسميها خلقا في وقت ما، حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزليا »

    2 – نظرية الانفجار الكبير

    إن الحقيقة العلمية التي أبرزتها نظرية الانفجار العظيم هي أن هناك لحظة بدء للمادة والطاقة والزمان، وقد استغرقت هذه النظرية وقتا طويلا حتى تصبح ذات شأن في الأوساط العلمية ولعل أولى المؤشرات التي دعمت لظهور هذه النظرية ما توصل إليه العالم الفلكي إدوين هابل في إثباته لتمدد الكون
    يقول العالم الفلكي الشهير ستيف هاكنغ :« إن إدوين هابل أجرى سنة 1929م مشاهدة تعد علامة طريق هي أنك حيثما وجهت بصرك، تجد المجرات البعيدة تتحرك بسرعة بعيدا عنا. وبكلمات أخرى فإن الكون يتمدد. ويعني هذا أن الأشياء كانت في الأوقات السالفة أكثر اقترابا معا. والحقيقة أنه يبدو أنه كان ثمة وقت منذ حوالي عشرة أو عشرين ألف مليون سنة، حيث كانت الأشياء كلها في نفس المكان بالضبط، وبالتالي فإن كثافة الكون وقتها كانت لا متناهية. وهذا الاكتشاف هو الذي أتى في النهاية بمسألة بداية الكون إلى دنيا العلم »

    وعندما بدأ الفلكيون في مطلع العشرينيات بتحليل الأطياف الضوئية للنجوم الواردة على كوكبنا، وجدوا أن هذه الأطياف الضوئية تنحرف نحو اللون الأحمر، وهذا يعني أن منبع الضوء يبتعد عنا، أي أن النجوم الأخرى والمجرات تبتعد عنا
    يقول ستيف هاكنغ : فقد كان من المفاجئ تماما أن نجد أن معظم المجرات ذات إزاحة حمراء، فكلها تقريبا تتحرك بعيدا عنا، بل والأكثر مفاجأة اكتشاف "هابل" الذي نشر في 1929م، فحتى حجم الإزاحة الحمراء لمجرة ما لم يكن عشوائيا، ولكنه يتناسب طرديا مع بعد المجرة عنا. أو بكلمات أخرى، كلما زادت المجرة بعدا، زادت سرعة تحركها بعيدا ، وبهذا الاكتشاف أثبت العلم عن غير قصد أن للكون بداية، وما له بداية لابد أن يكون له مبدئ
    ولذلك أشار كريسى موريسون في حديثه عن بداية الكون، حيث قال وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية، بل أوجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد، وعلى ذلك فان هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقا

    وما دام الكون في توسع دائم، إذن لو اتجهنا عكسيا، أي إلى الوراء، فمن الضروري أن الكون كله كان متمركزًا في السابق في نقطة واحدة تؤول إلى الصفر، وهذا ما أثبته العلم، أن الكون كان عبارة عن نقطة صغيرة جداً، بضغط رهيب ودرجة حرارة خيالية، أما قولهم أن حجم هذه النقطة كان صفرا فهو حقيقة أخرى وضربة أخرى للماديين، واثبات للخلق من عدم، فالصفر في لغة الفيزياء هو العدم
    يقول الدكتور هارون يحيى في إحدى مقالاته:« لقد قاد اكتشاف "هابل" لحقيقة الكون المتمدد لانبثاق نموذج آخر كان ضرورياً لكي لا يكون هناك عبث، ولكي يجعل نتائج معادلاته صحيحة، فإذا كان الكون يتضخم ويكبر مع مرور الوقت فهذا يعني أن العودة إلى الخلف تقودنا نحو كون أصغر، ثم إذا عدنا إلى الخلف أكثر ( لمدى بعيد)، فإن كل شيء سوف ينكمش ويتقارب نحو نقطة واحدة، والنتيجة الممكن التوصل إليها من ذلك هو أنه في وقت ما كانت كل مادة الكون مضغوطة في كتلة نقطية واحدة لها حجم صفر بسبب قوة النقطية ذات الحجم الصفر، وهذا الانفجار الذي وقع سمي بالانفجار الكبير، توجد حقيقة أخرى مهمة تكشفها نظرية الانفجار الكبير، فلكي نقول أن شيئاً ما له حجم صفر فهذا يكافئ القول بأنه لم يكن هناك شيء، وأن كل الكون خلق من ذلك اللاشيء، والأكثر من ذلك أن للكون بداية وهذا عكس ما ذهبت إليه المادية من أن الكون لا أول له ولا آخر »

    ويقول الفيزيائي ادموند ويتيكر: « ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي، فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟ والأبسط أن نفترض خلقاً من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم». وينتهي الفيزيائي إدوارد ميلن، بعد تفكره في الكون المتمدد، إلى هذه النتيجة قائلا: «أما العلة الأولى للكون في سباق التمدد فأمر إضافتها متروك للقارئ. ولكن الصورة التي لدينا لا تكتمل من غير الله »

    لقد شكلت هذه النظرية ضربة قوية لمزاعم المادية الملحدة حيث يقول أحد أكبر فلاسفتهم "أنطوني فلو ": « يقولون إن الاعتراف يفيد الإنسان من الناحية النفسية. وأنا سأدلي باعتراف؛ إن أنموذج الانفجار الكبير شيء محرج جدا بالنسبة للملحدين، لأن العلم أثبت فكرة دافعت عنها الكتب الدينية... فكرة أن للكون بداية »
    ويقول العالم "دونيس سكايما" -وكان من أشد أنصار نظرية الكون المستقر- وهو يبدي أسفه على انتصار نظرية الانفجار الكبير: « لم أدافع عن نظرية الكون المستقر لكونها صحيحة، بل لرغبتي في كونها صحيحة. ولكن بعد أن تراكمت الأدلة فقد تبين لنا أن اللعبة قد انتهت، وأنه يجب ترك نظرية الكون المستقر جانبا »

    إن نظرية "توسع الكون" ونظيرتها "الانفجار الكبير" تعتبران أبرز الثورات الفكرية في العشرينيات من القرن الماضي، ولم يُفكر أحد في ذلك من قبل لا على مستوى الفلاسفة ولا على مستوى علماء المادة.

    بيد أن هاتين النظريتين سبق أن تم ذكرهما في كتابٍ منذ أزيد من ألف وأربعمائة سنة، فقد ذكرت هذه الحقيقة العلمية في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ ، وقوله سبحانه ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ آيتان في قمة البلاغة اللغوية والإعجاز العلمي.
    فكان هذا الكشف الجديد دليلا على حدوث الكون من جهة، ودليلا على أن القرآن كلام رب العالمين من جهة أخرى.


    وللمزيد
    عالم الطبيعة البيولوجية ( فرانك آلن) في كتابه " الله يتجلى في عصر العلم " يقول : " قوانين الديناميكية الحرارية تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً ، وإنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق ، ويومئذٍ تنعدم الطاقة ، وتستحيل الحياة ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام (فناء) عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت ".

    أما كبسيل عالم الحشرات في نفس الكتاب يقول : " فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً ... وأن لهذا الكون بداية ".

    ويقول العالم الكيمائي ( كوثران ) :" تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال والفناء ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة ، والآخر بسرعة ضئيلة وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية ".

    ويقول ( فرانك آلن ) أيضاً :" إن قانون "ترموديناميك" الحراري أثبت أن الكون يسير نحو حالة تصل فيها جميع الأجسام إلى درجة حرارة متدنية متشابهة بحيث لا يبقى هناك طاقة يمكن الاستفادة منها ، وفي هذه الحالة لا تعود الحياة ممكنة ، فلو لم يكن للكون بداية وكان موجوداً منذ الأزل لكانت حالة الموت والسكون قد حدثت من قبل ، فالشمس المحرقة والنجوم والأرض المكتظة بالحياة هي شاهد
    صدق على أن بداية الكون كانت في زمن ما ، وفي لحظة خاصة من الزمن ، وعليه لا يمكن بالضرورة أن يكون بدون موجد وعلة كبيرة أولى ، وخالق أبدي عالم قادر على كل شيء هو الذي صنع الكون
    ".

    ويقول الدكتور ( ادوارد لوتركسيل) :
    " الحرارة طبقاً لقانون " انتروبي" تسري دائماً من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة ، وهذا السريان لا يحدث بنفسه بشكل معكوس ... فلو كان الكون أزلياً لكانت حرارة جميع الأجسام قد صارت متساوية منذ زمن بعيد ، ولما بقيت قوة يمكن الاستفادة منها ، ولكننا نرى أن التفاعلات الكيميائية مازالت مستمرة ، والحياة على الأرض ممكنة ، فالعلوم تثبت بشكل طبيعي أن الكون له بداية وتثبت ضرورة وجود خالق له ، فالحادث لا يمكن أن يحدث نفسه ".

    ويقول ( بيتر واستوز) :
    " العلوم اليوم قد عرفت عمر كثير من الأشياء ، مثل عمر الأرض ، عمر حجارة الشهب ، عمر القمر ، عمر الشمس ، عمر مجرتنا ، عمر الدنيا ، والمدة اللازمة لتركيب الأشياء والمواد المحتملة للعناصر المختلفة ".

    ويقول (دونالد روبرت كار) :" لفت انتباهي في دراسة كيمياء الأرض أمران مهمان أحدهما : تعيين لحظة الإيجاد .... ، لتحديد تاريخ وجود الأجسام يوجد عدة طرق وجميعها تعطي نتائج دقيقة ، فقد تم تحليل عمر الكون عن طريق استخدام الحسابات النجومية بخمسة بلايين سنة ، ومع اتساع هذه المباحث والأدلة يزول مفهوم أزلية الكون وأبدية الدنيا ،فلو كان الكون أزلياً وأبدياً لما وجد أن عنصر من عناصر ( راديو كتيف) وهذه النتيجة يمكن استنتاجها أيضاً من القانون الثاني (ترمو ديناميك ) ".
    التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 19 فبر, 2016, 01:06 ص. سبب آخر: تكبير الخط ..
    ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

    تعليق


    • #3
      رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

      شبهة لطالما احتج بها الملاحدة في هذا الباب
      ألا وهي نظرية النواس أي أن الكون ينفجر فيتمدد ثم سينكمش لينفجر مرة أخرى إلى ما لا نهاية
      و الرد على نظرية النوسان المزعومة من كتاب "العلم من منظوره الجديد"حيث يقول مؤلفاه : «وهناك فرضية أخرى طرحت تجنباً لافتراض بداية للكون، هي نظرية نوسان الكون Oscillating Universe. ومؤدي هذه النظرية أنه إذا كان في الكون كمية كافية من المادة فإن شد الجاذبية سوف يوقف في نهاية المطاف التمدد الحالي ويعكسه، بحيث ينتج من ذلك آخر الأمر انهيار ثان لكل المادة في ما قد يصح أن نطلق عليه اسم «الانكماش العظيم». وتوحي نظرية النوسان (الذبذبة) هذه بأن «انفجارا عظيماً» آخر يرجح أن يعقب عملية الانهيار، وأن الكون ربما ظل ينوس على هذا النحو بين عمليات «انفجار» و«انكماش» إلى الأبد. وبهذه الطريقة يمكن الحفاظ على أزلية المادة.

      وعلى هذه النظرية يعلق ستيفن فاينبيرغ مؤلف كتاب «الدقائق الثلاث الأولى» (The First Three Minutes)، وهو وصف دقيق للمراحل الأولى من نشأة الكون، قائلاً: « بعض المتخصصين في علم الكونيات تشدهم نظرية نوسان الكون فلسفياً، خصوصاً وأنها تتجنب ببراعة، شأن نظرية استقرار حال الكون، مشكلة النشأة الأولى. غير أنها تواجه صعوبة نظرية شديدة واحدة: ففي كل دورة من تمدد الكون وانكماشه تطرأ على نسبة الفوتونات إلى الجسيمات النووية (أو على الأصح درجة التعادل الحراري لكل جسيم نووي) زيادة طفيفة بفعل نوع من الاحتكاك يعرف بلزوجة الحجم (bulk viscosity). وفي هذه الحالة، في حدود ما نعلم، سيبدأ الكون كل دورة جديدة بنسبة جديدة للفوتونات إلى الجسيمات النووية تكون أكبر من سابقتها بقليل. وهذه النسبة ضخمة في الوقت الحاضر ولكنها متناهية، بحيث يصعب أن نتصور كيف يمكن أن يكون العالم قد مر في السابق بعدد من الدورات غير متناه ».

      وتستند حجة فاينبيرغ في هذه المسألة إلى نتيجة محتومة مترتبة على إحدى الخواص الجوهرية للمادة، وهي القانون الثاني للديناميكاً الحرارية. ويقول هذا القانون إن المادة إذا ضغطت سخنت وارتفعت درجة تعادلها الحراري (الأنتروبيا). وهكذا كلما ازداد عدد «الانكماشات العظيمة» للكون ازدادت حرارته ودرجة تعادله الحراري. وحيث إن درجة حرارة الكون ودرجة تعادله الحراري محدودتان في الوقت الراهن فلابد من أنه كانت له بداية. ومن المفترض أن يبدأ كل «انفجار عظيم»، في إطار نوسان الكون، بدرجة حرارة أعلى من درجة حرارة الانفجار الذي سبقه، ومن هنا لزم أن تكون درجة حرارة الكون في ختام سلسلة طويلة من الانفجارات العظيمة والانكماشات العظيمة أعلى كثيراً من 3.5 درجة مطلقة.

      والواقع أن الحجج المستفيضة المتعلقة بالديناميكا الحرارية لا تشير إلى أي تكرار على الإطلاق في عملية التمدد الأصلي.
      يقول الفيزيائي سدني أ. بودمان (Sidney A. Blidman): « إن عالمنا لا يمكن له أن يرتد في المستقبل. والأكوان المغلقة المنسوبة إلى فريدمان (Friedmann) كانت تسمى فيها مضي الأكوان المتذبذبة. ونحن ندرك الأن أن أي كون مغلق لا يمكن أن يمر إلا بدورة واحدة من دورات التمدد والانكماش بسبب ضخامة الأنتروبيا المتولدة في كوننا الذي هو أبعد ما يكون عن النوسان. وسواء أكان الكون مغلقاً أم مفتوحاً، مرتداً أم متمدداً على وتيرة واحدة، فإن التحولات غير العكوسة في أطوار الكون تدل على أن للكون بداية ووسطاً ونهاية محددة ».
      كذلك فإن نظرية النوسان لا تنسجم مع النسبية العامة. ومن هنا يخلص جون ويلر إلى أن عملية انكماش كبيرة واحدة من شأنها أن تنهي الكون إلى الأبد، فيقول: لو حصل انهيار في الجاذبية فسنكون قد وصلنا إلى نهاية الزمن. وما من أحد قط استطاع أن يجد في معادلات النسبية العامة أدنى حجة تؤيد القول «بعملية تمدد أخرى» أو بوجود «كون ذي دورات»، أو أي شيء آخر سوى النهاية.

