نزعة الجحود والإنكار
بقلم الأستاذ الدكتور
محمد عبدالله دراز




إن نزعة الشك لا تكون إلا وليدة الغفلة والذهول ..

فالرجل الذى إستغرقت مشاغل الحياة ومشاكلها كل همه ولا تترك له فراغاً من الوقت ولا من البال يرفع رأسه ليفكر فى الحقيقة العليا ..

هذا لو سألته عن هذه الحقيقة لكان من شأنه أن يقول لك: لا أدرى ..

لأنه عنها فى شغل ..

وهو عنها غافل ذاهل ..

والقرآن يعالج هذه النفوس الغافلة بدوام قرع الأجراس لإيقاظها ولفتها إلى الآيات المنشورة فى كل مكان كيلا يقول الناس بعد ذلك: [إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] .. [الأعراف: 172] ..

أما نزعة الجحود فإنها فى الغالب وليدة الغرور ..

الغرور بنوع من العلم يظن صاحبه أنه أحاط بكل شىء علماً: [فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون] .. [غافر: 83] ..

أو الغرور بنوع من القوة ..

حتى يقول الأقوياء: [وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ] .. [فصلت: 15] ..

وهكذا يظن الإنسان الذى أوتى شيئاً من العلم أو القدرة أنه أصبح مستغنياً عن كل شىء وعن الله ..

يقول الله تعالى فى كتابه العزيز: [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى .. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى] .. [العلق: 6-7] ..

هذا الغرور بنوعيه يجد له مجالاً حتى فى عصور الحضارات المادية على أثر إكتشاف علمى جديد أو إختراع صناعى مبتكر ..

ولكنه لا يجد له مجالاً حتى فى هذه العصور نفسها إلا فى عقول أدعياء العلم أو أنصاف المتعلمين ..

الذين يسارعون إلى إنكار كل ما لم يكتشفه العلم بالفعل ويزعمون أن كل ما خرج عن نطاق هذه العلوم الجزئية لا وجود له ..

كلمة لا يجرؤ أن يقولها عالم راسخ ..

لأنه يعرف أن كل ما كشفته العلوم منذ القدم لا يبلغ قطرة من محيط من حقائق الكون ..

ويعرف أن هذا التقدم العلمى المتزايد نفسه يشير إلى مدى غير محدود من المجهولات ولا متناه ..

فكما لا يجوز أن ينكر فرع من العلم أو الصناعة ما أثبته فرع آخر منها كذلك هذه العلوم والصناعات جملة لا يجوز أن تنكر ما لم تحط بعد من أسرار الكون الحاضر فضلاً عن بدايته ونهايته ..

فضلاً عن أن تنكر الحقيقة الكبرى التى ليست من موضوع هذه العلوم ولكنها من موضوع العلم الكلى الأعلى حقيقة تستند كل الحقائق الجزئية إليها ولا يمكن عقلاً أن نفسر هذه الحقائق الجزئية إلا بتلك الحقيقة الكلية ..

هذا الغرور الإنسانى بشعاع من العلم يظنه كل العلم أو بنسمة من القدرة يظنها كل القدرة هو الذى يثير فى الإنسان غالباً نزعة الجحود والإنكار ويجعله يؤله نفسه ..

هناك عامل آخر من عوامل الشك والجحود معاً هو عامل خفى غير مباشر ولكنه سبب قوى فعال ..

ذلك هو سلطان الهوى على النفوس وحب إرضاء الغزائر الدنيا والرغبة فى النزول على حكم الشهوات والتحرر من كل القيود والمسئوليات ..

هذه الفوضى الخلقية لا توجد على أوسع نطاق إلا فى جو الإلحاد ينكر القوانين السماوية ويسخر من كلمة الأديان ويرفع من القلب شعور الإستحياء من الله ..

لأن الذى يريد أن يعطى لنفسه هذه الحرية الخلقية المطلقة لا يمكنه أن يتجنب وخز ضميره مادام الضمير يقظاً واعياً ومادامت فكرة الرقيب الأعلى تحل مكانة القدسية فى هذا الضمير ..

فلابد إذن أن يبدأ بمحاولة تخريب هذا الجهاز المقدس لإخفاء هذه الصورة المرسومة فى لوحة ضميره ..

ولا يتم له ذلك إلا إذا أغلق النوافذ التى يرى منها نور الله والتى يسمع منها داعى الله ثم لا يكفيه هذا لأنه لا يرضى أن يكون كالنعامة تخفى رأسها فى التراب فتظن أن الصائد لا يراها مادامت هى لا تراه ..

فلابد أن يتقدم خطوة أخرى لا لإخفاء الصورة على عينيه فحسب بل لينتزعها من نفسه فيأخذ فى الإستماع لكلمات التشكيك فى وجود الله ثم كلمات الإنكار لوجود الله ..

وهكذا يتقلص إيمانه وينزوى شيئاً فشيئاً حتى يكفر لا حباً فى الكفر ولا إقتناعاً به من أول الأمر ولكن لإخلاء الطريق أمام غرائزه ومشتهياته ..

إنه يفكر ليفجر ينكر الإله ليتخذ إلهه هواه ..

هذه هى النزعات الخفية التى يستغلها اليوم أعداؤنا فى دعواتهم الهدامة المدمرة ..

فإنهم لكى يخرجوا فينا جيلاً منهاراً مستعبداً لشهواته فاقداً لشخصيته ولقوميته ولمقدساته يرسلون فى طليعة دعوتهم رواداً من دعاة الإلحاد والكفر يتسللون فى غفلة أوتغافل من الرقباء ليمهدوا لهم الطريق إلى القضاء النهائى على معنوية شبابنا البرىء الطاهر ..

ولو أن هذا الشباب تُرك على فطرته ومنعت عنه دعايات السوء ما استبدل الكفر بالإيمان ولا الفجور بالطهر والعفة والحياء ..
ــــــــ
راجع: نظرات فى الإسلام بتصرف ..