الرد على الملاحدة ..

تقليص

عن الكاتب

تقليص

هشام المصرى مسلم معرفة المزيد عن هشام المصرى
هذا الموضوع مغلق.
X
هذا موضوع مثبت
X
X
تقليص
الأولى السابق التالي الأخيرة
من يُشاهد هذا الموضوع الآن: 1 (0 أعضاء و 1 زوار)
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الرد على الملاحدة ..

    إن ما يجعل الملحد متصلباً فى إلحاده .. ليس ضعف الشواهد الموجودة فى العالم المنظور .. بل قرار إتخذته الإرادة والمشاعر .. بليز بسكال ..

    إن الإعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم أكثر من إنتشاره بين غيرهم .. لا يقوم على صحته دليل .. بل أنه يتعارض مع ما نلاحظه فعلاً من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم .. جورج إيرل ديفيز ..



    الرد على الملاحدة
    بقلم
    مجموعة من الباحثين


    مقالات علمية فى إثبات وجود الله تعالى

    أستُفيد فى تحرير هذه المادة من كتاب

    الله يتجلى فى عصر العلم

    The Evidence of God in an Expanding Universe
    By John Clover Monsma


  • #2
    مقدمة المترجم لكتاب .. الله يتجلى فى عصر العلم
    أهل لهذا الكون من إله .. ؟!
    بقلم الدكتور / الدمرداش عبد المجيد سرحان
    الأستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس

    سؤال تتطلع العقول إليه وتتوق إلى معرفة الإجابة عنه، يوجهه الطفل الصغير إلى أبيه، ويضطرب به قلب الشاب الخائر، فيؤرق نومه وقد لا يجد من يقدم له الجواب الشافي، ويجول أحيانا في عقول ضعفاء الإيمان فيستعيذون بالله من وسوسة الشيطان، ويشغل بال كل إنسان خصوصاً في فترات الضعف والمرض والحرمان.

    قديماً سأل الناس هذا السؤال وانقسموا، تبعا لما هداهم إليه تفكيرهم، فمنهم من عبد الكون والشمس والقمر، ومنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الله الواحد القهار، كما ان منهم من أنكر والحد.

    وسوف تتطلع العقول لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال في المستقبل، ما دام هنالك كون يسير وعقل يفكر وإنسان يعي وينظر.

    ويلوح ان التطلع إلى هذا الأمر جزء من طبيعتنا، لا نستطيع ان ننكره أو نتخلى عنه أو نتغافل نداءه، ولموقف الإنسان من خالق هذا الكون وعقيدته فيه اثر بالغ في تفكيره وحياته وفلسفته ونظرته إلى الأمور وحالته النفسية و حاضره ومستقبله، بل في كيانه ووجوده.

    ومع ما لهذا السؤال من أهمية، فإن قليلاً من الناس يحصلون على الإجابة الشافية عنه، فإذا توجه به الصغير إلى أبيه رده عن التفكير فيه ردا رقيقا، أو هو قد يلهيه بجواب لا ينفع ولا يشفع، معتمدا في ذلك على سهولة اقناعه، وإذا توجه به الشاب إلى صديقه أو مدرسه، فقل أن يجد عند أي منهما ما يشفي صدره ويرضي عقله المتفتح.

    إن ما يريده الفرد المثقف في القرن العشرين عندما يسأل هذا السؤال عن خالق الكون لا بد أن يكون متمشياً مع أساليب ونتائج العلوم التي توصلت إلى أسراره الذرة وعزت الفضاء وكشف من سنن الكون وأسراره وظواهره ولا تزال تكشف ما يحير العقول، إن السائل يريد جواباً يقوم على أستخدام المنطق السليم ويدعوه إلى الإيمان بربه إيمانا يقوم على الإقتناع لا على مجرد التسليم.

    وهذا هو عين ما جاء في هذا الكتاب، فلقد تقدم المشرف على تحرير الكتاب بالسؤال التالي: هل تعتقد في وجود الله؟ وكيف دلتك دراستك وبحوثك عليه؟

    وجهه إلى طائفة من العلماء المتخصصين في سائر فروع العلوم من الكيمياء إلى الفيزياء إلى الأحياء إلى الفلك إلى الرياضيات إلى الطب إلى غير ذلك.

    وأجاب هؤلاء العلماء على سؤال المحرر، مبينين الأسباب العلمية التي تدعوهم إلى الإيمان بالله، ويشتمل هذا الكتاب على اجابات طائفة من هؤلاء العلماء ننقلها إلى أبناء الوطن العربي، ليروا ناحية من نواحي التفكير الحديث، ربما تكون مصدقة لما يقرأون في الكتب السماوية التي بين أيديهم ومثبتة لايمانهم بالله تعالى.

    لقد بين أولئك العلماء لنا كيف تدلهم قوانين الديناميكا الحرارية، على أنه لا بد أن يكون لهذا الكون من بداية، فإذا كان للكون بداية فلا بد له من مبدئ من صفاته العقل والإرادة واللانهاية.

    نعم إن هذا الخالق لابد أن يكون من طبيعة تخالف طبيعة المادة التي تتكون من ذرات تتألف بدورها من شحنات أو طاقات لا يمكن بحكم العلم ان تكون أبدية أو أزلية، وعلى ذلك فلا بد ان يكون هذا الخالق غير مادي وغير كثيف، لابد ان يكون لطيفا متناهيا في اللطف، خبيرا لا نهاية لخبرته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، وإذا كنا نريد أن نصل إليه، فسبيلنا إلى ذلك لا يكون بحواسنا التي لا تستطيع أن ترى إلا الماديات الكثيفة، واذا كنا نريد ان نلمس وجوده فان ذلك لا يمكن أن يتم داخل المعامل أو في أنابيب الإختبار، أو بإستخدام المناظر المكبرة أو المقربة، وإنما بإستخدام العنصر غير المادي فينا كالعقل والبصيرة، وعلى من يريد أن يدرك آيات ذاته العلية ان يرفع عينيه من الرغام ويستخدم عقله في غير تعنت أو تعصب، ويتفكر في خلق السموات والأرض {إنّ في خَلقِ السّمواتِ والأرضِ واختلافِ اللّيلِ والنّهار لأياتً لأولىِ الألبابِ} .. [ال عمران: 190].

    أن فروع العلم كافة تثبت أن هنالك نظاماً معجزاً يسود هذا الكون، أساسه القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، والتي يعمل العلماء جاهدين على كشفها والإحاطة بها، وقد بلغت كشوفنا من الدقة قدرا يمكننا من التنبؤ بالكسوف والخسوف وغيرهما من الظواهر قبل وقوعها بمئات السنين.

    فمن الذي سن هذه القوانين وأودعها كل ذرة من ذرات الوجود، بل في كل ما هو دون الذرة عند نشأتها الأولى؟ ومن الذي خلق كل ذلك النظام والتوافق والانسجام؟ من الذي صمم فأبدع وقدر فاحسن التقدير؟ هل خلق كل ذلك من غير خالق ام هم الخالقون؟ إن النظام والقانون وذلك الإبداع الذي نلمسه في الكون حيثما اتجهت أبصارنا يدل على انه القدير وعلى انه العليم الخبير من وراء كل شيء.

    ويرد العلماء في هذا الكتاب على أولئك الذين يدعون أن الكون نشأ هكذا عن طريق المصادفة، فيشرحون لنا معنى المصادفة ويشيرون إلى إستخدام الرياضة وقوانين المصادفة لمعرفة مدى إحتمال حدوث ظاهرة من الظواهر، فإذا كان لدينا صندوق كبير مليء بآلاف عديدة من الأحرف الأبجدية، فإن إحتمال وقوع حرف الألف بجوار الميم لتكوين كلمة أم قد يكون كبيرا، أما إحتمال تنظيم هذه الحروف لكي تكون قصيدة مطولة من الشعر أو خطابا من إبن إلى أبيه فإنه يكون ضئيلاً إن لم يكن مستحيلاً، ولقد حسب العلماء إحتمال اجتماع الذرات التي يتكون منها جزيء واحد من الأحماض الأمينية (وهي المادة الأولية التي تدخل في بناء البروتينات واللحوم) فوجدوا ان ذلك يحتاج إلى بلايين عديدة من السنين، وإلى مادة لا يتسع لها هذا الكون المترامي الاطراف، هذا لتركيب جزيء واحد على ضآلته، فما بالك بأجسام الكائنات الحية جميعا من نبات وحيوان، وما بالك بما لا يحصى من المركبات المعقدة الاخرى، وما بالك بنشأة الحياة وبملكوت السماوات والأرض. أنه يستحيل عقلاً أن يكون ذلك قد تم عن طريق المصادفة العمياء أو الخبطة العشواء، لابد لكل ذلك من خالق مبدع عليم خبير، أحاط بكل شيء علماً وقدر شيء ثم هدى.

    ويبين الكتاب فوق ذلك مزايا الايمان بالله والإطمئنان إليه والإلتجاء إلى رحابه في الصحة والمرض، وكلما نزلت بالإنسان ضائقة أو تهدده خطر أو أوشك أمل لديه ان يضيع، وقد لمس الكثيرون حلاوة الايمان في أنفسهم، بل بل ولزومه لهم ولغيرهم فتشبثوا به وحرصوا عليه حتى ذهب بعض العلماء إلى أن بالإنسان حاجة بيولوجية تدفعه إلى الإيمان بالله: {فطرَتَ الله الّتي فَطرَ الناسَ عَلَيها} .. [الروم: 30] ليس ذلك فحسب، بل إن الكتاب يذهب ليبين كيف أن الإيمان بالله هو أصل الفضائل الإجتماعية والأخلاقية والإنسانية جميعاً، فبدون هذا الإيمان يصبح الإنسان غالباً حيواناً تحكمه الشهوة ولا يرده ضمير، خصوصا إذا لقن بعض المبادئ (الخالية من الإنسانية).

    تعليق


    • #3
      نشأة العالم .. هل هى مصادفة أو قصد؟
      بقلم / فرانك ألن
      عالم الطبيعة البيولوجية

      ماجستير ودكتوراه من جامعة كورنل - أستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة مانيتويا بكندا من سنة 1904 إلى سنة 1944- اخصائي في أبصار الألوان والبصريات الفسيولوجية وإنتاج الهواء السائل، وحائز على وسام توري الذهبي للجمعية الملكية بكندا.

      كثيرا ما يقال ان هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق، ولكننا اذا سلمنا بان هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟ هنالك اربعة احتمالات للاجابة عن هذا السؤال: فاما ان يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال، وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده، واما ان يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم، واما ان يكون أبديا ليس لنشأته بداية، واما ان يكون له خالق.

      اما الاحتمال الاول فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والاحساس، فهو يعني ان احساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو ان يكون وهما من الأوهام ليس له ظل من الحقيقة. وقد عاد إلى هذا الرأي في العلوم الطبيعية أخيراً سير جيمس جيبز الذي يرى ان هذا الكون ليس له وجود فعلي، وانه مجرد صورة في أذهاننا. وتبعاً لهذا الرأي نستطيع ان نقول اننا نعيش في عالم من الاوهام، فمثلا هذه القطارات التي نركبها ونلمسها ليست إلا خيالات، وبها ركاب وهميون وتعبر انهارا لا وجود لها وتسير فوق جسور غير مادية .. الخ، وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال. اما الرأي الثاني، القائل ان هذا العالم بما فيه من مادة وطاقة قد نشأ هكذا وحده من العدم، فهو لا يقل عن سابقه سخفا وحماقة، ولا يستحق هو ايضا ان يكون موضعا للنظر أو المناقشة.

      والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون، وذلك في عنصر واحد هو الازلية. واذا فنحن إما أن نسبب صفة الأزلية إلى عالم ميت، وإما ان ننسبها إلى إله حي يخلق. وليس هنالك صعوبة فكرة في الأخذ باحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الاخر، ولكن قوانين الديناميكا الحرارية تدل على ان مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا وانها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه جميع الاجسام تحت درجة من الحرارة بالغلة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة. ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الاجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت. أما الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة والأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح على ان اصل الكون ان أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو اذا حدث من الأحداث. ومعنى ذلك انه لابد لاصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية، عليم محيط بكل شيء، قوي ليس لقدرته حدود، ولابد ان يكون هذا من صنع يديه.

      إن ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صورا عديدة لا يمكن تفسيرها على اساس المصادفة أو العشوائية. فالأرض كرة معلقة في الفضاء تدور حول نفسها، فيكون في ذلك تتابع الليل والنهار، وهي تسبح حول الشمس مرة في كل عام، فيكون في ذلك تتابع الفصول، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مساحة الجزيء الصالح للسكنى من سطح كوكبنا ويزيد من اختلاف الانواع النباتية أكثر مما لو كانت الأرض ساكنة. ويحيط بالأرض غلاف غازي يشتمل على الغازات اللازمة للحياة ويمتد حولها إلى ارتفاع كبير (يزيد على 500 ميل).

      ويبلغ هذا الغلاف الغازي من الكشافة درجة تحول دون وصول ملايين الشهب القاتلة ميلا الينا، منقضة بسرعة ثلاثين ميلا في الثانية، والغلاف الذي يحيط بالأرض يحفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة، ويحمل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات، حيث يمكن ان يتكاثف مطرا يحيي الأرض بعد موتها، والمطر مصدر الماء العذب، ولولاء لاصبحت الأرض صحراء جرداء خالية من كل أثر للحياة. ومن هنا نرى ان الجو والمحيطات الموجودة على سطح الأرض نمثل عجلة التوازن في الطبيعة.

      ويمتاز الماء بأربع خواص هامة تعمل على صيانة الحياة في المحيطات والبحيرات والأنهار، وخاصة حيثما يكون الشتاء قارسا وطويلا، فالماء يمتص كميات كبيرة من الأوكسجين عندما تكون درجة حرارته منخفضة. وتبلغ كثافة الماء أقصاها في درجة اربعة مئوية. والثلج أقل كثافة من الماء مما يجعل الجليد المتكون في البحيرات والأنهار يطفو على سطح الماء لخفته النسبية، فيهيئ بذلك الفرصة لاستمرار حياة الكائنات التي تعيش في الماء في المناطق الباردة. وعندما يتجمد الماء تنطلق منه كميات كبيرة من الحرارة تساعد على صيانة حياة الاحياء التي تعيش في البحار.

      أما الأرض اليابسة فهي بيئة ثابتة لحياة كثير من الكائنات الأرضية، فالتربة تحتوي العناصر التي يمتصها النبات ويمثلها ويحولها إلى انواع مختلفة من الطعام يفتقر اليها الحيوان. ويوجد كثير من المعادن قريبا من سطح الارض، مما هيأ السبيل لقيام الحضارة الراهنة ونشأة كثير من الصناعات والفنون. وعلى ذلك فان الأرض مهيأة على أحسن صورة للحياة. ولا شك ان كل هذا من تيسير حكيم خبير، وليس من المعقول ان يكون مجرد مصادفة أو خبط عشواء .. ولقد كان أشعياء على حق عندما قال مشيراً إلى الله: [لم يخلقها باطلاً، للسكن صورها] .. [45 : 18].