      يبدو إذاً أن المادة ليست أزلية بالرغم من كل شيء وكما يعلن عالم الفيزياء الفلكية جوزف سلك (Joseph Silk) فإن « بداية الزمن أمر لا مناص منه ».
      كما يخلص الفلكي روبرت جاسترو (Robert Jastrow) إلى أن سلسلة الحوادث التي أدت إلى ظهور الإنسان بدأت فجأة وبعنف في لحظة محددة من الزمن، وفي ومضة ضوء وطاقة.


      ثالثا الأدلة النقلية على حدوث الكون
      لقد امتاز المنهج الإسلامي مقارنة مع باقي الفلسفات التي سبقته -الفلسفة اليونانية والإغريقية- بسبقه إلى القول بحدوث العالم، فقد كان الاعتقاد السائد قبل ظهور الإسلامي بقدم العالم وقِدم مادته، فلما جاء الإسلام، ودون حدوث أي تطور علمي يستوجب نقض الفكرة الفيزيائية اليونانية قال هذا الفكر مستهدياً بالوحي السماوي: إن العالم محدَث مخلوق وليس قديما، ثم جاء الفكر العلمي المعاصر ليؤكد هذه الحقيقة من خلال القول بوجود لحظة ابتداء للكون.
      فيكفينا كمسلمين، أن نستدل على حدوث الكون بكلام الله عز وجل، لأنه يعلم السر وأخفى، وعنده مفاتيح الغيب وأسرار الكون، وسأعرض جملة من الآيات التي لطالما قرأناها ولم نتبين سرها وعظمتها لأنها أُلقِيت بأوجز عبارة وألطف إشارة، فلا يدركها إلا أربابها، وقد جمعتْ هذه الآيات بين قوتين مثينتين، فاستحال نقضها أو زعزعتها، لقد جمعتْ بين الدليل الرباني الشرعي القاطع والدليل العقلي الساطع، وكما يذكر ابن تيمية، أن مثل هذه الآيات التي تضم كلتا مصادر معرفتنا هي أدلة شرعية عقلية، فكانت بحق تحديا للذين زعموا خلو القرآن من الأدلة العقلية، ولم تقتصر على مخاطبة أهل الاختصاص، بل خاطبت العالم والعامي في بيان موجز وعبارات محكمة، يعجز البشر على الإتيان بنظيرها.
      ولنتأمل في الآيات التالية التي تقرر في بعضها أن المخلوقات مسبوقة بالعدم، وفي البعض الآخر أنها تقبل الوجود والعدم، وكلاهما يشيران إلى الحدوث والافتقار إلى المحدِث، يقول تعالى:
      • أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
      • أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا
      • هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا
      • وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
      • فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
      • وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا
      • تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا

      والآيات الدالة على حدوث الكون عديدة، أكتفي بما ذكرته لدلالته على المطلوب.
      وهكذا أكد كلام رب العالمين على حدوث الكون بآيات باهرة معجزة، نزلت على الرسول الأمي قبل أزيد من أربعة عشر قرنا، وتحدى بها كفار قريش ولا زال التحدي قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


      8 - دليل العناية

      يقول ابن رشد مبيناً دلالة الخالق على اتصاف خالقه بصفة العلم:" أما العلم فقد نبه الكتاب على وجه الدلالة عليه، في قوله – تعالى -: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك : 14]. ووجه الدلالة أن المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه، أعني كون صنع بعضها من أجل بعض، ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة لذلك المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه، أعني كون صنع بعضها من اجل بعض، ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة لذلك المصنوع، أنه لم يحدث عن صانع هو طبيعة؛ وإنما وجدت عن صانع رتب ما قبل الغاية لأجل الغاية، فوجب أن يكون عالماً به "

      إلى هذا الإحكام الدال على أن للمخلوقات خالقاً مريداً عليماً حكيماً تنبهنا كثير من آيات القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً{6} وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً{7} وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً{8} وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً{9} وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً{10} وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً{11} وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً{12} وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً{13} وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً{14} لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً{15} وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً{16}﴾ ]النبأ : 6 - 16[
      لا تقول لنا هذه الآيات إن هنالك أرضاً وجبالاً وبشراً ونوماً وليلاً ونهاراً وسماءً وشمساً وماءً ونباتاً وجنات ألفافاً؛ فهذه كلها أمور نشهدها ونعرفها، وكل إنسان كافراً كان أو مؤمناً يسلِّم بها؛ وإنما تدعونا الآيات إلى أن نفكر في الصلة بين كل واحد من هذه المخلوقات والأحوال وبين شيء آخر هو الإنسان المخاطب بهذا الكلام. تدعونا الآيات إلى نلاحظ أن كل واحد من هذه الأشياء والأحوال يحقق بالنسبة لنا نحن البشر هدفاً (وهذا لا يمنع أن تكون له غايات أخرى لا نعلمها).
      قال ابن رشد ** في مناهج الأدلة الذي قصده الشرع من معرفة العالم أنه مصنوع لله تبارك وتعالى ومخترع له ، وإنه لم يوجد عن الإتفاق ومن نفسه ، فالطريق التي سلك الشرع بالناس في تقرير هذا الاصل هي من الطرق البسيطة المعترف بها عند الجميع ، وذالك أنه إذا تؤملت الآيات التي تضمنت هذا المعنى وجدت تلك الطرق هي طريق العناية ، وهي إحدى الطرق الدالة على وجود الخالق تعالى ، وذالك أنه كما أن الإنسان إذا نظر الى شيء محسوس ، فرآه قد وضع بشكل ما وقدر ما ، ووضع ما موافق في جميع ذالك للمنفعة الموجودة في ذالك الشيء المحسوس والغاية المطلوبة ، حتى يعترف بأنه لو وجد بغير ذالك الشكل ، أو بغير ذالك الوضع ، أو بغير ذالك القدر ، لم توجد فيه تلك المنفعة علم على القطع ، إن لذالك الشيء صانعا صنعه ، ولذالك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة ، وأنه ليس يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الاشياء لوجود المنفعة بالإتفاق . مثال ذالك أنه اذا رأى إنسان حجرا موجودا على الأرض ، فوجده بصفة يتأتى منها الجلوس ، ووجد أيضا وضعه كذالك وقدره ، علم أن ذالك الحجر إنما صنعه صانع ، وهو الذي وضعه كذالك وقدره في ذالك المكان ، وأما متى لم يشاهد شيئا من هذه الموافقة للجلوس ، فإنه يقطع أن وقوعه في ذالك المكان ووجوده بصفة ماهو بالإتفاق ومن غير أن يجعله هنالك فاعل ، كذالك الأمر في العالم كله، فإنه اذا نظر الإنسان الى ما فيه من الشمس والقمر وسائر الكواكب التي هي سبب الأزمنة الأربعة ، وسبب الليل والنهار ، وسبب الأمطار والمياه والرياح ، وسبب عمارة أجزاء الأرض ووجود الناس وسائر الكائنات من الحيوانات والنباتات ، وكون الأرض موافقة لسكنى الناس فيها وسائر الحيوانات البرية ، وكذالك الماء موافقا للحيوانات المائية ، والهواء للحيوانات الطائرة ، وأنه لو اختل شيء من هذه الخلقة والبنية لاختل وجود المخلوقات التي هاهنا علم على القطع أنه ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة التي في جميع أجزاء العلم للإنسان والحيوان والنبات بالإتفاق بل ذالك من قاصد قصده ومريد أراده وهو الله عز وجل ، وعلم على القطع أن العالم مصنوع ، وذالك أنه يعلم ضرورة أنه لم يمكن أن توجد فيه هذه الموافقة لو كان وجوده من غير صانع ، فأما أن هذا النوع من الدليل قطعي وأنه بسيط فظاهر من هذا الذي كتبناه ، وذالك أن مبناه على أصلين معترف بهما عند الجميع ، أحدهما : أن العالم بجميع أجزاءه وجد موافقا لوجود الإنسان ولوجود جميع الموجودات التي هنا ، والأصل الثاني : أن كل ما يوجد موافقا في جميع أجزائه لفعل واحد ومسددا نحو غاية واحدة فهو مصنوع ضرورة ، فينتج عن هذين الأصلين بالطبع أن العالم مصنوع وأن له صانعا. وذالك أن دلالة العناية تدل على الأمرين معا ولذاك كانت أشرف الدلائل الدالة على وجود الصانع.

      وأما أن هذا النوع من الاستدلال هو النوع الموجود في الكتاب العزيز فذالك يظهر من غير ما آية من الآيات التي يذكر فيها بدء الخلق ، وتدل على الصانع والمصنوع . هذا ما قرره الحكيم ابن رشد وبعد أن جود الكلام فيه قال : لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الاحكام ، ثم قال : فقد تبين من هذا ان الطرق الشرعية التي نصبها الله لعباده ليعرفوا منها أن العالم مخلوق ومصنوع هي ما يظهر فيه من الحكمة والعناية بجميع الموجودات التي فيه ، وبخاصة الانسان وهي طريقة نسبتها في الظهور الى العقل نسبة الشمس في الظهور الى الحس
      ** أهــ.

      ولقد صدق عليه الرحمة فإن العقل السليم لا يخامره أدنى ريب في ظهور ذالك كما لا يخالجه ارتياب إذا رأينا مسكنا مهيأ للسكنى فيه على القوانين الموافقة لتوالي الفصول والأمطار علمنا أن حكيما هيأه وأعده للسكنى وكما إذا رأينا مركبا سائرا بالبخار نحو نقطة مقصودة علمنا أن قائدا يقوده ، فهكذا كل من نظر الى هذه الدنيا وشاهد ما هي عليه من النظام والترتيب المحكم ورتباط العلل بمعلولاتها ، وخدمة بعضها بعضا علم أن العالم مجموع مبدعات فائقة المدارك والمشاعر أبدعها قادر حكيم وحي قيوم ، وإلا فلو جاز أن يكون مثل هذا بغير صانع ولا موجد لجاز أن يصح دور معمورة وأسفار مكتوبة وثياب منسوجة وحلي مصنوعة بغير بان ولا كاتب ولا ناسج ولا صائغ ، وهو محال ببديهة العقل ، فما الذي خص أحسن الخالقين بأن يكفر ولايدل عليه اثر صنعته العجيبة وخلقته البديعة : (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً) سورة الإسراء : 42 . وقال تعالى : ( قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) سورة عبس : 17.

      وقد أورده أيضا المتكلمين المسلمين ،ومضمونه أن ما في الوجود من مظاهر العناية بالمخلوقات عامة، والإنسان خاصة، هي دليل على وجود الخالق. ويدخل في هذا الدليل كثير من صور الاستدلال، منها :
      دلالة الإتقان : فكل مخلوق يحمل من كمال الإتقان ما يدل على وجود خالقه وكمال ذاته وصفاته، قال تعالى ( صنع الله الذي الَّذِي َأتقنَ كُلَّ شيء).
      ودلالة التناسق : فالعالم كله يخضع لسنن كونية متناسقة ، ثمرﺗﻬا الاتساق بين المخلوقات، والاتساق مع وجود الإنسان ، قال تعالى ( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ).

      عجبا كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحد
      ولله في كل تحريكة *** وتسكينة أبدا شاهد
      وفي كل شيء آية *** تدل على أنه الواحد
      دليل خاطب الله به عباده فسهلت الطريق على السالكين وبلغوا المراد غير مرهقين فخرجوا من الظلمات إلى النور
      الله ولي الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور
      دليل يجعل المتأمل فيه يُبحر في ملكوت الله، خاضعا بكل جوارحه وأركانه إجلالا وإكبارا وإعظاما لرب السموات والأراضين، حين يعلم أن كل هذا الكون بكبيره وصغيره بذراته ومجراته مسخر له ولك أيها الإنسان،
      فمن ذا الذي سخره هل صدفة عمياء أم مادة صماء أم رب عليم حكيم .

      دليل العناية طريقة شرعية لإثبات وجود الله

      إن الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها في كثير من آياته، ودعا الكل من بابها، وُجدت تنحصر في الوقوف على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجله، وهو ما سماه العلماء بدليل العناية.
      ودليل العناية مبني على أصلين
      أحدهما: أن جميع المخلوقات موافقة لوجود الإنسان
      والثاني: أن هذه الموافقة دليل على وجود فاعل قاصد لذلك مريد له إذ ليس يُمكن أن تكون الموافق مصادفة.
      يقول ابن تيمية : " فالإستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها، وهدى الناس إليها وبينها وأرشد إليها "

      وكذلك من تتبع معنى الحكمة لمعرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم.
      وأما الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الخالق والآيات المتضمنة لدليل العناية كثيرة
      "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"

      "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)"

      " تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)"

      "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"

      "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) "

      "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)"

      "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) "

      كل ما في الكون مسخر لك
      إنه لمن المدهش حقا أن يكون هذا الكون الشاسع الهائل بكل ما فيه من أجرام سماوية، ومخلوقات أرضية، مسخر تسخيرا خاصا لخدمتنا نحن البشر.

      لقد كانت هذه الفكرة سائدة في الأوساط الأوربية في القرن السابع عشر قبل ظهور الثورة العلمية، فقد اعتبروا الإنسان مركز الكون، وعلى إثر الثورة الأوربية، تغيرت هذه النظرة للإنسان بعد نظريات لابلاس ونيوتن وغيرهم، ليجعلوا من الإنسان موجودا حقيرا في هذا الكون الهائل الشاسع، ويجعلوا من كوكب الأرض كوكبا تافها، كتفاهة حبة الرمل إذا ما قورنت بشواطئ البحار.

      وجاءت بعدها الفيزياء الحديثة لتهدم وتنقض أفكار القرنين الماضية، وتضع بين أيدينا نظرة أكثر علمية وأكثر دقة لهذا الكون البديع.
      وسأترك الحديث لهم، -علماء الغرب-، ليشرحوا لنا كيف تحولت تلك النظرة للإنسان وأعادت له سيادته وتمركزه الغائي للكون.

      يقول مؤلف كتاب العلم من منظوره الجديد : وهكذا بعد أن كان الإنسان يعتبر مخلوقاً يسكن كوكباً متواضعاً يدور حول نجم لا شأن له في مجرة تحوى 100 مليار نجم آخر، أصبح الآن يقوم بدور المشارك في مسرحية كونية عظيمة ، هذا إلى جانب جميع الأحداث الكونية بدءاً بالانفجار العظيم فصاعداً كانت قد صممت بحيث تسمح بوجود مخلوقات واعية في مكان ما من الكون المتمدد وفي حقبة من حقب تاريخه . كل هذه أدلة تحمل في طياتها الإقناع الكافي بنشوء تصور كوني جديد للعالم. فالنظرة القديمة هي في سبيل إفساح المجال أمام نظرة جديدة تركز على الإنسان بوصفه مراقباً ومشاركاً واعياً وتفرد للعقل وللعمليات الذهنية مكانة تضاهي مكانة العالم المادي.

