المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسلمون والعلوم /الكيمياء والجغرافيا والفلك والعمارة والخط العربى



سيف الكلمة
09-29-2006, 05:35 AM
العلوم الإسلامية

علم الكيمياء

قصة لها دلالتها:
بينما كان الامام الفقيه جعفر الصادق جالسا في بيته ومعه عدد كبيرمن ضيوفه وتلاميذه يحتفلون بانتهاء الاستاذ من تأليف كتاب ضخم جديد اسمه (الضيم) اذ دخل على الجميع شاب يافع طويل اسمر البشرة يبدو أنه من أصل يمني اسمه جابر بن حيان وكان يحمل بين يديه نسخة من ذلك الكتاب وقد كتبها بخط يده وصنع لها غلافا جميلا مزينا بالنقوش الاسلامية.
وفاجأ الشاب جميع الحاضرين بأن القى نسخة الكتاب التي يحملها والتي تعب الليالي في اعدادها القاها في النار. وصدرت من الجميع صرخات الاستنكار والاستهجان على ذلك الفتى بينما حاول بعضهم انقاذ الكتاب من النار ولكنهم فوجئوا بالامام جعفر يبتسم لهم ويطمئنهم. وبعد قليل أخرج ذلك الشاب الكتاب من النار فاذا به سليم كأن النار لم تمسه.. واخذ الشاب يشرح للحاضرين ان استاذه طلب منه ان يصنع له نوعا من الورق لكتابه الجديد لا تؤثر فيه النار. فظل يجرى التجارب الدقيقة في معمله الكيميائي على انواع من الورق ويضع الاوراق في المحاليل الكيميائية ويصب عليها في كل مره خليطا من السوائل التي ابتكرها تم ينشر الاوراق على حبال معلقة حتى تجف. واخيرا توصل الي اختراع الورق الذي يقاوم النار فصنع منه غلاف الكتاب.. كما صنع انواعا من الحبر الملون الذي لا تمحوه النار بل تزيده وضوحا وبريقا وثباتا.

قصة أخرى
ويحكى ان العالم الكيميائي الرازي المتوفي سنة 924 م كان يعتقد أنه توصل الي سر الاسرار والحلم الذي راود العلماء السابقين بتحويل النحاس الي ذهب وقد باع فعلا بعض الذهب الذي صنعه الى جماعة من خبراء الذهب الرومان.. فسفروا به الي القسطنطينية.. وبينما هم في البحر اذ غرقت المركب بهم.. ثم عادوا فاستخرجوا الذهب من قاع البحر فوجدوه قد علاه الصدأ.. فعادوا الى الرازي ورفعوا عليه قضية.. فحكم عليه القاضي بردد ثمن الذهب مضافا اليه ما تكفلوه في استخراجه من البحر. ولكنه برأه سن تهمة الغسش حيث شهدوا أنه أخبرهم مقدما أنه صنع هذا الذهب في معمله الكيميائي وأنة كان يظن مخلصا انه معدن جديد له خصائص الذهب. وقد طلب علماء ذلك العصر من الرازي ان يشرح طريقته في صنع هذه السبيكة الذهبية للعلم والتاريخ فألف كتابه المعروف "سر الاسرار" الذي شرح فيه كيف توصل لأول مرة في تاربخ العلم الى تحضير حامض يذيب الذهب وسماه (الماء الملكي) لأنة يذيب ملك المعادن وهو الذهب.. وبهذه الطريقة استطاع ان يحصل علي ذهب خالص ثم خلط الذهب بالنحاس وصنع منهما سبيكة جديدة لها خصائص الذهب وبذلك كان أول من اكتشف طريقة صناعة السبائك الذهبية.

علم الكيمياء
علم الكيمياء علم اسلامي عربي اسما وفعلا. ولم تعرف كلمة (3) الكيمياء أو يرد ذكرها في أي لغة أو حضارة قبل العرب سواء عند قدماء المصريين أو ا لاغريق.
وفي اللغات الاوربية يكتبونها Al - Chemie ومعروف ان كل كلمة لاتينية تبدأ (بالألف واللام) للتعريف أصلها عربي ومن ذلك Al-Cohol- algibra واسم الكيمياء مشتقة من الكم أو الكمية.. وذلك لان علماء المسلمين الذين اسسوا هذا العلم كانوا يقولون- إذا إضافنا كمية من هذه المادة الى كميتين أو ثلاثة من المادة الثانية نتج كذا. وهذا الاسم في ذاته يدلنا على حقيقة هامة.. وهي ان علماء المسلمين اول من اكتشف نظرية النسبة في اتحاد المواد وذلك قبل الكيميائي (براوست) بخمسة قرون- وتقول هذه النظرية ان المواد لا تتفاعل الا بأوزان ثابتة وهو قانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيميائي).
وقد جاء في كتاب "لسان العرب " لابن منظور أن الكيمياء كلمة عربية مشتقة من كمى الشيء وتكماه: أي ستره. وكمى الشهادة بكميهاكميا وأكماها: أي كتمها وقمعها:
- وشد فسرها أبو عبدالله محمد الخوارزمي المتوفى سنة 387 هـ في كتابه مفاتيح العلوم إذ قال: ان اسم هذه الصنعة كيمياء وهرعربي واشتقاقه من كمى ويكمى: أي ستروأخفى". وهذا يتفق مع ما ذهب اليه الرازي حين سمى كتابيه في الكيمياء "الأسرار" وسر الأسرار!.
-
الكيمياء قبل الاسلام
كانت الكيمياء عند قدماء المصريين والاغريق صنعة تغلب عليها الاراء النظرية وكان يمارسها الكهان والسحره ولا يعرف اسرارها غيرهم.. وقد عرف قدماء المصريين التحنيط بالمواد الكيميائية.. وعرفوا طريقة حفظ الاغذية والملابس وبرعوا في صنع الالوان الثابتة.. كذلك كان للاغريق اجتهاد في الكيمياء.. فوضعوا نظرية امكانية تحويل المعادن الخسيسة كالرصاص والنحاس والزئبق الي معادن نفيسة كالذهب والفضة. وتقول هذه النظرية ان جميع المواد على ظهر الارض انما نشأت من عناصر اربعة هي النار والتراب والهواء والماء. وان لكل عنصر منها طبيعتين يشترك في احدها مع عنصر آخر.. فالنار جافة حارة والتراب جاف بارد والماء بارد رطب والهواء رطب جاف. وعلى ذلك فمن المحتم انه يمكن تحويل العناصر الى بعضها.. وكان من رأي ارسطو ان جميع العناصر عندما تتفاعل في باطن الأرض وتحت ضغط معين وحرارة فانه ينشأ عنها الفلزات. وتجمع آراء الباحثين على ان جهود الاغريق في الكيمياء " كانت ضئيلة ومحدودة لأنهم درسوا العلوم من النواحي النظرية والفلسفية. وان العرب هم أول من بدأ هذا العلم بدأية جديدة على مبدأ التجربة والمشاهدة. وفي ذلك يقول هولميارد في كتابه ((تاريخ الكيمياء الى عهد دالتون ) لقد حارب علماء المسلمين الألغاز الصبيانية التي كانت مدرسة ألاسكندرية قد ادخلتها على علم الكيمياء وقاموا في هذا الميدان-على أسس علمية جديدة.
هذه القصص وغيرها كثير خير دليل علي مدي ما توصل اليه علماء المسلمين من براعة في علم الكيمياء.

المسلمون وعلم الكيمياء
ابتدأ المسلمون بترجمة ما كتبه السابقوت في هذا المجال خاصة علماء الاغريق والاسكندرية.. ومن أول من اهتموا بهذا العلم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي الذي كان مرشحا للخلافة. فلما لم ينلها صرف همه من السياسة الى العلم واستقدم بعض علماء الاسكندرية ليترجموا له. ولعل السر في هذا الاهتمام المبكر في تاريخ ألاسلام بعلم الكيمياء هو رغبته في الثراء بتحويل المعادن الي ذهب. تم ظهر بعد ذلك شيوخ علم الكيمياء جابر بن حيان (ت 810 م) ثم الرازي (ت 932 م) وقد وضع هذان العملاقان اسس علم الكيمياء الحديثة وحولوه من النظريات والآراء الافلطونية الى علم تجريبي له قواعد راسخة. وله أهداف عملية نافعة وله معامل لها شروط. وبعد جابر والرازي ظهر عشرات العلماء الفطاحل الذين طوروا هذا العلم امثال ابن سينا والبيروني والجلدكي. ويمكن تلخيص قواعد الكيمياء عند المسلمين في النقاط التالية.

أولا. الهدف من الكيمياء
لم تعد صنعة الذهب الهدف الوحيد لعلماء المسلمين فقد استعملوا علم الكيمياء في الصيدلة وصناعة الادوية الكيميائية لأول مسرة في التاريخ كما استعملوه بتوسع في الصناعة وفي الحرب وفي السلم.
ثانيا: المعمل
وقد جاء في وصف معمل جابر بن حيان الذي عثر عليه العالم (هولميارد): في الحفريات والكوفة: "انه موجود في قبو تحت الأرض.. وذلك للتحكم في درجات الحرارة وفيه قليل من الاثاث لتجنب الحريق.، وفيه موقد كبير واجهزة مختلفة زجاجية ونحاسية ومن أهمها.. القوارير والاقماع والمناخل والمصافي والاحواض واجهزة التقطير والقطارات والانابيب وهناك ايضا انواع الهاون والكرات المعدنية للسحق والصحن وهناك الموازين الدقيقة" كما عثر فيه على هاون من الذهب الخالص زنته مائتا رطل. ويعتبر الرازي الذي جاء بعد جابر بقرن من الزمان اول من وضع القواعد الرئيسة لمعامل التحليل الكيميائي فقد ابتكر اكثر من عشرين جهازا جديدا منها المعدني ومنها الزجاجي وقد وصفها جميعا وصفا دقيقا في كتابه (الاسرار).
ثالثا: التجارب العلمية
يجمع مؤرخو العلوم على ان فضل العرب على العلوم (6) في تبنيهم لمبدأ (التجربة والمشاهدة قبل اصدار الرأي) وكان جابر بن حيان يوصي تلاميذه بالاهتمام بالتجارب العلمية وعدم التعويل الاعليهامع التدقيق في الملاحظة ومن وصاياه في ذلك "وأول واجب ان تعمل وتجري التجارب لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل الى ادني مراتب الاتقان فعليك يا بني بالتجربة لتصل الى المعرفة".
رابعا. صفات الكيميائي
يوصي جابر بن حيان الكيميائي بالاتي:
أ- كن صبورا ومثابرا ومتحفظا وصامتا.
2- تجنب المستحيل وما لا فائدة منه.
3- لا تغتر بالظواهر لان هذا يؤدي بتجربتك الى نتيجة خاطئة.
4- ما افتخر العلماء بكثرة العقاقير ولكن بجودة التدبير.
"فعليك بالرفق والتأني وترك العجلة واقتف اثر الطبيعة فيما تريده من كل شيء".
5- يجب ان تكون متفرغا للتجربة منذ بدايتها حتى لا يفوتك أي تغييرطفيف قد تستخلص منه نتائج كبيرة.

خامسا: العمليات الكيميائية واهمها:
ا- التقطير
ويتكون الجهاز من إناء توضح به المادة المراد تقطيرها على النار ويصعد البخار في الانبيق ثم يدخل في قابلة التقطير.. وبذلك يمكن فصل المواد في صورتها النقية وبعض المواد كان يعاد تقطيره خمسين مره حتى يحصل على جوهرة النقي.
2- الملغمة
وهي ذوبان المعادن في الزئبق ثم استخلاصها بواسطة التصعيد ولا تزال هذه الطريقة مستعملة في استخلاص الذهب.
3- التسامي
لفصل الجسم الطيار بتسخينه حتى يتكاثف بخاره إلى مادة صلبة دون المرور عاى الحالة السائلة.
4- التبلور وذلك للحصول علي بلورات نقية مثل بلورات الشبة والملح.
5- الترشيح بواسطة المناخل أو قطع القماش أو الورث.
ومعظم هذه العمليات ابتكار عربي ولم تكن معروفة للاغريق.