      وكثيرا ما يسخر البعض من صغر حجم الأرض بالنسبة لما حولها من فراغ لا نهائي. ولو أن الأرض كانت صغيرة كالقمر، أو حتى لو ان قطرها كان ربع قطرها الحالي لعجزت عن احتفاظها بالغلافين الجوي والمائي اللذين يحيطان بها، ولصارت درجة الحرارة فيها بالغة حد الموت. اما لو كان قطر الأرض ضعف قطرها الحالي لتضاعفت مساحة سطحها أربعة أضعفا واصبحت جاذبيتها للاجسام ضعف ما هي عليه، وانخفض تبعا لذلك ارتفاع غلافها الهوائي، وزاد الضغط الجوي من كيلو غرام واحد إلى كيلو غرامين على السنتيمتر المربع، ويؤثر كل ذلك أبلغ الاثر في الحياة على سطح الأرض، فتتسع مساحة المناطق الباردة اتساعا كبيراً، وتنقص مساحة الأراضي الصالحة للسكنى نقصا ذريعاً، وبذلك تعيش الجماعات الانسانية منفصلة أو في أماكن متنائية، فتزداد العزلة بينها ويتعذر السفر والاتصال، بل قد يصير ضربا من ضروب الخيال.

      ولو كانت الأرض في حجم الشمس مع احتفاظها بكثافتها لتضاعفت جاذبيتها للاجسام التي عليها 150 ضعفا، ولنقص ارتفاع الغلاف الجوي إلى اربعة أميال، ولاصبح تبخر الماء مستحيلا، ولارتفع الضغط الجوي إلى ما يزيد على 150 كيلو غراماً على السنتيمتر المربع، ولوصل وزن الحيوان الذي يزن حالياً رطلا واحدا إلى 150 رطلا، ولتضاءل حجم الانسان حتى صار في حجم ابن عرس أو السنجاب، ولتعذرت الحياة الفكرية لمثل هذه المخلوقات.

      ولو أزيحت الارض إلى ضعف بعدها الحالي عن الشمس، لنقصت كمية الحرارة التي تتلقاها من الشمس إلى ربع كميتها الحالية، وقطعت الأرض دورتها حول الشمس في وقت اطول، وتضاعفت تبعاً لذلك طول فصل الشتاء، وتجمدت الكائنات الحية على سطح الأرض. ولو نقصت المسافة بين الأرض والشمس إلى نصف ما هي عليها الآن لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض أربعة أمثال، وتضاعفت سرعتها المدارية حول الشمس، ولآلت الفصول إلى نصف طولها الحالي اذا كانت هناك فصول مطلقا، ولصارت الحياة على سطح الأرض غير ممكنة.

      وعلى ذلك فان الارض بحجمها وبعدها الحاليين عن الشمس وسرعتها في مدارها، تهيئ للإنسان أسباب الحياة والاستمتاع بها في صورها المادية والفكرية والروحية على النحو الذي نشاهده اليوم في حياتنا.

      ولننظر الان إلى الذي تستطيع ان تلعبه المصادفة في نشأة الحياة:

      إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية. وهي تتكون من خمسة عناصر هي: الكربون، والايدروجين، والنيتروجين، والأوكسجين، والكبريت. ويبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني، الواحد 40000 ذرة. ولما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة 92 عنصرا موزعه كلها توزيعا عشوائياً، فان احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكون جزئيا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي ان تخلط خلطا مستمرا لكي تؤلف هذا الجزء، ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد.

      وقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعا فوجد ان الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد الا بنسبة 1 إلى 10 160، اي بنسبة 1 إلى رقم عشرة مضروبا في نفسه 160 مرة. وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات. وينبغي ان تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد اكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات. ويتطلب تكوين هذا الجزيء على سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصي من السنوات قدرها العالم السويسري بانها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين (10 243 سنة).

      ان البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمنية. فكيف تتألف ذرات هذه الجزئيات؟ انها اذا تآلفت بطريقة اخرى غير التي تتآلف بها، تصير غير صالحة للحياة، بل تصير في بعض الاحيان سموما، وقد حسب العالم الانجليزي ج.ب. ليثز J. B. Leathes الطرق التي يمكن ان تتألف بها الذرات في احد الجزئيات البسيطة من البروتينات فوجد ان عددها يبلغ البلايين (10 48). وعلى ذلك فانه من المحال عقلا أن تتآلف كل هذه المصادفات لكي تبني جزيئا بروتينيا واحداً.

      ولكن البروتينات ليست الا مواد كيماوية عديمة الحياة، ولا تدب فيها الحياة الا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب الذي لا ندري من كنهه شيئا. انه العقل اللانهائي، وهو الله وحده، الذي استطاع ان يدرك ببالغ حكمته ان مثل ذلك الجزيء البروتيني يصلح لان يكون مستقرا للحياة فبناه وصوره وأغدق عليه سر الحياة.

      تعليق


      • #4
        النتيجة الحتمية
        بقلم
        جون كليفلاند كوثران

        من علماء الكيمياء والرياضيات

        دكتوراه من جامعة كورنل - رئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث - أخصائي في تحضير النترازول وفي تنقية التنجستين.

        قال لورد كيلفي - وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم - هذه العبارة القيمة: (اذا فكرت تفكيرا عميقا فان العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد في وجود الله) ولا بد ان اعلن عن موافقتي كل الموافقة على هذه العبارة.

        ان ملاحظة هذا الكون ملاحظة تقوم على الخبرة والذكاء وتدبر ما تعرفه عنه من جميع النواحي سوف تقودنا إلى التسليم بوجود ثلاثة عوالم من الحقائق، هي العالم المادي (المادة)، والعالم الفكري (العقل)، والعالم الروحي (الروح). وان ما تقدمه الكيمياء في هذا الميدان لابد ان يكون محدوداً لانه قليل من كثير في هذا المجال.

        والكيمياء، بحكم اختصاصها بدراسة التركيب والتغيرات التي تطرأ على المادة، بما في ذلك تحول المادة إلى طاقة وتحول الطاقة إلى مادة، تعد من العلوم المادية التي ليس لها صلة بعالم الروحيات. فكيف اذن يتسنى للكيمياء ان تقدم دليلا ماديا على وجود الروح الاعظم أو الله الذي خلق هذا الكون؟ وكيف ينتظر منها ان تختبر الفرض الذي يدعي ان هذا الكون قد نشأن بمحض المصادفة، وان المصادفة هي التي تدبره وتديره، وان جميع ما يحدث فيه يتم بالطريقة العشوائية؟

        اننا لنرى ان التطورات الهامة التي تمت في جميع العلوم الطبيعية خلال المائة السنة الاخيرة، بما في ذلك الكيمياء، قد حدثت بسبب استخدام الطريقة العلمية في المادة والطاقة. وعند استخدام هذه الطريقة نبذل كل الجهود للتخلص من كل احتمال من الاحتمالات الممكنة التي تجعل النتيجة التي ن صل اليها راجعة إلى محض المصادفة. وقد أثبتت جميع الدراسات العلمية بصورة ثبتت في الماضي ولا تزال ثابتة في الحاضر ان سلوك اي جزيء من أجزاء المادة مهما صغر أو تضاءل حجمه، لا يمكن ان يكون سلوكا عشوائيا، بل انه على نقيض ذلك يخضع لقوانين طبيعية محددة.

        وفي كثير من الأحيان يتم اكتشاف القانون قبل اكتشاف أسبابه أو فهم طريقة عمله بفترة طويلة من الزمن، ولكن بمجرد معرفة القانون وتحديد الظروف التي يعمل في ظلها، يثق الكيماويون في كل الثقة. ويظل القانون عاملا ومؤدياً إلى نفس النتائج. وليس من المعقول ان يكون لدى الكيماويين كل هذه الثقة في القوانين الطبيعية لو ان سلوك المادة والطاقة كان من النوع العشوائي الذي تتحكم فيه المصادفة. وعندما يتم أخيرا ادراك الأسباب التي تجعل هذا القانون الطبيعي عاملا وتفسر لنا حقيقته، فان أي أثر لفكرة العشوائية أو المصادفة في سلوك المادة أو الطاقة سوف يندثر اندثارا تاماً.

        ومنذ مائة سنة تقريبا رتب العالم الروسي مانداليف العناصر الكيماوية تبعا لتزايد اوزانها الذرية ترتيبا دوريا. وقد وجد ان العناصر التي تقع في قسم واحد تؤلف فصيلة واحدة ويكون لها خواص متشابهة، فهل يمكن ارجاع ذلك إلى مجرد المصادفة؟

        وكذلك تمكن العلماء بفضل هذا الترتيب ان يتنبأوا بوجود عناصر لم يكن البشر قد توصلوا اليها بعد، بل أمكن التنبؤ بخواص هذه العناصر المجهولة وتحديدها تحديدا دقيقا، ثم صدقن نبواءتهم في جميع الحالات، فاكتشف العناصر المجهولة وجاءت صفاتها مطابقة كل المطابقة للصفات التي توقعوها. فهل يبقى بعد ذلك مكان للاعتقاد في ان أمور هذا الكون تجري على أساس المصادفة؟ ان اكتشاف مانداليف لا يطلق عليه اسم المصادفة الدورية ولكنه يسمى (القانون الدوري)!

        وهل يمكن ان نفسر على أساس المصادفة ما وصفه وتوصل اليه العلماء السابقون من تفاعل ذرات عناصر (أ) مع ذرات عنصر (ب) وعدم تفاعلها مع عنصر (جـ) كلا. انهم قد فسروا ذلك على اساس ان هنالك نوعا من الميل او الجاذبية بين جميع ذرات عنصر (أ) وجميع عنصر (ب). ولكن هذا الميل او الجاذبية منعدم بين ذرات عنصر (أ) وذرات عنصر (ج).

        وقد عرف العلماء كذلك ان سرعة التفاعل بين ذرات المعادن القلوية والماء مثلا تزداد بازدياد اوزانها الذرية. بينما تسلك عناصر الفصيلة الهالوجينية سلوكا مناقضا لهذا السلوك كل المناقصة. ولا يعرف احد سبب التناقض، ومع ذلك فان احدا لم يرجع ذلك إلى محض المصادفة او يظن انه ربما يتعدل سلوك هذه العناصر بعد شهر او شهرين، او تبعا لاختلاف الزمان او المكان، او يحظر بباله ان هذه الذرات ربما لا تتفاعل بنفس الطريقة، او بطريقة عكسية، او طريقة عشوائية.

        وقد أثبت اكتشاف تركيب الذرة ان التفاعلات الكيماوية التي نشاهدها والخواص التي نلاحظها ترجع إلى وجود قوانين خاصة وليست محض مصادفة عمياء.

        انظر إلى العناصر الكيماوية المعروفة التي يبلغ عددها اثنين بعد المائة، ولاحظ ما بينها من أوجه التشابه والاختلاف العجيبة. فمنها الملون وغيره الملون، وبعضها غاز يصعب تحويله إلى سائل او صلب، وبعضها سائل والآخر صلب يصعب تحويله إلى سائل او غاز، وبعضها هش والآخر شديد الصلابة، وبعضها خفيف والآخر ثقيل، وبعضها موصل جيد والآخر رديء التوصيل، وبعضها مغناطيسي، والآخر غير مغناطيسي، وبعضها نشيط والآخر خامل، وبعضها يكون أحماضا والآخر يكون قواعد، وبعضها معمر والآخر لا يبقى الا لفترة محدودة من الزمان ومع ذلك فانها جميعا تخضع لقانون واحد هو القانون الدوري الذي أشرنا اليه.

        ومع ما يبدو من التعقيد في تركيب كل ذرة من ذرات العناصر العديدة، فانها تتكون جميعها من نفس الأنواع الثلاثة من الجزئيات الكهربائية، وهي البروتونات الموجبة والالكترونات السالبة والنيوترونات والتي يعتبر كل منها ناشئا عن اتحاد بروتون واحد مع الكترون واحد. وجميع البروتونات والنيوترونات التي بالذرة الواحدة تقع في نواة مركزية. اما الإلكترونات فانها تدور حول محاورها في مدارات مختلفة حول النواة وعلى أبعاد شاسعة منها مكونة ما يشبه مجموعة شمسية مصغرة. وعلى ذلك فان معظم حجم الذرة يعتبر فراغا كما هي الحال في المجموعة الشمسية.

        ونستطيع ان نبسط الامر فنقول: ان الفرق بين ذرة عنصر معين وعنصر آخر يرجع إلى الفرق في عدد البروتونات والنيوترونات التي بالنواة، والى عدد وطريقة تنظيم الالكترونات التي في خارج النواة. وعلى ذلك فان ملايين الأنواع من المواد المختلفة سواء أكانت عناصر أم مركبات، تتألف من جزئيات كهربية ليست في الواقع الا مجرد صور او مظاهر من الطاقة. والمادة يوصفها تتكون من مجموعات من الجزئيات والذرات، والجزئيات والذرات ذاتها، والإلكترونات والنيوترونات التي تتألف منها الذرات، والكهرباء والطاقة ذاتها، انما تخضع جميعا للقوانين معينة وليست وليدة المصادفة بحيث يكفي عدد قليل جدا من ذرات اي عنصر للكشف عنه ومعرفة خواصه. وعلى ذلك فان الكون المادي يسوده النظام وليس الفوضى، وتحكمه القوانين وليس المصادفة او التخبط.

        فهل يتصور عاقل او يفكر ان يعتقد ان المادة المجردة من العقل والحكمة قد اوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ او انها هي التي اوجدت هذا النظام وتلك القوانين ثم فرضته على نفسها؟ لا شك ان الجواب سوف يكون سلبيا. بل ان المادة عندما تتحول إلى طاقة او تتحول الطاقة إلى مادة فان كل ذلك يتم طبقا لقوانين معينة، والمادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة المعروفة التي اوجدت قبلها.

        وتدلنا الكيمياء، على ان بعض المواد في سبيل الزوال او الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة. وعلى ذلك فان المادة ليست أبدية، ومعنى ذلك ايضا انها ليست أزلية، إذ ان لها بداية. وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على ان بداية المادة لم تكن بطيئة او تدريجية، بل اوجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم ان تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد. وعلى ذلك فان هذا العالم المادي لا بد ان يكون مخلوقا، وهو منذ ان خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ليس لعنصر المصادفة بينها مكان.

        فاذا كان هذا العالم المادي عاجزا عن ان يخلق نفسه او يحدد القوانين التي يخضع لها، فلابد ان يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي. وتدل الشواهد جميعا على ان هذا الخالق لابد ان يكون متصفا بالعقل والحكمة. إلا ان العقل لا يستطيع ان يعمل في العالم المادي كما في ممارسة الطب والعلاج السيكولوجي دون ان يكون هنالك ارادة، ولابد لمن يتصف بالإرادة ان يكون موجودا وجودا ذاتيا. وعلى ذلك فان النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على ان لهذا الكون خالقا فحسب، بل لابد ان يكون هذا الخالق حكيما عليما قادرا على كل شيء حتى يستطيع ان يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره، ولا بد ا ن يكون هذا الخالق دائم الوجود تتجلى آياته في كل مكان. وعلى ذلك فانه لا مفر من التسليم بوجود الله خالق هذا الكون وموجهه، كما أشرنا إلى ذلك في بداية هذا المقال.