      ويقول أندرو كونواي ايغي أحد أشهر علماء الطبيعة في أوائل القرن العشرين : ففي علم وظائف الأعضاء تدل خياشيم الأسماك على أسبقية الماء، كما تدل أجنحة الطيور ورئات الإنسان على أسبقية الهواء، وتدل أعين الإنسان على أسبقية الضوء، كما يدل حب الاستطلاع العلمي على أسبقية الوقائع، وكما تدل الحياة على أسبقية القانون الطبيعي اللازم لنشأتها. وإنني أتساءل الآن: أفلا يدل التدبر العميق والتفكير الصافي والشجاعة العظمى والواجب الأعظم والإيمان الكبير والحب العميق أقول أفلا يدل كل أولئك على شيء سابق؟ من الحماقة أن نظن أن أعمق الأفكار والعواطف والأعمال التي نشاهدها في الإنسان لا تدل على شيء سابق. إنها تدل على أسبقية وجود عقل علوي. إنها تدل على وجود خالق يتجلى في خبرة أولئك الذين لا يضعون الحواجز في طريق عقولهم عند البحث عن العقل الأسمى أو الخالق الأعلى

      ويشير ستيفن هوكنغ - أحد أعظم عباقرة القرن الواحد والعشرين - إلى المبدأ الإنساني لدى تصديه للتساؤل عن مبررات القول إن الكون يتمدد بمعدل السرعة المناسب تماماً لتفادي انهيار آخر فيقول « إن التفسير الوحيد الذي نستطيع أن نقدمه يستند إلى رأي طرحه ديك 1961 وكارتر 1970، وهو أن هناك ظروفاً معينة ضرورية لتطور كائنات حية عاقلة: ففي كل الأكوان الممكن تصورها لن توجد كائنات تشاهد الكون إلا حيث تتوفر هذه الظروف. ولذلك يقتضي وجودنا أن تكون للكون خواص معينة. ومن ضمن هذه الخواص في ما يبدو وجود نظم متماسكة بفعل الجاذبية كالنجوم والمجرات، وفترة زمنية متطاولة تكفي لحدوث تطور بيولوجي. فلو كان الكون يتمدد ببطء مفرط لما كانت له هذه الخاصية الثانية لأنه كان سينهار سريعاً من جديد. ولو كان يتمدد بسرعة مفرطة لكانت المناطق التي تزيد كثافتها عن المتوسط زيادة طفيفة، أو التي تكون سرعة تمددها أقل بقليل، ستظل تتمدد إلى ما لا نهاية بحيث لا تشكل نظماً متماسكة. وهكذا يبدو أن الحياة ممكنة لا لشيء إلا لأن الكون يتمدد بالسرعة المطلوبة بالضبط لتفادي انهيار آخر. ونخلص من ذلك إذاً إلى أن خواص الكون ووجودنا، كليهما، نتيجتان لتمدد الكون بمعدل السرعة الحرجة تماماً. وحيث إننا لم نكن نستطيع أن نشاهد العالم في شكل آخر، لو لم نكن هنا، فإن في وسع المرء أن يقول إن توحد خواص الكون هو، بمعنى ما، نتيجة مترتبة على وجودنا »

      حسب قول ستفين هوكنغ فإن النظرة القديمة أصبحت متجاوزة، ذلك أنها كانت تعتبر أن أي شيء في الكون يفضي إلى الحياة هو من باب الصدفة، وأن الكون، سواء أكان له معنى أم لم يكن، كان على أي حال سيظهر إلى حيز الوجود ويجري مجراه حتى لو كانت الظروف الثابتة والأولية تحول إلى الأبد دون تطور الحياة والوعي. فالحياة جاءت اتفاقاً وهي طارئة على آلية الكون
      أما البديل فهو أن ننظر إلى الكون على أنه يستهدف الحياة والإنسان. وهذا يتطابق مع ما يطلق عليه كارتر اسم «المبدأ الإنساني القوي» الذي يقول إن الكون وبالتالي الثوابت الجوهرية التي يتوقف عليها لابد من أن يكون بحيث يسمح بقبول مراقبين داخلة في مرحلة ما.

      إن خواص المادة، على أصغر نطاق وعلى الكون كله، تبدو مناسبة للحياة ملائمة مدهشة، وتوجد على ذلك شواهد كثيرة، بل إن حدوث أدنى زيادة أو نقصان في الكمية الثابتة يجعل من الحياة في كل حالة أمراً مستحيلاً.

      زمن الكون وضخامته شرطان أساسيان لوجودنا

      أي معنى يمكن استخلاصه من الحديث عن «الكون» ما لم يكن هناك أحد واعياً لوجوده، إنه التساؤل الذي طرحه ويلر، ثم أردف قائلا : ولكن الوعي يتطلب الحياة، والحياة أياً كان تصورنا لها، تتطلب عناصر ثقيلة، وعملية إنتاج عناصر ثقيلة من الهيدروجين الأصلي تتطلب احترافاً نووياً حرارياً، وهذا أمر يتطلب بدوره طبخاً في باطن النجم يستغرق مدة تساوي عدة مرات حاصل ضرب الرقم 10 في نفسه 9 مرات من السنين. ولكن لكي يمر على الكون مثل هذه المدة من الزمن فلابد من أن يكون له، وفقاً للنسبية العامة، امتداد في المكان يقرب مما يقطعه الضوء في حاصل ضرب الرقم 10 في نفسه 9 مرات من السنين. فلماذا يكون العالم إذاً بهذه الضخامة؟ لأننا موجودون فيه، إنه قلب مذهل لتصور النظرة القديمة، فضخامة الكون تعتبر سبباً في جعل الحياة ممكنة

      ويشير جورج غرينشاين إلى أن الكون لو لم يكن بالصفات التي هو عليها الآن لما كانت هناك حياة يقول: « الفضاء الشاسع الموجود في السماء هو شرط أساسي لوجودنا » .

      ومن اللطيف أن نعاين خذلان الداعم الاساسي للإلحاد في القرنين الماضين -العلم- هذا العلم الذي أصبح العدوالأكبر للملحدين، مما يدفع كهان الإلحاد إلى التحجير على عقول السدج كما كان يفعل رجال الكنيسة مع شعبهم.


      الروابط داخل الذرة يجب أن تكون على ما هي عليه كي تصبح الحياة ممكنة

      يبين الفيزيائي فريمان دايسن كيف أن القوى التي تربط بين النيوترونات والبروتونات في نواة الذرة لابد من أن تكون حتى هي على ما هي عليه كيما تصبح الحياة ممكنة يقول: لو أن القوى النووية كانت أقوى بقدر طفيف مما هي عليه لوجد الدبروتون، ولا تحد كل الهيدروجين المودة في الكون تقريباً، متحولاً إلى دبروتونات أو نوى أثقل، ولكان الهيدروجين عنصراً نادراً، وتعذر وجود نجوم كالشمس تعيش طويلاً باحتراق الهيدروجين في قلوبها احتراقاً بطيئاً. ومن جهة أخرى، لو كانت القوى النووية أضعف بقدر ملحوظ مما هي عليه الآن لما أمكن احتراق الهيدروجين مطلقاً، ولما كنت هناك عناصر ثقيلة، وبالتالي لما وجدت الحياة. فإذا كان تطور الحياة، كما يبدو مرجحاً، يتطلب نجماً كالشمس يزود طاقة بمعدل ثابت طوال مليارات السنين فمعنى ذلك أن شدة القوى النووية كان لابد لها من أن تنحصر في نطاق السنين فمعنى ذلك أن شدة القوى النووية كان لابد لها من أن تنحصر في نطاق ضيق نوعاً ما لجعل الحياة ممكنة

      وأيضا لو تبدلت القوانين بحيث لا تتوقف الإلكترونيات عن استبعاد بعضها بعضاً لما بقيت أي عملية من العمليات الكيماوية الأساسية التي نعرفها
      وبعد أن استعرض دايسن هذا النمط العريض ينتهي إلى أن ذلك يدل على غاية مستهدفة، لا على الصدفة، قائلاً: « كلما ازددت دراسة للكون وفحصاً لتفاصيل هندسية وجدت مزيداً من الأدلة على أن الكون كان يعرف بطريقة ما أننا قادمون »


      الأرض
      الأرض أهم عالم عرفناه، اذ توجد فيها أحوال لاتوجد في شيء من هذا الكون الواسع، وهي في ضخامتها (كما تبدو لنا) لاتساوي ذرة من هذا الكون العظيم، ولو ان حجمها كان أقل أو أكثر، مما هي عليه الآن لاستحالت الحياة فوقها، فلو أنها كانت في حجم القمر مثلا؛ بأن كان قطرها ربع قطرها الموجود فعلا. لكانت جاذبيتها سدس جاذبيتها الحالية، ونتيجة لذلك لايمكن أن تمسك الماء والهواء من حولها، كما هي الحال في القمر، الذي لايوجد فيه ماء ولايحوطه غلاف هوائي، لضعف قوة الجاذبية فيه. وانخفاض الجاذبية في الأرض إلى مستوى جاذبية القمر سيترتب عليها اشتداد البرودة ليلا حتى يتجمد كل مافيها، واشتداد الحرارة نهارا حتى يحترق كل ماعليها.
      وكذلك يترتب على نقص حجم الارض إلى مستوى حجم القمر أنها لن تمسك مقدارا كبيرا من الماء. وكثرة الماء أمر ضروري لاستمرار الاعتدال الموسمي على الأرض، ومن ثم أطلق أحد العلماء على هذه العملية لقب «عجلة التوازن العظيمة» وكذلك سيرتفع الغلاف الهوائي للأرض في الفضاء ثم يتلاشى. ويتبع ذلك أن تبلغ درجة حرارة الأرض أقصى معدلها، ثم تنخفض إلى ادنى درجاتها، على ما سبق ذكره.
      وعلى العكس من ذلك، اذا كان قطر الارض ضعف قطرها الحالي لتضاعفت جاذبيتها الحالية؛ وحينئذ ينكمش غلافها الجوي الذي هو على بعد خمسمائة ميل إلى ما دون ذلك. وسيترتب على هذا أن يزيد تحمل كل بوصة مربعة من خمسة عشر رطلا إلى ثلاثين من الضغط الجوي، وهو ضغط يؤثر أسوأ الأثر في الحياة.
      ولو أن الأرض تضاعف حجمها، فصارت مثل حجم الشمس مثلا، لبلغت قوة الجاذبية فيها مثل جاذبيتها الحالية مائة وخمسين مرة، ولاقترب غلافها الهوائي، حتى يصير منها على بعد أربعة أميال فقط، بدلا من خمسمائة ميل، ولارتفع الضغط الجوي إلى معدل طن واحد على كل بوصة مربعة. وذلك يؤدي إلى استحالة نشأة الأجسام الحية. وهو من الناحية النظرية يعني أن يصير وزن الحيوان الذي يزيد رطلا واحدا تحت الكثافة الهوائية الحالية خمسمائة رطل. كما يهبط حجم الانسان حتى يصير في حجم فار كبير، ولاستحال وجود العقل في الانسان، لأنه لابد للعقل الانساني من أنسجة عصبية كثيرة في الجسم، ولايوجد هذا النظام الا اذا كان حجم الجسم بقدر معين.
      التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 19 فبر, 2016, 01:06 ص. سبب آخر: تكبير الخط ..
      ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

      تعليق


      • #4
        رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

        9- الدليل الانثربولوجى

        ومضمونه انه لا وجود لمجتمع بلا دين ، وكما يقول د. عصمت سيف الدولة فان الإلحاد " ليس إلا دين الملحدين يقوم فيهم بوظيفة الدين "
        يقول الملحد ول ديورانت مفتتحا موسوعته قصة الحضارة يقول :- ( ولا يزال الإعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعا اعتقادا سليما وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية فهو لا يكفيه أن يعلم عن الديانات كلها أنها مليئة باللغو الباطل - على حد زعمه - لأنه معنِّي قبل ذلك بالمشكلة في ذاتها أعني مشكلة العقيدة الدينية من حيث قِدم ظهورها ودوام وجودها فما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شيء من صدر الإنسان ؟.) المصدر:- ول ديورانت كتاب قصة الحضارة م1 ص 99

        لقد وُجدت وتوجد جماعات من غير فنون ومن غير علوم ومن غير فلسفات لكن لا توجد جماعة من غير ديانة ... هنري برجسون.

        الغريزة الدينية مشتركة بين كل أجناس البشرية حتى أشدها عجمية وأقربها إلى الحياة الحيوانية ....... والاهتمام بالمعنى الإلهي هو إحدى النزعات الخالدة للإنسانية ... معجم لاروس.

        وقد اعترفت الكاتبة الإنجليزية الشهيرة كارين أرمسترونج - التي تركت الدير والرهبنة وكفرت بالمسيحية - في كتابها الأخير مسعى البشرية الأزلي الله لماذا ...بأن الإنسان ليس homo sapiens sapiens وإنما هو homo religiosus فالإنسان ليس حيوان عاقل وإنما إنسان ديني .


        10 - دليل المحدودية
        دليل أخر يستند إلى كل من الاستقراء التجريبي والاستدلال العقلي (المنطقي) ، اتساقا مع استناد القران الكريم إلى شكل من أشكال الاستدلال الذي يسبقه شكل من أشكال الاستقراء ،ويستفيد هذا الدليل من العديد من الادله التي أوردها المفكرين والفلاسفة لإثبات وجود الله تعالى
        ومضمون هذا الدليل هو
        ثبوت المحدودية الجزئية للكون بالاستقراء: يمكن أن نثبت بالاستقراء أن الكون محدود من عده جهات ومنها

        أولا : المحدويه الزمانيه والمكانية : فهو محدود بالوجود في المكان والحركة خلال الزمان،وبالتالي خاضع للتغير في المكان، والتحول(الطبيعي ) ، و التطور(الانسانى) خلال الزمان .

        ثانيا : المحدودية السببية : كما أن حركته محدود بالسببية ، اى خاضعة لقوانين موضوعيه "كليه ونوعيه "، وهذه القوانين قائمه على أساس السببية، اى تحقق الأثر بتحقق السبب ، وتخلفه بتخلف السبب.

        ثالثا: المحدودية الفردية : والكون مركب من أنواع يتصف إفرادها بالمحدودية ،فالنوع الانسانى مثلا يتكون من أفراد يتصف وجودهم الفاعل والغائي بالمحدودية(الميلاد ، الموت)، فهو فعل غائي محدود. .