انجازات المسلمين في الكيمياء
أ) المسلمون أول من استعمل الكيمياء في صناعة الدواء
لقد كانت جميع الادوية المعروفة قبلهم من الاعشاب الطبية فأدخل الرازي لأول مرة استعمال املاح المعادن كالزئبق والمغنيسيوم والحديد والزنك في الدواء والعلاج وصنع منها المراهم والسفوف والبرشام والمروخ وكان الرازي يجرب هذه الادوية على الحيوانات وخاصة القرود القريبة الشبه بجسم الانسان.
كذلك كان ابن سينا أول من أوصى بتغليف حبوب الدواء بأملاح الذهب أو الفضة وذلك في حالة اذا كان الدواء مر الطعم او اذا كان المطلوب عدم ذوبانه في المعدة بل في الامعاء.
ب) توسع المسلمون في الصناعات الكيميائية
فهم اوله من صنع الصابون من الصودا وصنعوا منه الملون والمعطر والسائل والصلب والكلمة الاوربية Savon اصلها عربي وهو صابون وتذكر بعض المراجع انهم اول مات صنع الورق وقد توصل جابر بن حيان الي صنع انواع من الورق يقاوم الحريق ويستعمل في تغليف المصاحف والكتب القيمة كما ابتكر قماشا يقاوم الماء وتوصل عباس (7) بن فرناس الى تقليد البرق فيا القبة السماوية من اشتعال الماغنيسيوم ففتح الطريق أمام التصوير الليلي. كما توصل الى تقليد الرعد فيها باستعمال البارود. والمسلمون اول من استعمل البارود كقوة دافعة في المدافع (راجع باب العلوم العسكرية).
كذلك برعوا في صناعة الزجاج وطوروا منه انواعا على درجة من النقاوة والجودة وقد ابتكر جابر بن حيان طريقة اضافة ثاني اكسيد المنجنيز الى الزجاج لازالة اللون الاخضر والازرق الذي يظهر في الزجاج العادي الرخيص ويعتبر عباس بسن فرناس أول من صنع الزجاج البلوري (الكريستال!) باضافة بعض أملاح المعادن عليله كالرصاص والذهب والفضة لإضفاء البريق عليه. كذلك ابتكر المسلمون المينا التي تتكون من مسحوق الزجاج الذي يخلط ببعض الاكاسيد المعدنية ثم يذاب المخلوط في مادة زيتية حتى يتحول الى سائل بالتسخين ويرسم به رسومات بارزة على الزجاج ذات بريق وشفافية يرسمونها على القناديل وزجاج المساجد. وقد انتقل هذا الفن من الاندلس الى أوروبا وانتشر في الكنائس وقصور الأمراء. كذلك ابتكر المسلمون الكثير من الأصباغ.
وقد اخترع المسلمون عددا كبيرا من المواد الكيميائية التي ما زالت تحمل الاسم العربي ومازالت دعامة علم الكيمياء فاخترعوا (الكحول من التخمير واستخرجوا الزيوت الطيارة بالتقطير واكتشفوا الصودا واستخرجوا السكر من عصير الفاكهة بوساطة عقدها علي النار ولا يزال اسمه Succar واستخرجرا الفلزات من المركبات الكيميائية:صنعوا السبائك من معادن مختلفة وتعتبر صناعة الصلب العربي إحدى معجزات العلم العربي فكانت السيوف العربية مضرب الأمثال في متانة معدنها وصفائها وألفوا يخا : لك عدة كننب منها رسالة الكندي المتو!ا سنة 866 م بعنوان (فيما يطرح على الحديد والسيوف حتى لا تلثم ولا تكل) وقد أصدر. قسم هندسة المواد في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة سنة 1984 نشرة ان علماءها توصلوا الى سر صناعة الفولاذ الدمشقي الذي صنع منه العرب سيوفهم التي كانت مضرب الامثال في التاريخ بحدة شفرتها ونعومة سطحها ومتانة معدنها. وكتشفوا انها كانت تصنع الصلب المخلوط بذرات كربيد الحديد الذي يتم انتاجه بتعريض المعادن لدرجة حرارة منخفضة بينما كانت المشكلة عند من سبقهم من العلماء والباحثين الذين اجروا دراساتهم على الصلب العربي انهم كانوا يفرضون قدرا كبيرا من الحرارة اكثر من اللازم عملية الحدادة. وقد عرف المسلمون ان النارتنطفىء بانعدام الهواء. واكتشفوا الحامض القلوي والفرق بينهما ومازالت كلمة Alkali اصلها العربي القلوي. ومن اغظم انجازات المسلمين اكتشاف الإحماض مثل النيتريك والكلوردريك اكتشفهما الرازي سنة 932 م وكذلك الاحماض العضوية مثل الخليك واليمونيك والطرطريك والنمليك وقد حضر وا (الماء الملكي) الذي بذيب الذهب من نسبة معينة من حامض النتريك (الزاج) وحامض الكلوردريك (روح الملك) بنسبة 1: 3.
ورغم ان الكثير من كيميائي المسلمين قد صرفوا جهدهم ووقتهم في محاولة تحويل المعادن الرخيصة كالنحاس والرصاص الى ذهب وفضة دون نتيجة الا ان هذه الجهود تذهب هباء.. فقد توصلوا عن طريقها الي الكثير من الاكتشافات والاختراعات التي طورت علم الكيمياء. كما أصبح المسلمون سادة صناعة الذهب والفضة في عصرهم فبرعوا في صناعة السبائك والعملات الذهبية والفضية بنسبة دقيقة كانت مضرب الامثال .. كما انهم وضعوا القواعد لاكتشاف هذه النسب واكتشاف غش المعادن النفيسة كلها.. وقد قام احد علماء الكيمياء المعاصرين في أوروبا هو الدكتور (فلندربتري) بتحليل نقود عربية ذهبية قديمة من مصادر مختلفة فوجد ان نسبة السبيكة واحدة فيها جميعا. ثم وزن العملات الثلاثة وهي بنفمس القيمة فلم يجد فارقا في الورن اكثر من جزء من ثلاثة آلاف جزء من الجرام بين العملة ومثيلتها ويقول في بحثه الذي نشره "ان هذه دقة في الصنعة تفوق كل تصور".
كذلك برع المسلمون في علم دباغة الجلود وتحضيرها واستنبطوا انواعا من
الجلود تختلف من اللين والنعومة بحيث تصلح كملابس إلى ألانواع الصلبة
التي تصلح أغلفة للسيوف والخناجر واغلفة للمخطوطات.. كما تفننوا في
النقش بالألوان الثابتة على الجلد وفي الكتابة البارزة عليه ومازالت هذه
الصناعة في اسبانيا مزدهرة منذ عصور الاسلام "
اما صناعة الاصباغ والالوان والاحبار فيدلنا على تفوقهم فيها ما نراه اليوم من ألوان زاهية في القصور الاسلامية مثل الحمراء وقصور استانبول وما نراه في اغلفة المصاحف الملونة.
وقد ابتكرها مدادا يضىء في الليل من المواد الفسفورية وآخر يبرق في الضوء بلون الذهب من المرقشيشا الذهبية وهو كبريتيد النحاس) ليستخدم بدل الذهب الغالي في كتابه المصاحف والمخطوطات القيمة. كما صنعوا انواعا من الطلاء الذي يمنع الحديد من الصدأ واخترع جابر بن حيان مواد كيميائية تنقع فيها الملابس أو أوراق الكتابة فتمنع عنها البلل ومواد اخرى تنقع فيها الملابس او الورق فتصبح غير قابلة للاحتراف.

الوزن النوعي للمواد الصلبة والسائلة
لقد اخذ العرب عن الاغريق وارشميدس فكرة. الوزن النوعي للمواد ولكنهم توسعوا فيها الى أقصى حد وطوروها وصنعوا لها موازين خاصة متطورة فابتكر الرإزي ميزانا دقيقا سماه (الميزان الطبيعي) ووصفه في كتابه (محنة الذهب والفضة) كما ابتكر الخازن ميزانا متطورا يمكنه وزن الاجسام في الماء والهواء على السواء وقد كان اهتمام المسلمين بالوزن النوعي لاكتشاف نقاء المعادن واذا كانت مختلفة أو مغشوشة وخاصة المعادن النفيسة. ولكنهم توسعوا بعد ذلك في هذا الميدان فأصبحوا يصنعون الجداول للوزن النوعي لكل شيء في الحياة.. ابتداء من الذهب والفضة والزئبق والياقوت والزمرد والازورد والعقيق الى الحديد والصلب والحجارة. كما شملت ابحاثهم في السوائل كل شيء ابتداء من الاحماض والماء إلى الحليب بجميع انواعه وزيوت الطعام.. وبهذا كانوا يعرفرن نسب تركيب كل مادة من عناصرها المختلفة.
وقد جاء في كتاب (عيون المسائل) لعبد القادر الطبري جداول للوزن النوعي لكثير من المواد المعروفة في عصور الاسلام. كذلك قام البيروني والخازن بعمل جداول المواد. فمن ذلك على سبيل المثال ان الوزن النوعي للذهب الخالص حسب جداول البيروني 26 ر 19 وحسب الخازن 25 ر 19 وحسب الارقام الحديثة 26 ر 19 وهذا مثل هذا عن دقة المسلمين في تجاربهم. ومن أغرب التجارب التي أجراها عباس بن فرناس حساب الوزن النوعي لجسم الانسان.. ومقارنته بالوزن النوعي للطيور وخاصة الصقور.. وكان مقصده من ذلك ان يعرف حجم الجناحين الذين يصنعهما لحمل جسمه والطيران في الهواء.
وجدير بالذكر أن هذه الطريقة التي أبتكرها عباس بن فرناس المتونى سنة 884 م هي التي تتبع اليوم في تربية اجسام الرياضيين واعدادهم للمسابقات العالمية.. وفي المعاهد الرياضية الكبرى موازين تقوم على نفس الفكرة أي وزن الجسم في الهواء ثم في الماء.. فاذا وجدوا ان نسبة الشحم الى العضلات في الجسم اكبر من اللازم نصحوه بعمل ريجيم شديد أو يحرم من الدخول لبطولة الرياضية.
وهذا قليل من كثيرمن فضل المسلمين في الكييمياء


علم الفلك قصة لها دلالتها

دعا عالم الفلك ابن باجة الىلأندلسي المتوفي سنة 1138 حشدا من اصدقائها والشخصيات الكبيرة في البلاد الي حفل ساهر في مرصده الفلكي واخبرهم انه يعد لهم مفجأة كبيرة وكان ابن ماجة الي جانب علمه بالفلك فيلسوفا وموسيقيا ماهرا وشاعرا واديبا . وبينما ضيوفه جالسون علي مائدة الطعام أخذ بن باجة بعزف علي العود ويتغني بأبيات من تأليفه وهو ينظر الي القمر

شقيقك غيب في لحده وتشرق يابدر من بعده
فهلا كشفت فكان الكسوف حدادا لبست علي فقده

وأخذ يكرر هذه الفقرة والجميع ينظرون الى البدر.
"فهلا كسفت (2) فكان الكسوف " حتى كسف القمر واختفى.. فتعجب الحاضرون جميعآ وأخذوا يسألونه كيف فعلها.. فأخبرهم أنه كعالم فلكي قد حسب موعد كسوف البدر بالسنه والشهر واليوم والساعة والدقيقة.. وذلك بالحساب الفلكي وصناعة التعديل.. فأعد لهم هذا الحفل دون أن يخبرهم بالمفاجأة.
وهذه القصة تدلنا على مدى ما توصل إليه علماء المسلمين من نبوغ وتبحر في هذا العلم..

الاسلام وفضله في تقدم علم الفلك
لقد كان للاسلام كدين وتعاليم الفضل الاكبر في النهضة الفلكية عند المسلمين فالمسلم يبدأ نهاره قبل شروق الشمس فيراقب مطلع الفجر لكي يصلي الصبح في اخر نهاره يرقب الغسق ليصلي العشاء وبين ذلك يتابع حركة الشمس في زاوية في الافق في الظهر ثم العصر ثم المغرب لكي يصلي كل صلاة في حينها . وهو يصوم رمضان مع هلال شهر رمضان ويفطر حسب الشهر القمري . واذا صلي في أي بقعة من الارض فهو ملتزم ان يعرف اتجاه الكعبة . أي يعرف مكانه علي ظهر الارض ويعرف الشمال والجنوب والشرق والغرب ثم تأتي آيات القرآن فتأمره ان يتامل في الفضاء الخارجي من حةله لكي يعرف قدرة الله ومعجزة الخلق . أن ينظر الي الشمس والقمر والنجوم وفي ذلك قوله تعالى: افلا ينظرون الي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ، وقوله ويفكرون في خلق السموات والارض.
ثم يذهب القران ابعد من ذلك فيذكر كواكب معينة ونجوما باسمائها ومن ذلك قوله " وما ادراك ما الطارق ، النجم الثاقب" ومعني الثاقب هنا انه من الشهب المتحركة .
وقوله تعالي " وانه هو رب العشري" والشعري هو المع نجوم كوكبه الدب الاصغر.
وإلى جانب هذه التوعية بأهمية الفلك فإن القرآن يأتي إلينا بحقائق علمية تعتبر معجزات قرآنية .. ولا يمكن لأحد فهمها أو مجرد محاولة تفسيرها ما لم يكن لديه علم واسع واطلاع على الفلك .

شغف العرب بعلوم الفلك وتعمقهم فيها
كان لعرب الجاهلية اهتمام فطري بالفلك .. فهو أمر حيوي لسكان الصحراء المنبسطة التي لا معالم فيها تدلهم على الطريق سوى الاعتداد بالنجوم .. وفي الشعر الجاهلي الكثير مما يدلنا على التبحر في الفلك .. فهذا هو امرؤ القيس يضرب موعداً لحبيبته "إذا ما الثريا في السماء تعرضت " والشاعر الآخر يصف نجم (سهيل) وتلألؤه فيقول :

وسهيل كوجنة الحب في الكون
وقلب المحب في الخفقان

وكثير من الأسماء العربية للنجوم يرجع إلى العصر الجاهلي .. ولكن هذا الاهتمام بالفلك ظل في حدود الفطرة والحساب التقريبي والفراسة .. إلى أن جاء الإسلام ووجه أنظار المسلمين إلى أهمية هذا العلم .
فمنذ قامت دولة الإسلام وثبتت أركانها أقبل المسلمون على علم الفلك وأولوه اهتماما كبيرا ابتدأت المرحلة الأولى من تلك النهضة بتجميع وترجمة كل علوم السابقين من اغريق وفرس وهند وصين ، فمن أشهر الكتب المترجمة في هذا الميدان كتاب "السند هند " عن الهندية وكتاب " المجسطي " لبطليموس عن الإغريقية .
ثم جاءت مرحلة الانتاج العلمي والابداع والابتكار حيث تفرغ الكثير من علماء المسلمين لعلوم الفلك ونبغوا فيها ومن هؤلاء الكندي والفارابي والبتاني والمجريطي والبيروني وابن الهيثم البصري وابن باجة الأندلسي وابن يونس المصري وابن رشد والقزويني والبتاني وعباس بن فرناس وعبدالرحمن الصوفي .
وقد بلغ اهتمام العرب بالفلك أن أصبح الهواية والتسلية لكل أسرة متعلمة تماما كما يهوى الناس اليوم مشاهدة التليفزيون أو مباراة في كرة القدم فكان لكل أسرة مكتبة فلكية .. وكانوا يحرصون على مشاهدة السماء ومراقبة سير الأفلاك والقمر وزيادة المراصد العامة في المناسبات الدينية كبداية رمضان والأعياد كجزء من أداء المناسك وكانت بعض الأسر تتوارث هذا العلم وتأخذ لنفسها كنية فلكية مثل الاسطرلابي والراصد والفلكي .
واشتغل بالفلك وكتب عنه الأطباء أمثال الرازي وابن سينا والفلاسفة أمثال ابن رشد والبيروني والفقهاء والأدباء والشعراء أمثال ابن الخيام .
ومن الخلفاء أيضا من كان عالما مثل الخليفة المأمون(3) الذي كان أول من قاس محيط الكرة الأرضية سنة 830م وكثير من الخلفاء كان يبني في بيته مرصداً فلكياً خاصاً به لهوايته.

18 عالماً اسلاميا على سطح القمر
وخير شاهد على فضل علماء المسلمين وانجازاتهم في علوم الفضاء فقد أعلنت الهيئة الفلكية العالمية التي تتألف من علماء من جميع أنحاء العالم أنها شكلت لجنة تسمى (لجنة تسمية تضاريس القمر ) مهمتها دراسة فضل العلماء على مر العصور الذين ساهمت أبحاثهم في هبوط الإنسان على سطح القمر .