        ان التقدم الذي احرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجمعنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل ما قاله من قبل من أننا اذا فكرنا عميقا فان العلوم سوف تضطرنا إلى الايمان بالله.

        تعليق


        • #5
          فلننظر إلى الحقائق دون ملل أو تحيز
          بقلم / ادوارد لوثركيسيل

          أخصائي في علم الحيوان والحشرات - حاصل على دكتوراه من جامعة كاليفورنيا - أستاذ علم الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو - متخصص في دراسة أجنة الحشرات والسلامندر والحشرات ذوات الجناحين.

          أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود الله زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية. ونحن لا نقصد من ذلك ان الأدلة الجديدة لازمة او لا غنى عنها، فقد كان في الإثباتات القديمة ما يكفي لاقناع اي انسان يستطيع ان ينظر إلى الموضوع نظرة مجردة عن الميل أو التحيز. وأنا بوصفي ممن يؤمنون بالله أرحب بهذه الأدلة الجديدة لسببين: فهي أولا تزيد معرفتنا بآيات الله وضوحا. وهي ثانيا تساعد على كشف الغطاء عن أعين كثير من صرحاء الشكيين حتى يسلموا بوجود الله.

          لقد عمت أمريكا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا. ولا شك ان الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون قد لعبت دورا كبيرا في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه اليه. وطبيعي ان البحوث العلمية التي أدت إلى هذه الادلة لم يكن يقصد من اجرائها إثبات وجود الخالق، فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة واستغلال قواها، وهي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى، فهذه من المشكلات الفلسفية، والعلوم لا تهتم إلا بمعرفة كيف تؤدي الأشياء وظائفها، وهي لا تهتم بمعرفة من الذي جعلها تعمل او تؤدي هذه الوظائف.

          ولكن كل انسان - حتى أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الطبيعية - لديه ميل او نزعة نحو الفلسفة. ومما يؤسف له ان المرموقين من العلماء ليسوا دائما من الفلاسفة الممتازين، فقليل منهم هم الذين يفكرون في أمور النشأة الأولى. وقد يعتقد بعضهم ان هذا الكون هو خالق نفسه، على حين يرى البعض الآخر ان الاعتقاد في أزلية هذا الكون ليس اصعب من الاعتقاد في وجود اله أزلي.

          ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي الأخير. فالعلوم تثبت بكل وضوح ان هذا الكون لا يمكن ان يكون أزليا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن ان يحدث العكس بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة. ومعنى ذلك ان الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة. ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون. ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فاننا نستطيع ان نستنتج ان هذا الكون لا يمكن ان يكون أزليا، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود. وهكذا توصلت العلوم - دون قصد - إلى ان لهذا الكون بداية. وهي بذلك تثبت وجود الله، لان ما له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ نفسه ولا بد من مبديء، او من محرك أول، او من خالق، هو الإله.

          ولا يقتصر ما قدمته العلوم على اثبات ان لهذا الكون بداية، فقد اثبتت فوق ذلك انه بدأ دفعة واحدة منذ نحو خمسة بلايين سنة. والواقع ان الكون لا يزال في عملية انتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته. واليوم لا بد لمن يؤمنون بنتائج العلوم ان يؤمنوا بفكرة الخالق أيضا، وهي فكرة تستشرف على سنن الطبيعة، لان هذه السنن انما هي ثمرة الخلق، ولابد لهم أن يسلموا بفكرة الخالق الذي وضع قوانين هذا الكون، لان هذه القوانين ذاتها مخلوقة، وليس من المعقول ان يكون هنالك خلق دون خالق: هو الله.

          ولو ان جميع المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن التحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم، فانهم سوف يسلمون دون شك بوجود الله، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق. فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا بدون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله (1).

          ولقد من الخالق على جيلنا وبارك جهودنا العلمية بكشف كثير من الأمور حول الطبيعة، وصار من الواجب على كل انسان، سواء أكان من المشتغلين بالعلوم او من غير المشتغلين بها، ان يستفيد من هذه الكشوف العلمية في تدعيم إيمانه بالله.

          وكما ينبغي ان يتدبر العالم المتفتح العقل وجود الله ويسلم به، فان غير المشتغل بالعلوم ينبغي له ان يفحص هو ايضا هذه الأدلة ويدرك ان التطور الإبداعي هو وسيلة الخالق في خلقه، وأن الله هو الذي أبدع هذا الكون بقدرته وسن قوانينه الطبيعية، فالخلق الإبداعي هو التفسير الوحيد الذي يوضح لنا سر هذا الوجود ويوفق بين ظواهره المختلفة التي يبسطها لنا كتاب الطبيعة التي نقرأ صفحاتها في جميع العلوم المختلفة من علم التصوير العضوي (المورفولوجية) ووظائف الأعضاء، والأجنة، والكيمياء العضوية، والتوريث والأحافيز، وتصنيف الأحياء، والجغرافية الحيوانية، الخ.

          والانتخاب الطبيعي هو احد العوامل الميكانيكية للتطور، كما ان التطور هو أحد عوامل عملية الخلق، فالتطور اذن ليس الا أحد السنن الكونية او القوانين الطبيعية، وهو كسائر القوانين العلمية الأخرى يقوم بدور ثانوي، لأنه هو ذاته يحتاج إلى من يبدعه. ولا شك في انه من خلق الله وصنعه. والكائنات التي تنشأ بطريق عملية الانتخاب الطبيعي قد خلقها الله أيضا كما خلق القوانين التي تخضع لها، فالانتخاب الطبيعي ذاته لا يستطيع ان يخلق شيئا، وكل ما يفعله هو انه احدى الطرق التي تسلكها بعض الكائنات في سبيل البقاء او الزوال عن طريق الحياة والتكاثر بين الأنواع المختلفة. أما الانواع ذاتها التي يتم فيها هذا الانتقاء فانها تنشأ عن طفرات تخضع لقوانين الوراثة وظواهرها، وهذه القوانين لا تسير على غير هدى ولا تخضع للمصادفة العمياء كما يتوهم الماديون او يريدوننا ان نعتقد.

          ان الطفرات او التغيرات الفجائية ليست مجرد خبط عشواء - كما يدعي بعض الباحثين - لفترة طويلة من الزمان، فالطفرات التي تحدد احجام الأعضاء مثلا قد تؤدي - كما ثبت من بعض البحوث الحديثة - إلى صغر حجم الأعضاء المختصة، والانتخاب الطبيعي الذي يعتمد على الطفرات التي تتم بمحض المصادفة لا يقضي الا على الأعضاء الضارة. ومع ذلك فاننا نشاهد ان الأعضاء المتعادلة التي ليس لها ضرر ولا نفع تتضاءل هي الاخرى، مما يثبت ان الطفرات ليست دائما عشوائية وان التطور لا يعتمد على المصادفة العمياء. وعلى ذلك فانه لا مفر من التسليم بان هنالك حكمة وتدبيرا وراء الخلق ووراء القوانين التي توجهه. ولا مفر لنا كذلك من التسليم بان التطور ذاته قد صمم بحكمة وانه يحتاج هو أيضا إلى خالق يبدعه.

          ولا يتسع المقام لسرد أدلة أخرى لبيان الحكمة والتصميم والإبداع في هذا الكون، لكنني وصلت إلى كثير من هذه الأدلة فيما قمت به من البحوث المحدودة حول أجنة الحشرات وتطورها. وكلما استرسلت في دراستي للطبيعة والكون، ازداد اقتناعي وقوي ايماني بهذه الأدلة. فالعمليات والظواهر التي تهتم العلوم بدراستها، ليست الا مظاهر وآيات بينات على وجود الخالق المبدع لهذا الكون. وليس التطور الا مرحلة من مراحل عملية الخلق.

          وبرغم ان صيحات الماديين والطبيعيين قد حجبت كثيرا من الباحثين الأمناء عن الحقيقة، فان فكرة التطور الخلقي لا يمكن ان تكون منافية للعقيدة الدينية. بل على النقيض من ذلك نجد من الحماقة والتناقض في الرأي ان يسلم الانسان بفكرة التطور ويرفض ان يسلم بحقيقة وجود الخالق الذي اوجد هذا التطور.

          وأعود فأقول ان دراسة العلوم بعقل متفتح تجعل الإنسان يسلم بضرورة وجود الله والايمان به.
          __________

          (1) {إنما يخشى الله من عباده العلماء} .. [فاطر: 28] ..

          تعليق


          • #6
            إستخدام الأسلوب العلمى
            بقلم / وولز اوسكار لندبرغ

            عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هونكنز - استاذ فسيولوجية الكيمياء بجامعة منيسونا - عميد معهد هورمل منذ سنة 1949 - عضو ورئيس جمعيات عديدة لدراسة الطعام وتركيبه الغذائي - مؤلف سلسلة كتب تركيب الدهون والليبيدات الاخرى - نشر كثيرا من البحوث العلمية.

            للعالم المشتغل بالبحوث العلمية ميزة على غيره، واذا استطاع ان يستخدم هذه الميزة في ادراك الحقيقة حول وجود الله. فالمبادئ الأساسية التي تستند اليها الطريقة العلمية التي يجري بحوثه على مقتضاها هي ذاتها دليل على وجود الله. وقد ينجح كثير من رجال العلوم الذين لا يدركون هذه النقطة في أعمالهم كعلماء. ولا ينبغي ان نعتبر هذا النجاح مناقضا للحقيقة التي أشرنا اليها، فالنجاح في دراسة العلوم يعتمد اساسا على استخدام أسلوب معين، ولا يتوقف بعد ذلك على مدى تقدير العالم للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا الأسلوب.

            ويرجع فشل بعض العلماء في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والايمان به إلى أسباب عديدة نخص اثنين منها بالذكر:

            أولاً: يرجع انكار وجود الله في بعض الاحيان إلى ما تتبعه بعض الجماعات او المنظمات الإلحادية او الدولة من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الالحاد ومحاربة الايمان بالله بسب تعارض هذه العقيدة مع صالح هذه الجماعات او مبادئها.

            ثانيا: وحتى عندما تتحرر عقول الناس من الخوف فليس من السهل ان تتحرر من التعصب والأهواء .. وعندما يصلون إلى هذه المرحلة ويظنون انهم قد تخلصوا من أوهام الدين وما ترتب عليها من تنائج نفسية، لا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات، بل يقاومون قبول أية فكرة جديدة تتصل بهذا الموضوع وتدور حول وجود الله.

            فما هي الطريقة العلمية وما هي أسسها التي تكشف عن وجود الله؟ اننا نستطيع ان نوضح خطوات الطريقة العلمية بايجاز وتبسط فيما يلي: يلاحظ العالم اولا بعض الظواهر التي يقع عليها اختياره ويسجلها، وقد تتم هذه الملاحظة دون تأثير في الظاهرة نفسها كما في دراسة الفلك، او مع شيء من التحكم في العوامل المؤثرة في الظاهرة كما في تجارب المعمل ثم يربط العالم بين ملاحظاته والملاحظات والنتائج التي حصل عليها غيره من العلماء السابقين لكي يحصل على نتائج او فروض جديدة. وتتوقف هذه العملية على الاستنباط اكثر من توقفها على القياس، لان النتائج او الفروض التي يصل اليها العقل بهذه الطريقة تتناول اكثر مما تستطيع ان تصل اليه الملاحظة، فهي بذلك نوع من التنبؤ.

            واخيرا اذا أراد العالم ان يختبر صحة فروضه او نتائجه، فان عليه ان يحصل على ملاحظات اضافية جديدة لكي يستوثق بها من صحة النبوءات التي صاغها.

            ومجمل القول ان الطريقة العلمية تقوم على أساس انتظام الظواهر الطبيعية والقدرة على التنبؤ بها في ظل هذا الانتظام، ونستطيع ان نقول بكل دقة: ان هذا الانتظام في ظواهر الكون والقدرة على التنبؤ بها - وهما الأساسان اللذان تقوم عليهما الطريقة العلمية - هما في الوقت ذاته أساس الإيمان بفكرة وجود الله، إذ كيف يتسنى ان يكون هنالك كل هذا الانتظام، وأنى يتسنى لنا أن نتنبأ بهذه الظواهر ما لم يكن هنالك مبدع ومدبر وحافظ لهذا النظام العجيب؟

            ولا تنبع فكرة الايمان بوجود الله اصلا من قدرة الإنسان على تقدير هذا النظام او التنبؤ بما يترتب عليه، ولكنها ترجع إلى أن الانسان نفسه قد خلق خليفة لله (1). فاذا نبذ الانسان فكرة الايمان باله على صورته، وآمن بما تكشف عنه وتدل عليه الظواهر الطبيعية من أن الإنسان هو الذي خلق على صورة الله او خليفة له، فانه يسير في الطريق السليم نحو الايمان بجلال الله وقدسيته (2).

            ولا يزال الانسان في معهد العلم والمعرفة، وهو يدرك ان الكون بارضه وسماواته وما بينهما فسيح إلى أقصى الحدود، كما ان الوحدات الأساسية التي تتألف منها المادة والطاقة صغيرة متناهية في الصغر، وان مدى حياته ليس الا جزءا ضئيلا من الثانية بالنسبة لعمر هذا الكون المديد. وهو يكاد يلمس احيانا ان هناك صورا اخرى من المادة والطاقة والأبعاد وغير ذلك من العوالم التي يجهلها في الوقت الحاضر كل الجهل، وهو يدرك ايضا الحياة نفسها ادراكا غامضا لعدم قدرته على فهمها فهما علميا واضحا. ورغم جهل الانسان وقلة علمه، وفهمه المحدود لكل هذه الظواهر، فانه يشعر ان هنالك كثيرا من الامور التي ينتظر ان يصل اليها ويميط عنها اللثام، وجميعها تقوم على اساس انتظام الطبيعة وقدرة الانسان على التنبؤ بظواهرها في ظل ما يكشف عنه الحجاب من سنن هذا الكون وأسراره التي ما هي في الواقع الا من تجليات الخالق في خلقه.

            ولما كان إيمان الانسان بالله كما تدل عليه الظواهر الطبيعية والسنن الكونية اليوم لا يزال محدودا للغاية (3)، لذلك ينبغي ان يقوم ايمان الانسان بالله فوق ذلك وبالاضافة اليه على أساس روحاني وأساس من العقيدة والتسليم. فالايمان بالله مصدر لسعادة لا ينضب في حياة كثير من البشر(4). اما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، اذ ان كل كشف جديد يدعم ايمانهم بالله، ويزيد من ادراكهم وابصارهم لأيادي الله في هذا الكون (5).
            __________

            (1) يعبر القرآن عن ذلك بكل صراحة حين يقول: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة) .. [البقرة: 30] ..
            (2) يفرق القرآن تماما بين المخلوقات والخالق (ليس كمثله شيء)، ومن أوصاف الله تعالى انه (نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) .. [النور: 35] ..
            (3) سوف تزيل الكشوف العملية جميع الحجب وتنير الطريق، ويقول القرآن: (سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق) .. [السجدة: 53] ..
            (4) (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين) .. [الأنبياء: 107] ..
            (5) (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا الا الظالمون) .. [العنكبوت: 49] ..