        الانتقال من المحدودية الجزئية إلى المحدودية الكلية للكون بالاستنباط : ومن الاستقراء السابق ، الذي يثبت أن الكون محدود من عده جهات (المحدودية الجزئية ) ، يمكن أن نستنبط أن الكون محدود من كل الجهات (المحدودية الكلية )،لان القول بان الكون محدود من جهة أو جهات معينه، وغير محدود من جهة أو جهات أخرى ينطوي على تناقض منطقي"كونه محدود وفى ذات الوقت مطلق "

        الاحتمالات المنطقية لكيفية إيجاد الكون المحدود :
        أما كيفيه إيجاد هذا الكون المحدود فتخضع لفرضيتين
        أن عله إيجاد الكون وجود محدود ، وتنطوي هذه الفرضية على ثلاثة احتمالات هي:
        1 - : أن يكون الكون غير محدود " مطلق "، وهذا الاحتمال - كما ذكرنا في النقطة السابقة - ينطوي على تناقض منطقي ، مضمونه أن يكون الكون محدود وفى ذات الوقت مطلق
        2 - : وان الكون وجد بالصدفة ، وهذا الاحتمال يتناقض مع حقيقة أن ألصدفه هي مفهوم ذاتي – انسانى –اى مرتبط بوجود الإنسان- في حين أن وجود الإنسان تالي لنشاه الكون- فهو آخر الموجودات نشاه (بعد الجماد والنبات والحيوان )، ومضمون الصدفة كمفهوم ذاتي - انسانى هو كل حدث يحدث دون معرفه إنسانيه مسبقة، ودون قصد انسانى، ومن هذا التعريف يتضح لنا أن الصدفة هي قصور في ألمعرفه (حدوث الحدث دون معرفه مسبقة )، وقصور في الاراده (حدوث الفعل دون قصد )، فهي دليل على محدودية الوجود الانسانى، بأبعاده المتعددة " المعرفية والاراديه ..." والخلق والإيجاد كمال، وبالتالي لا يمكن أن تكون الصدفة - بما هي قصور - عله نشاه الكون.
        وبثبوت خطاْ الاحتمالات الثلاثة التي تشكل الفرضية الأولى يثبت خطاْ هذه الفرضية .
        3 - :أن يوجد الكون المحدود وجود آخر محدود ، وهذا الاحتمال خاضع للتسلسل (الدور) ، ذلك أن هذا الوجود الأخر المحدود مفتقر في إيجاده - بحكم كونه محدود- إلى وجود آخر ، أما أن يكون محدود أيضا وهنا تتسلسل الحجة إلى مالا نهاية ، وإما أن يكون مطلق .
        الفرضية الثانية : أن عله أيجاد الكون وجود مطلق،وبالتالي غيبي اى غائب عن حواس الإنسان ، يتصف بالفاعلية (الربوبية) ،والغائية (الالوهيه).

        إثبات مفهوم التوحيد (التعدد صفه الوجود المحدود) : والوجود المحدود- المحسوس- يتصف بالتعدد ، أما الوجود المطلق فهو وحده الذي يتصف يتصف بالوحدة ، لأنه لو تعدد لأصبح " محدودا" بغيره ،..وبهذا يثبت مفهوم التوحيد الذي مضمونه إفراد الوجود المطلق -الغيبي - والذي عبر عنه القران بمصطلح القيوميه - لله تعالى .

        التحديد التكويني والتكليفى :
        وهذا الوجود المطلق الغيبي يحد
        الوجود " المحدود" للكون تكوينيا وتكليفيا .
        أولا : التحديد التكويني : ويتمثل في أن القوانين الموضوعية (الكلية والنوعية ) ، التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة والإنسان، هي- طبقا لمستواها الميتافيزيقي – الغيبي – شكل تكويني للظهور صفاتي للفعل المطلق ( الذي عبر عنه القران بمصطلح الربوبية) في عالم الشهادة . فهى طبقا لهذا المستوى سنن إلهيه وليست قوانين طبيعيه .

        ثانيا:التحديد التكليفى : ويتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي جاء بها الوحي ، والتي ينبغي إن تضبط حركه الوجود الانسانى " فردا وجماعه" باعتبارها شكل تكليفى للظهور صفاتي للفعل المطلق (الربوبيه )،وهذا التحديد التكليفى يستند إلى التميز بين وجود (الوجود المطلق الغيبي) وماهيته ( اى خصائصه )، فالأول يمكن للعقل أن يدركه ويبرهن عليه ، أما الثاني فلا يمكن للعقل أن يتصوره إلا بالوحي.

        الوجود الانسانى و ضرورة الإيمان بالغيب: وطبقا للتحديد التكويني والتكليفى للوجود الانسانى ، يتحول هذا الوجود من مجرد فعل غائى " مجرد تطور " إلى فعل غائى محدود تكوينيا وتكليفيا بفعل مطلق"الربوبية " وغاية مطلقه " الالوهيه" اى يتحول إلى كدح إلى الله تعالى بالتعبير القرانى ،وهنا تبرز ضرورة الإيمان بالغيب – أو ضرورة الميتافيزيقا بتعبير كانط " للوجود الانسانى لأدراك هذه الغاية المطلقة(الالوهيه)، وهذا الفعل المطلق (الربوبيه ).

        القران ومعياري الاتساق " المنطقي" والتطابق " الواقعي " كما استند القران الكريم في إثبات صحته ، وكونه وحى من عند الله تعالى إلى معياري الاتساق المنطقي كما فى قوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [النساء: 82] .والتطابق الواقعي كما في قوله تعالى(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) (الحج: 46)،ومضمون الأخير اتساق القران مع القوانين الموضوعية ، التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة والإنسان.


        11 - الدليل الخُلُقي

        القيم الخلقية، قيم الصدق والأمانة والوفاء وغيرها، قيم ضرورية لوجود المجتمعات البشرية، إنها قيم لا يكون بدونها مجتمع، ولذلك قال بعضهم إنها مِلَاط المجتمع الذي يمسك أفراده كما يمسك الملاط اللبنات التي يتكون منها البناء. إنه بغير هذه القيم لا يكون علم حتى بأمور الدنيا، ولا يكون اقتصاد، ولا تكون علاقات اجتماعية. تصور مجتمعا لا يرى بالكذب بأساً ولا يعدُّه مذمَّة، فالناس فيه كلهم كذابون!! (وليس من شرط الكذاب ألا يصدق أبداً، بل يصدق إذا رأى الصدق له، ويكذب إذا رأى الصدق عليه)؛ هل يكون في هذا المجتمع علم؟ كلا! فإن من ضرورات العلم الصدق في الرواية، فإذا ادَّعى إنسان في هذا المجتمع أنه اكتشف – في مخبره – حقيقة ما، فإننا لن نصدقه، لأننا لا نعلم إن كان صادقاً أو كاذباً، بل سنقطع بكذبه إذا وجدنا أن هذه الدعوى تخدم غرضاً له. ولن تكون هنالك كتب ولا دروس ولا محاضرات،ولا مدارس ولا جامعات.
        ( إن الأمم تولد رواقية وتموت أبيقورية يقوم الدين إلى جانب مهدها ويصحبها الإلحاد والفلسفة إلى قبرها .. ففي بداية الثقافات والحضارات كلها ترى عقيدة دينية قوية فإذا جاء النصر وإذا نسي الناس الحرب لطول ما ألِفوه من الأمن والسلام ازدادت ثروتهم واستبدلت الطبقات المسيطرة بحياة الجسم حياة الحواس والعقل وحلت اللذة والراحة محل الكدح والمتاعب واضعفت الدعة ما في الناس من رجولة وصبر على المكاره وأخيرا يبدأ الناس يرتابون في الدين ويلجأون إلى كل لذة عاجلة زائلة يعتصمون بها من سوء مصيرهم . فهم في البداية كأخيل وفي النهاية كأبيقور وبعد داوود يأتي أيوب وبعد أيوب يأتي سفر الجامعة وتنهار الحضارة )
        المصدر:- ول ديروانت كتاب قصة الحضارة م2 ص 255

        والرواقية هي المدرسة التي تنادي بكمال الأخلاق والإيمان ولا طريق للسعادة إلا بكمال الإيمان وسُميت رواقية نسبة إلى الرواق الذي كان يجمع الشعراء الذين أسسوا هذه المدرسة .
        أما الأبيقورية فهي المدرسة التي تنكر وجود خالق وتنادي بتحقيق أقصى قدر ممكن من اللذة والمتع الجسدية قبل فوات الأوان فهي مدرسة ملحدة تنكر الإيمان وظهرت هذه المدرسة في مختلف الحضارات القديمة وكان ظهورها مؤشرا لقرب نهاية الحضارات .
        يقول الإمام عبد الحليم محمود رحمه الله في كتابه الإسلام والعقل ص132 بتصرف:- ( المذهب السوفسطائي الإلحادي هو مذهب يظهر دائما في عصر الإنحلال وفي البيئات المنحلة ولا وجود له في عصور الجد ولا في البيئات الجادة ..إن الأدب المكشوف والمسرح اليوناني الفاجر والتماثيل العارية لا وجود لهم إلا قرب نهاية حضارة وبداية حضارة جديدة )

        الأخلاق موضوعية لا ذاتية فهي لا تعتمد على رغبات البشر أو نزواتهم فالخير خير عند الصالح والطالح والشر شر عند الصالح والطالح فالأخلاق تعتمد على شيء خارج الذهن البشري تعتمد على إرادة الله التي يريدها لهذا العالم فالأخلاق لها غرضية كونية يُفترض فيها الإستقلال عن أفكار البشر ورغباتهم والقيم الأخلاقية يعتنقها كل إنسان بوعي أو بغير وعي والإيمان بقضايا مثل أن للحقيقة قوة أو أنه لابد أن ينتصر الخير في النهاية وأن الإتجاه نحو الخير كامن في العالم هذا الإعتقاد مُستمد من شعور غامض بأن العالم نظام أخلاقي غائي
        ولا توجد أُمة من الأُمم تقول أن الكذب أفضل من الصدق أو أن الظلم أفضل من العدل أو أن الخيانة أفضل من الأمانة وربما كان من الصعب إيجاد تعريف للخير والشر لكن يبدو أن التعريف السليم للخير هو الفعل الذي يتطابق مع إرادة الله ويعتنقه جميع البشر في كل زمان ومكان
        فالقواعد العامة للأخلاق لا يختلف عليها اثنان في الوجود وهذا من قبيل أن للإنسان عينان وفم فمعنى نزول طفل من بطن أُمه بلا عينان لا يعني خطأ القاعدة بل هو استثناء لسبب خاص جيني والأمر نفسه ينطبق على النقاط التفصيلية الجُزئية للقيم الأخلاقية فوجود الإستثنائات بها كقتل القاتل أو الكذب للإصلاح بين الناس هو من منظور جواني ليس شرا إطلاقا بل خير وتحفيز للخير واختلاف وجهة نظر الناس في قضية جزئية كتلك القضية لا يعني خطأ القيمة الأخلاقية أو ذاتيتها بل كل ما في الأمر أن هؤلاء الأشخاص لم يُبين لهم الأمر ولم يفهموا لماذا كذب هذا الشخص أو لأنهم لم يكونوا يعرفوا أن هناك غاية أكبر من وراء كذبه ويصدُق الأمر نفسه على أن أُمة من الأُمم لا تقبل بالصورة المعهودة للزواج ولكن يتزاوج أفرادها بعُرف آخر فهذا لا يعدو إلا أن يكون اختلاف أعراف وثبات قيم فعند تلك الأُمه لا تكون العفة إلا بتطبيق هذا النوع من العُرف فهنا لم تحدث خيانه لأن الكل يعرف ما سيحدث ويعرف تطبيقات العرف جيدا فمثلا في عُرف ما توجد كلمة ما تُفيد معنى قبيح وفي عُرف آخر لا تفيد هذا المعنى فهذا لا يعني إختلافالقيم بدهيا وإنما اختلاف الأعراف فالقيمة ثابته لكن التطبيقات والأعراف والشرعة والمنهاج تحتلف بين الأُمم
        ولذا لو سألنا أي إنسان وقلنا له هل قانون الأمانة أو قانون العدالة أو قانون التعفف هل هو قانون سليم بين جميع البشر سليم بين جميع الأمم لقال بالإيجاب وهكذا يكون هناك إجماع جواني على أن القيمة الأخلاقية مُطلقة يعتنقها الناس جميعا بوعي أو بغير وعي وكل إنسان يستشعر أنه مُلزم أن يقيس أفعاله على هذا المعيار والإنسان إما مُقبل على الخير أو الشر وهنا تكمن قيمة التكليف وأننا مُكلفون على هذه الأرض

        ما الفائدة من قراءة كتاب لا علم أن صاحبه صادقاً أو كذاباً، ولا أستطيع أن أستعين بغيري لأنه هو الآخر قد يكذب علي؟ وقل مثل ذلك عن المدرسين والمحاضرين، وقل مثله عن رواة الأخبار في سائر وسائل الإعلام، وقل مثله عن التجار والزراع والصناع؛ كيف تتعامل مع أي من هؤلاء إذا كنت لا تدري أصادق هو أم كاذب فيما يدعيه لك من ثمن بضاعة أو جودة محصول أو إحكام صنعة؟

        الصدق ليس فضيلة خُلُقية فحسب، بل هو ضرورة اجتماعية أيضاً، وعليه كلما كثر عدد الصادقين في المجتمع كان المجتمع أقوى تماسكا وأدعى لأن تزدهر فيه العلوم والتقنية والاقتصاد إذا ما توفرت شروطها الأخرى. وكلما تفشى الكذب بين حكامه، وولاة أمره، وعلمائه، وتجَّاره وزرَّاعه وصنَّاعه، كان أكثر تمزقاً وأقل تطوراً في تلك الأمور كلها.

        فالصادقون إذن يُسدُون إلى المجتمع خدمة هي من ضرورات وجوده، والكذابون هم معاول تقويضه. لكن مشكلة الأخلاق في حياتنا الدنيوية هذه هي أن الصادق قد لا يجد جزاء صدقه، بل يكون صدقه سببا في خسارة مالية، أو فقدان مكانة اجتماعية، بل قد يوقعه حتى في عقوبات جسدية.

        والكاذب لا يعاقب دائماً على كذبه، بل قد يكون كذبه وسيلة إلى كسب مالي، أو نيل منصب اجتماعي، أو تفادي أذى جسدي، ولولا ذلك ما كذب إنسان. فالمشكلة إذن هي أن الذين ينفعون المجتمع قد يضارون مادياً، بينما الذين يضرونه قد ينتفعون مادياً.