فكان في مقدمة من اختارهم (18) عالما اسلاميا(4) وقررت وضع أسمائهم على تضاريس القمر ومن هؤلاء كما جاء في القرار :
أبو الفداء - ابن فرناس - ابن يونس الذي كان أول من قام بقياس مواقع الكواكب السيارة بعضها إلى بعض - ابن الفزاري - المرودي - الفرغاني - أبو عبدالله المهاني - أبو ريحان البيروني - القزويني - الخوارزمي - جابر بن حيان والرحالة الإسلامي ابن بطوطة الذي ساهمت خرائطه في فك بعض الرموز على سطح القمر للتشابه الكبير بين سطحه وسطح الأرض ، والعالم الإسلامي عمر بن الخيام الذي قام بأبحاث هامة في مرصده عن دوران الكواكب حول الشمس .. هذا علاوة على اسم العالم الإسلامي المعاصر الدكتور فاروق الباز.

المراصد الإسلامية وإنجازات المسلمين

لم يأت القرن التاسع والعاشر الميلادي حتى كانت كل عاصمة إسلامية من الأندلس غربا حتى الصين شرقا تذخر بالمراصد الضخمة المزودة بالآلات المتنوعة والعلماء المتفرغين .. ومن أشهرها المرصد الذي بناه الخليفة المأمون فوق جبل قايسون في دمشق ومرصد الشماسية في بغداد ومرصد جبل المقطم الذي بناه الخليفة الحاكم بأمر الله في القاهرة ومرصد الدينوري في أصفهان وغيرها كثير .
والاسطرلاب آلة رصد اخترعها الإغريق .. وعندما أخذها المسلمون عنهم كانت في شكل قرص بسيط بدائي ..فطورها المسلمون واخترعوا أنواعا جديدة تتفق مع اكتشافاتهم الفلكية .. فاخترعوا الاسطرلاب الكروي وأيضا الزورقي (اخترعه السجستاني سنة 1048 م حسب نظريته في دوران الأرض حول نفسها) كما اخترع علماء المسلمين آلات رصد جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل ذات الأوتار وذات الحلق ، وآلة الربع المجيب والربع المقنطر وذات الشعبتين وذات السمت والارتفاع والحلقة الاعتدالية وأنواعا مختلفة من المزاول والمشخصات لقياس الوقت ..
كما نبغ المسلمون في عمل الآزباج لحساب الأجرام السماوية وهي من أهم مستلزمات الرصد الفلكي ، وقد اخترع بن الهيثم أول كاميرا في التاريخ ( Camera Obscura)(5) وسماها " الخزانة المظلمة ذات الثقب " وهي عبارة عن صندوق مطلي من الداخل بالأسود وبه ثقب من ناحية ولوح زجاجي مصنفر من الناحية الأخرى .
وقد استعمل علماء الفلك المسلمون هذه الكاميرا في مراصدهم حيث تظهر على اللوح الزجاجي صور صافية للنجوم والكواكب مما ساعد على معرفة نسبها وأحجامها وفي اكتشاف نجوم جديدة .
كما اخترع أبناء موسى بن شاكر (فلكي الخليفة المأمون) آلة ضخمة ذات شكل دائري استعملت في مرصد سامراء وقد جاء في وصفها " أنها تحمل صور النجوم ورموز حيوانات في وسطها وتديرها قوة مائية وكان كلما غاب نجم في السماء اختفت صورته في الخط الأفقي من الآلة .
وبهذا كان للمسلمين الفضل في اكتشاف الكثير من النجوم والكواكب المعروفة على عصرنا ومازالت حتى اليوم تحمل الأسماء(6) العربية كما أن الكثير من الاصطلاحات العربية في علم الفلك ما زال مستعملا حتى اليوم فمن ذلك مجموعة الطائر Altair ومجموعة Deneb أصلها الذنب و Familheut أصلها فم الحوت و Bet-Elgeuse أصلها بيت الجوزاء Anka أصلها العنقاء Aldebran أصلها الدبران Al-mucantar وأصلها المقنطرة Azimuth أصلها السموت وهي تزيد عن 150 اسماً ومصطلحاً .
وقد رسموا خرائط ملونة للسماء وألف عبدالرحمن الصوفي كتاباً عن النجوم الثوابت به خرائط مصورة وبين مواضع ألف نجم ورسمها على شكل الإنسان أو الحيوان وكلها رصدها بنفسه ووصفها وصفاً دقيقاً ووضع أقدارها من جديد بدقة متناهية تقرب من التقديرات الحديثة .
والمسلمون أول من أثبت بالتجربة والمشاهدة والحساب نظرية أن الأرض كروية وسوف نأتي إلى تفصيل ذلك في باب الجغرافية أما عن علاقة الشمس بالأرض فقد تقبل المسلمون أول الأمر نظرية بطليموس التي تقول (بأن الأرض هي مركز الكون كله .. وأن الشمس والقمر وسائر النجوم تدور حولها .. ولم يعارضه الرازي وابن سينا في ذلك .. ثم جاء البيروني فشكك في هذه النظرية وقال في كتابه (علم الهيئة) بإمكانه أن يكون العكس صحيحاً أي أن تكون الأرض هي التي تدور حول الشمس مرة كل عام إلى جانب دورانها حول نفسها مرة كل يوم وليلة ثم جاء أبو سعيد أحمد بن محمد الدجاني المتوفى سنة 1024م والذي عاصر البيروني فأكد هذا القول واستنبط اسطرلاباً خاصاً حسب نظريته الجديد يسمى (الاسطرلاب الزورقي(7)) وهكذا فتح المسلمون الطريق أمام كوبرنكس عام 1543 لكي يثبت هذه النظرية . وكذلك حسب الفرغاني وابن رسته أبعاد الشمس والقمر والزهرة والمريخ وعطارد وزحل والمشتري عن مركز الأرض .. وقدر البتاني أن بعد(8) الشمس في أبعد أفركها يساوي 1146 مرة مثل نصف قطر الأرض وفي أقرب مواقعها مثل 1070 مرة وهي نتائج قريبة من الحقيقة .
واكتشف ابن الهيثم طبيعة الغلاف الجوي حول الأرض وقدر ارتفاعه 15 كيلو متر وهو الصحيح ، وقد ابتكر المسلمون تقاويم شمسية فاقت في ضبطها واتقانها كل التقاويم السابقة وحسبوا أيام السنة الشمسية بأنها 365 يوماً وست ساعات وتسع دقائق وعشر ثوان فكان الخطأ في حسابهم بمقدار دقيقتين و 22 ثانية وقد اكتشف ابن رشد الكلف على وجه الشمس وفسره بأنه بسبب عبور عطارد أمامها وفسر ابن الهيثم الكثير من الظاهر الفلكية والفضائية والضوئية مثل الكسوف والخسوف والطيف وقوس قزح .
ويعتبر عباس بن فرناس العالم الأندلسي (المتوفى سنة 887م) إلى جانب أنه اخترع أول مخترع للطائرة والميقاته فهو أول مخترع للقبة الفضائية فقد أقام في ساحة بيته قبة ضخمة جمع فيها النجوم والأفلاك في مواقعها ومثل الشهب والنيازك والبرق والرعد وكان يزوره الولاة والعلماء والأعيان فيعجبون من اختراعه هذا ووصفه الشعراء في قصائدهم .

الفلك والتنجيم

قد يتصور الناس أن اهتمام المسلمين بالفلك يرجع إلى الشغف بمعرفة الحظ وامستقبل والغيب .. ورغم أن العلاقة بين النجوم والحظ والغيب مازالت تثير انتباه واهتمام الناس في عصرنا الحاضر إلا أن علماء المسلمين كانوا أول من وضع خطاً فاصلاً بين العلمين بصفة قاطعة فاعتبروا الفلك علماً يقيناً والتنجيم طناً وتخميناً ، ورغم أن بعض الخلفاء كان يستشير المنجمين ويستطلع النجوم قبل الأحداث الهامة مثل الحرب إلا أنهم كانوا لا يعملون بتلك الاستطلاعات بل كان أكثرهم يتحداها كما حدث مع المعتصم قبل غزو عمورية فقد حذره المنجمون من الفشل والهزيمة .. ومع ذلك فلم يتراجع بل ذهب وقاتل وانتصر فقال المتنبي في ذلك :
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

فهذه القصيدة في حد ذاتها خير معبر عن الفكر الإسلامي الذي اعتبر التنجيم نوعا من اللهو واللعب والتسلية .. ويكفي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول : " كذب المنجمون ولو صدقوا " .


المسملون وعصر غزو الفضاء

لقد تطور علم الفلك في السنوات الأخيرة تطوراً مذهلاً بعد اختراع الصواريخ عابرة الفضاء Space Rockets وبعد هبوط أول إنسان على ظهر القمر فلم يعد إنسان القرن العشرين يكتفي بالمشاهدة والدراسة من بعيد بل أصبح يحفر بيده سطح القمر ليجلب عينات من صخوره وتربته ويرسل الصواريخ إلى المريخ والزهرة وغيرها للهبوط على سطحها هذا علاوة على استغلال الفضاء عسكريا وتجارياً .
واليوم نتساءل في قلق أين نحن أمة الإسلام من هذا السباق الفضائي الرهيب .. بعد أن كنا سادة هذا المجال .. وهل نكتفي بدورنا التاريخي الرائد ثم نقف كالمتفرج ونحن نرى غيرنا من الشعوب يقتطف ثمار ما زرعناه .

نحن نعلم أن المرحلة الراهنة من غزو الفضاء هي مرحلة العمالقة الكبار ولا تقدر على المنافسة فيها الشعوب الصغيرة ولكن أمامنا مثل حي يمكننا أن نقتدي به فعندما عجزت شعوب أوروبا عن مجاراة العملاقين الكبيرين روسيا وأمريكا وحدت جهودها في وكالة فضاء أوروبية مشتركة حتى لا تتخلف عن الركب .. وأطلقت أول قمر فضائي أوروبي .
واليوم يبلغ المسلمون ربع سكان الكرة الأرضية تعدادا .. وما أحقنا إذا عجزنا عن العمل منفردين أن نعمل متحدين فتكون لنا وكالة فضاء إسلامية ومركز فضاء إسلامي ونحن لا ينقصنا العلماء .. ولا ينقصنا المال .. بل إن من علماء الفضاء المسلمين من هاجر من وكنه عندما لم يجد له مجالا فيه .. وأصبحوا يشتغلون في مراكز الفضاء في أمريكا وأوروبا .. وأثبتوا تفوقهم حتى سجل اسم أحدهم (الدكتور فاروق الباز) على أحد مراكز الهبوط على سطح القمر تقديراً لدوره وأبحاثه .



علم الجغرافيا

قصة لها دلالتها

كان ملك صقلية المسيحي روجرز الثاني يريد أن ينهض ببلاده لكي تلحق بالعالم الإسلامي وفي سنة 1144م استدعى من الأندلس بعض علماء المسلمين لكي يساعدوه في بناء نهضة عمرانية وعلمية حديثة . وكان بين هؤلاء عالم الجغرافيا والرحالة الإسلامي الإدريسي. فطلب الملك منه أن يعكف على عمل خريطة حديثة للعالم كله يضع فيها كل ما استكشفه من رحلاته وما علمه من زياراته الشخصية بحيث تكون عملا فريدا لم يسبقه إليه أحد . " وقد قسم الإدريسي العالم إلى سبعة أقاليم وكل إقليم قسمه عشرة أقسام ، فصنع بذلك سبعين خريطة وقد قدر الباحثون مساحة هذه الخرائط في مجموعها مترين وعرضها متر .

وكما تعود علماء المسلمين لم يعتمد الإدريسي في مصادره على الآراء النظرية بل على تجاربه الشخصية ورحلاته في أنحاء العالم أولا وما لم يشاهده بنفسه اعتمد فيه على الرحالة المسلمين والمشاهدين الثقاة وكان يختبر المسافات على خرائطه ويطبقها بنفسه ، وبعد
أن تم الرسم التفصيلي لكل إقليم جمع العالم كله في خريطتين :
الأولى : على كرة كبيرة من الفضة : وهذه أول مرة(1) في التاريخ تظهر خريطة العالم على شكل كرة مجسمة .
الثانية : رسمة بالألوان في كتابه تبين الأرض أيضا كروية وخطوط العرض والطول فيها مقوسة .
وكانت الكرة الأرضية الإدريسية كما وصفها الإدريسي بنفسه(2) " عظيمة الجرم ضخمة الجسم في وزن أربع مائة رطل بالرومي كل رطل مائة واثنا عشر درهما عربيا " واحضر الإدريسي مجموعة من نقاش الفضة من صناع الأندلس وأمرهم أن يحفروا الخريطة على الكرة الفضية .. وقد جاء في المراجع العربية وصف للطريقة التي اتبعها "فظهر فيها البلدان بأقطارها ومدنها وريفها وخلجانها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وبحارها وما بين كل بلد منها من الطرقات المطروقة والأميال الممدودة والمسافات المشهودة وكان نقش الخريطة بالألوان وقد طعمت بالعاج على تفصيل ما يخرجه لهم ممثلا في لوح الترسيم فلم يغادروا شيئا إلا سجلوه كما رسمه لهم وكان الملك وهو على فراش الموت يتعجل رؤيتها كل يوم قبل وفاته وعندما تمت الرسمة احتاج الإدريسي إلى عدة عمال لكي يحملوها إلى الملك الذي فرح بها كثيرا وأمر بوضعها في قاعة العرش وطلب من الإدريسي أن يقيم في بلاده وكافأه بالذهب " .
فهذه القصة تدلنا على ثلاثة حقائق هامة :-
( أولا ) النهضة الجغرافية في العالم الإسلامي .
( ثانيا ) إن علماء المسلمين اعتمدوا في خرائطهم على مبدأ التجربة والمشاهدة في حين كان علماء أوروبا يرسمون الخرائط بشكل نظري مستوحى من الإنجيل والتوراة .
( ثالثا ) أنهم أول من رسم خريطة العالم بشكل مجسم وعلى كرة .