            تعليق


            • #7
              الأدلة الطبيعية على وجود الله
              بقلم / بول كلارنس ابرسولد

              أستاذ الطبيعة الحيوية - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا ، مدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل أوك ريدج - عضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية.

              قال الفيلسوف الانجليزي فرانسس بيكون منذ أكثر من ثلاثة قرون: إن قليل من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين .. ولقد كان بيكون على صواب فيما ذهب إليه .. فلقد احتار الملايين من الباحثين والمفكرين منذ وجود الإنسان على سطح الأرض في كنه العبقرية والتدبر الذي يتجلى في الإنسان وفي هذا الوجود وتساءلوا عما عساه أن يكون وراء هذه الحياة .. وسوف تتكرر هذه الأسئلة ما بقي الإنسان على سطح الأرض وبسبب عمق هذه الأسئلة وروحانيتها البالغة فإننا سوف نحاول أن نمسها في تواضع دون أن ننتظر إجابة شافية عنها.

              هناك أمر واحد لا شك فيه، فبقدر ما بلغ الإنسان من معرفة وما لدية من ذكاء وقدرة على التفكير لم يشعر في وقت من الأوقات بأنه كامل في ذاته والناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم وأوطانهم قد عرفوا منذ القدم وبصورة تكاد تكون عامة مبلغ قصور الإنسان على إدراك كنه هذا الكون المتسع، كما عجزوا عن إدراك سر الحياة وطبيعتها في هذا الوجود.

              وقد لمس الناس عامة - سواء بطريقة فلسفية عقلية أو روحانية - أن هناك قوة فكرية هائلة ونظاماً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية التي تتحرك أو تسير على غير هدى.

              ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكام من تدبيره وأوسع لكي يستعين به على تفسير هذا الكون يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم هي قوة الله وتدبيره.

              وقد لا يستطيع الإنسان أن يسلم بوجود الخالق تسليماً تاماً على أساس الأدلة العلمية والأدلة الروحية أي عندما ندمج معلوماتنا عن هذا الكون المتسع إلى أقصى حدود الاتساع المعقد إلى أقصى حدود التعقيد مع إحساسنا الداخلي والاستجابة إلى نداء العاطفة والروح الذي ينبعث من أعماق نفوسنا ولو ذهبنا نحصى الأسباب والدوافع الداخلية التي تدعو ملايين الأذكياء من البشر إلى الإيمان بالله لوجدناها متنوعة لا يحصيها حصر ولا عد ولكنها قوية في دلالتها على وجوده تعالى مؤدية إلى الإيمان به.

              ولقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة كل الثقة كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية ومن الميكروب الدقيق إلى الإنسان تبين لى أن هناك كثيراً من الأشياء التي لم تستطع العلوم حتى اليوم أن تجدلها تفسيراً أو تكشف عن أسرارها النقاب وتستطيع العلوم أن تمضى مظفرة في طريقها ملايين السنين ومع ذلك فسوف تبقى كثير من المشكلات حول تفاصيل الذرة والكون والعقل كما هي لا يصل الإنسان إلى حل لها أو الإحاطة بأسرارها وقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت تستطيع أن تبين لنا بشيء من الدقة والتفصيل كيف تحدث الأشياء فإنها لا تزال عاجزة كل العجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء وإن العلم والعقل والإنسان وحدهما لن يستطيعا أن يفسر لنا لماذا تحدث الأشياء إن العلم والعقل الإنسان وحدهما لن يستطيعا أن يفسرا لنا لماذا وجدت الذرات والنجوم والكواكب والحياة والإنسان بما أوتى من قدرة رائعة وبرغم أن العلوم تستطيع أن تقدم لنا نظريات قيمة عن السديم ومولد المجرات والنجوم والذرات وغيرها من العوالم الأخرى فإنها لا تستطيع أن تبين لنا مصدر المادة والطاقة التي استخدمت في بناء هذا الكون أو اتخذ الكون صورته الحالية ونظامه الحالي والحق أن التفكير المستقيم والاستدلال السليم يفرضان على عقولنا فكرة وجود الله.

              ولكن الله تعالى فوق ذلك إن كان وراء الروحانية من وراء في مرتبة الصعود ونحن لا نستطيع أن نصفه وصفاً روحانياً صرفاً .. فالإنسان رغم أنه يتكون من جسد وروح لا يستطيع أن يدرك هذه الصفات الروحانية أو يعبر عنها إلا في حدود خبرته ومع ذلك فإننا نستطيع أن نصل إلى أن الله تعالى يتصف بالعقل والحكمة والإرادة .. وعلى ذلك فإن لله وجوداً ذاتياً وهو الذي تتجلى قدرته في كل شيء وبرغم اننا نعجز عن إدراكه إدراكاً مادياً فهنالك ما لا يحصى من الأدلة المادية على وجوده تعالى وتدل أيادية في خلقه على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه الحكيم الذي لا حدود لحكمته القوى إلى أقصى حدود القوة .. ولما كان إدراك كنه الله من الأمور الغامضة علينا لا نستطيع أن ندرك لماذا وجد الإنسان أو لماذا وجد هذا الكون الذي لا يعدو أن يكون الإنسان ذرة ضئيلة من ذراته التي لا يحصيها عقل أو وصف.

              إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة ، هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق .. بل إن لهما بداية ولا بد لكل بداية من مبدئ .. كما أننا نعرف أن النظام الرائع المعقد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية كما أن وراءها توجيهاً وتدبيراً خارج دائرة الإنسان إنه بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير الهي محكم.

              تعليق


              • #8
                الكشوف العلمية تثبت وجود الله
                بقلم / جورج ايرل ديفيز

                عالم طبيعة - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا - ورئيس قسم البحوث الذرية بالبحرية الأمريكية بيروكلين - اخصائي في الاشعاع الشمسي والبصريات الهندسية والطبيعية.

                كلما تقدم ركب العلم وتضاءلت الخرافات القديمة ازداد تقدير الانسان لمزايا الدين والدراسات الدينية.

                وقد تعدد الاسباب التي تدفع بالانسان إلى اعادة النظر في أمور الدين، ولكننا نؤمن انها ترجع جميعا إلى رغبة البشر رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة.

                وليس معنى ذلك أننا ننكر وجود الالحاد والملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم، الا ان الاعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم اكثر من انتشاره بين غيرهم، لا يقوم على صحته دليل، بل انه يتعارض مع ما نلاحظه فعلا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم.

                اما عن عقيدتي في وجود الله، فمن العبث ان انكر انها لم تتأثر بما تلقيته من تعاليم دينية في سنوات حياتي الأولى، ولكنني استطيع ان أؤكد انه بينما تتفق عقيدتي الدينية في الوقت الحاضر مع ما تعلمته في صباي عن وجود الله فان هذه العقيدة تقوم في الوقت الحاضر على أساس قوي .. يختلف كل الاختلاف عن الأساس الذي يقوم عليه الإيمان المستمد من سلطة الكنيسة ورجال الدين.

                ولقد اتيح لي بفضل اشتغالي بدراسة الطبيعة، ان ادرس التركيب المعقد إلى درجة لا يتصورها العقل لبعض مكونات هذا الكون الذي لا تقل فيه روعة التذبذبات الداخلية لأصغر ذراته وما دون ذراته عن النشاط المذهل لأكبر النجوم السابحة في أفلاكها، والذي يسير فيه كل شعاع من الضوء، وكل تفاعل كيماوي او طبيعي، وكل خاصية من خواص كل كائن حي وفق قوانين ثابتة لا تتبدل ولا تتغير. تلك هي الصورة التي تقدمها لنا العلوم والتي كلما تأملها الانسان، اكتشف من بالغ دقتها ورائع جمالها ما لم يكن قد اكتشفه من قبل.

                ومع تقدم الكشف العلمي، ظهرت أسئلة لا مفر منها، وهي أسئلة ليست مبتكرة وان كانت تبدو جديدة بسبب النظرة الحديثة إلى تكوين هذا الكون الذي يعتبر الإنسان جزءا منه لا يتجزأ. ومن هذه الاسئلة ذات القيمة الكبيرة بالنسبة لمسؤولياتنا ومصيرنا النهائي ذلك السؤال القديم: (هل يوجد اله علوي هو خالق هذا الكون)؟

                ولا يمكننا ان نثبت وجود الله عن طريق الالتجاء إلى طرق المادية وحدها، إذ لم يقل احد بان الله مادة حتى نستطيع ان نصل اليه بالطرق المادية. ولكننا نستطيع ان نتحقق من وجود الله باستخدام العقل والاستنباط ما نتعلمه ونراه، فالمنطق الذي نستطيع ان ناخذ به، والذي لا يمكن ان يتطرق اليه الشك، هو انه ليس هنالك شيء مادي يستطيع ان يخلق نفسه.

                واذا سلمنا بقدرة الكون على خلق نفسه، فاننا بذلك نصف الكون بالألوهية. ومعنى ذلك ان نعترف بوجود إله، ولكننا نعتبره إلها ماديا وروحيا في نفس الوقت. وانا افضل ان أؤمن بإله غير مادي خالق لهذا الكون تظهر في آياته وتتجلى فيه أياديه، دون أن يكون هذا الكون كفواً له.

                وأحب ان أضيف إلى هذا الاستدلال، استدلالا آخر: وهو انه كلما ارتقى وتقدم تطور المخلوقات، كان ذلك أشد دلالة على وجود خالق مدبر وراء هذا الخلق.

                ان التطور الذي تكشف عنه العلوم في هذا الكون، هو ذاته شاهد على وجود الله. فمن جزئيات بسيطة ليس لها صورة معينة وليس بينها فراغ نشأت ملايين من الكواكب والنجوم والعوالم المختلفة لها صور معينة وأعمار محددة تخضع لقوانين ثابتة يعجز العقل البشري عن الاحاطة بمدى ابداعها. وقد تحملت كل ذرة من ذرات هذا الكون، بل كل ما دون الذرة مما لا يدركه حس ولا يتصور صغره عقل، قوانينها وسننها وما ينبغي لها أن تقوم به او تخضع له.

                هذه أدلة كافية، ولكن هنالك ما هو أشد إعجازا وأكثر دلالة على وجود الله. فمن تلك الجزئيات البسيطة لم تنشأ النجوم والكواكب فحسب، بل نشأت كذلك أنواع متطورة من الأحياء، بل كائنات تستطيع ان تفكر وتبتكر وتخلق اشياء جميلة، بل هي تبحث عن أسرار الحياة والوجود. ان كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وإنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بان الاشياء المادية تعجز عن خلق نفسها.

                تعليق


                • #9
                  الماء يروى لك القصة
                  بقلم / توماس دافيدباركس

                  أستاذ الكيمياء - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الينوي - رئيس قسم الكيمياء بمعهد بحوث ستانفورد سابقا - مدير البحوث بشركة كلوروكس الكيماوية - أخصائي في النظريات الكهربية والأشعة السينية.

                  يروي لنا ويتاكر تشيمبرز في كتابه (الدليل) حادثة بسيطة لعلها كانت السبب في تحويل مجرى حياته، بل كثير من البشر. لقد كان يتطلع إلى ابنته الصغيرة ثم التفت دون شعور إلى شكل أذنيها، وذكر بنيه وبين نفسه انه من المحال ان تكون تلك التلافيف الدقيقة التي تشتمل عليها الأذن قد نشأت عن طريق المصادفة. انها لا يمكن ان تكون قد نشأت الا عن خبرة بالغة وتصميم وتدبير. ولكنه ابعد هذه الفكرة عن عقله المارق عن الدين، فقد خشي ان يؤدي به هذا النوع من التفكر إلى النتيجة المنطقية، وهي أن التصميم يحتاج إلى مصمم او مبدع او اله، انه لم يكن مستعدا حتى ذلك الوقت لقبول هذه الفكرة.

                  ولقد عرفت كثيرا من أساتذتي المشتغلين بدراسة العلوم ومن زملائي الذين طافت بعقولهم مثل هذه الخواطر والأفكار حول مشاهداتهم في الكيمياء والطبيعة، ولو انهم لم يعبروا عنها بتلك الصورة من اليأس العميق التي وجدها تشيمبرز في قرارة نفسه.

                  انني أقرا النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا استطيع ان أسلم بان يكون كل ذلك قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة. ان هذا التصميم يحتاج إلى مبدع، ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله.

                  وبالنسبة إلى الكيميائي يعتبر الترتيب الدوري للعناصر من الأمور التي تثير عجبه ودهشته. وأول ما يتعلمه الطالب عند بدء التحاقه بالجامعة، هو أن العناصر يمكن ترتيبها ترتيبا دوريا معينا، ولهذا الترتيب طرق مختلفة، ولكننا نكتفي هنا بتقسيم (مانداليف)، وهو العالم الروسي الذي ظهر في القرن الماضي. ولا تقتصر فائدة هذا التنظيم الدوري للعناصر على ما يقدمه من عون وتسهيل في دراسة العناصر المعروفة ومركباتها، ولكنه يدفع العلماء إلى البحث عن العناصر التي لم يتم استكشافها بعد، والتي ساعد هذا التنظيم على التنبؤ بها، وتركت أماكنها في الجدول الدوري للعناصر خالية تنتظر الكشف عنها.

                  ولا يزال الكيميائيون حتى اليوم، يستخدمون الجدول الدوري للعناصر ليساعدهم في دراسة التفاعلات الكيماوية والتنبؤ بخواص العناصر والمركبات، ولا شك ان نجاحهم في هذا السبيل يعد دليلا على ما يسود العالم غير العضوي من نظام بديع. ولكن هذا النظام الذي نشاهده في العالم من حولنا ليس مظهرا من مظاهر القدرة على كل شيء فحسب، بل انه يتصف فوق ذلك بالحكمة والاتجاه نحو تحقيق صالح الانسان، مما يدل على ان اهتمام الخالق بنفع عباده (1) لا يقل عن اهتمامه بالسنن والقوانين التي تنظم هذا الوجود. انظر من حولك إلى الحكمة البالغة التي ينطوي عليها خروج بعض الظواهر عن العادة أو المألوف. فالماء مثلا، يتوقع الانسان من وزنه الجزيئي (18) ان يكون غازيا تحت درجة الحرارة المعتادة والنمط المعتاد، فالنوشادر مثلا ووزنها الجزيئي (17) تكون غازية عند درجة حرارة ناقص 73 وتحت الضغط الجوي المعتاد، وكبريتور الأيدروجين الذي يعتبر قريبا في خواصه من الماء بحكم وضعه في الجدول الدوري وله وزن جزيئي قدرة 34، يكون غازيا عند درجة حرارة ناقص 59. ولذلك فان وجود الماء على الحالة السائلة في درجة الحرارة المعتادة يجعل الانسان يقف ويفكر.