        فإذا لم يكن هنالك من خالق يرى ويسمع ما يفعل البشر، وإذا لم تكن هنالك من دار أخرى يثيب الله فيها المحسن على إحسانه ، ويعاقب المسيء علىإساءته، وكان الكسب المادي في هذه الحياة الدنيوية هو وحده الكسب المعتبر؛ لكان الصادقون الأمناء الموفون بعهودهم هم المغفلين الذين لا عقل لهم، ولكان الكذابون الخونة هم العقلاء. لكن العقل يقول إن الأمر لا يمكن أن يكون كذلك، لا يمكن أن يكون العقلاء هم الذين يقوِّضون المجتمع، والمغفلون هم الذين يبقونه متماسكاً. لو كانت هذه الحياة – لذلك – كلها عبثاً. لكن ما من عاقل يمكن أن يقبل نتيجة كهذه؛ لأن فيها – من بين ما فيها – تقويضاً لأهم مبدأ تقوم عليه علومنا الكونية كلها، إن هذه العلوم كلها تقوم على افتراض المبدأ المسمَّى بتناسق الطبيعة، المبدأ الذي يقول إن قوانين الطبيعة لا تختلف، وإنه لذلك يمكن أن تدرس دراسة علمية بل رياضية؛ فكيف يكون هذا الكون في جانبه المادي عقلانياً، وفي جانبه البشري متناقضاً مع المبادئ العقلية؟!
        وهناك تناقض آخر يؤدي إليه الإلحاد بالنسبة للقيم الخُلُقية. إن الناس مفطورون على أن هذه القيم قيم يحسن بهم أن يلتزموا بها، فهي جزء من تكوينهم العقلي، وهم يشعرون لذلك – وماداموا محتفظين بفطرتهم – بالسعادة حين يصدقون الحديث ويؤدون الأمانة ويوفون بالعهد، ويشعرون بالشقاء حين يكذبون أو يخونون وينكثون. فالملحد الذي يريد أن يتصرف وفق ما يقتضيه إلحاده؛ يمر بحالات يشعر فيها بالتمزق بين وازعه الداخلي، وتفكيره العقلاني؛ فبينما يقول له الوازع الداخلي: اصدق فهذا أريح لنفسك وأسعد لقلبك. يقول له فكره: لكنك تعتقد أنه ليس وراء الحياة من حياة، والصدق في هذه الحال يفوِّت عليك لذة عاجلة، ففيم التضحية بها وأنت لا تنتظر أخرى بعدها آجلة؟ يقول بعض من يسمع مثل هذه الحجة لكن الواقع أنه ما كل الملحدين كذابون ولا كل المؤمنين صادقون؛ فقد يصدق الملحد وقد يكذب المؤمن. وأقول أجل إن هذا ليحدث، لكن الملحد حين يصدق يتناقض مع مقتضيات مبدئه، أي إنه لا يصدق صدقاً يفوِّت عليه مصلحة إلا حين يتخلى – مؤقتاً – عن مبدئه أو عن عقله. أما المؤمن فالأمر بالنسبة له عكس ذلك تماماً، فهو حين يكذب يكون قد سلك سلوكاً يتناقض مع مبدئه ومع عقله، وحين يصدق يكون موافقاً لهما ولفطرته. وعليه فإنه كلما كثر عدد الملحدين، واشتد اقترابهم من مقتضيات مذهبهم فإن الكذب عندهم سيزداد لا محالة، وكلما كثر عدد المؤمنين واشتد استمساكهم بدينهم، ازداد عدد الصادقين منهم لا محالة.

        يقول بعض المتحذلقين من الفلاسفة إنه لا معنى للسلوك الخلقي إلا أن تضحي مثل هذه التضحية التي لا ترجو لها ثواباً، وأنك إذا عملت الخير رجاء الثواب كما يفعل المتدينون لا يكون سلوكك هذا سلوكاً خُلُقياً بل تجارياً. لكن هؤلاء ما علموا أن التضحية المطلقة أمر يتنافى مع العقل الذي يسير عليه الناس في حياتهم الدنيوية كلها، وإلا لو كانت مثل هذه التضحية مما يدعو إليه العقل، لكان أعقل الناس هم الذين لا يسعون لنيل لذة ولا يعملون على اتقاء أذى، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتقون حراً ولا برداً ولا خطراً. وإذا كان هذا غير سائغ عقلاً فلماذا يسوغ في حالة السلوك الخُلُقي؟ وما الفرق بين هذا السلوك وغيره من أنواع السلوك؟ قد يقال إن الفرق هو ما ذكرته أنت نفسك آنفاً من أن في الإنسان وازعاً داخلياً يدعوه إلى السلوك الخُلُقي. ونقول: هذه هي المشكلة.

        كيف نوفق بين هذا الوازع الداخلي الذي يدعونا إلى مكارم الأخلاق، والعقل الذي يدعونا إلى تحصيل ما ينفعنا ودرء ما يضرنا؟ إنه لا حل عند الملحد؛ إن إلحاده يوجب عليه إما أن يكون داعياً إلى نبذ الأخلاق، أو يكون داعياً إلى نبذ العقل، وكلا الطرفين في قصد الأمور ذميم.

        كيف يحل الدين هذا الإشكال؟ يقول الدين الحق: نعم إن الأخلاق من الخير الذي فطر الله عليه عباده، ولكن هذه الأخلاق نفسها تقتضي أن يثاب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته. ولكن هذا لا يأتي في دار الدنيا هذه كما هو مشاهد، ولا يمكن إذن أن يأتي إلا في حياة أخرى بعد هذه الحياة، ولا يأتي في تلك الحياة الثانية إلا إذا كان هنالك إله عليم عادل حكيم، يعلم ما يعمل الناس الآن ليجازيه عليه غداً.

        فالمؤمن يعمل الخير لأن الله فطره على حبه، ويعمله لأن الله يثيبه على فعله، ولا تناقض بين الأمرين لأن إثابة المحسن هي نفسها مبدأ خلقي.

        ذكر – تعالى – ما أعده لعباده الصالحين، فقال: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ{46} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{47} ذَوَاتَا أَفْنَانٍ{48} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{49} فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ{50} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{51} فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ{52} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{53} مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ{54} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{55} فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ{56} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{57} كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ{58} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{59} ﴾ الرحمن : 49 - 59
        ثم ختم هذا بقوله : ﴿ هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ الرحمن : 60

        والسؤال سؤال استنكاري، فكأن الآية تقول: إن هذا هو الأمر الذي تدلكم عقولكم على أنه ينبغي أن يكون؛ فكيف تتوقعون غيره؟
        لعل القارئ يرى – كما أرى – أن الدليل الخُلُقي هذا هو فرع عن دليل العناية؛ لأن فحوى هذا الدليل أن الكون فيه من التناسق والعناية ما يدل على أن له مبدعاً حكيماً.
        والحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً. لكن عدم وجود دار آخرة يلقى فيها المحسن ثواب إحسانه والمسيء عقاب إساءته هو مما يتناقض مع تلك الحكمة وهذا الإحكام. لم أرى أحداً ممن قرأت له يربط هذا الربط بين هذين الدليلين، لكنني أحسب أن المناسبة بينهما مما لا يخطئه الناظر المتمعن، ولا سيما الناظر في القرآن الكريم. في هذا الكتاب العزيز عدة آيات تدعو إلى التفكر في الكون لمعرفة أن له خالقاً حكيماً ينبغي أن يعبد غيره مما لا يخلق، ولمعرفة أنه لم يخلق عبثاً ولا لعباً ولا باطلاً وإنما خلق بالحق، أي من أجل غاية. وقد وجدت في أكثرها – فيها أو في سياقها – ربطاً بين نفي البطلان واللعب والعبث عن خلق الكون، وبين أنه لا بد أن تكون هناك دار آخرة، أي إنه لو لم تكن آخرة لكان خلق هذا الكون كله عبثاً وباطلاً ولعباً ولم يكن حقاً؛ لأن هذا يتنافى مع الإحكام الذي فيه ومع ما يدل عليه هذا الإحكام من كونه مخلوقاً لخالق حكيم. إن الخالق الحكيم لا يخلق خلقاً فيأمرهم وينهاهم ثم يجعل مصير الذين استجابوا لرسله فعملوا صالحاً كمصير الذين تمردوا عليهم وخاضوا فيكل فعل قبيح؛ فالآخرة إذن ضرورة خُلُقية. تأمل هذه الآيات .. وانظر كيف جعلت الإحكام في خلق الله دليلاً على ضرورة وجود الآخرة، قال – تعالى -:

        ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ{21} وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{22}﴾ الجاثية : 21 ، 22
        تأمل كيف ربطت الآية بين خلق السموات والأرض بالحق، وبين عدم الظلم، وتأمل كيف ربطت الآية التالية بين عدم خلقها باطلاً – أي عبثاً – وبين مساواة المحسنين بالمسيئين:

        ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ{27} أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ{28} كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ{29} وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ{30}﴾ ص : 27 - 30

        نعم إن أولي الألباب، أولائك الذين يتفكرون في الأمور ويستدلون بها الاستدلالات الصحيحة، لا أولائك الذين يدَّعون العقلانية، وهم من أبعد الناس عن الالتزام بمقتضيات العقول، هم الذين يتدبرون في كون الله المخلوق وفي كتابه المقروء، وفي آيات الله الكونية، وآياته الكلامية؛ فيصلون بفكرهم المستقيم إلى الحق ويلتزمون بمقتضياته.
        هذه المعاني تتكرر – كما قلت لك – في آيات كثيرة من آيات الكتاب العزيز، فإليك أمثلة لها:

        ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام : 73
        ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ الحجر : 85
        ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ الروم : 8
        ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ الأحقاف : 3
        ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ التغابن : 3

        قد يقال إن هذه الحجة إنما تصلح لإنسان لا يؤمن بالخالق وينكر وجود الدار الآخرة، لكننا هنا بصدد إنسان ملحد ينكر وجود الخالق. وأقول إن الآية فيها الأمران كلاهما.
        فهي من ناحية تخاطب من يقر بوجود الخالق وينكر البعث، ولكنها من ناحية أخرى تدل على أن إحكام الخالق وما فيه من تناسق وعناية - من بينها وجود قيم خُلُقية لا تصلح مجتمعات الناس إلا بها – يتنافى مع عدم وجود دار آخرة. ولكن إذا كانت هنالك دار آخرة ولم يكن هنالك إله شهيد على الناس في هذه الحياة الدنيا، كي يجازيهم عليها في تلك الدار؛ لم يكن لها من فائدة بل صار الأمر فيها كالأمر في هذه الحياة الدنيا.
        قلت إن الآخرة ضرورة خُلُقية، ولو شئت لقلت ضرورة عقلية؛ لأن المبادئ الخُلُقية، هي من بين الموازين التي فطر الله عليها العقول لقياس الأمور وتقويمها، فالذي يتنافى مع الأخلاق يتنافى مع هذا العقل الفطري. وإذا قرر الله – تعالى – أمراً في صيغة سؤال استنكاري؛ فإنه يدل على أن الأمر معروف ما ينبغي أن ينكر أو يخالف، ومما يدخل في هذا ما كان معروفاً بهذا العقل الفطري.
        تأمل هذه الآيات .. كيف تستنكر أن يكون مصير المحسنين كمصير المسيئين سواء بسواء لأن هذا مما يتنافى مع تلك المبادئ الخُلُقية العقلية الفطرية ؛ وعليه فلا بد من دار آخرة يستقيم فيها هذا الأمر:
        ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ{33} إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ{34} أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ{35} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ{36}﴾ القلم : 33 - 36
        ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ص : 28

        وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالقيم الخُلُقية؛ إنه لا مكان في الفيزياء – ولا في غيرها من العلوم الطبيعية – للقيم الخٌلٌقية، أو الجمالية أو غيرها من القيم؛ ذلك لأن مجال هذه العلوم إنما هو الكائنات الطبيعية ، لكن الناس لا يكفيهم في حياتهم علمهم بالطبيعة مهما ازداد وعظم؛ إنهم يحتاجون مع هذا إلى قيم يهتدون بها في معاملاتهم، فإذا حلَّت العلوم الطبيعية محل الدين – كما يريد لها الملحدين في عصرنا – وإذا حُصر الحق فيما يأتي عن طريق هذه العلوم؛ فأنى يجد الناس تلك الهداية التي هي من ضرورات حياتهم؟ إن كثيراً من ملاحدة العلماءالطبيعيين يعترفون بهذه المشكلة لكنهم لا يحيرون لها جواباً.
        ينقل (تيلر) عن عالم الأحياء البريطاني (ميداور) وهو ملحد مثله قوله: " إن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالبدايات والنهايات أمر خارج – منطقياً – عن مقدرة العلم الطبيعي "

        لكنه يعلق على هذا بقوله: " إن هذا مسلك يصعب قبوله، فما زالت هنالك فجوه في حياة أناس كثيرين بسبب انعدام الغاية هذه. لقد كتب العالم النفسان كارل يونج: "(إنه لم يكن من بين مرضاي الذين هم في النصف الثاني من عمرهم (بعد سن 35 سنة) أحد لم تكن مشكلته في النهاية هي الظفر بنظرة دينية إلى الحياة) "
        ثم ينقل عن صحفي معاصر – يقول عنه: إنه ابن لأحد الفيزيائيين – قوله: " إن العلم الطبيعي ليس سلعة محايدة أو بريئة يمكن أن يستخدمها للاستفادة منها قوم لا يريدون إلا أن يكون لهم نصيب من قوة الغرب المادية ... إنه مدمر روحياً، مودٍ بكل المرجعيات والتقاليد القديمة ... وبعد أن يودي بكل منافسيه يبقى السؤال: أي نوع من الحياة تلك التي يقدمها العلم الطبيعي لأهله؟ ... ماذا يقول لنا عن أنفسنا وكيف نحيا؟ "
        ثم يقول: " ليس هنالك من جواب جاهز على هذا السؤال "


        12 - دليل الفطرة
        و الفطرة لغـة مشتقة من: فطر الشيء فطراً و تستعمل على عدة معاني: الشق و الابتداء والاختراع و الخلقة و في قاموس اللغة : ( الفطرة تعني الخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه ) و معنى الابتداء و الخلق هما الأنسب للمعنى المراد في دلالة الفطرة على وجود الله .
        و الفطرة اصطلاحا هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها، وعلى محبة الخير و إيثاره و كراهية الشر ودفعه ، وجعلهم حنفاء مستعدين لقبول الخير و الإخلاص لله والتقرب إليه أو الفطرة هي الطبيعة الجسمية و النفسية التي يخلق بها الإنسان ، إذ يولد في الدنيا و تولد معه الغرائز و الأحاسيس و العواطف إنها الإنسان بما هو ، قبل أن يتأثر بأفكار أسرته و معلمه و مجتمعه .
        قال ابن عاشور : (( الفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسداً وعقلاً، فمشيُ الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلاف الفطرة العقلية ))
        و قال ابن عطية: (( و الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة " أي الفطرة " أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي معدة ومهيئة لأن يميز بها مصنوعات الله، و يستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ))

        ودليل الفطرة يعتمد على أنّ الإنسان لو ترك وذاته، بدون معلم أو مربي، فإنّه يشعر في أعماق نفسه ، وبما أودعه الله في خلقته بأنّ لهذا الكون خالقا خلقه ، ومكوناً كونه ، ومبدعاً أبدعه ، ومدبراً دبره. هذا الشعور نابع من فطرته وذاته وليس مما تعلمه من والديه وأهله. يولد معه، وينمو معه، ويبقى معه. لا يتغير بتغير الظروف، ولا يمكن انتزاعه من نفسه، لأنّه جزء لا يتجزأ منها. فكما أنّ غرائز الإنسان ذاتية له لا يمكن فصلها عنه ولا تحتاج إلى تعليم معلم ، وكما أنّ عواطف الإنسان وأحاسيسه جزء من خلقته وكيانه البشرى ، فإنّ شعوره الفطري الذاتي يدفعه دائما إلى الإيمان بأنّ لهذا الكون خالقاً ومدبراً وربّاً.
        قال شيخ الإسلام: ( إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة ) .