تطور الجغرافيا عند المسلمين
من طبيعة العربي البدوي حب الترحال والتنقل وقد اشتهر عن شعراء الجاهلية وصف الأماكن التي يقيمون فيها أو يرحلون إليها بجبالها ووديانها ومائها واطلالها وقد كان لهذا الاستعداد الفطري تأثير كبير على تطور علم الجغرافيا عند المسلمين ، ثم جاء عصر الفتوح الإسلامية .. وأخذت جيوش المسلمين تغزو الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا حتى وصلوا إلى الصين في الشرق واحتلوا ولاية كشغر من أقاليم غرب الصين ووصلوا إلى الأندلس في المغرب ومن الأندلس وصلت جيوشهم إلى (فربونة) في فرنسا جنوب باريس وكان أكثر الخلفاء يطلب من قادته أن يصفوا له البلاد المفتوحة حتى يعرفها كمن رآها .. ومن أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب حين طلب من قائده عمرو بن العاص أن يصف له مصر فبعث إليه بخطاب مشهور يصف فيه جغرافية مصر ونيلها ومدنها وشعبها .. ويذكر ابن الأثير أنه عندما غزا قتيبة بن مسلم مدينة بخاري سنة 718 م ( أي يرسم خارطتها وما حولها ) ويرسل صورتها إليه .. ثم جمع الخليفة وزراءه ومنهم الحجاج بن يوسف الذي أشار بخطه الفتح بناء على الرسم وبذلك نجح قتيبة في فتحها ، وكان اقتناء الخرائط الملونة إحدى هوايات الخلفاء والقادة المسلمين .. ومما يروى في ذلك أن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله (952-975م) استدعى فريقا من علماء الجغرافيا المسلمين وأمرهم أن يرسموا له خريطة كبيرة للعالم لكي يحلى بها جدران قصره بالقاهرة .. وقد وصف المقريزي هذه الخريطة فقال أنه "تكلفت اثنين وعشرين ألف درهم(3) وهي عبارة عن مقطع كبير من الحرير الأزرق غريب الصنعة منسوج بالذهب وسائر ألوان الحرير فيه صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومسالكها وفيه صورة مكة والمدينة ، وقد كتبت كل مدينة وجبل وبلد ونهر وطريق اسمه بالذهب أو الفضة " وكانت هذه الخريطة تشغل مساحة الحائط في ايوان الخليفة.

وقد أسهمت عدة عوامل في تطوير الجغرافيا عند المسلمين فمن ذلك :-

أولا : فتوح المسلمين واتساع رقعة ديار الإسلام : فقد وصلت حدودا لم تبلغها أي امبراطورية قبلها ولا بعدها .. ( انظر الخريطة ص 52 ) .

ثانيا : فريضة الحج
فقد كان المسلمون يسافرون من أقصى بقاع الأرض إلى مكة وهذا الترحال الطويل قد اقتضى منهم وضع الخرائط الدقيقة لهذه المناطق الشاسعة التي يعبرونها من الصين حتى الأندلس ومن هنا كانت خرائط المسلمين الأولى تجعل مكة في وسط الكون المعمور فكان خط الطول المار بها يحسب تبعا لخط الزوال .. وقد أخذت أوروبا هذه الفكرة عن المسلمين فاختارت (جرينتش) في بريطانيا مقياسا .

ولم يكتف المسلمون في ذلك بالخرائط العامة بل رسموا الطرق والاستراحات وقاسوا المسافات بين البلدان والمدن ورسموا الأنهار والجبال التي تعبرها قوافل الحج .

ثالثا : نشر دعوة الإسلام
فالملاحظ أن الرومان قد اقتصروا في فتوحاتهم وعلمهم الجغرافي على البلاد المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط لأن الهدف هو استعمار البلاد الغنية بخيراتها أما المسلمون فكان هدفهم هو نشر الدعوة يستوي في ذلك بين الشعوب الغنية أو الفقيرة ومن هنا فقد توغلوا في افريقيا حتى وصلوا إلى منابع النيل .. وتوغلوا إلى آسيا شمالا وجنوبا وشرقا.

رابعا : حب الرحلات
وهي طبيعة في العرب وفطرة ورثوها عن جدودهم السابقين وقد اشتهر الكثير من الرحالة العرب الذين سجلوا كل مشاهداتهم مع جغرافية البلاد التي زاروها ، وقد بدأوا برحلة الحج ثم استهواهم الترحال فجابوا بقاع العالم الإسلامي كله .. ثم استهواهم نشر دعوة الإسلام فزاروا المجاهل التي بم يزرها أحد قبلهم .. وهناك غير رحالة البر رحالة بحريون عظام ذكرهم الإدريسي وابن ماجد في كتبهم بأنهم (ليوث البحر) (والفتية الغر المغامرون) .

ومن هذه الرحلات نشأت اقاصيص السندباد البري والسندباد البحري ، ولا يفوتنا ان نستشهد بكلمة هامة لسارتون (4) في هذا المجال إذ يقول : " تعتبر رحلة الحج فريضة على كل مسلم وتتلوها في الأهمية الرحلة في طلب العلم وباتساع العالم الإسلامي وتعدد البلاد الناطقة باللغة العربية كان هذا العالم يعج بطلاب العلم من كل الأعمار والمستويات العلمية يتنقلون بحرية وبغير حدود أو قيود من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى آخر " ثم يقول : " وعندما وصلت الفتوح الإسلامية أوجها في التوسع ظهرت الحاجة الشديدة إلى علوم جغرافية متطورة لمعرفة هذه الامبراطورية المترامية الأطراف ومن هنا ظهرت أعظم المراجع في الجغرافيا الإقتصادية وجغرافية الشعوب وجغرافية الطرق والبلدان من ذلك كتب " المسالك والممالك " فقد كانت هذه المراجع الجغرافية قضية حيوية لتنظيم البريد والضرائب والخدمات لتلك الدولة العظيمة ، وهكذا ابتدأت الجغرافيا عند المسلمين برحلات الحج وانتهت بأعظم الموسوعات الجغرافية " .

الجغرافيون المسلمون وانجازاتهم
لقد لمع الكثير من الأسماء العربية في مجال الجغرافيا والرحلات وأصبح يؤلفه هؤلاء العلماء المرجع الرئيسي لأوروبا في بداية نهضتها وفي ما توصلت إليه من اكتشافات جغرافية في أمريكا وآسيا وافريقيا وقد شملت مؤلفات المسلمين جميع أبواب الجغرافيا ومجالاتها فمن ذلك :
الجغرافيا الفلكية : فقد وصفوا الأرض عامة كجرم سماوي وعلاقته بالأجرام الأخرى .
الجغرافيا الوصفية : فقد وصفوا كل بلدان العالم التي عرفوها وطبيعة أرضها وجبالها وأنهارها وطرقها والمسافات بين المدن والبلدان .
الجغرافيا البشرية : فقد وصفوا شعوب العالم وطبائعها وألوانها وأجناسها ووصفوا مزاجها وعاداتها وتأثرها بالطقس وكيف أن الناس في المناطق الشمالية الباردة يصيبهم برود الطبع وتبلد الحس .. والناس في المناطق الحارة يميلون إلى الخفة والاندفاع والعاطفة .
الجغرافيا الاقتصادية : وهي وصف التجارة والعملات والصادرات والواردات .
جغرافية الخرائط : Cartography فقد طور المسلمون هذا الفن حتى أصبح علما إسلاميا سابقا لعصره وهذه لمحة عن أسماء بعض النجوم اللامعة في سماء الجغرافيا عند المسلمين :

فمن علماء الشرق الإسلامي :
1 - الخليفة المأمون : ( ت 833 م ) فرغم مشاغل الخلافة كان عالما باحثا .. وهو أول من ابتدع مبدأ العمل الجماعي في البحث العلمي فكون فريقا من العلماء يبلغ سبعين عالماً .. وكلفهم بقياس محيط الأرض واثبات كرويتها وقاموا تحت اشرافه بصنع خريطة متطورة للعالم سميت (الخريطة المأمونية) .

2 - الخوارزمي : وهو من علماء المأمون ، وألف كتاب "صورة الأرض" الذي يقول عنه نللينو(5) Nallino أنه ما من أمة أوروبية كان بمقدورها أن تنتج مثله في فجر نشاطها العلمي".

3- الكندي : ألف كتاب (رسم المعمورة من الأرض) .

4 - السرخسي ( ت 899م ) ألف كتاب المسالك والممالك ورسالة في البحار والمياه والجبال.
5- اليعقوبي ( ت 897م ) ألف كتاب البلدان الذي اشتهر في أوروبا حتى اعتبروه أبو الجغرافيا الاسلامية .
6 - المروزي ( ت 887م ) ألف كتاب " المسالك والممالك" .
7 - البلاذري ( ت 892م ) ويعتبر مرجعا في التاريخ الإسلامي وفتوحات الإسلام الأولى له (كتاب فتوح البلدان) وقد ضمنه الشرح الجغرافي .
8 - البلخي : ( ت 934م ) ألف كتاب ( الأشكال وصور الأقاليم ) ( والمسالك والممالك ) وقد اشتهر كتبه بالرسومات والخرائط .
9 - المسعودي : ولد في بغداد وتوفي في مصر سنة 965م في مدينة الفسطاط وهو عربي من أحفاد الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود .
وهو من أئمة رحالة المسلمين وعلماء الجغرافيا جاب البلاد من الهند حتى المحيط الأطلنطي ومن البحر الأحمر حتى بحر قزوين وزار الصين وأرخبيل الملايو ووصل بلاد الترك وتوغل في أوروبا فوصف بلاد البلقان والروسيا حيث زار ولاية كييف الروسية . وقد وضع خريطة ملونة للعالم استفاد منها الإدريسي في خرائطه ويعتبره كرتسوفسكي أول من أعلن نظرية وحدة الشعوب السامية قبل ظهور هذه النظرية العلمية في أوروبا بعدة قرون .
ومن مؤلفاته " أخبار الزمان في 30 جزءا - الكتاب الأوسط - مروج الذهب - معادن الجوهر .

10- ابن حوقل ( ت 977م ) وهو رحالة جغرافي قضى 30 عاما في التجوال والاستكشاف وألف كتابه (صورة الأرض) الذي يشتمل على خرائط متطورة .
11- المقدسي : من مواليد بيت المقدس وهو رحالة ومؤرخ وعالم من فطاحل المسلمين ، وله كتاب " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم " الذي يعتبر موسوعة علمية وجغرافية وقد اشتهرت خريطته للعالم التي يرسم فيها الأرض كروية ويقسمها خط الإستواء ويبلغ محيطها 360 درجة وهناك 90 درجة بين خط الإستواء وكل القطبين .
وهي خريطة ملونة أعطى الطرق فيها اللون الأحمر والرمال اللون الأصفر والبحار الملحة اللون الأخضر والأنهار العذبة اللون الأزرق والجبال اللون الأغبر .. وهي مرحلة متقدمة في هذا الميدان .
12- البيروتي ( ت 1050م ) وهو بلا منازع أحد أكبر قادة الفكر في العالم الإسلامي وقد تنقل كثيرا وعاش 30 عاما في الهند وكتب ( ما للهند من مقولة ) الذي يعتبر أعظم مرجع عن الهند لقرون طويلة هذا علاوة على أبحاثة في الجغرافيا الفلكية والرياضية .
13- ياقوت الحموي ( ت 1229م ) وهو من أصل إغريقي .. وقع في الأسر أثناء إحدى الحروب فاشتراه تاجر حموي علمه واعتنق الإسلام فحرره وأشركه في تجارته فكان يتولى السفر إلى أنحاء العالم للتجارة واكتسب خبرة وعلما وألف ( معجم البلدان ) الذي يعتبر أول قاموس جغرافي على الحروف الأبجدية وله عدة مؤلفات أخرى منها ( معجم الأدباء ) ويعتبره سارتون أعظم جغرافي لافى العالم الإسلامي وحده ولكن في العالم كله وعلى مر العصور .

علماء المغرب الإسلامي والأندلس :
أنجبت الأندلس والمغرب فيضا من العلماء في هذا الميدان .. وقد تميز علماء الأندلس باعتمادهم على الرحلات في طريقهم إلى الحج .. وإذا كان جغرافيو المشرق الإسلامي قد تفوقوا في وصف آسيا والصين والهند وروسيا .. فقد تفوق مسلمو المغرب الإسلامي في وصف أوروبا وإفريقيا والبحر الأبيض والمحيطات ومن هؤلاء :
14 - البكري ( ت 1040 م ) له كتاب ( معجم ما استعجم ) والمسالك والممالك . وفيه وصف لألمانيا وبلاد السلاف .
15 - أبو حسن الغرناطي ( ت 1169 م ) وله ( تحفة الألباب ونخبة الإعجـاب ) وله ( عجائب البلدان ) وقد توفي أثناء رحلاته في دمشق .
16-الشريف الإدريسي ( ت 1160 م ) وهو أشهر جغرافي إسلامي عند الأوروبيين بسبب علاقته بملك صقلية .. وإن كان هذا على حساب مكانته العلمية في العالم الإسلامي .. فلم تحظ مؤلفاته بالإهتمام الذي تستحقه وقد ألف كتاب " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " الذي سمي بالكتاب الروجري نسبة إلى الملك روجر . ( من مشاهير الرحالة الأندلسيين ) .
17 - ابن جبير توفي سنة 1145 م وألف ( رحلة ابن جبير ) وقد عاصر الحروب الصليبية.
18 - ابن بطوطة ( ت 1369 م ) وهو مراكشي قضى 30 سنة من عمره في الترحال في أسفاره إلى روسيا والصين وأندونيسيا .

اكتشافات المسلمين الجغرافية :

أولا : كروية الأرض

كان الإغريق يعتقدون أن الأرض قرص دائري مسطح تحيط به مياه المحيطات من كل جانب ، وهذا هو هكتاتيوس سنة 500 ق.م. والذي يعتبر أبو الجغرافيا الإغريقية يرسم خرائطه على أساس القرص المستدير ، ثم جاء أفلاطون سنة 348 ق.م. بأول نظرية عن كروية الأرض وجاء بعده من أيده ومن عارضه .. وقد رفضت الدولة الرومانية هذه الفكرة وكتب كوزماس (7) ( COSMAS ) سنة 547 م أبو الجغرافيا الرومانية ( أن العالم يشبه العجلة وأن مياه المحيط حوله من كل الجهات ) وقد تبنت الكنيسة هذه النظرية بشدة وقالت بأن الأرض مسطحة وأن الجانب الآخر غير مأهول وإلا سقط الناس في الفضاء . وكان من يعارض هذه النظرية يتعرض للتعذيب على الخازوق أو الحرق حيا بتهمة الهرطقة ... وكان علماء أوروبا حتى القرن 13 الميلادي يرسمون خريطة العالم على شكل صليب رأسه هي الجنة وقدماه هي النار وذراعاه البحر الأبيض والبحر الأحمر وبيت المقدس في موضع القلب ( أورشليم ) ( أنظر الرسم ص 58 ) .