                  وللماء فوق ذلك كثير من الخواص الاخرى ذات الاهمية البالغة والتي اذا نظر الانسان اليها في مجموعها وجدها تدل على التصميم والتدبير، فالماء يغطي نحو ثلاثة أرباع سطح الارض، وهو بذلك يؤثر تأثيرا بالغا على الجو السائد ودرجة الحرارة. ولو تجرد الماء من بعض خواصه لظهرت على سطح الارض تغيرات في درجة الحرارة تؤدي إلى حدوث الكوارث. وللماء درجة ذوبان مرتفعة، وهو يبقى سائلا فترة طويلة من الزمن، وله حرارة تصعيد بالغة الارتفاع. وهو بذلك يساعد على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الارض عند معدل ثابت ويصونها من التقلبات العنيفة، ولولا كل ذلك لتضاءلت صلاحية الارض للحياة إلى حد كبير، ولقلت متعة النشاط الانساني على سطح الارض بدرجة عظيمة.

                  وللماء خواص اخرى فريدة في نوعها، وتدل كلها على ان مبدع هذا الكون قد رسمه وصممه بما يحقق صالح مخلوقاته. فالماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عندما تتجمد. ولهذه الخاصية اهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة، اذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد، بدلا من ان يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ويكون تدريجيا كتلة صلبة لا سبيل إلى اخراجها وإذابتها. ويكون الجليد الذي يطفو على سطح البحر طبقة عازلة تحفظ الماء الذي تحتها في درجة حرارة فوق درجة التجمد، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية. وعندما يأتي الربيع يذوب الجليد بسرعة.

                  ويمكننا ان نشير إلى كثير من خواص الماء الطريفة الاخرى: فله مثلا توتر سطحي مرتفع يساعد على نمو النبات بما ينقله اليه من المواد الغذائية التي بالتربة، والماء اكثر السوائل المعروفة اذابة لغيره من الأجسام، وهو بذلك يلعب دورا كبيرا في العمليات الحيوية داخل أجسامنا بوصفه مركبا أساسيا من مركبات الدم، وللماء ضغط بخار مرتفع على مدى واسع من درجات الحرارة، ومع ذلك فانه يبقى سائلا على طول هذا المدى المتسع اللازم للحياة.

                  وقد درس كثير من العلماء هذه الخواص العجيبة للماء، ووضعوا النظريات لتعليل ظواهره المختلفة. وبرغم ما نبذله من جهود لمعرفة كيف تحدث هذه الظواهر، علينا ان نتساءل ايضا لماذا تحدث هذه الظواهر؟ وليس الماء هو المادة العجيبة الوحيدة. فهنالك ما لا يحصى من المواد ذات الخواص المذهلة التي لا تستطيع عقولنا او ادراكنا المتواضع، إلا ان تقف مشدوهة أمامها.

                  وأنني أجد شخصيا ان تفسير هذه الظواهر والعجائب بنسبتها إلى قدرة إله حكيم خبير وتصميم خالق علوي، يعد تفسيرا مرضيا للنفوس ومقنعا للعقول.

                  انني أرى في كل ظاهرة من هذه الظواهر اكثر من مجرد الخلق والتدبير المجرد عن العاطفة، إنني ألمس فوق ذلك كله محبة الخالق لخلقه واهتمامه بأمورهم.
                  _________

                  (1) (وان تعدوا نعمة الله .. لا تحصوها ان الله لغفور رحيم) .. [النحل: 18] ..

                  تعليق


                  • #10
                    الله والكون المعقد
                    بقلم / جون وليام كلوتس

                    عالم في الوراثة - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بيتسبرج - أستاذ علم الأحياء والفسيولوجيا بكلية المعلمين بكونكورديا منذ سنة 1945 - عضو جمعية الدراسات الوراثية - متخصص في الوراثة وعلم البيئة.

                    عندما حاولت ان اكتب في هذا الموضوع جالت بخاطري حكمتان قديمتان من الحكم المقدسة، وهما: السماوات تشهد بجلال الله، وإحكامها يدل على بديع صنعته .. يقول الأحمق في نفسه: ليس هناك إله ..

                    ان هذا العالم الذي نعيش فيه، قد بلغ من الاتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال ان يكون قد نشأ بمحض المصادفة. انه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى. ولا شك ان العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة. وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن ايماننا بوجوده.

                    ومن التعقيدات الطريفة في هذا الكون، ما نشاهده من العلاقات التوافقية الاضطرارية بين الأشياء احيانا. ومن أمثلتها العلاقة الموجودة بين فراشة اليوكا وثبات اليوكا وهو احد النباتات الزنبقية. فزهرة اليوكا تتدلى إلى أسفل ويكون الجزيء من الزهور الذي يتلقى حبوب اللقاح، فانه يكون على شكل الكأس وهو موضوع بطريقة يستحيل معها ان تسقط فيه حبوب اللقاح. ولا بد ان تنتقل هذه الحبوب بوساطة فراشة اليوكا التي تبدأ عملها بعد مغيب الشمس بقليل، فتجمع كمية من حبوب اللقاح من متك الأزهار التي تزورها وتحفظها في فمها الذي بني بطريقة خاصة لأداء هذا العمل. ثم تطير الفراشة إلى نبات آخر من نفس النوع وتثقب مبيضها بجهاز خاص في مؤخر جسمها، ينتهي بطرف مدبب يشبه الإبرة وينزل منه البيض. وتضع الفراشة بيضة او اكثر ثم تزحف إلى أسفل الزهرة حتى تصل إلى القلم، وهنالك تترك ما جمعته من حبوب اللقاح على صورة كرة فوق ميسم الزهرة. وينتج النبات عددا كبيرا من الحبوب يستخدم بعضها طعاما ليرقة الفراشة وينضح بعضها لكي يواصل دورة الحياة.

                    وهنالك علاقة مشابهة بين نبات التين ومجموعة من الزنابير الصغيرة. وينتج هذا النبات نوعين من مجموعات الأزهار يحتوي احدهما على الأزهار المذكرة والمؤنثة معا. اما الآخر فجميع ازهاره مؤنثة. ويقوم بتلقيح الأزهار المؤنثة في كلا النوعين السابقين اناث الزنابير. وتكون فتحة التخت الذي يحمل مجموعات الازهار في كلا النوعين ضيقة إلى حد كبير بسبب احاطتها بكثير من الأوراق الحرشفية، مما يجعل وصول الحشرة إلى الداخل يتم بصعوبة كبيرة ويؤدي إلى تمزق أجنحتها. وعندما تدخل الحشرة إلى المجموعة التي تشتمل على الازهار الذكرية والأنثوية، تضع الحشرة الانثى بيضها ثم تموت، ثم ينقف البيض وتتزاوج الشفافير الصغيرة الناتجة، ولا يستطيع ان يخرج منها سوى الاناث، أما الذكور فتموت، وقبل ان تخرج الاناث تلتصق هبوات اللقح بأجسامها فتحملها إلى مجموعات جديدة من الأزهار. فاذا كانت المجموعة الجديدة تشتمل على أزهار ذكور وأخرى اناث، فان العملية تتكرر بالصورة السابقة، اما اذا اشتملت المجموعة على أزهار اناث فقط، فان الفراشة تموت دون ان تضع البيض. ففي هذه الحالة تكون الأزهار الإناث على درجة من الطول بحيث لا تستطيع ان تصل الحشرة إلى قاعدتها لكي تضع البيض هنالك، وعندما تحاول الحشرة ان تصل إلى هذه القاعدة العميقة دون جدوى تلقح الأزهار بما تحمله من هبوات اللقح، ثم تنضح الأزهار وتكون ثمار التين. وعندما ادخل التين إلى الولايات المتحدة لأول مرة لم يكن ينتج ثمارا، ولم يمكن انتاج الثمار وقيام صناعة التين الا بعد ان جلبت الشفافير إلى الولايات المتحدة.

                    وهنالك كثير من الازهار التي تسجن الحشرات داخلها، ومن أمثلتها الزهرة المسماة (جاك في المقصورة) jack - in - the - pulpit ولهذا النبات نوعان من المجموعات الزهرية، ذكور وإناث. وهي تتكون داخل مقصورات تضيق عند منتصفها. ويتم التلقيح بوساطة ذبابة دقيقة تدخال إلى المقصورة ولا تكاد تجتاز المنطقة الضيقة الوسطى حتى تجد نفسها سجينة، ليس بسبب الضيق فحسب، بل بسبب تغطية الجدران الداخلية بمادة شمعية منزلقة يتعذر معها على الحشرة ان تثبت اقدامها، وعندئذ تدور الحشرة بصورة جنونية داخل المكان، فتعلق هبوات اللقح بجسمها. وبعد قليل تتصلب جوانب المقصورة بعض الشيء فتستطيع الحشرة الخروج بعد ان يكون جسمها قد تغطى بهبوات اللقح. فاذا زارت الحشرة مقصورة مذكرة اخرى تكررت العملية السابقة، أما اذا دخلت مقصورة انثى فانها تسجن في داخلها سجنا دائما حتى تموت هي، وعند محاولتها اليائسة للخروج، تقوم بتلقيحها الأزهار الأنثى. ان النبات في هذه الحالة لا يهتم بخروج الحشرة لانها تكون قد أدت رسالتها، اما عند زيارتها للمقصورات المذكرة، فانه يسمح لها بالخروج لانها لا تكون قد أدت رسالتها بعد.

                    أفلا تدل كل هذه الشواهد على وجود الله؟ انه من الصعب على عقولنا ان تتصور ان كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، انه لا بد ان يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير.

                    ونستطيع ان نلمح ادلة أخرى على وجود الله وقدرته في تلك الحالات العديدة التي حاول الانسان فيها ان يتدخل في توازن الطبيعة او يعمل على تعديله.

                    فمثلا عندما نزل المهاجرون الأولون أستراليا، لم يكن هنالك من الثدييات المشيمية الا الدنجو، وهو كلب بري. ولما كان هؤلاء المهاجرون قد نزحوا من أوربا، فقد تذكروا ما كان يهيئه لهم صيد الارانب من فرصة طيبة لممارسة الصيد والرياضة. وفي محاولة لتحسين الطبيعة في أستراليا استورد توماس اوستين نحو اثني عشر زوجا من الأرانب وأطلقها هنالك، وكان ذلك في نسة 1859. ولم يكن لهذه الأرانب اعداء طبيعيون في أستراليا ولذلك فقد تكاثرت بصورة مذهلة، وزاد عددها زيادة كبيرة فوق ما كان ينتظر، وكانت النتيجة سيئة للغاية.

                    فقد احدثت الأرانب اضرارا بالغة بتلك البلاد حيث قضت على الحشائش والمراعي التي ترعاها الأغنام. وقد بذلت محاولات عديدة للسيطرة على الأرانب، وبنيت أسوار عبر القارة في كوينزلاند بلغ امتدادها 7000 ميل، ومع ذلك تثبت عدم فائدتها. فقد استطاعت الأرانب ان تتخطاها. ثم استخدم نوع من الطعم السام، ولكن هذه المحاولة باءت هي الأخرى بالفشل. ولم يمكن الوصول إلى حل الا في السنوات الأخيرة، وكان ذلك باستخدام فيروس خاص يسبب مرضا قتالا لهذه الأرانب هو مرض الحرض المخاطي. وقد لا يكون هذا هو الحل الاخير، فقد اخذنا نسمع أخيرا عن ظهور ارانب حصينة لديها مقاومة كبيرة لهذا المرض في أستراليا. ومع ذلك فقد أدى انخفاض عدد الأرانب هنالك إلى منافع جمة، وتحولت مناطق البراري القاحلة والجبال المقفرة التي بقيت مجدبة عشرات السنين إلى مروج خضر يانعة. وقد ترتب على ذلك زيادة في الايراد من صناعة الأغنام وحدها قدرت في سنة 1952 - سنة 1953 بما يبلغ 84 مليون جنية.

                    ومن الممكن ان يكون لدينا أرانب مشابهة في الولايات المتحدة الاميركية، فالأرانب الاوروبية تختلف في نوعها عن الأرانب التي كانت تستوطن أمريكا، والتي لا تعرف الان الا في جزيرة سان جوان حيث تعيش في عزلة تامة منذ سنة 1900. وقد حاول اصحاب بعض نوادي الصيد - بحسن نية طبعاً - ان يعمموا نوع الأرانب المسمى سان جوان في الولايات المتحدة كلها بسبب صعوبة استيراد النوع المسمى ذيل القطن (cottontail) وانتقاله من ولاية إلى اخرى كما كانت الحال من قبل. وكان من الممكن ان تصبح النتيجة خطيرة للغاية لان أرانب السان جوان تتكاثر في الولايات المتحدة بنفس السرعة التي تتكاثر بها الأرانب في أستراليا. ومن الاحتياطات الحديثة التي اتخذت لتلافي ذلك الخطر رفع الحظر عن صيد هذا النوع من الأرانب على مدار السنة.

                    ومن الطريف ان استخدام فيروس الارانب في أوربا قد أحدث اثره هنالك. فقد أحضر طبيب فرنسي من المهتمين بالموضوع - بسبب ما أحدثته الأرانب من الأضرار للأشجار في حديقته - بعض هذا الفيروس وحقن به بعض الأرانب البرية التي اصطادها، ثم أطلقها بعد ذلك. وقد ترتب على ذلك انخفاض عدد الارانب في فرنسا، بل الاقاليم الاوروبية المجاورة ايضا. ويتجادل الناس حول هذا الموضوع فتختلف وجهات نظرهم. فمنهم من يرى ان العمل قد ادى إلى خفض كمية اللحوم التي كانت تعيش عليها الطبقات الفقيرة. ومنهم من يرى أن هذا العجز يعوضه تحسين الانتاج النباتي بعد انخفاض عدد الأرانب.

                    لقد تحدثنا فيما قبل عن الأدلة على وجود الله. اما الأمثلة الأخيرة التي ذكرناها فانها تشهد بحكمته وتدبيره. فالتوازن الذي خلقه الله في سائر مظاهر الطبيعة يعتر من النوع الدقيق. وقد تؤدي اية محاولة للتدخل فيه إلى أضرار باللغة، ولذلك ينبغي ان يتريث الناس قبل ان يقدموا على أية محاولة لتعديل موازين الطبيعة، فذكاء الانسان أقل من ان يحيط بحكمة الخالق.

                    تعليق


                    • #11
                      المادية وحدها لا تكفى
                      بقلم / ايرفنغ وليام نوبلوتشى

                      أستاذ العلوم الطبيعية - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أيووا - أخصائي الحياة البرية في الولايات المتحدة - أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة ميشيغان منذ سنة 1945 - أخصائي في وراثة النباتات ودراسة شكلها الظاهري.