        و لو افترضنا إنساناً يولد في الصحراء بعيداً عن تعليم الأهل والمجتمع، ثُمّ يكبر هذا الإنسان حتى يبلغ سنّ الرشد ، فإنّه كما يعرف غرائزه وأحاسيسه، فسيعرف أنّ له ربّاً وخالقاً، خلقه وأوجده من العدم . وكما يعرف أنّه يحتاج إلى الطعام لسدّ جوعه ، وإلى الشراب لإرواء عطشه ، وإلى الجنس لإطفاء شهوته ، وغيرها من الغرائز في ذاته، فإنّه ليعرف كذلك من خلال فطرته بأنّه بحاجة إلى خالق لخلقه، وموجد له يوجده من العدم. أنّه يبحث بذاته ويتساءل: من أين جاء؟ والى أين سيذهب ؟ ، ولماذا هو في هذه الدنيا؟ ولابدّ أن يكون له خالقاً خلقه وكوّنه وأبدعه. فهو يؤمن بوجود خالق يتوجه إليه في حاجاته- وخصوصاً عند الشدائد- بدون حاجة إلى من يعلمه ذلك .

        ومما يدل على دلالة الفطرة على وجود الخالق ما يلي :
        أولا : وجود العبودية و التدين عبر تاريخ البشر
        لاحظ العلماء أن جميع الأمم التي درس علماء تاريخ الأديان تاريخها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها ، و لا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور ، و لا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين و لا بلا إله معبود ، حقاً كَانَ أو باطلاً فهناك اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك دين ، و إله معبود حتى قال بعضهم : (( لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات ، لم توجد جماعة بغير ديانة )) فالشعور الفطري بوجود خالق مدبر لهذا الكون شعور مشترك بين جميع الناس مغروس في النفوس، يقوم في نفس الطفل الصغير،و الإنسان البدائي والإنسان المتحضر، والجاهل والعالم والباحث والفيلسوف، كل هؤلاء يشعرون بشعور مشترك لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم .

        ثانيا : الالتجاء إلى الله عند الشدائد فالشدائد تصفي جوهر الفطرة
        من المعلوم أنّ فطرية الإيمان باللّه لا تعني بالضرورة أن يكون الإنسان متوجهاً إلى اللّه دائماً ملتفتاً إليه مرتكزاً إيّاه في جميع حالاته وآونة حياته اليومية ، إذ رب عوامل تتسبب في إخفاء هذا الإحساس في خبايا النفس وحناياها وتمنع من تجليه ، وظهوره على سطح الذهن ، وفي مجال الوعي والشعور. و أمّا عند ما يرتفع ذلك الحجاب المانع عن الفطرة فالإنسان يسمع نداء فطرته بوضوح .
        و الإنسان إذا وقع في محنة شديدة لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد ، فهو بأصل خلقته يتضرع إلى من يخلصه منها ، وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالافتقار إلى الصانع المدبر .
        و من أوضح الأدلة على فطرية المعرفة بالله عز وجل والإيمان بوجوده ذلك الدافع القوي الذي يُلجئ الإنسان عند المصائب والمخاطر إلى نداء الله تعالى ، والاستغاثة به كائناً من كان ذلك الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن
        ففي الشدة تبدو فطرة الناس جميعاً كما هي في أصلها الذي خلقها الله عليه ، وعندما تمر المحنة وتأتي العافية والنعمة يعودون إلى مخالفة فطرتهم من جديد، ويندر أن لا يذكر إنسان أمثلة من حياته عاش فيها هذا المعنى قال تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـانُ كَفُورًا ﴾ .
        وكثيراً ما تنكشف الحجب عن الفطرة ، فتزول عنها الغشاوة التي رانت عليها عندما تصاب بشدة ، أو تقع في مأزق لا تجد فيه من البشر عوناً ، وتفقد أسباب النجاة ، فكم من ملحد عرف ربّه و رجع إليه عندما أحيطت به شدة ، وكم من مشرك أخلص دينه لله لضرّ نزل به قال تعالى : ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئنِ أنجيتنا من هذه لنكوننَّ من الشاكرين ﴾
        و قد سمعنا كيف رجع ركاب طائرة ما إلى ربّهم عندما أصاب طائرتهم خلل ، فأخذت تهتز وتميل ، وتتأرجح في الفضاء ، والطيار لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن الركاب ، هناك اختفى الإلحاد ، وضجّت الألسنة بالدّعاء ، ورغبت القلوب إلى ربها بصدق وإخلاص ، ولم يبق للشرك والإلحاد وجود في مثل هذا الموقف الرهيب .
        و قد قرأنا ما نشرته مجلة ( المختار) المترجمة عن مجلة ( ريــدر دايجست ) مقالة أيام الحـــرب لشاب من جنود المظلات - يوم كانت المظلات والهبوط بهـا شيئا جديدأ - يروي قصتــه فيقول : إنه نشـــأ في بيت ليس فيه من يذكــــر الله أو يصلي ، ودرس في مدارس ليس فيها دروس للدين ، ولا مدرس متدين ، نشأ نشأة علمانية مادية ، أي مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف إلا الأكل والشرب والنكاح ، ولكنه لما هبط أول مرة ، ورأى نفسه ساقطًا في الفضاء قبل أن تنفتح المظلة جعل يقول : يا الله ، يا رب .. ويدعو من قلبه ، وهو يتعجب من أين جاه هذا الإيمان ؟

        لو كنت في صحراء ووقعت في حفرة و أصبحت في حفرة و أصبحت تنادي و تستغيث و تطلب النجدة ، لمن ستنادي ؟؟ ستبدأ بأهلك ثم أصدقائك ثم أي شخص يمكنه مساعدتك وهم جميعاً غير موجودين في هذه الصحراء ، و لكن في النهاية ستعود لفطرتك لتنادي يا الله و تستغيث به ، سواء كنت مؤمناً به أم لا
        و لا يصح لنا أن نستنتج من توجه البشر إلى اللّه في الشدائد بأنّ الإيمان وليد الخوف والرهبة من الطبيعة الغاضبة كما يدعي الملاحدة بل الخوف مجرد وسيلة تكشف الغطاء عن ذلك الإيمان المغروس في أعماق البشر ، المودوع في الفطرة وكذلك تكون فطرة الإيمان باللّه و التدين و حب الجمال واكتناز الثروة وطلب العلم رغم أنّها أُمور مجبولة مع فطرتنا ومعجونة مع خلقتنا فهي لا تظهر ولا تتفتّح ولا تبرز في كل الأوقات والظروف ، ولا تتجلّى في عالم الذهن في كل الأزمنة والأحوال ما لم تتهيّأ الظروف المناسبة لها في وجودنا .

        ثالثا : التساؤلات الفطرية عن الوجود :
        هناك أسئلة تدور في ذهن الإنسان و تلح على الإنسان في داخله لا يستطيع دفعها عن أصل الوجود و نهايته وسببه، وعن الموت وأسراره، وعن الروح وأسرارها مما يدل على وجود فطرة كافية في النفوس تبرز هذه الأسئلة عن الإله والوجود .

        رابعا : احتياج النفس إلى قوة مدبرة
        لا ريب أن كل إنسان يشعر في قرارة نفسه بافتقار وحاجة إلى إله قادر مدبر، يرفع إليه حاجاته، ويسند إليه أموره، وهذا الشعور ناشئ عن النقص والعجز الذاتي في أنفسنا، والعاجز يفتقر أبداً إلى من يعينه، والناقص دائماً يحتاج إلى من يكمله .

        أننا نشعر بوجود الروح فينا فنحرص عليها دون أن نشعر بها بإحدى الحواس الظاهرة و في أنفسنا نشعر بالعواطف و الوجدانيات ، كالحب والبغض والرغبة والكره ، فما الدليل على وجودها فينا وهي متغلغلة في داخلنا هل نستطيع أن نقيم عليها دليلاً أكثر من أننا نشعر بها وهي حق لا شك فيه كذلك حاجة النفس إلى قوة مدبرة ؟!!

        فإن قيل .. لو كانت معرفة الله فطرية لما أنكرها أحد
        و الجواب من وجهين :
        الوجه الأول : أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً ضرورياَ في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة ، و قد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة و ما يحصل من ضلال أو انحراف في هذه الفطرة أمر طارئ على هذه الفطرة السليمة فالإنسان قد تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف عن المعبود الحق و البشر جميعا في كل العصور تجدهم يبحثون عن اله يعبدونه و هذا استجابة لنداء مرتكز وموجود في داخلهم وهذا يفسر اتخاذ من لم يصلهم منهج واضح عن الخالق بالهة من كل صنف يعبدونهم .
        الوجه الثاني : أن من أثر عنه إنكار الخالق في البشر قليلون جداً على مرّ التاريخ مقارنة مع من يثبت وجوده ، و هذه القلة على قسمين :
        أحدهما : قسم ينكر وجود الله ظاهراً فقط ، مع إيمانه بخلاف ذلك في قرارة قلبه و أشهر هؤلاء : فرعون موسى وأمثاله .
        قال الله تعالى في حقهم : ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾
        الثاني : قسم آخر هو في الحقيقة معترف بوجود صانع مدبر خالق ظاهراً وباطناً ، غير أنه يحيل ذلك إلى الطبيعة أو غيرها، مما يدل على وجود علوم أولية فطرية مشوبة بالمؤثرات الخارجية .

        فإن قيل : لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد الناس في مختلف العصور آلهة شتى ؟؟
        و الجواب : أن الإنسان إذا لم يهتد إلى الله تعالى فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين ، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله و لو كان خبيثا ليسد به جوعته و أيضا الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكن الإنسان تحيط به عوامل كثيرة تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق ، ومن ذلك ما قد يغرسه الآباء في نفوس الأبناء ، وما قد يلقيه الكتاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة ، فإنه يبدل هذه الفطرة ويغيرها ويلقي عليها غشاوة فلا تتجه إلى الحقيقة .
        و غاية قول الملاحدة لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس آلهة شتى الدلالة على انتكاس ما أودع الله في الناس من فطرة لا نفي فطرة وجود الخالق .
        و قد ثبت وجود إله خالق فالكل مفطور على وجود خالق ،و لا دليل على وجود أكثر من إله خالق ، فلا يصح ادعاء أكثر من إله و لو كان هناك خالق غير الله لادعى الخلق ، و لم يدع أحد غير الله لنفسه الخلق إلا خذله الله في الدنيا و افتضح أمره ، أما الله سبحانه فقد قال أنه الخالق لكل شيء عن طريق رسله و أنبيائه و لم ينازعه أحد قال تعالى : ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾
        و قال تعالى : ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

        و قال تعالى : ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ ، و الكون يشهد بوحدانية الخالق جل و علا لما نراه من النظام و التناسق الذي في الكون .
        قال الباقلاني: (( و ليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين، ولا أكثر من ذلك، والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا، ويوجِد أحدهما ضد مراد الآخر؛ فلو اختلفا، وأراد أحدهما إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، لوجب أن يلحقهما العجز، أو واحداً منهما؛ لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعاً لتضاد مراديهما. فوجب أن لا يتما، أو يتم مراد أحدهما، فيلحق من لم يتم مراده العجز. أو لا يتم مرادهما، فيلحقهما العجز. والعجز من سمات الحدث، والقديم الإله لا يجوز أن يكون عاجزاً ))

        و قال تعالى : ﴿ قل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا ﴾ أي : لو كان معه آلهة كما يقول المشركون لاتخذ العباد السبل الموصلة إلى عبادة الله الملك الحق، لأن جميع هؤلاء المعبودين من دون الله إنما كانوا يعبدون الله ويتقربون إليه، فحري بمن أراد أن يتقرب إلى من بيده النفع والضر أن يعبد الإله الحق الذي يعبده من في السماوات والأرض بما فيهم هؤلاء الآلهة المعبودون من دون الله أي لو كَانَ هناك آلهة أخرى لكان شأنها أن تتقرب هي إِلَى الله سبحانه إذاً ؛ لا توجد آلهة من دون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
        و ليس تعدد الآلهة ذريعة لترك عبادة الإله الحق فلو كنت قاضيا و أمامك أشخاص و كل منهم يدعي أيحق لك أن تقول لا يوجد حق ، بسبب تعدد مدعي الحق و البينة على المدعي و الحق له نور تعرفه به .

        فإن قيل كيف تدل الفطرة على وجود الله و الملاحدة لا يؤمنون بالله أصلا مهما تعددت الأدلة على وجوده ؟
        و الجواب أن من فسدت فطرته كالملاحدة قد لا يمكن إصلاح فطرته بالحجج و البراهين العقلية كما أن المريض النفسي الذي تنتابه الأوهام والهلاوس لا يمكن دفعها عنه بالإقناع أو التفاهم .
        عوامل طمس الفطرة
        رغم أن الناس مفطرون على الإيمان بخالق مدبر إلا أن الفطرة قابلة للتغير و الانحراف بفعل مؤثرات خارجية ، وهذا الانحراف كان هو السبب في وجود الوثنيات والشرك في الأمم السابقة ، وهو أيضا سبب الشرك و الضلال في زمننا الحاضر .
        وهذه المؤثرات هي :
        أولا : الشياطين : وهي المؤثر الخارجي الأصلى والأول في هذا الأمر كما يتضــح ذلك من حديث عياض بن حمار السابق عرضه .
        ثانيا : البيئة : سواء كانت من الجو المحيط داخل الأسرة - وبوجه خاص الوالـــدان - ، أو من خلال المجتمع خارج مستوى الأسرة .
        وهذا المؤثر قوى وخطير وعليه تكون النشأة ، وبسببه ينطمس كثير من نور الفطرة إن لم تطمس بالكلية . كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأبواه يهودانه أو ينصــرانه أو يمجسانه .
        ثالثا : الغفلـة : وقد ذكر الله سبحانه هذا المؤثر في سورة الأعراف حين قال : " أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " .
        ولا شك أن هناك عوامل أخرى مؤثرة كالإعلام ووسائله ، وكالدراسة وأساليبها وما يدرس فيها ولكن عندما نمحصها نجد أنه يمكن أن تندرج تحت واحدة من هذه الثلاث .