ثم جاءت الحضارة الإسلامية فأحيت نظرية كروية الأرض وتبنتها .. وربما كان من أهم أسباب ذلك أن القرآن ذكر أن الأرض كرة " والأرض بعد ذلك دحاها " النازعات 79 والدحية في اللغة هي الكرة .. كما أن هناك آيات عن دوران هذه الكرة حول نفسها بما يحدث الليل والنهار " ويكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل " الزمر 39 ، ثم يؤكد هذا المعنى في سورة الرحمن فيقول تعالى " رب المشرقين ورب المغربين " فهذه الآية تشير بوضوح إلى أن الشمس عندما تشرق على نصف الكرة الأرضية يكون هناك غروب على النصف الآخر . أي أن هناك مشرقان ومغربان يتعاقبان بسبب دوران الكرة الأرضية حول نفسها .

وقد استشهد الفقيه الإسلامي ابن حزم الأندلسي بهذه الآيات في تأييد علماء الجغرافيا . ونظرا لأن بعض الكتب والمراجع العربية ما زالت تنقل عن المراجع الأجنبية أن المسلمين لم يعرفوا نظرية كروية الأرض .. وأن هذه النظرية لم تعلن إلا بفضل كوبرنكس فقد حرصت على نقل نصوص من أقوال علماء المسلمين في هذه النظرية كما جاءت في مخطوطاتهم :

1. يقول ابن خردذاذبة المتوفي سنة 885 م " أن الأرض مدورة كدوران الكرة موضحة كالمحة في جوف البيضة " ( والمحة هي صفار البيض ) .
2. وكتب ابن رسته المتوفي سنة 903 م " أن الله جل وعز وضع الفلك مستديرا كاستدارة الكرة أجوف دوارا .. والأرض مستديرة أيضا ومصمته في جوف الفلك " .
3. وكتب المسعودي المتوفي سنة 956 م " جعل الله عز وجل الفلك إلا على وهو فلك الاستواء وما يشمل عليه من طبائع التدوير . فأولها كرة الأرض يحيط بها فلك القمر ويحيط بفلك القمر فلك عطارد " .
4. وقد ذكرنا أن الإدريسي المتوفي سنة 1099م صنع الكرة الأرضية المجسمة وفي ذلك يقول " وإن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء لاصق بها وراكد عليها ركودا طبيعيا لا يفارقها والأرض والماء مستقران في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة ووضعهما وضع متوسط والنسيم يحيط بها ( يقصد الغلاف الجوي ) من جميع جهاتها وحولها جاذب إلى جهة أو دافع لهما والله أعلم بالحقيقة " .
5. ويقول القزويني المتوفي سنة 1283م في كتابه عجـائب(9) المخلوقـات (1-35) "الأرض كرة والدليل على ذلك أن خسوف القمر إذا كان يرى من بلدان مختلفة فإنه لا يرى فيها كلها في وقت واحد بل في أوقات متعاقبة لأن طلوع القمر وغروبه يكونان في أوقات مختلفة في الأماكن المختلفة . والأرض واقفة في وسط الأفلاك كلها بإذن الله تعالى" ثم يفند القزويني آراء علماء القرون الوسطى في أوروبا ورجال الكنيسة الذين يقولون أن الأرض لو كانت كرة لسقط الناس في الجانب الآخر منها أو كانت رؤوسهم مقلوبة فيقول : " أن الإنسان في أي موضع يقف على سطح الأرض فرأسه أبدا مما يلي السماء ورجله أبدا مما يلي الأرض وهو يرى من السماء نصفها وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من جانب السماء الذي أمامه بقدر ما كان قد خفي عنه من الجانب الآخر ".
6. وكان أول من قام بمحاولة قياس أبعاد الكرة الأرضيـة الخلفيـة العباسي العالم المأمون ( ت سنة 83م ) فقد جاء بفريقين من علماء الفلك والجغرافيا فريق برئاسة سند بن علي وفريق بقيادة علي بن عيسى الاسطرلابي . واتفق معهما أن يذهبا إلى بقعتين مختلفتين على الدائرة العظمى من محيط الأرض شرقا وغربا ويقيسا درجة واحدة من المحيط . وقد اختار كل فريق بقعة واسعة مسطحة وركز في مكان منها وتدا واتخذ كوكب القطب الشمالي نقطة ثابتة وقاس الزاوية بين الوتر وبين النجم القطبي والأرض ثم سار شمالا على مكان زادت فيه تلك الزاوية وقاس كل فريق المسافة بين الوتدين وكانوا يقيسون المسافات على الأرض بحبال يشدونها على الأوتاد وبذلك وبعد تجميع البيانات استطاع المأمون أن يستخرج محيط الأرض فوجده 2,400 ميل (الميل العربي = 1973 مترا) أي أن المحيط 41248 كيلومترا وقطرها 6,500 وهو قريب من الحقيقة .
7. ثم جاء البيروني(11) فقام بتجربة جديدة على أساس مختلف .. بقياس الانخفاض الرأسي من (قلل الجبال) في الهند فجاءت شبيهة بأرقام فلكي المأمون فأثنى عليهم . ويقول المستشرق (نللينو) في كتابه (علم الفلك عند العرب)(12) أن قياس العرب للكرة الأرضية هو أول قياس حقيقي أجرى كله مباشرة مع كل ما تقتضيه تلك المسافة الطويلة وهذا الفريق الكبير من العلماء والمساحين العرب فهو يعد من أعمال العرب المأثورة وأمجادهم العلمية .
8. والمسلمون أول من وضعوا خطوط الطول وخطوط العرض على خريطة الكرة الأرضية وضعها العالم أبو علي المراكشي ( ت 1262 ) وذلك لكي يستدل المسلمون على الساعات المتساوية في بقاع الأرض المختلفة للصلاة .
9. كما أن البيروني وضع قاعدة حسابية لتسطيح الكرة أي نقل الخطوط والخرائط من الكرة إلى سطح مسطح وبالعكس وبهذا سهل رسم الخرائط الجغرافية .

ثانيا : دوران الأرض حول نفسها

في الوقت الذي كان العالم لا يتخيل فيه أن الأرض كرة لم يكن هناك من يناقش مسألة دوران الكرة حول نفسها .. ولكن ثلاثة من علماء المسلمين كانوا أول من ناقش فكرة دوران الأرض في القرن الثالث عشر الميلادي وهم علي بن عمر الكاتبي . وقطب الدين الشيرازي من الأندلس وأبو الفرج علي من سوريا .. فقد كان هؤلاء الثلاثة أول من أشار في التاريخ الإنساني إلى احتمال دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة كل يوم وليلة ..ويقول سارتون في كتابه " مقدمة في تاريخ العلم "(13) أن أبحاث هؤلاء العلماء الثلاثة في القرن 13 لم تذهب سدى بل كانت أحد العوامل التي أثرت على أبحاث كوبرنكس في نظريته التي أعلنها سنة 1543م .

ثالثا : استكشاف القارات

في آسيا :
كان أقصى ما يعرفه الإغريق عن شرقي آسيا هو منطقة سيراداريا Syradarya وهي أبعد ما وصل إليه الاسكندر الأكبر في فتوحاته سنة 323 ق.م ثم جاء المسلمون فتعدوا هذه الحدود وتمكنوا من عبور جبال(14) (تيان شاه) والتوغل مئات الأميال إلى الشرق منها فوقعت كل مدن وسط آسيا كبخاري وسمرقند وفرغانه وكشغر (إحدى ولايات الصين) تحت نفوذهم منذ عام 705م وقد ذكرت مراجع التاريخ العربي (15) أن ولاية كشغر أصبحت ولاية اسلامية منذ فتحها القائد قتيبة بن مسلم على عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك وقد انتشر الإسلام في هذه المنطقة وبقي فيها حتى يومنا هذا وكان الخلفاء يرسلون الوفود إلى ملوك الصين والتبت وكل آسيا يدعوهم إلى الإسلام وكان إمبراطور الصين يدفع الجزية للخليفة في دمشق(16) .
وقد اكتشف المسلمون أن بحر الصين يتصل بالمحيط الهندي وذلك عن طريق أساطيلهم التجارية التي كانت تبحر من ميناء عدن إلى ميناء كانتون بالصين (17) كما اكتشفوا بحيرة (آرال) فوضعت لأول مرة على الخرائط المأمونية في عهد المأمون باسم (بحيرة خوارزم) .
وقد زار البيروني سيبيريا الشرقية وكان أول من سمى نهر أنجارا(18) كما أنه عاش في الهند قرابة العشرين عاما ووصفها وصفا لم يسبقه إليه أحد في كتابه "ما للهند من مقولة ".

في أوروبا
لقد عرف المسلمون أوروبا رغم أنها كانت متخلفة وليست لها قيمة حضارية تذكر . وفي سنة 921م ذهب ابن فضلان رسولا من قبل الخليفة في بغداد إلى بلاد البلغار في الفلجا تطلق عند العرب على بلاد الصقالبة(19) الروس وعلى عاصمتهم التي تقع شرقي نهر الفلجا كما وصف البيروني بلاد (الفرنج) وهم النرويج والسكندنافيين ووصف بحر الثلج(20) وهو القطب الشمالي كما عرفوا بلاد الغال وهي فرنسا وقد عثر حديثا على عملات اسلامية في كل من الروسيا واسكندينافيا تعود إلى العصر العباسي .


في افريقيا
توقفت معلومات الإغريق والرومان في افريقيا على البلاد الساحلية وحدها وقد بقي قلب القارة السوداء غامضا للعالم حتى جاء العرب كتجار أو رحالة أو سفراء فاستكشفوا القارة الغامضة ونشروا فيها الإسلام في السودان والسنغال والنيجر كما وصلت مراكبهم من الأندلس والجزائر إلى الصومال وزنجيبار وموزمبيق وجزائر الكومور واكتشف المسلمون منابع نهر النيل(21)العظيمة التي تمده قبل أن تصل إليها حملات الاستكشاف البريطانية بعدة قرون فقد صنع الخوارزمي في كتابه الرحالة البريطاني (ستانلي) أنه في رحلاته لاكتشاف منابع النيل قد وجد التجار العرب قد سبقوه وأن القبائل الافريقية تدين بالإسلام كما أن العرب أول من اكتشف مدغشقر(22) .

الإكتشافات البحرية

دور المسلمين في اكتشاف أمريكا وطريق الهند البحري

يعتبر المؤرخون اكتشاف كولمبوس لأمريكا في سنة 1492م واكتشاف فاسكوديجاما لطريق الهند البحري سنة 1497م من أعظم الانجازات في تاريخ الانسانية ولكن هناك أسرار كثيرة وأقوال حول هذان الاكتشافان من أرض الاندلس التي كانت مهد الإسلام والبحرية الإسلامية وبعد سقوط الدولة الاسلامية مباشرة والتي سقطت سنة 1492م .

ومعروف أن المخطوطات العربية في الأندلس والتي تعد بالملايين قد سقطت في أيدي الاسبان .. فمنها ما أحرق ومنها ما نهب ومنها ما لم يظهر إلا في عصرنا الحاضر في مكتبة الاسكوريال في مدريد .

وهذه هي نبذه لما كان يعرفه المسلمون وما جاء في مخطوطاتهم العلمية من إشارات إلى هذه القضية :

أولا : اكتشاف أمريكا

فمنذ أعلن المسلمون أن الأرض كروية وأثبتوا ذلك بالبراهين العلمية والفلكية والحسابية ابتدأت الاشارات في كتبهم أنه لا بد من وجود جزر معمورة في الوجه الآخر من الكرة الأرضية لم تستكشف بعد . وقد بنيت هذه النظرية على أنه ليس من المعقول أن يكون أحد سطحي الكرة كله أرض جبلية بينما الجانب الآخر كله ماء . فإن هذا لا يؤدي إلى توازنها وانتظام دورانها . وقد كان البيروني أو من أشار إلى هذه الحقيقة وبشر به في كتبه.
كما أشار إليها العالم الجغرافي الأندلس ابن رشد Aviros . وبناء على هذه النظرية ابتدأت مغامرات الكشف الجغرافي التي جاء ذكرها في مخطوطات كبار الجغرافيين المسلمين " المسعودي " في كتابه " مروج الذهب " والإدريسي في كتابه " نزهة المشتاق " والوردي في جغرافيته والصفتي ومحي الدين بن العربي وابن الزيات .

1. وأول اشارة تقول أن بحاراً عربياً أندلسياً اسمه"خشخاش البحري" قام بسفينته من لشبونة إلى الغرب في بحر الظلمات سنة 850م وأنه اكتشف في هذا البحر جزيرة مأهولة بالسكان أحضر معه الهدايا إلى حاكم الأندلس عبدالرحمن الثاني وقد كافأه الحاكم بتعيينه أميرا للبحرية الإسلامية وأن هذا الرجل استشهد في معركة بحرية مع قرصان (الفيكنج).

2. الإشارة الثانية تقول أن جماعة من عرب المغرب الإفريقي قد خرجوا إلى بحر الظلمات نحو هذه الجزيرة وكان ذلك في القرن العاشر الميلادي ولم يعد أحد منهم ولم يسمع عنهم أي خبر .

3. ثم يتلو ذلك قصة (الفتية المغررين) الذين تحدث عنهم المسعودي والادريسي . وتقول هذه القصة أن ثمانية من الشباب العرب في مدينة لشبونة من عائلة واحدة من البحارة ... قرروا المغامرة (في بحر الظلمات) بحثا عن هذه الجزر التي هلك من سبقوهم دون خبر عنها .. وأن أهل المدينة اطلقوا عليهم لقب (الفتية المغررين) نسبة إلى (الغرة) أي (المقدمة) وليس المغرورين نسبة إلى (الغرور) كما جاء في بعض المراجع . فمن ذلك ما ذكره المسعودي في كتابه (مروج الذهب) عن أخبار (من خاطر بنفسه في ركوبه) أي المحيط الأطلسي ومن نجا منهم ومن تلف وما شاهدوا منه وما رأوا .