                      يميل بعض المشتغلين بالعلوم - في ظل ثقتهم الكبيرة بإمكانياتها - إلى الاعتقاد بان العلوم قادرة على حل جميع المشكلات. فالحياة من وجهة نظرهم ليست الا مجموعة من القوانين الطبيعية والكيماوية التي تعمل في مجال معين وقد أخذ هؤلاء يفسرون الظواهر الحيوية المختلفة الواحدة تلو الأخرى تفسيرات تقوم على إدراك السبب والنتيجة والوجود من وجهة نظرهم لا يستهدف غاية، وسوف ينتهي الأمر بعالمنا إلى الزوال عندما ينضب معين الطاقة الشمسية وتصير جميع الأجسام هامدة باردة، تبعا لقوانين الديناميكية الحرارية.

                      ويلخص بيرتراند راسل هذه النظرة المادية المتطرفة فيقول: (ليس وراء نشأة الانسان غاية او تدبير، ان نشأته وحياته وآماله ومخاوفه وعواطفه وعقائده، ليست الا نتيجة لاجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة. ولا تستطيع حماسته او بطولته او فكره او شعوره ان تحول بينه وبين الموت. وجميع ما قام به الانسان عبر الأجيال من أعمال فذة وما اتصف به من ذكاء واخلاص مصيره الفناء المرتبط بنهاية المجموعة الشمسية. ولابد ان يدفن جميع ما حققه الانسان من نصر وما بناه من صروح المدنية تحت أنقاض هذا الكون. ان هذه الامور جميعا حقائق لا تقوى فلسفة من الفلسفات على انكارها).

                      ولكن العلماء ليسوا جميعا ممن يعتقدون في قدرة العلوم على كل شيء حتى تستطيع ان تجد تفسيرا لكل شيء، فالعلوم لا تستطيع ان تحلل الحق والجمال والسعادة، كما انها عاجزة عن ان تجد تفسيرا لظاهرة الحياة او وسيلة لإدراك غايتها، بل ان العلوم أشد عجزا عن أن تثبت عدم وجوده.

                      ان العلوم مهتمة بتحسين نظرياتها، وهي تحاول ان تكشف عن كنه الحقيقة، ولكنها كلما اقتربت من هذين الهدفين زاد بعدها عنهما. ان فكرتنا عن هذا الكون قائمة على أساس حواسنا القاصرة وعلى استخدام ما لدينا من الأدوات غير الدقيقة نسبيا. ويقول العالم الطبيعي والكاتب اللامع (أوليفر وندل) في هذه المناسبة: (كلما تقدمت العلوم ضاقت بينها وبين الدين شقة الخلاف، فالفهم الحقيقي للعلوم يدعو إلى زيادة الايمان بالله).

                      ان العلوم لا تستطيع ان تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد، كما لا تستطيع العلوم ان تفسر لنا بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة. ولاشك ان النظرية التي تدعي ان جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن، نقول ان هذه النظرية لا يمكن الأخذ بها الا عن طريق التسليم، فهي لا تقوم على أساس المنطق والاقناع.

                      حقيقة ان العلوم تقوم على اساس الايمان بالحواس والوسائل، وليس على اساس الايمان بالسلطة والاحتمالات او المصادفة. وعلى ذلك فاننا نستطيع ان نقول بان العلوم والدين يقومان على اساس مشترك هو الايمان. والفرق بينهما هو ان العلوم تستطيع داخل دائرتها الخاصة ان تختبر قوانينها بالملاحظة والتجربة والمراجعة، فهي بذلك تحاول ان تتلافى كثيرا من الأخطاء التي قد تقع فيها.

                      والايمان بالدين تدعمه الاكتشافات العلمية. وقد أيدت العلوم فعلا كثيرا من النبوءات التي جاءت بها الكتب المقدسة. [ولاشك ان العلوم سوف تكشف في المستقبل عن صحة كثير من الامور الاخرى التي وردت في تلك الكتب والتي لم يصل اليها علمنا بعد] .. (1). فعلم الفلك مثلا يشير إلى ان لهذا الكون بداية قديمة، وان الكون يسير إلى نهاية محتومة، وليس مما يتفق مع العلم ان نعتقد ان هذا الكون أزلي ليس له بداية او أبدي ليس له نهاية، فهو قائم على أساس التغير. وفي هذا الرأي يلتقي الدين بالعلم.

                      والعلوم بحكم طبيعتها المادية اعجز من أن تبحث عن الله بطرقها المادية او ان تدرك كنه ذاته تعالى، ولكن ملاحظة عجائب هذا الكون قد دعت كثيرا من علماء الفلك الأمناء إلى الاعتقاد بانه لابد ان يكون لهذا الكون باتساعه الفسيح ونظامه المعجز، مدبر لا نراه، ولا نستطيع ان ندرك كنهه. وقد قال تشادوالش: (ان ما يطالب إلى اي انسان، سواء أكان مؤمنا ام ملحدا، هو ان يبين لنا كيف تستطيع المصادفة ان تخلق هذا الكون). ولا شك ان هذه طريقة من طرق التحدي الذي يقصد به الاستدلال على وجود الله. اما توماس ميللر فيتبع أسلوبا آخر أكثر عمقا من ذلك، حين يقول: (ان ما يستطيع ان يدركه العقل البشري الفاني عن الله، لابد ان يكون نتيجة خبرة ومعرفة بالله. والخبرة لا بد ان تأتي اولا، اما المعرفة فانها تأتي بعد الخبرة وتكون مجرد تفسير لها).
                      __________

                      (1) [خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون] .. [الأنبياء: 37] ..

                      تعليق


                      • #12
                        الحائر الصغير يفكر
                        بقلم / رسل لويل مكستر
                        أستاذ علم الحيوان

                        حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الينوى - أستاذ علم الحيوان ورئيس القسم بكلية هويتن - عضو الجمعية العلمية بالينوى - رئيس المؤسسة العلمية من سنة 1951 إلى سنة 1954 - متخصص في دراسة الأنسجة والعناكب والتطور.

                        يعرف الانسان ربه لأول مرة عن طريق والديه، فهما يستخدمان لفظ الجلالة بكل تقديس، وبذلك يتعلم الطفل منذ صغره ان يلجأ إلى الله بطريقته البسيطة، وان يسأله ان يقتضي له حوائجه بنفس الطريقة التي يلجأ بها إلى أبيه، ويكون الطفل في هذه المرحلة راضيا ومطمئنا إلى ربه الذي لا يراه.

                        ثم يكبر الطفل ويقرأ في الكتب قصص المؤمنين الذين ساروا في طريق الله. فكان في ذلك نجاة لهم من الوحوش [يشير إلى قصة دانيال النبى]، وبرد وسلام عليهم من النار، ومنجاة من ضرب السيوف، وقوة من ضعف، وتأييد في مواقف القتال. وكم يستولي على الطفل الإعجاب ببطولة هؤلاء المؤمنين، وكم تتوق نفسه إلى الاقتداء بهم واتخاذهم أسوة له في حياته. انه يرى ان ذلك يعينه على صيانة الامانة، ويشعر ان له رفاقا من الماضي يشدون أزره، ويقوون عزيمته ويبثون الشجاعة في نفسه على مدى الحياة.

                        فاذا دخل الطفل المدرسة جذبته في اتجاهين متعارضين: فهي من جهة تقوي ايمانه بالله، وهي من جهة أخرى تضعف ايمانه به. وهو يتعلم ان بلاده تتألف من جماعات كثيرة بينها مصالح مشتركة، ويقود كل جماعة من هذه الجماعات رئيس او زعيم، ويسيطر على جميع هؤلاء الرؤساء قائد كبير يفرض الأمور على الناس، وعلى الناس جميعا ان يطيعوا أوامره.

                        ويتصور الطفل الإله المسيطر على هذا الكون في صورة الرئيس من حيث سلطته التي يفرضها على الآخرين. ولماذا كان من الطبيعي ان يكون للناس قائد يدبر أمورهم فلا بد ان يكون لهذا الكون مدبر يدبره ويفرض سلطانه على جميع البشر والكائنات.

                        ومن جهة اخرى فانه اذا كان الناس ينتخبون رئيسهم، فان فكرة وجود الله بالنسبة إلى هذا التلميذ الصغير قد لا تعدو ان تكون مجرد صورة ذهنية تجول في عقول الناس. وكثيرا ما تستولي الحيرة على عقل هذا الطفل فيتساءل: ترى هل يوجد اله حقيقة؟ وذا كان يوجد فما كنهه وما صورته؟ وعندما يصل الطفل إلى هذه المرحلة من الشك والوساوس، كثيرا ما يطرح تفكيره العقلي في الله جانبا، وقد يسلم بوجوده استسلاما، وقد يطلب إلى أصدقائه ان يبتعدوا عن الحديث في هذا الموضوع حتى لا يثيروا قلقه، وعندئذ يصير الطفل تائها حائرا. فهو يؤمن بوجود الله لانه يشعر انه يجب عليه ان يكون مؤمنا، وهو في الوقت ذاته لا يحب ان يعبث عقله بايمانه.

                        ويقرأ الطفل احد الكتب المقدسة، ويجد ان الانسان يستطيع ان يصل إلى الله باستخدام عقله، وانه لابد ان يقوم الايمان بالله على أساس المنطق والتفكير، وعندئذ يجد صاحبنا في البحث والدراسة، وقد يتحول من الحائر الصغير إلى المؤمن الكبير فتنسجم روحه مع عقله ويدرك كمال الله وحكمته.

                        ان عمل كاتب هذا المقال يجعله وثيق الصلة بالطبيعة وبالإله الذي يسيطر عليها. وليس من المنطق ان يفصل الانسان بين الاثنين. انني أرى انواعا عديدة من النباتات والحيوانات الحية التي عاشت على سطح هذه الأرض والتي يبلغ عددها الملايين، وانا اعني هنا الأنواع لا الأفراد، فعدد الأفراد يبلغ أرقاما خيالية تشبه الارقام التي تستخدم في عمل الفلك. فهل هنالك نظام تخضع له هذه الأنواع المختلفة؟ نعم هنالك نظام حيثما اتجهنا. فكل نوع من هذه الأنواع ينقسم إلى فصائل، وتنقسم الفصائل بدورها إلى أقسام اصغر فأصغر. ولكننا مهما قسمنا نجد ان هنالك صفات مشتركة بين جميع الافراد التي تنتسب إلى نوع من هذه الأنواع ينقسم إلى فصائل، وتنقسم الفصائل بدورها إلى أقسام أصغر فأصغر. ولكننا مهما قسمنا نجد ان هنالك صفات مشتركة بين جميع الأفراد التي تنتسب إلى نوع واحد او صنف واحد. فاذا نظرنا إلى أحد الطيور التي تسمى نقارة الخشب، فاننا نجدها جميعا قد بنيت على طراز واحد، وقد تتشابه مع غيرها من الطيور بقدر وتختلف عنها بقدر. وهنالك صفات مشتركة بين جميع الفصائل والأنواع الحيوانية الموجودة في الطبيعة بأسرها فهي تشترك جميعا في اللحم او في البروتوبلازم. ويعد ذلك في نفسه دليلا على ان وراء كل ذلك التنظيم خالقا مدبرا هو الذي خلق المادة الأساسية فيها وأودع فيها من القوة والتوجيه ما جعلها تتخذ هذه الصور التي لا تحصى من الأفراد والأصناف والأنواع والأجناس.

                        ان المنطق السليم يدفعنا إلى التسليم بوجود مقدس هو الذي خلق ودبر تلك الاختلافات (1) والاتفاقات التي نتحدث عنها، بدلا من ان يجعلنا نتصور ان تلك الأنواع المختلفة من الكائنات الحية والأجناس قد ظهرت بمحض المصادفة التي أدت إلى اتحاد بعض العناصر تحت ظروف البيئة.

                        ان المنطق السليم الذي يجعلنا نلاحظ ان الانسان يستطيع ان يقوم بامور معقدة، هو نفس المنطق الذي يجعلنا نعتقد بوجود خالق عظيم هو الذي أبدع كل هذه الكائنات. ومهما بلغت الاختلافات بين أفراد النوع الواحد او بين الأنواع الحالية التي عاشت في اقدم العصور الجيولوجية، سواء منها ما اندثر او ما يزال حيا، فان الانسان لا يستطيع الا ان يسلم بان هذه الكائنات جميعا قد بدأت على هيئة مخلوقات متلائمة- مخلوقات من صنع الخالق الكبير - فاذا قرأنا في الكتب المقدسة ان الله تعالى خلق الانسان والحيوان والنبات، فاننا نستطيع حينئذ ان نصدق ذلك لان ما نراه في الطبيعة يتفق مع هذا القول، ومع ذلك فان الكتب المقدسة ليست من كتب العلوم، الا أنها تمس المبادئ الاساسية للعلوم وتشير اليها (2). والحقيقة التي لا أشك فيها، والتي لا تستطيع النظريات المادية ان تنتقص منها، هي ان الإله الذي يصل اليه الانسان بفكره ودراسته لهذا الكون هو نفس الإله الذي تتحدث عنه الكتب السماوية.

                        انه إله الكتب المقدسة الذي تتجلى أياديه في الجبال والسماء والبحار، وتتجلى قدرته في المراعي النضرة والطيور السابحة في جو الأرض وفي سائر الكائنات (3).
                        __________


                        (1) ينبه القرآن إلى حكمة اختلاف أجناس البشر بالذات وتباين لغاتهم في مواضع عديدة منها: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم ان ذلك لآيات للعالمين) [الروم: 22] ..
                        (2) يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) .. [الحجرات: 12] ..
                        (3) انظر إلى ما جاء في القرآن كقوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح). الا تمس هذه الآية موضوع التلقيح في عالم النباتات الزهرية؟ وهل كان محمد عليه السلام من المشتغلين بعلوم النبات؟

                        تعليق


                        • #13
                          الخلايا الحية تؤدى رسالتها
                          بقلم / رسل تشارلز آرنست

                          إخصائي في علم الأحياء و النبات - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا - أستاذ في جامعة فرانكفورت بألمانيا - عضو الأكاديمية العلمية بانديانا - مؤلف لكثير من البحوث البيولوجية.

                          تهيئ دراسة الخلايا الحية لنا خبرة عجيبة، فإذا فحصت طرف وريقة صغيرة من وريقات العشب المائي الذي يسمى (الإيلوديا) تحت العدسة الكبرى للمجهر، فسوف تلاحظ مظهراً من أكثر مظاهر الحياة انتظاماً و أروعها جمالاً. فلكل خلية من خلاياها تركيب رائع. و يبلغ سمك الورقة عند طرفها طبقتين من الخلايا. و تستطيع أن تحرك قصبة المجهر رافعاً و خفضاً حتى نرى كل خلية من خلايا هاتين الطبقتين على حدة، و تدرك أنها وحدة قائمة بذاتها، كما يلوح أن كل خلية من هذه الخلايا الطبقيتين على حدة، و تدرك أنها وحدة قائمة بذاتها، كما يلوح أن كل خلية من هذه الخلايا تستطيع أن تؤدي جميع وظائف الحياة مستقلة عن غيرها من الخلايا الأخرى المشابهة لها. و يفصل الخلايا بعضها عن بعض جداران ثابتة متماسكة. و تتكون الورقة من آلاف من هذه الخلايا المتراكمة التي تبدوا كأنها بنيان مرصوص.