        تنبيه :
        و ننبه أن القول بوجود فطرة التدين و الإيمان بالله لدى الانسان ليس كافيا وحده لتحقيق التدين و الإيمان بالله المطلوب من كل فرد مكلف ، بل لا بد من تعلّم شرائع الدين وتطبيقها، والاعتناء بهذه الفطرة وتنميتها بالتربية والتوجيه، ضمن القيم والأخلاق التي سار عليها الأنبياء وهدوا الناس إليها. حتى لا تضل الطريق وتنحرف عن منهج الوحدانية، وضرورة تعهدها منذ الصغر حتى لا تحيد على الخط الصحيح الذي نشأت عليه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، و ينصرانه ، و يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء ) رواه أحمد .
        و الخلاصة أن الفطرة حاكمة بوجود الله تعالى ومن ينكر وجود الله تعالى مخالف للفطرة ، و الإسلام يقوم على الاعتقاد الصحيح الذي يوافق تلك الفطرة ويحترم عقل الإنسان ومكانته في الكون بوجود الله عز وجل .
        التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 20 فبر, 2016, 12:47 ص. سبب آخر: تكبير الخط ..
        ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

        تعليق


        • #5
          رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

          أخيرا أدلة التوحيد
          عالم الدراسات الإنسانية والمتخصص في التاريخ المصري السير والس بدج، ينقل لنا في كتابه الشهير (كتاب الموتى) عبارات مدونة في بعض أوراق البردى الأثرية:
          ( ترنيمة للإله راع رئيس الآلهة، يا سيد السماوات، يا سيد الحقيقة، يا صانع الإنسان، يا خالق الأنعام، راع، كلماته حقيقة، حاكم العالم، قوة الشجاعة، أوجد الكون كما أوجد نفسه، أشكاله أكثر من أي آلهة أخرى، المجد لك يا صانع الآلهة، يا من مددت السماوات وأسَّسْت الأرض، أنت سيد الخلود وموجد الأبدية وخالق النور )
          Wallis Budge, The Book of the Dead, from the Papyrus of Ani .

          وفي نقوش أخرى نقرأ: ( إنه يسمع تضرعات المنكوب، إنه الرحمة لقلب المنادي، إنه اللطيف بالمنكوب، إنه سيد العلم، الحكمة كلامه، إنه مُخرج الزرع الأخضر لتحيى الأنعام، وهو ركيزة الحياة التي يَحيى بها الإنسان، إنه خالق الأسماك التي تعيش في البحار، والطيور التي في السماء، إنه واهب الحياة لما في البيضة، فلتحيى يا خالق كل شيء، أنت الواحد، في قوتك تجلت جوانبك )

          يقول بدج: ( إن الاطلاع على النصوص السابقة لا يدع مجالاً للشك في أن قدماء المصريين كان عندهم تصور صافٍ عن الله، وأنهم ميزوا بين الله كإله مطلق، وبين الآلة الأخرى الصغيرة، ثم يقتبس مرة أخرى: (إننا نملك إله واحدًا مخلوق بذاته، موجود بذاته، ومطلق القوة، الذي خلق العالَم )

          ثم يستعرض بدج تاريخ المصريين القدماء، ويشرح كيف أن عدد الآلة أخذ بالازدياد مع تقدم الزمان، وهذا دليل غير مباشر على أن الدين الأصلي الذي كان عليه المصريون القدماء هو التوحيد، وأن الشرك وتعدد الآلهة حدث متأخر.

          وأخيرًا، ينقل بدج موافقة من سبقه من علماء التاريخ المصري القديم له أمثال كامبوليون فيجياك Champollion-Figeac، دي روجيه de Rouge، بيريه بروجش Pierret Brugsch، ويخلص في النهاية إلى النتيجة: أن سكان النيل القدماء آمنوا بإله واحد عظيم أزلي . ويؤكد أن رموز الإله الواحد تحولت مع مرور الزمن إلى آلهة أخرى، وأن هذا هو أصل الوثنية، وأن فكرة الإله الواحد بقيت آثارها واضحة رغم ما اعتراها من تشويه.

          وممن نقل آراء دي روجيه العالم رينوف، حيث قال:
          ( من المقرر به أن الجزء الجليل من دين المصريين القدماء ليس المتأخر الذي تعرض للتشويه، إن الدين الحقيقي لهم هو القديم، إن ما نقله عنهم الإغريق والمسيحيون هو الجزء المتأخر المُحرَّف )
          P. Renouf, Lectures on The Origin and Growth of Religion as illustrated by The Religion of Ancient Egypt, 1897, page 90 .

          ثم ننتقل إلى عالم الآثار المصرية السير فلندرز بيتريه، يقول في كتابه (تاريخ مصر القديمة): ( في الأديان القديمة توجد مراتب مختلفة للآلهة، فمثلاً في الهندوسية الحديثة توجد أطنان من الآلهة وأنصاف الآلهة، وهي تزداد بشكل مستمر حتى صاروا الآن بالملايين، بينما في بعض الشعوب الأخرى لا توجد عندهم عبادة الآلهة، وإنما توجهوا نحو الآرواحية، حيث كانوا يعتقدون بوجود أرواح مستقلة كالشياطين، إلا أن طبيعة هذه الأرواح وصفاتها تختلف تمامًا عن صفات الإله العظيم، فلو كان الإيمان بإله واحد تطورًا عن الإيمان بالأرواح وعبادتها لوجدنا أن الأخيرة تسبق الأولى، والواقع يكذب ذلك )
          Flinders Petrie, The Religion of Ancient Egypt, 1908 .

          ثم يتابع: (عندما نتتبع تاريخ الوثنية، نجد أن الوثنية هي خليط من التوحيد، فالثالوث المصري القديم المتمثل في أوزيرس وإيزيس وحورس، كانوا في الأصل آحادًا منفصلة، إيزيس هي الإله الأنثى، وحورس هو الإله الأزلي )

          ويقول أيضًا: ( لقد كان في كل مدينة إله واحد، ثم أضافوا له آلهة أخرى مع مرور الزمن، وهذا واضح في المدن البابلية التي كان لكل منها إله أعلى، ومع توحد مدنهم في دولة واحدة جعلوا الآلهة مجموعات )

          ومن علماء التاريخ المصري القديم أيضًا، العالم جورج رولينسون، يقول في كتابه هيرودس: ( يمكن وضع عدد غير نهائي من ممثلي الإله حسب مهامِّهِم ومراتبهم، وفي مصر القديمة، تحول كل ممثل للإله الأعلى إلى إله، فمع إدراكهم في البداية لحقيقة هذه الرموز، إلا أن مشاعرهم تجاهها تغيرت مع مرور الزمن حتى حوَّلوها إلى آلهة معبودة )
          George Rawlinson, Herodotus, appendix to book 11, page 250 .

          العالم آرثر كوستانس ، صاحب "سلسلة وثائق المدخل" يقول في الصفحة الثالثة من كتابه ( مع اكتشافنا لألواح أثرية أقدم، ومع تقدم كفاءتنا في فك الرموز، تغيرت فكرتنا عن الوثنية القديمة الفظة، واستبدلنا بها تصورًا آخر هو الترتيب الهرمي للأرواح والتي يحتل قمتها كائن مطلق )
          Arthur C. Custance, The Doorway Papers Series, page 3.
          وفي الوثيقة الرابعة والثلاثين، ينقض كوستانس فرضية التطوريين، ويبيِّن أنها مبنية على اعتقاد مُسبق بأن الإنسان يرقى بتفكيره مع مرور الزمن، بينما هذا مخالف للحقائق المُكتَشفة، وأن ما حدث حقيقة هو تدهور وليس تطور
          The Doorway Papers Series, Paper 34

          وينقل كوستانس كلام عالم آخر وهو ستيفن لانجدن، يقول في كتابه الميثولوجيا السامِيَّة ( في رأيي إن تاريخ الحضارة الإنسانية القديمة تزامن مع تدهور التوحيد إلى الوثنية والاعتقاد بالأرواح والأشباح، إن هذا يشكل انحطاطًا للإنسان بمعنى الكلمة )
          Stephen Langdon, Semitic Mythology, 1931.

          ويقول في كتابه (الاسكتلندي) : ( إن تتبع النقوش القديمة في الحضارة السومرية، والتي تعتبر الحضارة الأقوى في التاريخ البشري القديم، والتي تعطينا فكرة قوية عن الوعي الديني للإنسان القديم، يثبت وجود التوحيد أصلاً عندهم، فإن أقدم النقوش والآثار التي بين أيدينا تشير بقوة إلى اعتناقهم توحيدًا "بدائيًا"، وأن ادعاء نشوء الدين اليهودي من أصل طوطمي هو ادعاء كاذب )
          Stephen Langdon, The Scotsman 1936 .

          ويؤكد كوستانس نظريته هذه بما كشفته حفريات تل الأسمر جنوب بغداد في بداية القرن الماضي، حيث يذكر كلام هنري فرانكفروت في تقريره الأولي الثالث عن الحفريات قوله:
          ( إن الحفريات التي قمنا بها فاجأتنا بمعلومات جديدة تهم دارسي الأديان البابلية، وهذه المعلومات ساعدتنا في تكوين صورة متكاملة عن الدين في ذلك الوقت، إن دراستنا لمعبد مُكتَشَف وبيوت المتعبدين هناك، وتحليلنا لرموز على أجسام اسطوانية يشير كل منها إلى إله معين، كشفت صورة متماسكة لإله واحد معبود عندهم يحتل مركزًا جوهريًا، إذ يبدو أنه في ذلك الوقت لم تنفصل صفات الإله وقدراته على شكل آلهة مستقلة كما هو الحال في المرحلة المتأخرة من هيكل الآلهة السومرية والأكادية )
          Henry Frankfort, the Third Preliminary Report on Tell Asmar excavations.

          ثم يقتبس كوستانس كلامًا لعالم آخر هو ماكس مولر صاحب كتاب محاضرات في علم اللغة، يقول مولر:
          ( الأسطورة، آفة العالم القديم، ليست إلا مرضًا لغويًا، فالأسطورة في الأصل كلمة تعني شخصًا أو رمزًا، لكنها حُرِّفت عن معناها الأصلي لتأخذ طابعًا أعمق. إن معظم الآلهة الوثنية لدى الإغريق والرومان والهنود والوثنيين ليست إلا أسماءً أدبية، لكنها تحولت تدريجيًا إلى رموز إلهية لم يقصدها مخترعوها الأصليون فإيوس Eos قبل أن تصير آلهة، كان معناها الفجر، وفاتم Fatum كانت تعني كلام جوبيتر Jupiter الذي لا يتغير، ومنها جاءت كلمة فيت Fate بمعنى القَدَر الحتمي الذي يسري على الكل، حتى جوبيتر نفسه، وزيوس Zeus كانت أصلاً السماء الصافية، وهذا هو معناها في كثير من القصص حتى التي تتحدث عنه كإله، أما لونا Luna فلا يشك أحد أن معناها القمر، مُشتقة من لوسير Lucere بمعنى الإشعاع، ومثلها هيكات Hecate أنثى هيكاتوس Hekatos، كانت اسمًا للقمر، وهيكاتوس اسمًا للشمس، وبايرا Pyrrha الإله الأم عند الإغريق، معناها الأرض الحمراء إن هذا المرض اللغوي لا يزال موجودًا حتى في زماننا، وإن كان تأثيره أقل بكثير مما سبق )
          Max Muller, Lectures on the Science of Language, 1875 .

          ثم يعلق كوستانس على فرضية عبادة الأسلاف، فيقول إن أول من وضع هذه الفرضية هو هيربرت سبنسر Herbert Spencer، وهو أول من وضع تفسيرًا تطوريًا لنشوء الأديان، ففرضيته تقوم على تقديس الناس لأسلافهم وعبادتهم، ثم أخذ مراتب هرمية لهم، والذين يصلون لقمة الهرم يصيرون آلهة.

          وينقل لنا ردودًا لشميت، العالم الأكبر في هذا المجال، على فرضية سبنسر هذه، فيقول:
          ( لقد أثبت شميت في كتابه (أصل الدين ونموه) خطأ فرضية سبنسر هذه، لأن الواقع يكذبها تمامًا، فدراسة شميت أثبتت أن العالَم القديم كانت له صورة نقية عن الإله الواحد، وأنه مع تقدم الحضارات زادت فكرة الإله تعقيدًا حيث نُسبت له الزوجة أولاً ثم تعددت الآلهة.
          "برعايته، وعن طريقه، قد خُلِق أول زوج جاءت منه قبيلتنا" هذا هو الاعتقاد السائد في قبائل وسط أفريقيا وجنوب شرق أستراليا، والسكان الأصليون في شمال كاليفورنيا، والألجونكنز البدائيون والكاريوكا والآيمو، إن فرضية سبنسر خاطئة تمامًا لأن عبادة الأسلاف غير متأصلة في هذه القبائل أبدًا، بينما التوحيد هو العقيدة الواضحة لهؤلاء، وإنَّ استقراءنا للتاريخ البشري يُظهر أن ظاهرة عبادة الأسلاف جاءت متأخرة وأنها ليست قديمة )
          Wilhelm Schmidt, The Origin And Growth of Religion: Facts and Theories, the English Edition, 1930.

          ومن علماء التاريخ الإنساني العالم فريدريك ديليتش، يقول في كتابه بابل والكتاب المقدس:
          ( بالإحالة إلى اللوح الذي درسه بينتشز T.G. Pinches، تدور كل الآلهة البابلية العليا حول إله واحد هو ماردوك Marduk، فالإله ماردوك سُمِّي بنيميب Nimib بمعنى القوي، ونيرجال Nergal بمعنى سيد المعركة، وبيل Bel بمعنى السيد الأعلى، ونيبو Nebo بمعنى سيد الأنبياء، وسين Sin بمعنى منير الليل، وشماش Shamash بمعنى العادل، وآدو Addu بمعنى إله المطر، لذا فإن ماردوك هو نفسه نيميب ونيرجل وغيره، وهذه هي في الأصل أسماؤه الأخرى وصفاته وأفعاله )
          Friedrich Delitzsch, Babel and Bible, Williams and Norgate, London, 1903, pp 144 .

          وفي الصين القديمة، يقول البروفيسور رون ويليامز في كتابه التوحيد عند الصينيين القدماء أن الحضارة الصينية القديمة مرت بمراحل ثلاث، في المرحلة الأولى كان الاعتقاد بالتوحيد سائدًا، وفي المرحلة الثانية طغت المادية على التوحيد، وفي المرحلة الثالثة المتأخرة سادت المادية بشكل تام

          ثم يقدم رون ويليامز أدلة على ذلك، فباستقراء الكتابات الصينية القديمة نلاحظ ترميزهم للسماء برمز يتكون من جذرين: الأول يعني (الشخص)، والثاني يعني (فوق)، وبالتالي فإن رمز السماء عند الصينيين يعني أصلاً (الشخص العلوي)، أما رمز الإمبراطور فهو يعني ابن السماء، وهذا يوضح أصل تقديس الصينيين لحكامهم

          ثم يعرِّج ويليامز على موضوع حرق الأغصان كطقس ديني عند الصينيين اليوم تعبدًا للسماء، ويشير إلى أن أصل هذا الطقس يعود للحاكم شان Shun عام 2255 ق.م. حيث أمر بحرق الأخشاب كقربان لإله السماء، ويدلل على ذلك من خلال النقوش القديمة، حيث أن الرمز بعد تحليله إلى جذوره فإنه يعني (الواحد الأعلى الذي نحرق الخشب من أجله)
          Ron Williams, Early Chinese Monotheism, Toronto, 1938 .