ومن ذلك أيضا وصف الإدريسي في كتابه (نزهة المشتاق)(23)إذ يقول عنهم أنهم " وصلوا من لشبونة بعد اثنى عشر يوما إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح كثير القروش قليل الضوء فايقنوا بالتلف . ثم فردوا قلاعهم في ناحية الجنوب اثنى عشر يوما أخرى فخرجوا إلى جزيرة الغنم وفيها من الغنم ما لا يأخذه عد ولا تحصيل وهي سارحة لا راعي لها ولا ناظر إليها . فقصدوا الجزيرة فنزلوا بها فوجدوا عين ماء جارية وعليها شجرة تين بري فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها ثم تستطرد الرواية فتصف من قابلوهم من سكان تلك البلاد ولغتهم وكانت المفاجأة أن جاءوا لهم برجل يعرف اللسان العربي. وقد حكى لهم قصته أنه من بقايا الفريق السابق من عرب المغرب الذين هلكوا جميعا في البحر وأنه الوحيد الذي نجا ووصل إلى الجزيرة وعاش فيها حتى ذلك الوقت .. وتقول رواية الإدريسي أن هؤلاء الفتية الثمانية عندما عادوا إلى الأندلس قد احتفى بهم أهل لشبونة واستقبلوهم بالزينات والأفراح وأطلقوا على الشارع الذي يسكنون فيه اسم (شارع الفتية المغررين) . كان ذلك في أواخر القرن العاشر الميلادي وقد ظل هذا الاسم مئات السنين في لشبونة من بعدهم .
كانت هذه صورة موجزة لما أورده جغرافيو الأندلس عن سبق العرب لاكتشاف أمريكا ويذكر العالم المؤرخ اللغوي الأب انستاس(24) الكرملي أن العرب قد وصلوا أمريكا من لشبونة قبل كولمبوس بفضل معرفتهم لتيار الخليج الحار في الأطلسي فيقول " سبق العرب سائر الأمم إلى معرفة هذا التيار وخواصه وإلى حركته من المكسيك إلى ارلندا وبالعكس فكانوا يركبونه . فإن ظعنوا إلى أنحاء المكسيك مكث بعضهم فيها وعاد القليلون منهم إلى بلادهم راكبين متن ذلك التيار المبارك ونعرف أنهم أقاموا في الديار التي عرفت بعد ذلك بالمكسيك من دخول بعض الكلمات العربية في لغة تلك البلاد (ومن تلك الكلمات Mansoon أصلها الموسمية وكلمة Typhoon أصلها الطوفان ) .

4. إشارة الأخيرة تأتي من أقوال كولمبس وبحارته والتي يذكرون فيها أنه كان يعتقد أول الأمر أن الهنود الحمر الذين رآهم في تلك الجزر لا بد أن يكونوا من سلالة العرب الذين سبقوه كما قرأ في المخطوطات العربية وقد قامت (الجمعية الجغرافية البريطانية) بانتاج مسلمسل تليفزيوني وثائقي بعنوان (المكتشفون) وفيه حلقة مستقلة عن كولمبوس واكتشافاته. وهي تبين أن كولمبوس قد اختار أحد رجاله الذين يعرفون اللغة العربية (وهو مـن أصل عربي) وبعث معه برسالة إلى ملك الهنود الحمر كتبت باللغة العربية يقول فيها : " يا صاحب الجلالة .. إن الملكة ايزابيلا ملكة اسبانيا وقشتالة تهديك السلام وتطمع أن يكون بينها وبين بلادك علاقات صداقة .. الخ " " ويقول المعلق أن الذي دعا كولمبوس إلى هذا الظن أيضا أنه سمع بعض الكلمات العربية المحرفة . ولكن الترجمان فوجئ بعد أن أخذ في تلاوة هذه الرسالة باللغة العربية على الملك بأن هؤلاء الهنود الحمر ليسوا من أصل عربي ولا يعرفون اللغة العربية .

ويذكر المؤرخ الجغرافي المغربي المعاصر(25)عبدالعزيز بن عبدالله صاحب الموسوعة الغربية للإعلام الحضاري البشري " أن كولمبوس قد عاد من أمريكا بذهب مخلوط بالنحاس بنفس الطريقة والنسبة التي يحضر بها العرب الذهب وأنه عثر هناك على عملات ذهبية اسلامية عليها نقوش عربية " .

5. أول خريطة لأمريكا كانت إسلامية

من عجائب الصدف أن تكون أول خرائط عرفتها الدنيا لأمريكا إسلامية وليست إسبانية ولا برتغالية ...
فالخريطة الأولى اكتشفت سنة 1952 في مكتبة الاسكوريال بمدريد ... وهي من صنع الجغرافي الإسلامي ابن الزيات المتوفى سنة 1198م وفيها رسم لمنطقة بحر الظلمات (أي المحيط الأطلسي) ويشمل رسم الجزر المأهولة وهي أمريكا وقد اكتشف الخريطة وحققها الدكتور (خوان فرتيط) الأستاذ بجامعة برشلونة .

الخريطة الثانية : اكتشفها المستشرق الألماني(26)Kahle عندما عثر عليها في مكتبة (توب كابي سراي) باستنبول ونشرها على العالم سنة 1929م بعد تحقيق علمي دولي استمر عدة سنوات .. فقد أذهلت هذه الخريطة العالم كله وحيرت العلماء . الخريطة من تأليف جغرافي تركي مسلم هو (بيري ريس) واسمه الكامل (محي الدين ابن محمد الريس) المتوفى سنة 1513م وكان أحد قادة البحرية في الاسطول التركي الذي كان سيد البحار . وهي في الواقع أكثر من خريطة مفردة .
والخريطة تبين المحيط الأطلسي : في الشرق يرى اسبانيا والساحل الإفريقي وفي الغرب القارة الأمريكية بسواحلها وجزرها وموانيها وحيواناتها وسكانها الهنود الحمر الذين يرسمهم عراة وهو يرعون الغنم .

ويذكر المستشرق (كراتشوفسكي) في كتابه (تاريخ الأدب الجغرافي العربي)(27)تعليلا لهذه الخريطة أنها ولا بد وأن يكون الريس قد بناها على أساس خرائط كولمبو التي ربما تكون سقطت في يده عندما انتصر الأسطول التركي على أسطول البندقية سنة 1499م وأسر بعض سفنه .. إلا أن هذا الرأي يلقي معارضة من كثير من الباحثين لأن الخريطة فيها تفاصيل لأماكن لم يعرفها كولمبوس ولم يكن استكشفها ولكن هؤلاء الباحثين لم يقدموا تعليلا بديلا يكسف سر هذه الخريطة الغامضة .

وهناك تفسير آخر لهذه الخريطة : أن الريس قد نقلها عن أبو عبدالله والذي كان آخر حكام العرب في الأندلس وعندما هزمته ايزابيلا ابقته في خدمتها ثم أمرته بقيادة حملة بحرية إلى أمريكا لاعتقال كولمبوس وإرجاعه إلى اسبانيا مقيدا بالسلاسل وبذلك يكون أبو عبدالله العربي أول من وصل إلى أمريكا بعد كولمبوس مباشرة ولا بد أنه قد عاد من هناك بخرائطه الخاصة . وغير بعيد أن يكون الريس قد ذهب إلى أمريكا بنفسه مع أبي عبدالله والمعروف أنهما كان صديقين وأن السلطان التركي كان قد أرسل الريس لمعاونة أبي عبدالله في حربه ضد ايزابيلا سنة 1490م قبل سقوط عرشه .

ثانيا : المسلمون واكتشاف القارة السادسة في القطب الجنوبي

إن إعجاب ما في خرائط (بيري ريس) أنها عادت لتشغل العلماء بعد عصر رحلات الفضاء وتصوير الأرض من الأقمار الصناعية .
لقد كان الاعتقاد الأول لدى علماء الخرائط في أمريكا وأوروبا في القرن العشرين أن الخرائط غير دقيقة وبها أخطاء في الرسم حسب أحدث معلوماتهم عن الشاطئ الأمريكي ولكنهم فوجئوا بعد ظهور أول صورة مأخوذة من القمر الصناعي لهذه المناطق أن خرائط محي الدين الريس أدق من كل ما عرفوه وتصوروه وأنها تطابق تماما صور القمر الصناعي وأن معلوماتهم هي التي كانت خاطئة .

وعلى أثر ذلك عكف فريق من العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية على إعادة دراسة الخرائط مقطعا بعد تكبيرها عدة مرات ، فكانت المفاجأة الثانية .. وهي أن الريس قد وضع في خرائطه القارة السادسة في القطب الجنوبي والمسماة Antartica قبل اكتشافها بأكثر من قرنين .. كما أنه وصف جبالها ووديانها التي لم تكتشف حتى سنة 1952م .

ونظراً لخطورة هذه المعلومات فقد رأيت أن أورد هنا الترجمة الحرفية لما جاء في التقرير حسب ما نشر في كتاب عن (مراكب الفضاء) بعنوان Chariots of the gods? لمؤلفه إريك فون دانيكن Erich-Von Danikin وهو كتاب بلغت عدد المبيعات منه باللغة الانجليزية وحدها أكثر من مليون نسخة وترجم إلى جميع اللغات الحية .. ويبحث في الظاهر الخارقة للطبيعة والتي ليس لها تفسير فيقول ص29 : " لقد سلمت خرائط بيري ريس أول الأمر إلى الدكتور ماليري آرلنجتون استاذ الخرائط الجغرافية في الجامعات الأمريكية الذي قرر بعد فحص دقيق أنها تحتوي على كل الحقائق الجغرافية حول أمريكا ولكن هناك خطأ أو عدم دقة في بعض الأماكن ... وقد طلب الدكتور ماليري الاستعانة بجغرافيي الأسطول الأمريكي الذين نقلوا الخريطة من المسطح على كرة حديثة فظهر لهم اكتشاف خطير وهو أن الخرائط كانت دقيقة حدود القارات ولكنها تبين طوبوغرافيتها الداخلية . فتظهر فيها الجبال والأنهار والسهول بدقة متناهية وكأنما أخذت من الفضاء الخارجي .

وفي سنة 1957 وهي السنة الجغرافية الدولية عكف فريق من علماء الجغرافيا بالمراصد الكبرى والبحرية الأمريكة على مزيد من دراسة خرائط الريس .. وبعد دراسات على أجهزة متطورة وجدوا أن صورة عن القارة السادسة Antartica صحيحة ودقيقة بدرجة مذهلة (Fantastically Accurate) حتى بالنسبة للمناطق التي لم تستكمل اكتشافها في عصرنا الحاضر .. فالجبال على قارة القطب الجنوبي لم تستكشف حتى عام 1952 .. فهي دائما مغطاة بطبقة سميكة من الثلوج بحيث أن اكتشاف وجودها على خرائطنا الحديثة كان باستعمال أجهزة صدى الصوت Echo-Sounding apparatus .

ويذكر الكتاب بعد ذلك اهتمام وكالة الفضاء الأمريكية بمواصلة دراسة هذه الخرائط حيث اتضح أنها تشبه تماما الصور المأخوذة للكرة الأرضية من مركبة فضائية أثناء مرورها فوق منطقة القاهرة وهي صور تغطي مسافة 5000 ميل ( خمسة آلاف ميل ) فوجدوا تشابها مذهلا بين صور القمر الصناعي وبين خريطة بيري ريس .

والسؤال الذي لم يستطع مؤلف الكتاب الإجابة عنه هو كيف توصل هذا البحار التركي المسلم في ذلك الوقت المبكر حوالي سنة 1494م إلى مثل هذه الخرائط والاكتشافات .. ؟؟ وقد حرصنا على نقل هذه الخرائط والتعليق عليها من الكتاب ص 65-66-67 اين من يكرم الجغرافي المسلم محي الدين الريس .


ثالثا : كشف الطريق إلى الهند من اسبانيا

وصف القلقشندي المتوفى سنة 1418 في كتابه (صبح الأعشى) اتصال المحيط الأطلسي بالمحيط الهندي وصفا دقيقا يبين معرفة العرب بهذه القضية قبل فاسكو دي جاما فيقول عن المحيط الأطلسي(28) " أنه يأخذ في الامتداد من سواحل بلاد المغرب الأقصى من زقاق سبته (أي مضيق جبل طارق) الذي بين الأندلس والعدوة إلى جهة الجنوب حتى يتجاوز صحراء المقونة (وهي بادية البربر) ثم يستمر في شرح الطريق البحري فيقول (ثم يعطف إلى جهة الشرق وراء جبال القمر التي منها منابع النيل فيصير البحر المذكور جنوبيا عن الأرض ويمتد شرقا على أرض خراب وراء بلاد الزنج ويمتد شرقا وشمالا حتى يتصـل بنهـر الهنـد .. ) .
ويذكر كراتشوفيسكي(29)أن ملاحا عربيا قام بنفس رحلة فاسكو دي جاما سنة 1420م ولكن بالطريق العكسي فخرج من ميناء في المحيط الهندي ودار حول افريقيا حتى وصل إلى موانئ المغرب في المحيط الأطلنطي وكان ذلك قبل فاسكو دي جاما بـ 27 عاما .

وقد ذكر فاسكو دي جاما في مذكراته أن الملاحين العرب الذين التقى بهم في رحلته كانوا يحملون بوصلات متطورة لتوجيه السفن وآلات رصد وخرائط بحرية وأنه استعان بهم وأرسل بعض خرائطهم إلى الملك مانويل .. وأن ملاحا مسلما اسمه ( المعلم كانا ) من مالندي هو الذي قاد سفينته من مالندي إلى كاليكوت بالهند . وفي مراجع أخرى أن الذي قاد سفينة دي جاما هو الملاح الجغرافي العربي ابن ماجد (مخترع البوصلة) وجاء ذلك في كتاب " غاية الأماني في أخبار القطر اليماني " لمؤلفه النهروالي ومن الملاحظ أن جميع خرائط المسلمين المتأخرة مثل خريطة المسعودي وخريطة الإدريسي تبين بوضوح اتصال المحيط الهندي بالمحيط الأطلسي حول افريقيا . فقد كانت هذه المناطق عامرة بالمراكب العربية ذاهبة آتية بين الهند وغرب افريقيا .

القيمة الحضارية لهذه الاكتشافات الإسلامية

والآن قد يقول قائل : لماذا كل هذا التدقيق والتفصيل حول هذا الموضوع وخاصة أنه لم يخرج عن نطاق النظريات التي لا يوجد عليها دليل مادي ملموس .. ونقول ردا على ذلك:

أن التاريخ ملئ بالأحداث الهامة التي لا يوجد دليل عليها سوى أقوال الرواة والمؤرخين القدامى الذين عاصروها ، ومع ذلك فما تزال تروى في التاريخ من جيل إلى جيل وطالما جاءت هذه الحقائق في مخطوطاتنا القديمة وعلى لسان مؤرخينا وعلماء الجغرافيا المسلمين الثقاة . فلا يجوز أن نغفلها أو نتنكر لها بل الواجب علينا نحو ماضينا وحضارتنا أن نقوم في هذا المجال بالمزيد من الأبحاث والدراسات سواء منها النظرية أو العملية ، وأن لا نبخل بالأموال في سبيل هذا الهدف العظيم .. وأمامنا الأمثلة على ذلك ...