                          أما النواة فترى بصعوبة على صورة جسم رمادي باهت تبرز فيه الفجوة العصارية التي تشغل مركز الخلية. و يحيط بالنواة شريط من الحشوة ( السيتوبلازم ) الذي يحيط بالفجوة. و يفصل الحشوة ( السيتوبلازم ) عن الجدار الخارجي للخلية غشاء رقيق، لا نستطيع أن نراه تحت الظروف المعتادة بسبب ضغط الفجوة العصارية عليه و التصاقه بالجدار. أما فحصت الخلايا بعد أن تغمر الورقة فترة من الزمن في محلول مركز من ملح الطعام، فإنه يسهل مشاهدة هذا الغشاء، لأن انغمار الورقة في محلول الملح بسبب فقدانها لعض الماء الذي بفجوتها العصارية، مما يترتب عليه انكماش محتويات الخلية وابتعاد الغشاء عن الجدار. و عندئذ يقال للخلية إنها تبلزمت.
                          و في الخلية حركة. وهي حركة لا يمكن أن ينبىء عنها ما يبدوا على ظاهر الورقة من السكون. ففي داخل شريط الحشوة ( السيتوبلازم ) الرقيق الذي أشرنا إليه، أجسام دقيقة خضر تسمى البلاستيدات الخضر، و هي لا تسبح في الحشوة ( السيتوبلازم ) أو تندفع داخله كما تندفع الحيوانات المجهرية الصغيرة داخل الماء و إنما تتهادى كما تتهادى السفن الصغيرة يجرفها تيار الماء في بحر خضم. إنه الجبلة ( البروتوبلازم ) ذو التركيب المائي و الحيوي الفياضة ، هو الذي يتحرك. و هذا البروتوبلازم هو مركز الحركة و الحياة في جميع الكائنات الحية. و تعتبر حركة الجبلة ( البروتولازم) في خلايا نبات ( الإيلوديا) مظهراً من مظاهر الحياة. أما القوة أو القوى التي تجعل هذه الجبلة (البرتوبلازم ) يتحرك و التي ينشأ عنها هذا التيار المستمر فهي مالا تعرفه معرفة اليقين و مالا نستطيع أن نفسره في حدود معرفتنا الخالية تفسيراً صحيحاً. و لكننا نشاهد هذه الحركة البروتوبلازمية هنا و هنالك في عالم الأحياء من حيوان و نبات و تعرف هذه الظاهرة تدفق الحشوة (السيتوبلازم ) و تعرف في نبات الإيلوديا بالذات بدوران الحشوة ( السيتوبلازم ) بسبب ما يشاهد من حركة البلاستيدات الخضر داخل خلاياها حركة دائرية مستمرة.

                          و إذا وضعت قطرة من ماء مزرعة حيوانات أولية تشتمل على الأميبيا فوق شريحة زجاجية دافئة، ثم فحصتها بالمجهر، فإنك تستطيع أن تشاهد ان الجبلة (البروتوبلازم ) يتحرك حركة عجيبة، فالأميبيا لا تسبح في الماء و لا تطفو على سطح قطرة الماء أو تندفع في جوفها و لكنها تتحرك كما لو كانت تنسكب أو تسيل. أما جسم الأميبا فهو كتلة عارية من البروتولازم يتحرك حركة عجيبة ، فالأميبيا لا تسبح في الماء و لا تطفو على سطح قطرة الماء أو تنطفع في جوفها و لكنها تتحرك كما لو كانت تنسكب أو تسيل. أما الأميبيا فهو كتلة عارية من البروتوبلازم وهو يختلف عن الخلية النباتية فأنه لا يحيط به من الخارج جدار صلب، بل مجرد غشاء رقيق يحدد جسمه. كلما تحركت الجبلة (البروتوبلازم ) في اتجاه من الاتجاهات، أطاعه ذلك الغشاء و تحرك معه في نفس الاتجاه. و بذلك يتغير شكل الحيوان و تتكون له زوائد لا تلبث أن يتغير شكلها بعد قليل. و بهذه الطريقة يتحرك الحيوان وتتكون له زوائد لا تشبه الأقدام، و التي تسمى بسبب ذلك (الأقدام الكاذبة).

                          و من الممكن استخدام القوة المكبرة العظمى لمشاهدة الحشوة (السيتوبلازم ) عند اندفاعه في الأقدام الكاذبة، و لكي نشاهد أن جسم الحيوان يتكون من طبقتين من الجبلة (البروتوبلازم ) يختلفان في كثافتيهما. أما إحداهما فهي كتلة شفافة مائية دائمة الحركة، و أما الأخرى فهي كتلة هلامية نصف صلبة تحيط بالطبقتين السابقة إحاطة تامة، و يعتقد بعض العلماء ان الاختلاف في كثافة هاتين الطبقتين هو الذي يساعد على حدوث الحركة. فالطبقة الخارجية تضغط على الداخلية فتجعليها تندفع في اتجاه معين مكونة تلك الأقدام الكاذبة. و يعتقد آخرون أنه يمكن تفسير الحركة على أساس نظرية التوتر السطحي، وهي نظرية يدرسها طلاب الجامعات عند بداية دراستهم للأحياء ،و مع ذلك فإننا لا نستطيع ان نبين لهم أسبابها. و حتى إذا سلمنا بالتفسير الأول لحركة الأميبيا، فينبغي أن نعترف بأننا لا نعرف شيئاً عن عمليات التحول الغذائي التي تسببها هي الأخرى.

                          هذان طرازان من الخلايا يختلفان عن بعضهما اختلافاً كثيراً، أحدهما من نبات أخضر و الآخر فرد حيواني، و كل منهما يتكون من خلية بسيطة. و تعرف الأمبيا بين علماء الحيوان بأنها أبسط الحيوانات تركيباً. و الواقع أن حركة الجبلة البورتوبلازم فيها تعتبر أبسط أنواع الحركة في المملكة الحيوانية. أما الإيلوديا فبرغم أنها نبات زهري بسيط، فإن خلاياها غير متخصصة أو متنوعة كما هو الشأن في كثير من النباتات الأخرى. فهي على التحقيق خلايا بسيطة. و مع ذلك فإن كل خلية من هذه الخلايا، إنما هي جهاز معقد ، يقوم بطريقته الخاصة بجميع الوظائف المعقدة الضرورية للحياة، و منها الحركة و منها الحركة التي شاهدنا أحد مظاهرها. و تؤدي كل خلية من الخلايا وظائفها الحيوية العديدة بدرجة من الدقة يتضاءل بجانبها أقصى ما وصل إليه الإنسان من دقة في صناعة الساعات الدقيقة. و بمناسبة الحديث عن الساعات فقد توصل الإنسان إلى صناعة ساعات بالغة الدقة و الروعة، يستطيع بعضها أن يمتلىء بطرقة آلية عند ما يحرك الإنسان يده التي تحمل الساعة . و لا يمكن أن يتصور العقل البشري أن آلة دقيقة كالساعة قد وجدت بمحض المصادفة ، دون الاستعانة بالعقل المفكر و اليد الماهرة، أو أن تلك الساعة الأوتوماتيكية التي تدور من تلقاء نفسها قد صنعت نفسها أو أخذت تتحرك دون ان يبدأ أحد في تحريكها فإنه يستحيل علينا أن نفسر كل ذلك ما لم نسلم، عن طرق العقل و المنطق، أو وراء كل ذلك عقلاً و تدبيراً. هذا العقل و هذا التدبير و تلك القوة التي تعجز عنها المادة العاجزة عن التفكير و التدبير ليست إلا من مظاهر قوة الله و حكمته و تدبيره.

                          حقيقة أن هنالك بعض القوى و المؤثرات الخارجية الموجودة في البيئة و التي تؤثر في حركة الجبلة داخل الخلايا، فبعض الباحثين يشير إلى درجة الحرارة، و ربما الضوء أو الضغط الأسموزي، أو غير ذلك من المؤثرات التي تؤثر فعلاً في حركة البروتوبلازم دائبة لا تنقطع، حتى عندما يزول أثر جميع هذه المؤثرات. و معنى ذلك أن جانباً على الأقل من أسباب هذه الظاهرة يرجع إلى الجبلة ذاتها. فمن المحال إذن أن نفسر ظواهر الحياة على أنها مجرد استجابات لبعض المؤثرات الخارجية.

                          و بهذه المناسبة نحن نعلم أنه عندما نشطر خلية حية إلى نصفين بطريقة التشريح الدقيق بحيث تكون النواة في أحد القسمين دون الآخر، فإن القسم الخالي من النواة يموت بعد قليل. و قد أخفقت جميع الجهود التي بذلت للاحتفاظ بها حيا. و على ذلك فإن النواة هي التي تنظم العمليات الحيوية في الخلية و تسيطر عليها، فإذا زال هذا الإشراف توقفت الحياة. و هكذا نرى أن خالق هذا الكون و منظمه يعتبر ضرورياً لخلق الخلية و الإنسان، بل لخلق العقول المفكرة التي تبحث عن الحقيقة وعن السبب الأول.

                          لقد وضعت نظريات عديدة ، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى ان الحياة قد نشأت من البورتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة. و قد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء و عالم الجمادات. و لكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية ، قد باءت بخذلان و فشل ذريعين.

                          ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات و الجزيئات عن طرق المصادفة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها و توجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. و للشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة ، فهذا شأنه وحده.

                          إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها ، وان ملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شاهدة تقوم على الفكر و المنطق، و لذلك فإنني أومن بوجود الله إيماناً راسخاً.

                          تعليق


                          • #14
                            نطق الإيمان
                            بقلم / جورج هربرت بلونت
                            أستاذ الفيزياء التطبيقية

                            حاصل على درجة الماجستير من معهد كاليفورنيا التكنولوجي - كبير المهندسين بقسم البحوث الهندسية بجامعة كاليفورنيا.

                            إنني أومن بالله، بل وأكثر من ذلك، انني أوكل اليه أمري، ففكرة الألوهية بالنسبة إلى ليست مجرد قضية فلسفية، بل ان لها في نفسي قيمتها العلمية العظمى، وايماني بالله جزيء من صميم حياتي اليومية.

                            ويختلف هذا الرأي اختلافا كبيرا عما يذهب اليه كثير من المفكرين، فهنالك عدد غير قليل من عمالقة الفكر واستبعدوا فكرة وجود الله عن محيطهم وأقاموا من أنفسهم دعاة إلى الالحاد، وهذا يفرض علينا ان نوضح الأسباب التي تدعونا إلى الايمان بالله.

                            ولدى محاولتي القيام بهذا الواجب، احب ان أوضح بعض خواطري، وان أناقش بعض النظريات الهامة التي تدعو إلى الإيمان أو الإلحاد، ولسوف تعيننا مناقشة هذه الآراء على ادراك الأسباب التي تدعو كل من يستخدم عقله إلى الايمان بالله، وأريد بعد ذلك ان أبين لماذا يؤمن الناس بالله.

                            لقد درس كثير من الباحثين الأسباب التي تجعل الناس يؤمنون ايمانا أعمى يقوم على التسليم لا على أساس المنطق والاقتناع، وما يؤدي اليه هذا النوع من الايمان من أفكار متناقضة حول صفات الله. وتدل الشواهد على ان هنالك نوعا من الاجماع بين الفلاسفة والمفكرين على ان لهذا الكون إلها، ولكن لا يوجد هنالك اتفاق على ان هذا الإله هو ذاته إله الكتب المقدسة. وليس معنى ذلك بطبيعة الحال ان هنالك مطعنا في تلك الكتب، أو ان ذلك الغموض يرجع إلى عدم وجود الأدلة الكافية، فقد يكون العيب في المنظار ذاته الذي ترى به الحقائق، وعندئذ يؤدي ضبط المنظار إلى المزيد من الوضوح، ولكن حتى مع ذلك يبدو أن الأدلة في حد ذاتها لا تعطي الحكم المطلق.

                            ولكي أبين القيمة الحقيقية للأدلة وما يعتبر من وجهة نظري الطريقة السليمة لاستخدامها، أحب ان الفت الأنظار إلى طريقة الاستدلال التي نستخدمها في علوم الرياضة.

                            فمن المعروف في علم الهندسة، أننا نستطيع ان نبني كثيرا من النظريات على عدد قليل، من البديهيات، أو تلك الفروض التي نسلم بها ونقبلها دون مناقشة أو جدال حول صحتها، فالعلماء يسلمون أولا بالبديهيات، ثم يتتبعون مقتضياتها أو النتائج التي تترتب عليها. وعند إثبات اي نظرية نجد ان برهانها يعتمد في النهاية على مسلمات أو امور بديهية، ومع ذلك فان النظريات مجتمعة لا تستطيع ان تقدم دليلا على صحة بديهية من هذه البديهيات، ولكننا نستطيع ان نختبر صحة هذه البديهيات بمعرفة ما يترتب على استخدامها من اتفاق أو تضارب مع التطبيقات العملية والحقائق المشاهدة. ولا تعتبر صحة النظريات التي تقوم على الاخذ بهذه البديهيات، ولا مجرد عدم مشاهدة آثار للتناقض بين هذه النظريات وبين الواقع والمشاهد، دليلا أو برهانا كافيا على صحة البديهيات المستخدمة. فالواقع اننا نقبل البديهيات قبول تسليم وإيمان. وليس معنى ذلك بطبيعة الحال انه تسليم وإيمان أعمى لا يقوم على البصيرة.

                            وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله، فوجوده تعالى أمر بديهي من الوجهة الفلسفية، والاستدلال بالأشياء على وجود الله - كما في الإثبات الهندسي - لا يرمي إلى اثبات البديهيات (1)، ولكنه يبدأ بها، فاذا كان هنالك اتفاق بين هذه البديهية وبين ما نشاهده من حقائق هذا الكون ونظامه، فان ذلك يعد دليلا على صحة البديهية التي اخترناها. وعلى ذلك فان الاستدلال على وجود الله يقوم على أساس المطابقة بين ما نتوقعه اذا كان هنالك إله وبين الواقع الذي نشاهده.

                            والاستدلال بهذا المعنى ليس معناه ضعف الإيمان، ولكنه طريقة مقبولة البديهيات قبولا يتسم باستخدام الفكر، ويقوم على أساس الاقتناع بدلا من ان يكون تسليما أعمى.

                            والأدلة أنواع: منها الأدلة الكونية، ومنها الأدلة التي تقوم على ادراك الحكمة، ثم الأدلة التي تكشف عنها الدراسات الإنسانية.

                            فالأدلة الكونية تقوم على اساس ان الكون متغير، وعلى ذلك فانه لا يمكن أن يكون أبديا، ولابد من البحث عن حقيقة أبدية عليا. اما الأدلة التي تبنى على ادراك الحكمة فتقوم على اساس ان هنالك غرضا معينا أو غاية وراء هذا الكون، ولا بد ذلك من حكيم أو مدبر. وتكمن الأدلة الإنسانية وراء طبيعة الإنسان الخلقية، فالشعور الإنساني في نفوس البشر انما هو اتجاه إلى مشرع أعظم.