          وممن كتب أيضًا عن ديانات الصين القديمة، إدوارد شيفر، يقول في كتابه الصين القديمة:
          ( إن أقدم وأعظم الآلهة كان إله السماء، لقد كان تاين Ti'en، ملك السماء، أعظم وأذكى وأرهب من أي ملك أرضي، لكنه تجرد فيما بعد من شخصيته وصار يُرمز له بالطاقة المسيرة للكون )
          Edward Schafer, Ancient China, in The Great Ages of Man, New York, 1967, page 58 .

          ونذكر أيضًا أعمال جون روس في دراسته للدين الصيني العتيق، وتحليله لاسم إلههم Shang- Ti، والذي يعني (الحاكم الأعلى)
          John Ross, The Original Religion of China, the United Free Church of Scotland, New York.

          ولا ننسى اكتشاف "عظام الكاهن" Oracle Bones، حيث عُثر على أكثر من عشرين ألف قطعة عظمية في منطقة آن يات An-Yat في هونان الشمالية، وهي تعود لعصور قديمة حيث كانت سلالة شانج الحاكمة Shang، وقد حُفرت على هذه العظام أسئلة من المَلِك، وتقابلها الإجابة من الكاهن، وقد احتوت اسم الإله شان تاي السابق ذكره، ولا يوجد ذكر لأي إله آخر.

          ويشير إدوارد مكاردي في كتابه (الكون بين سفر التكوين والوثنية) إلى إن كتاب الريغفيدا الأول في صفحة 164، يذكر بكل صراحة أن الآلهة ما كانت إلا تجليات لكائن إلهي واحد، فيقول:
          ( لقد دُعيَ إندرا، وميثرا، وفارونا، وآجني، وهم واحد )
          Edward McCrady, Genesis and Pagan Cosmogonies, Trans. Vict. Instit. 1940, page 55 .

          وهذا ما أكده ماكس مولر أيضًا حيث قال:
          ( إن التوحيد سابق لتعدد الآلهة في كتب الفيدا، وحتى في ترنيمات الآلهة الكثيرة لابد أن تلاحظ تميُّز إله أكبر يُطِلُّ برأسه من ركام العبارات الوثنية )
          Max Muller, History of Sanskrit Literature, quoted by Samuel Zwemer, Ref 1, page 87.



          وهذا كلام كاتب هندوسي يشرح ديانته
          ( قد يتساءل أحدكم: كيف تقولون أيها الهندوس بإله واحد، وعندكم من الآلهة ما لا يُمكن معرفة عددهم وحفظ أسمائهم؟ أليس عندكم فيناياكا وموروجا وهانومان ومارياما وكالي وفيشنو وسيفا وبارفاتي وساراسفاتي ولاكشمي وداتتريا وراما وكريشنا و و و...؟ أليس لكل منهم معبد خاص؟ تتوجهون في يوم لهذا المعبد وفي يوم آخر لمعبد آخر؟ إنه من الحيرة أن تجد رابطًا بين هذه الآلهة الكثيرة.
          في الحقيقة إن كل إله من هذه الآلهة ليس إله مستقلاً ومنفصلاً بحد ذاته، إن كل إله منهم يعبر عن صفة من صفات الله الأعظم، فهناك إله للقوة، وإله للنبل، وإله للرحمة، وإله للكرم، وغيره الكثير، فالهنود القدماء كانوا تجسيديين بطبعهم لا تظهر لهم هذه الصفات مجتمعة في شخص واحد، لقد عمدوا إلى فصلها على شكل آلهة مختلفة حتى يتمكنوا من استشعار معاني الصفات، فإذا أراد أحدهم تخيُّل قوة الله، ذهب إلى إله معين واستشعر عظمة هذا الإله، بينما إذا أحس بالضعف والحزن ذهب إلى إله آخر واستشعر الرحمة والعطف، وهكذا.
          فما هذه الآلهة إلا صورًا لإله واحد، ولو أردنا أن نشبه الحال فلنتخيل القطن، كلنا يعرف القطن، وكلنا نعرف شكله الأبيض وملمسه الناعم، لكنك تستخدمه في الملابس لتحصل على الدفء، وتستخدمه في الوسادة لتحصل على الراحة، وتستخدمه في المنشفة لتجفف جسدك، إن فكرة الإله الواحد في صور مختلفة لا تختلف عن مفهومك للقطن واستخداماتك المختلفة له.
          إن الرافضين لهذه الحقيقة قلة من الهندوس، وهم في رفضهم هذا يسيئون شر إساءة للهندوسية، فهم يرفضونها بسبب تعصب لمعبدهم وإلههم، أو لجهلهم بحقيقة دينهم.
          إن الإله براهما إله واحد فقط، يمكنك أن تسميه الله كما في الإسلام، أو الرب كما في المسيحية، أو يهوه كما في اليهودية، إنه إله واحد) .


          أما الإغريق، فالقصة تعيد نفسها، يقول آكسل بيرسن في كتابه المعتقدات الدينية لدى الإغريق الأوائل:
          ( من إلهين رئيسين اثنين، الإله الأم والابن، تطورت آلهة كثيرة أخرى أقل أهمية، شكَّلت عناصر مهمة في الأساطير الإغريقية، وفي اعتقادي إن ما ساعد على تعدد الآلهة كثرة الأسماء المُستخدمة في التضرع لإله واحد )
          Axel W. Persson, The Religious Beliefs of Prehistoric Greece, 1942, page 142 .

          ولا ننسى الدراسة التي قام بها هسلوب، وهي من أعمق الدراسات حول الديانات في الحضارتين اليونانية والرومانية، والتي تُثبت أن الوثنية الجامحة التي اعترت تلك الحضارتين ما هي إلا تدهور في علاقة الإنسان بالإله وليست تطورًا كما يدعي أصحاب التطور
          ِA. Hislop, The Two Babylons, 1903

          يقول صاموئيل زويمر في كتابه (أصل الدين.. تطور أم إلهام): ( إن قبائل الأقزام الأفريقية، والهنود الحمر الأصليين، والقبائل الأسترالية الأرومية، لا تشترك جميعًا في إيمانهم بقوة عليا فحسب، وإنما يشتركون في صفات هذا الإله أيضًا )
          Samuel Zwemer, The Origin of Religion: by evolution or by revelation, 1935, page 189.

          وعن قبائل الزولو الأفريقية، يخبرنا كانون تيتكوم في كتابه التوحيد القديم، أن هذه القبائل لا تملك أصنامًا، وأنها كثيرًا ما تتحدث عن الإله، وأن فكرتها عنه هو أنه في منتهى القوة، وأنه أول الموجودات
          Canon Titcombe, Prehistoric Monotheism, 1873, page 145.

          كما ينقل لنا أقوالاً قديمة عن قبائل مدغشقر تصور صفات الإله العليا بطريقة طريفة، مثل قولهم: لا تقم اعتبارًا لوادي الأسرار، لأن الله فوق رؤوسنا (كناية عن علمه المطلق)، وقولهم: إن الإرادة البشرية مخلوقة من الله لأن الحكم لله وحده (كناية عن القدرة المطلقة)، وقولهم: من الأفضل أن تُذنب أمام الناس وألَّا تُذنب أمام الله (كناية عن إيمانهم بعدله) .

          إن الذي يقرره علماء تاريخ الأديان أمثال لانج Lange وباسكال Pascal وشميث Schmitt وبروس Bruce وكوبرز Coopers وغيرهم، أن التوحيد وعبادة الله الواحد كانت سابقةً على التعدد وصناعة الآلهة الوثنية
          Andrew Lang: the making of religion. New York 1968

          ويوجد في الهند قريبا من أربعة آلاف من الآلهة وهذا لا مثيل له في العالم ومع ذلك يُنظر لهذه الكثرة الكاثرة من الآلهة أنها صور وتجسيدات للكائن الواحد الأعلى الله سبحانه وتعالى وهذا ما ذكره التقرير المرفوع إلى الحكومة البريطانية في الهند وفيه أن : النتيجة العامة التي انتهت إليها اللجنة من البحث هي أن كثرة الهنود الغالبة تعتقد عقيدة راسخة في كائن واحد أعلى ..
          ويرى ول ديورانت أن هذه الألوف من الآلهة هي نفس ما تفعله الكنائس المسيحية من تقديس لآلاف القديسين فلا يتطرق إلى ذهن الهندي ولو للحظة واحدة أن هذه الآلهة التي لا حصر لها لها السيادة العليا
          المصدر :- قصة الحضارة للملحد ول ديورانت مجلد 3 ص 209

          ويقول شميث ولانج وهما باحثان في أصول الديانات أن التوحيد كان أولا وأن كل معبودات الوثنيين جاءت كمرحلة تاليه لعبادات توحيدية يُعبد فيها الله الواحد الأحد فالتوحيد كان أولا ثم الوثنية والتعدد تأتي في مرحلة لاحقة .


          الإعتراف بوحدة الإله الخالق كان موجودا في مذهبي عين شمس ومنف قبل اخناتون بكثير.
          المصدر:- wilson-the culture of ancient egypt p.228

          وذكر كولومبس في رسائله ومذكراته أنه رأى جزيرة حمراء (في رحلاته لأمريكا) يحكمها رجل عربي يُنادى بأبي عبد الله، كما اكتشف أن أهالي جزيرة سان سلفادور يتكلّمون ببعض الكلمات ذات العربية مع بعض التحريف في النطق، وذكر أنه رأى في الهندوراس قبيلة سوداء مسلمة يطلق عليهم لقب إمامي. وفي مذكراته الشخصية ذكر كولومبس أنه شاهد مسجدًا في كوبا فوق رأس جبل، كما أن الأسلحة التي يستخدمها سكان هاييتي هي نفسها التي كانت تستعمل في إفريقيا.
          وقد كتب المؤرِّخ الأمريكي وينر (يشغل منصب أستاذ للتاريخ بجامعة هارفرد) يقول: إن كولومبس اعترف بوجود مسلمين في العالم الجديد.
          التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 19 فبر, 2016, 02:15 ص. سبب آخر: تكبير الخط ..
          ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

          تعليق


          • #6
            رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته
            وأخيرًا، أنقل للقارئ تقريرًا لمجلة معهد الأنثروبولوجيا الملكي
            ( من المستحيل الإبقاء على التفسير التطوري للأديان على المستويين الفكري والعملي بناءً على نظريات تايلور وفرازير وقانون المراحل الثلاث لكومت، فقد فشلت تخمينات سبنسر في تبنِّيه للفكرة الأوهيميرية وتطبيقها على الأديان، وقد خابت نظريات فرازير في افتراض تطور التوحيد من الوثنية والأرواحية، فلا يمكن توفيقهما مع صورة الإله الأعلى المتكررة عند القبائل البدائية المتعددة )
            E. O. James, Religion and Reality, Journal of Royal Anthropological Institute, 1950.

            هذا لمن كان له قلب
            والحمد لله رب العالمين

            التعديل الأخير تم بواسطة هشام المصرى; الساعة 19 فبر, 2016, 02:16 ص. سبب آخر: تكبير الخط ..
            ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

            تعليق


            • #7
              رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

              تعليق


              • #8
                رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                تعليق


                • #9
                  رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                  تعليق


                  • #10
                    رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                    بيقولك صدفة ..










                    تعليق


                    • #11
                      رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                      حبار مضىء ..


                      تعليق


                      • #12
                        رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                        بيقولك صدفة ..


                        تعليق


                        • #13
                          رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته


                          تعليق


                          • #14
                            رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                            جزاك الله خيرا أخ كريم ..
                            وفقا للنظرة العلمية القديمة : المادة أساسية و العقل ثانوي..وهذه البديهة تتجلى في أسلوب النظرة القديمة إلى الإنسان في العالم..نظرة زراية للعقل البشري و إعلاء لشأن الكون المادي اللا محدود و اللاشخصي..تذهب إلى أن الإنسان إذا قيس بالأرض أو الشمس أو المجرة تافه من حيث الحجم..و غير ذي شأن من حيث القوة ..

                            تعليق


                            • #15
                              رد: الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته

                              المشاركة الأصلية بواسطة د.أنس أبوهيام مشاهدة المشاركة
                              جزاك الله خيرا أخ كريم ..وفقا للنظرة العلمية القديمة : المادة أساسية و العقل ثانوي..وهذه البديهة تتجلى في أسلوب النظرة القديمة إلى الإنسان في العالم..نظرة زراية للعقل البشري و إعلاء لشأن الكون المادي اللا محدود و اللاشخصي..تذهب إلى أن الإنسان إذا قيس بالأرض أو الشمس أو المجرة تافه من حيث الحجم..و غير ذي شأن من حيث القوة ..
                              وأنتم من أهل الجزاء أخى الفاضل
                              ما رأيت ملحداً. أو تائهاً لاأدرياً.أو لادينياً . إلا وادعى وصاله بالعلم وليس فقط فى مجمله بل بأهله ومقدماته وأسسه وأدلته التجريبية وتفسيراته المنطقية وبراهينه العقلية !. وكأن العلم هو مصدر باعث على الإلحاد ولم أر أى أحد أبعد من العقل والمنطق سواهم ولم يشهد التاريخ أى كائن يزدرى نفسه وعقله بالقدر الذى يفعله الملحدون على أكمل وجه وأتم حال ولئن اقمت عليهم الحجة وألزمتهم بالمنهج العلمى الذى يتشدقون به تولوا

                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة Sid Ali, منذ 4 يوم
                              ردود 0
                              9 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Sid Ali
                              بواسطة Sid Ali
                               
                              أنشئ بواسطة وداد رجائي, منذ 3 أسابيع
                              ردود 3
                              28 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة محمد24
                              بواسطة محمد24
                               
                              أنشئ بواسطة Ibrahim Balkhair, 4 سبت, 2020, 05:14 م
                              ردود 3
                              26 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Ibrahim Balkhair
                              بواسطة Ibrahim Balkhair
                               
                              أنشئ بواسطة Ibrahim Balkhair, 4 سبت, 2020, 05:11 م
                              ردود 0
                              10 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Ibrahim Balkhair
                              بواسطة Ibrahim Balkhair
                               
                              أنشئ بواسطة رائد37, 12 أغس, 2020, 06:13 ص
                              رد 1
                              28 مشاهدات
                              1 معجب
                              آخر مشاركة محمد24
                              بواسطة محمد24
                               

                              Unconfigured Ad Widget

                              تقليص
                              يعمل...
                              X