فالعالم النرويجي هيردال قد أعلن نظرية تقول أن قدماء المصرين كانوا أول من اكتشف أمريكا وكان أول خيط استدل به على ذلك هو الشبه الكبير بين خضارة الفراعنة وحضارة قبائل (الانكا) في أمريكا الجنوبية وخاصة في أهراماتهم وملابسهم وعاداتهم .. ولكنه لم يكتف بهذا الدليل النظري وحده .. بل صنع من ماله الخاص مركبا شبيها بمراكب الفراعنة من ورق البردى وابتدأ رحلته المثيرة من أهرامات الجيزة .. ونزل بالمركب في البحر الأبيض المتوسط ثم المحيط الأطلسي .. ولولا العواصف لحقق هدفه ووصل إلى أمريكا وتحولت نظريته إلى حقيقة علمية .

ونفس النظرية ظهرت في شمال أوروبا ... وتقول أن الفايكنج قد اكتشفوا أمريكا قبل كولمبوس أثناء مغامراتهم في المحيط الأطلسي ... وقد تبنى فريق كبير من علماء تلك البلاد هذه النظرية وأخذت جامعات السويد والنرويج تروج لها وتعمل على إثباتها ، وعندما علموا أن إحدى مراكب الفايكنج غارقة في المحيط وقاموا بانتشالها أخذوا يبحثون فيها بكل حماس عن أي أثر أو دليل على أنها كانت قادمة من أمريكا .

هذا هو ما تفعله الشعوب الحية العريقة من الحرص على ماضيها وحضارتها ، فما بالنا نحن المسلمين نستحي من ذكر هذه الاكتشافات والانجازات بدعوى أن الأدلة عليها غير ملموسة بشكل لا يقبل الجدل . بل أن الغالبية العظمى منا يحاولون الإقلال (30) من شأنها .. وقليلا ما نجد مؤرخا أو جغرافيا مسلما في عصرنا الحاضر يشير إليها في كتبه .

رسم الخرائط ودلالتها على التطور الحضاري

تعتبر الخرائط التي تصور العالم خير دليل على ما توصلت إليه حضارة من الحضارات من الرقي والعلم والمعرفة .. فهناك فارق كبير بين أمة متخلفة لا تعلم عن الدنيا شيئا سوى بقعة الأرض التي تعيش فوقها منعزلة عما سواها من الأمم وبين أمة أحاطت بعلمها أقصى بقاع الأرض وخالطت غيرها من الأمم والحضارات وجاب علماؤها ورحالتها وملاحوها ومستكشفوها شتى بقاع الأرض مستكشفين دارسين متفاعلين مع سائر الحضارات بالأخذ والعطاء .. من هنا نستطيع أن نعتبر رسم الخرائط مقياسا صادقا للحضارات المختلفة في التاريخ الإنساني ... وقد أخذنا هنا مجموعة من الخرائط التاريخية التي تمثل عصورا مختلفة لاظهار دور الحضارة الاسلامية ومكانها بين سائر الحضارات ...

خريطة رقم (1) من العهد البابلي القديم
وهي أول معرفة الإنسان بالخرائط .. وكانت منقوشة على لوح من الفخار وهي تصور بابل وآشور مركز الدنيا ولا شئ سواهما ...

خريطة رقم (2) من العهد الإغريقي
للعالم هيكتاتيوس سنة 517 ق.م الذي يعتبر أبا الجغرافيا .. وهي تمثل اعتقاد الإغريق بأن الأرض عبارة عن قرص دائري تحيط به مياه بحر الادريانوس ولا يوجد في الخريطة تفصيل لافريقيا أو شمال أوروبا وشرقي آسيا والخريطة مرسومة على جلد الحيوانات .

خريطة رقم (3) من أوروبا في العصور الوسطي حوالي القرن 13
وهي تمثل عصر الظلمات وسيطرة الأفكار الكهنوتية على الاتجاه العلمي .. فقد رسمت الخريطة على شكل صليب ذراعاه البحر الأحمر والبحر الأسود والساق البحر الأبيض المتوسط والقلب أورشليم (القدس) أما رأس الخريطة أو الجزء العلوي منها فهو كما تخيلوه موقع الجنة ... ويلاحظ أن الأرض عبارة عن قرص مسطح كما تصورها الإغريق .
ولم تكن الكنيسة تسمح بأي إشارة إلى أن الأرض كرة وتعتبر الخريطة نكسة إلى الوراء في مسيرة الحضارة الإنسانية .

خريطة المسعودي (4) في كتابه صورة الأرض وهي تبين لنا الهوة الكبيرة بين حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في نفس المرحلة " القرن العاشر الميلادي " الخريطة في مخطوطات من الورق الأصفر وهي ملونة وتشمل على معلومات عن آسيا وافريقيا وأوروبا أدق مما جاء في خرائط هيرودوت وأكثر تفصيلا ، وقد أورد مع نفس المخطوطة خرائط مفصلة لحوض البحر الأبيض ولحوض النيل ومنبعه وبحيراته، كما أن هناك تفصيلا أكثر عن شرق آسيا .

خريطة (5) الإدريسي القرن الثاني عشر ( ت 1160م ) وهي تبين لنا تطور العلوم الإسلامية عن عصر المسعودي .. فالخريطة قد رسمت على أساس أن الأرض كروية .. وجاءت خطوط العرض على شكل أقواس وظهرت جزر المحيط الهادي والأطلسي .. وهناك تفاصيل جديدة عن كل من افريقيا وآسيا وأوروبا حتى بحر الشمال .. وكذلك تفاصيل لنهر النيل إلى مصبه والبحيرات الثلاث .
ففي ذلك الوقت أي القرن الـ 12 الميلادي كان المسلمون قد توصلوا إلى معرفة محيط الأرض وقطرها بدقة المسافات بين خطوط العرض وخطوط الطول وبين كل بلد وآخر. كما أنهم ابتكروا طريقة هندسية لنقل الرسم من الكرة إلى المسطح وهي مشكلة لم يكن الإغريق يعرفون لها حلاً .

خريطة رقم (6) ص 55 في القرن السادس عشر م (العاشر الهجري) أصلها تركي وهي تمثل مرحلة متطورة في رسم الخرائط بعد اكتشاف أمريكا .

خريطة (7) ص 57 القرن العاشر الميلادي لابن حوقل : وهي تفصيل لمجرى النيل من منبعه من شلالات جبل القمر حتى خط الاستواء ومنها يصب خمسة أنهار في البطيحة (أي البحيرة) الأولى وخمسة في البطيحة الثانية ثم يخرج من كل بطيحة أربعة أفرع لكي تجتمع الأفرع الثمانية في البطيحة الكبرى .
والخريطة فيها تفصيل عن منابع النيل لم يعرفه الإغريق ولم يرد في مراجعهم ، ومما يدل على أن المسلمين قد استكشفوا هذه المنطقة قبل صامويل بيكر وبيرتون وسبيك بتسعة قرون وعرفوا تلك البحيرات وروافدها قبل أن تسمى بأسمائها الانجليزية .

مراجع باب الجغرافيا :

1. تعرضت هذه الكرة للضياع وقد تصور البعض أنها كانت قرصا دائريا مسطحا والواقع أنها كرة . ولمزيد من الإطلاع راجع كتاب " الشريف الإدريسي " للدكتور أحمد سوسه ص 316-321 مكتبة صبري . بغداد .
2. كتاب الإدريسي " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " طبعة روما ص 3 وكتاب وفيات الأعيان لابن خلكان عن الشريف الإدريسي .
3. ابن الأثير (مرجع سابق) ج 4 ص 535 ، 542 .
4. سارتون "المقدمة" مرجع سابق ج 2 كتاب 3 ص 513 .
5. كتاب " حدود العالم " Minorisky: Hudud Al-Alam .
6. سارتون ( مرجع سابق ) ج 2 .
7. كتاب " كوزموس " Christian Geography Cosmography .
8. كتاب " نوهة المشتاق للإدريسي " ( مرجع سابق ) طبعة روما ص 7 .
9. عجائب المخلوقات للقزويني ج 1 ص 35 .
01. سارتون المقدمة - ج 1 ص 855 النسخة الانجليزية .
11. تراث العرب العلمي " طوقان " ص 63 .
21. نلينو علم الفلك عند العرب .
31. Introduction to the history of science : Vol 1 P. 46
41. A History of Exploration Sir Percy Syres - P. 46
51. ابن كثير : البداية والنهاية .
61. الإسلام في الصين - فهمي هويدي .
71. راجع ما ذكرناه في هذا الكتاب عن " اختراع البوصلة " واستعمال المسلمين لها .
81. الفكر الجغرافي في التراث الإسلامي . د. نفيس أحمد ترجمة / فتحي عثمان ص 44.
91. " الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية " للدكتور يسري الجوهري .
02. الفكر الجغرافي في التراث الإسلامي ( مرجع سابق ) .
12. انظر خريطة منابع النيل في هذا الكتاب .
22. الفكر الجغرافي ( مرجع سابق ) .
32. نزهة المشتاق (مرجع سابق) للإدريسي .
42. عالم لغوي ومؤرخ عربي وقد نشر هذا البحث في مجلة المقتطف عدد 106 وأشار إليه العقاد في كتابه " أثر العرب في الحضارة الأوروبية " ص 54 .
52. د.عبدالعزيز عبدالله - أستاذ الحضارة والعلوم الإسلامية بجامعة محمد الخامس : القى البحث في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1984 في الاحتفال بعيده الذهبي .
62. " الملاحة وعلوم البحار عند العرب " مرجع سابق ص 138 .
72. كراتشوفسكي : مرجع سابق (2) ص 562 النسخة العربية .
82. " صبحي الأعشى " للقلقشندي .
92. كراتشوفسكي مرجع سابق ج (2) ص 563 .
03. وقد تبنى العقاد هذا الرأي في كتابه " فضل العرب على الحضارة الأوروبية .

العمارة الإسلامية

قصة لها دلالتها

عندما سمع امباطور الرومان (اليون) أن المسلمين قد بنوا مسجدا في دمشق يعتبر أكبر معجزة معمارية في عصره لم يصدق ذلك .. وشكل بعثة من المهندسين والمعماريين (1)
الرومان وقال لهم .
" إن المسلمين قد غلبونا في حروب البر .. ثم غلبونا في حروب البحر ولكن أن يستطيع رعاة الغنم وسكان الخيام أن يغلبونا في فن العمارة فهذا مالا أصدق به أبداً .. فاذهبوا إلى دمشق وزوروا المسجد الأموي وأخبروني بحقيقة الأمر ! ! " .

وتقول الرواية أن المعماريين الرومان عندما شاهدوا الرسوم التي وضعها المسلمون للمسجد لم يصدقوا أن هذه يمكن تنفيذها .. فلما زاروا المسجد وقفوا عليه في ذهول أمام روعة الفن والعمارة .. وشهق رئيس المعماريين شهقة عالية كادت تصعد معها روحه .. وتقول الروايات الإسلامية أن هذا المسجد قد اعتبر في عصره المعجزة الخامسة لأن المعجزات التي كانت معروفة في ذلك التاريخ والتي من صنع الإنسان كانت أربعة .. وقد وضع حجر الأساس لهذا المسجد الخليفة الوليد بن عبدالملك سنة 86 هـ واستغرق البناء عشرين عاما في عهد أخيه سليمان ثم عمر بن عبدالعزيز .

وهذه القصة تعطيك فكرة عما وصل إليه المسلمون في ذلك العصر المبكر من تاريخهم في فن العمارة .

فن العمارة الإسلامية
علم العمارة الإسلامية هو أحد الفنون التي تأثرت تأثيرا شديدا بالدين والتزمت بتعاليمه .. لقد فتح المسلمون ممالك شاسعة وانطوت تحت راية الإسلام شعوب متنوعة عرفت بالعراقة في المعمار مثل الفرس والرومان والآشوريين والمصريين والاسبان . ولكن المعمار في تلك البلاد كان يقوم على عقائدهم الدينية .. ويتمثل في التماثيل والصور والمحاريب والأديرة، فكان لا بد للمسلمين من فن معماري خاص بهم يختلف في جوهره ومظهره وأهدافه عن المعمار السابق ، وهكذا لم يمض القرن الأول للهجرة حتى كان المسلمون قد شيدوا الجوامع الشاهقة والقصور الفاخرة وبنوا البيمارستانات الضخمة والحمامات والمطاعم الشعبية والاستراحات . وبنوا القلاع العسكرية والحصون والرباط والأسوار حول المدن . وبنوا القناطر والخزانات والسدود للري وبنوا المراصد والجامعات العلمية ، كل ذلك بأسلوب الفن المعماري الإسلامي المتميز .. وإذا كان الكثير من تلك المباني الاسلامية قد اندثرت بفعل الزمن أو الحروب الصليبية فإن القليل المتبقي يدل على ذلك الماضي التليد .

مواد البناء
- لقد استعمل المعماريون المسلمون في مبانيهم كل أنواع مواد البناء كالحجارة والطوب المحروق والرخام والخزف واستعملوا الخشب والحديد والنحاس وكانت الخلطة اللاصقة من الجبس .. أما الجير فكان يستعمل في المباني التي تحتاج إلى مقاومة الماء كالأسقف والقنوات والمصارف وكذلك في لصق الرخام . وكانوا يستعملون خلطة من الجبس والجير في صناعة الطوب المحروق ، ويختلف عمق الأساس في الأرض حسب المبنى .. وفي بعض المباني الضخمة كانوا يصلون إلى عمق عشرة أو أحد عشر متراً تحت مستوى سطح الأرض وكانوا يستعملون أنواعاً من الحجارة الصلبة كالجرانيت أو البازلت في الأساس.

- وقد استفاد المعماريون من شتى العلوم والمعارف المعروفة في عصرهم وطبقوها في مبانيهم .. ومن أهم هذه العلوم علم الحيل (علم الميكانيكا) وعلم الكيمياء وعلوم الطبيعة مثل الصوت والضوء والتهوية .

- وقد ابتكروا أنواعا من الآلات(2) الميكانيكية لرفع الثقل الكبير بالجهد اليسير أو لجره منها أنواع من الكران وآلات مثل المكحال والبيرم والمنخل والسفين واللولب والقرطسون .

- وكانت الحجارة الكبيرة ترفع إلى أعلى المبنى بحبال معلقة على مجموعة من البكرات بحيث يجرها ثور واحد فيرفعها بسهولة إلى أعلى .