                            ولما كان اشتغالي بالعلوم ينحصر في التحليل الفيزيائي، فان الأدلة التي يتجه اليها تفكيري تعتبر من النوع الذي يبحث عن حكمة الخالق فيما خلق. و لاكتشاف القوانين التي تخضع لها الظواهر المختلفة، لابد من التسليم أولا بان هذا الكون أساسه النظام، ثم يتجه عمل الباحث نحو كشف هذا النظام.

                            ويبدأ الباحث عمله عند حل مشكلة من المشكلات بعمل نموذج أو تجربة تعينه على دراسة الظاهرة التي يدرسها، وليس النموذج أو التجربة الا محاولة لاختبار صحة فرض من الفروض. ويجب ان يكون هذا الفرض بسيطا مع مطابقته للواقع، ثم يدور البحث حول النموذج أو التجربة لمعرفة العوامل التي تؤثر في الظاهرة التي هي موضع البحث، فاذا كانت النتائج مؤيدة للفرض الذي بدأ به، فانه يعده صحيحا لأن ما ينطبق على هذا النموذج ينطبق أيضا على سواه، مما يدل على تسليمنا بأن هنالك نظاما يسود هذا الكون.

                            ولا يمكن ان يتصور العقل ان هذا النظام قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم أو من الفوضى، وعلى ذلك فان الإنسان المفكر لابد ان يصل ويسلم بوجود إله منظم لهذا الكون، وعندئذ تصير فكرة الألوهية احدى بديهيات الحياة، بل الحقيقة العظمى التي تظهر في هذا الكون، والمطابقة بين الفرض والنتيجة تعد برهانا على صحة هذا الفرض. والمنطق الذي نستخدمه هنا هو انه اذا كان هنالك اله فلا بد ان يكون هنالك نظام. وعلى ذلك فما دام هنالك نظام فلابد من وجود إله.

                            ويلاحظ ان للملحدين منطقهم، ولكنه منطق سلبي، فهم يقولون ان وجود الله يستدل عليه بشواهد معينة وليس ببراهين قاطعة، وهذا من وجهة نظرهم يعني عدم وجوده تعالى. انهم يردون على الأدلة الكونية بقولهم: ان المادة والطاقة يتحول كل منهما إلى الآخر بحيث يمكن ان يكون الكون بذلك أبديا. كما أنهم ينكرون النظام في الكون، ويرونه مجرد وهم، وهذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة والاتجاه نحو موجه أعظم، ومع ذلك لا يستطيعون ان يقيموا دليلا واحدا على عدم وجود الله، ومن منطقهم: ان الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظرهم.

                            وهنالك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون لانهم لا يرونه، ولكنهم لا ينفون وجود اله في كون أو عالم آخر غير هذا الكون. ولا شك ان هذا موقف مائع متضارب لا يستند إلى أساس سليم.

                            فاذا قارنا بين الشواهد التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله، وتلك التي يستند اليها الملحدون في انكار ذاته العلية، لا تضح لنا ان وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم اكثر مما تحتاج اليه وجهة نظر المؤمن، وبعبارة اخرى نجد المؤمن يقيم ايمانه على البصيرة (2).

                            اما الملحد فيقيم الحاده على العمى (3). وانا مقتنع ان الإيمان يقوم على العقل وان العقل يدعو إلى الإيمان. واذا كان الإنسان يعجز أحيانا من مشاهدة الأدلة، فقد يكون ذلك راجعا إلى عدم قدرته على ان يفتح عينيه.

                            ومجرد الاقتناع بوجود الله، لا يجعل الإنسان مؤمنا، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الاعتراف بوجود الله على حريتهم. وليس هذا الخوف قائما على غير أساس، فاننا نشاهد ان كثيرا من المذاهب المسيحية، حتى تلك التي تعتبر مذاهب عظمى، تفرض نوعا من الدكتاتورية على العقول. ولا شك ان هذه الدكتاتورية الفكرية انما هي من صنع الانسان وليست بالأمر اللازم في الدين، فالانجيل مثلا يسمح بالحرية الفكرية حينما يقول: (قال الرب أقبل علينا ودعنا نفكر معاً) (4).

                            فماذا يدعو الانسان إذن إلى الإيمان الحقيقي والاعتراف بوجود الله؟ انه نفس الشيء الذي يدعو إلى الاعتراف بوجود صديقه، وعلى ذلك فان الايمان الحقيقي يحدث عندما يتجه الانسان إلى ربه ويرجع اليه.

                            وأعتقد انني قد آمنت بالله بهذه الطريقة، كما أعتقد ان الإيمان بالله يقوم على اساس المنطق والاقتناع، ولكن هذا يعتبر أمرا ثانويا بالنسبة للأمر الأول: لقد اتجهت إلى الله وحصلت على خبرة شخصية محض لا أستطيع ان أقدمها اليك. فاذا كنت في شك من أمره تعالى فاليك الحل: (اتجه اليه وسوف تجده).
                            __________

                            (1) الحقيقة (الفلسفية والدينية أيضا) ان الله تعالى هو الذي يشهد على الأشياء، وليست الأشياء هي التي تشهد عليه، وهو الذي يعطي هذا الوجود وما حوى مغزى ومعنى: (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد..) .. [فصلت: 53] ..
                            (2) (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وان الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) .. [الحج: 54] ..
                            (3) (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) .. [الحج: 8] ..
                            (و كأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) .. [يوسف: 105] ..
                            (4) أما القرآن فيخاطب العقول الواعية، بل ويطالب بالإيمان عن طريق العلم والمعرفة كما جاء في آيات عديدة .. منها:
                            1- (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) .. [الزمر: 9] ..
                            2- (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) .. [العنكبوت: 20] ..
                            3- (لخلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .. [غافر: 57] .. (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك..) .. [آل عمران: 191] .. (ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء ما ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) .. [البقرة:164] ..

                            تعليق


                            • #15
                              المبدع الأعظم
                              بقلم / كلود هاثاواى

                              مستشار هندسي - حاصل على درجة الماجستير من جامعة كولورادو - مستشار هندسي بمعامل شركة جنرال الكتريك - مصمم العقل الإلكتروني للجمعية العلمية لدراسة الملاحة الجوية بمدينة لانجي فيلد - اخصائي الآلات الكهربائية والطبيعية للقياس.

                              قبل ان أبين الاسباب التي تدعونا إلى الإيمان بالله، أحب ان أذكر ان معظم ايماني به تعالى في المرحلة الراهنة من مراحل حياتي، يقوم على أساس الخبرة أو الممارسة.

                              والواقع اننا لا يجوز لنا ان نستبعد كثيرا من المعتقدات التي تقوم على أساس الخبرة أو الممارسة، أو ان ننظر اليها على انها لا تقوم على أساس عقلي، فنحن اذا فعلنا ذلك نكون قد انتقصنا من قدر الطريقة العلمية ذاتها، والأفضل ان نسمي مثل هذه المعتقدات (فوق فكرية).

                              وبرغم ان ايماني بالله في السنوات السابقة، كان يقوم على أسباب سوف أتناولها بالشرح بعد قليل، فان ايماني به في الوقت الحاضر يقوم على أساس خبرة أو معرفة داخلية به، وهي خبرة أو معرفة تتضاءل بجانبها جميع المجادلات الفكرية.

                              وبرغم ان هذا النوع من الاستدلال لا يعد مقنعا بالنسبة لمن لم يمارسوه، فان له وجاهته وقوته بالنسبة لمن مارسه.

                              لقد وجدت ان الايمان بالله هو الملاذ الوحيد الذي تطمئن اليه الروح، وكما يقول اوغستين: (لقد خلقنا الله لنفسه، وان ارواحنا لتبقى قلقة حائرة حتى تجد راحتها في رحابه).

                              اما من حيث الأسباب الفكرية التي تدعوني إلى الإيمان بالله، فانني أحب ان أبدأ بذكر الحقائق التي لا سبيل إلى انكارها والتي لا أشك في أن غيري ممن أسهموا في هذا الكتاب قد تناولوها، وهي ان التصميم يحتاج إلى مصمم. وقد دعم هذا السبب القوي من أسباب ايماني بالله ما أقوم به من الأعمال الهندسية. فبعد اشتغالي سنوات عديدة في عمل تصميمات لاجهزة وأدوات كهربية، ازداد تقديري لكل تصميم أو ابداع اينما وجدته. وعلى ذلك فانه مما لا يتفق مع العقل والمنطق ان يكون ذلك التصميم البديع للعالم من حولنا الا من ابداع اله اعظم لا نهاية لتدبيره وإبداعه وعبقريته. حقيقة ان هذه طريقة قديمة من طرق الاستدلال على وجود الله، ولكن العلوم الحديثة قد جعلتها أشد بيانا وأقوى حجة منها في اي وقت مضى.

                              ان المهندس يتعلم كيف يمجد النظام، وكيف يقدر الصعاب التي تصاحب التصميم عندما يحاول المصمم ان يجمع بين القوى والمواد والقوانين الطبيعية في تحقيق هدف معين، انه يقدر الابداع بسبب ما واجهه من الصعاب والمشكلات عندما يحاول ان يضع تصميما جديداً.

                              لقد اشتغلت منذ سنوات عديدة بتصميم مخ الكتروني يستطيع ان يحل بسرعة بعض المعادلات المعقدة المتعلقة بنظرية (الشد في اتجاهين). ولقد حققنا هدفنا باستخدام مئات من الأنابيب المفرغة والأدوات الكهربائية والميكانيكية والدوائر المعقدة ووضعها داخل صندوق بلغ حجمه ثلاثة أضعاف حجم اكبر (بيانو). ولا تزال الجمعية الاستشارية العلمية في لانجلي فيلد تستخدم هذا المخ الإلكتروني حتى الآن. وبعد اشتغالي باختراع هذا الجهاز سنة أو سنتين، وبعد ان واجهت كثيرا من المشكلات التي تطلبها تصميمه ووصلت إلى حلها، صار من المستحيلات بالنسبة إلى ان يتصور عقلي ان مثل هذا الجهاز يمكن عمليه بأية طريقة أخرى غير استخدام العقل والذكاء والتصميم.

                              وليس العالم من حولنا الا مجموعة هائلة من التصميم والإبداع والتنظيم. وبرغم استقلال بعضها عن بعض، فانها متشابكة متداخلة، وكل منها اكثر تعقيدا في كل ذرة من ذرات تركيبها، من ذلك المخ الالكتروني الذي صنعته. فاذا كان هذا الجهاز يحتاج إلى تصميم افلا يحتاج ذلك الجهاز الفسيولوجي الكيمي البيولوجي الذي هو جسمي، والذي ليس بدوره الا ذرة بسيطة من ذرات هذا الكون اللانهائي في اتساعه وابداعه، إلى مبدع يبدعه؟

                              ان التصميم أو النظام أو الترتيب، أو سمها ما شئت لا يمكن ان تنشا الا بطريقين: طريق المصادفة أو طريق الابداع والتصميم. وكلما كان النظام اكثر تعقيدا، بعد احتمال نشأته عن طريق المصادفة. ونحن في خضم هذا اللانهائي لا نستطيع الا ان نسلم بوجود الله.

                              أما النقطة الثانية التي اريد ان أشير إليها في هذا المقام، فهي ان مصمم هذا الكون لا يمكن ان يكون ماديا. وانني أعتقد ان الله لطيف غير مادي. وانني أسلم بوجود اللاماديات، لانني بوصفي من علماء الفيزياء اشعر بالحاجة إلى وجود سبب أول غير مادي. ان فلسفتي تسمح بوجود غير المادي، لانه بحكم تعريفه لا يمكن إدراكه بالحواس الطبيعية، فمن الحماقة اذن ان أنكر وجوده بسبب عجز العلوم عن الوصول اليه، وفوق ذلك فان الفيزياء الحديثة قد علمتني ان الطبيعة اعجز من ان تنظم نفسها أو تسيطر على نفسها.

                              وقد أدرك سير اسحاق نيوتن ان نظام هذا الكون يتجه نحو الانحلال، وانه يقترب من مرحلة تتساوى فيها درجة حرارة سائر مكوناته، ووصل من ذلك إلى انه لابد ان يكون لهذا الكون بداية، كما انه لابد ان يكون قد وضع تبعا لتصميم معين ونظام مرسوم، وأيدت دراسة الحرارة هذه الآراء وساعدتنا على التمييز بين الطاقة الميسورة والطاقة غير الميسورة، وقد وجد انه عند حدوث اي تغيرات حرارية فان جزءا معينا من الطاقة الميسورة يتحول إلى الطاقة غير الميسورة، وانه لا سبيل إلى ان يسير هذا التحول في الطبيعة بطريقة عكسية، وهذا هو القانون الثاني من القوانين الديناميكية الحرارية.

                              وقد اهتم بولتزمان بتمحيص هذه الظاهرة، واستخدم في دراستها عبقرية ومقدرته الرياضية، حتى اثبت ان فقدان الطاقة الميسورة الذي يشير اليه القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، ليس الا حالة خاصة من ظاهرة عامة تشير إلى ان كل تحول أو تغير طبيعي يصحبه تحلل أو نقص في النظام الكوني. وفي حالة الحرارة يعتبر تحول الطاقة من الصورة الميسورة إلى الصورة غير الميسورة فقدانا أو نقصا في التنظيم الجزيئي، أو بعبارة أخرى تفتتا وانحلالا للبناء. ومعنى ذلك بطريقة اخرى ان الطبيعة لا تستطيع ان تصمم أو تبدع نفسها، لان كل تحول طبيعي لابد ان يؤدي إلى نوع من أنواع ضياع النظام أو تصدع البناء العام. وفي بعض الحالات قد يسير النظام من البسيط إلى المركب، ولكن ذلك لا يتم الا على حساب تصدع اكبر للتنظيم والترتيب في مكان آخر.

                              ان هذا الكون ليس الا كتلة تخضع لنظام معين، ولابد له اذن من سبب اول لا يخضع للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، ولابد ان يكون هذا السبب الاول غير مادي في طبيعته.

                              انه هو الله اللطيف الخبير الذي لا تدركه الأبصار.

                              تعليق

                              مواضيع ذات صلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة Sid Ali, منذ 4 يوم
                              ردود 0
                              9 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Sid Ali
                              بواسطة Sid Ali
                               
                              أنشئ بواسطة وداد رجائي, منذ 3 أسابيع
                              ردود 3
                              28 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة محمد24
                              بواسطة محمد24
                               
                              أنشئ بواسطة Ibrahim Balkhair, 4 سبت, 2020, 05:14 م
                              ردود 3
                              26 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Ibrahim Balkhair
                              بواسطة Ibrahim Balkhair
                               
                              أنشئ بواسطة Ibrahim Balkhair, 4 سبت, 2020, 05:11 م
                              ردود 0
                              10 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة Ibrahim Balkhair
                              بواسطة Ibrahim Balkhair
                               
                              أنشئ بواسطة رائد37, 12 أغس, 2020, 06:13 ص
                              رد 1
                              28 مشاهدات
                              1 معجب
                              آخر مشاركة محمد24
                              بواسطة محمد24
                               

                              Unconfigured Ad Widget

                              تقليص
                              يعمل...
                              X