كذلك استفاد المعماريون من علم الكيمياء الذي تفوق فيه المسلمون وطوروه .. فصنعوا أنواعا من الدهانات والأصباغ التي تتميز بالثبات والبريق ومن المعروف أن العرب أول من استعمل الزجاج الكرستال الذي ابتكره العالم الأندلسي عباس بن فرناس سنة 887م . كما استعملوا في النوافذ الزجاج الملون والمعشق في أشكال هندسية .

المساجد
- المساجد أول شئ بناه المسلمون من العمارة .. فقد بنوا المساجد قبل أن يبنوا القصور أو القلاع أو المدارس .. ومن هنا كان المسجد الدعامة الأولى لنشأة فن العمارة الإسلامية .

ورسالة المسجد في الإسلام لا تقتصر على الصلاة والعبادة فحسب ، فمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم رغم بساطة البناء كان بمثابة مدرسة للعلم والتربية ..وبرلمان للأمة تعقد فيه الانتخابات (البيعة) للخليفة وتدار فيه الاجتماعات السياسية والعسكرية ، وكان فيه أيضا عيادة للتمريض هي (خيمة رفيدة) وفي ساحته كان نساء الصحابة يتركن أطفالهن في أمان بعد الصلاة ريثما يقضين حاجتهن من الأسواق فكان أيضاً دار حضانة . وكان الرسول صلى الله عله وسلم يطلق على هؤلاء الأطفال "حمام المسجد" .

وقد بنى المسملون جوامع ضخمة بنفس الأهداف .. تشمل مسجداً مستقلاً للصلاة ويلحق به المدرسة أو الجامعة وأيضا المستشفى ومكاتب الإدارة .. ومن ذلك جامع القيروان سنة 670م وجامع الزيتونة سنة 734م وجامع الأزهر 972م .

وتصميم المسجد عبارة عن ساحة كبيرة .. فيها منبر خشبي للخطبة ثم أدخل المحراب المجوف للدلالة على اتجاه القبلة ثم ظهرت الإيوانات وهي أروقة تحيط بصحن المسجد ولها أقواس مقامة على أعمدة وملحق بالمسجد غرفة للإمام ومكتبة وعادة يكون للمسجد ساحة داخلية مكشوفة بها نافورة لتلطيف الهواء وميضأة للوضوء .. هذا علاوة على القباب والمآذن .

- ويعتبر المسجد الأموي في دمشق سنة 710م أول نجاح معماري في الاسلام بناه الخليفة الوليد بن عبدالملك فقد كان بناءً جديداً في تصميمه له طابعه الخاص وشخصيته المستقلة عن المعمار في الحضارات السابقة للإسلام .

- وفي أنحاء العالم اليوم الكثير من المساجد الأثرية الشهيرة التي تنوعت فهناك المساجد الأموية في الشام والعباسية في العراق والأندلسية في الأندلس والفاطمية في الشمال الإفريقي ومصر .. وفي إيران هناك المغولية والصفوية .. ثم هناك مساجد الهند والمساجد العثمانية في تركيا .

- وهذا الإختلاف في المظهر يزيد العمارة الإسلامية ثراء وعمقا ، ولكنه لا يشمل اختلافاً في الجوهر .

وقد راعى المعماريون في بناء المساجد الفخمة مسألة الصوت لتوصيل الخطبة إلى آلاف المصلين والضوء والتدفئة والتبريد .. كل ذلك بالوسائل الطبيعية .

المـــآذن
- تعتبر المآذن من أهم معالم المدينة الإسلامية .. فهي تبدوا وكأنها أذرع ممتدة بالدعاء والضراعة نحو السماء ، ويتوج كل مئذنة في أعلاها قبة لها تاج وفوقها هلال كبير ويحيط بوسطها عدد من الشرفات الدائرية لكل منها نوافذ يطل منها المؤذن .

- وبعض العواصم الإسلامية كالقاهرة ودمشق واسطنبول تسمى ذات الألف مئذنة .

- وترتفع المآذن في الأستانة إلى أكثر من سبعين متراً فوق المسجد .

- وتختلف المآذن في أشكالها وأنواعها حسب العصور والبلدان فمنها المربع والمثمن والدائري .. وكانت المآذن الأولى شبيهة بالمنارات الرومانية(3) وعندما أراد المعماريون المسلمون بناء مآذن أكثر ارتفاعا ابتكروا المئذنة المتحورة التي تبدأ في القاعدة بأدوار مربعة ثم تعلوها أدوار مثمنة ثم يعلو ذلك الاسطوانة الدائرية .

ولا يتوقف ثبات المئذنة العالية على تطور الأدوار وتدرجها في الصغر فحسب .. ولكن أيضا على استعمال الحلزوني الذي يربط قلب المئذنة بجسمها الخارجي وبذلك تبدو المئذنة وكأنها حلزوني طويل مجوف ثابت الأركان رغم طوله ..

-ولا تقتصر وظيفة المئذنة على النداء للصلاة فكثير من المآذن كانت تبنى كمنارة في البحر أو البر ولو لم يكن تحتها مسجد ، ومن أهم وظائفها استعمالها كملاقف للهواء لتبريد الساحات السفلية تحتها .. وبعض المساجد يشتمل على مئذنتين وبعضها كالمساجد التركية تحتوي على أربعة مآذن .

- وتزدان المئذنة بزخارف إسلامية جذابة تزينها الآيات القرآنية كما أن بعضها كالمآذن الفارسية يحلى بالزليخ (القيشاني) الذي يبرق تحت أشعة الشمس .

- وهناك مآذن ذات شهرة خاصة لانفرادها في التصميم المعماري ، من ذلك مئذنة بن طولون ذات السلم الحلزوني الخارجي وقد بينت على طراز مأذنة ( سر من رأى ) .

- ومئذنة جامع الناصرية ذات الشعبتين .. ومئذنة جامع بن سنان في دمشق المكسية بالزخرف الزنجاري .. والمئذنة المتحركة في أصفهان وهي عبارة عن كتلة حجرية واحدة مجوفة من الداخل ويمكن لمن يصعد فيها أن يهزها في كل اتجاه دون أن تسقط بـه .. Ball and Socket .

- ومئذنة مسجد اللقلاقة في سمرقند .. وهي مئذنة متحركة تربط من أسفلها بمئذنة أخرى فإذا حركت الأولى تحركت الثانية .. وهكذا وجد المعماريون المسلمون في المآذن فرصة للإبداع الفني الذي يعبرون من خلاله عن مشاعرهم نحو عظمة الخالق وابداعه في خلقه .

القصور والبيوت

· كان عرب الجاهلية وصدر الإسلام سكان خيام .. وكانت بيوتهم تتسم بالبساطة والبدائية ومع اتساع الفتوح والاستقرار في بلاد الخضرة والماء ومع الرخاء الزائد إبتدؤا في بناء القصور الفاخرة ، وللبيت العربي عمارته المميزة وأقسامة الثابته رغم اختلاف العصور والبلدان .

· وينقسم البيت العربي إلى ثلاثة أقسام رئيسية :-
فالقسم الخارجي ويسمى (الحواصل) وفيه مركز الحرس والسائس والخيل والعربات ، والقسم الأوسط ويتضمن القاعات الهامة للإستقبال والجلوس والطعام والقسم الثالث وفيه غرف النوم وقاعات الحريم .

وأغلب البيوت العربية ذات واجهات صماء خالية من النوافذ الخارجية بحيث لا يتبين المشاهد روعة العمارة والزخرف إلا بعد أن يدخل صحن البيت حيث تواجهه ساحة مفتوحة للسماء تتوسطها فسقية كبيرة يتدفق إليها الماء من نوافير على أشكال حيوانية .. ويحيط بالبركة أشجار الليمون والبرتقال والفل والياسمين بعطورها الفواحة .

ويحيط بهذه الساحة غرف البيت من كل جانب وغالبا ما تكون من دورين أو ثلاثة أدوار وترتفع جدران الغرف إلى أكثر من خمسة أمتار . وتطل الغرف على الساحة من خلال مشربيات من الخشب المزخرف المطعم بالعاج ولها نوافذ تسمى بالشمسيات والقمريات وقد بلغ عدد الغرف في بعض قصور بني أمية ما يزيد عن الثلاثمائة غرفة ، وأهم غرف القصر هو الإيوان ويبلغ إرتفاعه ضعفي إرتفاع الغرف العادية وفي سقفه قبة دائرية . وفي كل قصر أيضا قاعات صيفيه في الجهة الشمالية تبرد بالنوافير المائية وملاقف الهواء .

- وقد وحد في هذه القصور ملاعب وساحات ومخازن تسمى بالخزائن منها خزائن الكتب وكانت في قصور الفاطميين أربعين غرفة ثم خزائن الكسوات الصيفية وخزائن الجواهر والطيب ثم خزائن الأشربة - أي الأدوية .

وكانت القصور تذخر بالفن المعماري والزخرف الإسلامي الذي يشمل الأرض والحوائط والسقوف وتحلى بآيات قرآنية تزين جدران البيت من الداخل والخارج وأغلبها يذكر أصحابه بالتواضع لله .. والشكر له على نعمائه .

مرافق الخدمات العامة
عملا بأوامر الإسلام التي تحث على إيصال الخدمة العامة وتيسيرها للرعية والمساواة بين الغني والفقير في حق الرعاية .. فقد إهتم الحكام المسلمون بمؤسسات الخدمة العامة اهتماما كبيرا وخاصة المستشفيات والاستراحات والمطاعم الشعبية والحمامات الشعبية .. فكانت تلك المرافق أشبه بقصور الأثرياء من حيث الفخامة المعمارية والزخرف الإسلامي .... قد بنى الخلفاء الاستراحات الفاخرة لحجاج بيت الله على طول الطريق من أي بلد إسلامي حتى مكة وفي الاستراحة مطعم شعبي بالمجان وحمام وغرف للمبيت وكان بعض الخلفاء مثل هارون الرشيد يتخفى في زي تاجر ويأكل مع الشعب في المطعم ليرى نوع الخدمة بنفسه ، وتتجلى التقنية الإسلامية في الحمامات .. فالمسلمون أول من أنشأ في مدينتهم شبكة مياه في مواسير من المعدن توصل الماء بانتظام إلى الحمامات الشعبية
وإلى البيوت وفي الحمامات غرف للبخار (السونا) وغرف للعلاج الطبيعي (التدليك) .

الرباط والقلاع والحصون
من الأشياء الملفتة للنظر أن المسلمين لم يهتموا كثيرا بعمارة القلاع التي استولوا عليها من الرومان في الشام ومصر وإفريقيا ولم يهتم المسلمون بسكناهم أو تعميرها والسبب في ذلك أن المسلمين لم يكونوا في البلاد المفتوحة كغزاة أو مستعمرين أو حكام غرباء حتى يتحصنوا من أهلها

++++

وتحضرنا هنا كلمة للخليفة عمر بن الخطاب عندما طلب أحد الولاة منه أن يبني حصنا في الولاية لحمايتها .. فقال له حصنها بالعدل وكفى بالعدل حصنا .

المهندسون
كان المعماري في الإسلام يطلق عليه المهندس أو الحاسب - أما رئيس المعماريين فيلقب بالأستاذ أو الشيخ أو المعلم تقديراً واحتراماً .
وكان المعماريون كالأطباء يدرسون(4) في الجامعات مثل جامعة (بيت الحكمة) التي أنشئت في بغداد سنة 830م أما مواد الدراسة فتشمل الرياضيات والحساب والجبر وعلم الحيل (أي الميكانيكا) والرسم إلى جانب العمارة والهندسة ، هذا إلى جانب العلوم الطبيعية كالفلك والطبيعة والعلوم النظرية كالدين والحكمة .. فكان منهم العلماء والفلاسفة .

وهذا الإلمام الشامل بالعلم قد ظهر أثره واضحا في المباني والآثار الخالدة التي طبقوا فيها الكثير من العلوم كالضوء والتهوية ، وكان المعماري يضع تصميما للمبنى على لوحة من الجلد .. وبعد اكتشاف الورق استعملوا ورقا هندسيا عليه مربعات .

ومن أعظم المعماريين المسلمين عالم الفلك والبصريات ابن الهيثم الذي كان أول من وضع فكرة السد العالي على النيل في أسوان سنة 1000 م وقد كلفه الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي بتنفيذها ووضع تحت أمره السفن وفريقا من المهندسين والفنيين وذهب إلى الموقع الذي اقترحه على النيل حيث أمضى شهوراً في دراسات على الطبيعة ولكنه وجد أن مثل هذا السد الهائل يحتاج إلى إمكانيات تفوق تكنولوجيا وإمكانيات عصره فعدل عن تنفيذها ثم نفذت سنة 1961 م أي بعده بتسعة قرون .

وقد حفظ لنا التاريخ أسماء الكثير من كبار المهندسين منقوشة على المنشآت الفخمة فمن ذلك ثابت مهندس قصر الحير في سوريا (القرن 8م) وهناك أيضا علي بن جعفر مهندس قصر الزهراء في قرطبة والمهندس (فتح الدين) الذي أنشأ جامع الزيتونة سنة 804م وغيرهم كثيرون .

تكنولوجيا العصر في العمارة الإسلامية
لقد إهتم المسلمون بادخال التقنية المعاصرة لهم في فن العمارة .. وخاصة العلوم الحديثة التي ابتكرها أو طورها علماء المسلمين مثل علم الجبر والرياضيات والكيمياء والهندسة والطبيعة والضوء .. وقد توصل علماء المسلمين إلى عدة ابتكارات في العمار .
1 - معمار ضد الإهتزازات الأرضية
فقد لاحظت الحكومة الإسبانية حديثا أن قصر الحمراء في قرطبة والذي بنى في القرن 9م قد ظل صامدا حتى عصرنا هذا رغم تعرض المنطقة لعدة زلازل دمرت كل ما حوله من بيوت ومباني وبقي القصر قائما .. فشكلت لجانا علمية لدراسة هذه الظاهرة فاكتشفوا أن بعض أعمدة القصر مفرغة من الداخل وفيها قوالب من الرصاص الذي يصب منصهرا وأن هذا التصميم الهندسي يمتص الصدمات العنيفة . أما حوائط القصر فقد صنعت بنوعين من الحجارة على التوالي .. الحجارة الحمراء مع الحجر الرملي العادي وهذا التصميم يدعم ضد الاهتزازات .
وقد احتل نابليون قرطبة من 1808م حتى 1812م فجعل قصر الحمراء مركز قيادة لقواته .. وعندما أراد الإنسحاب منها وضع المواد الناسفة في بعض أبراج القصر وهو يتصور أنه سيدمره كله .. ولكن العنف الذي دمر برجين في القصر لم يؤثر على باقي القصر الذي ظل حتى يومنا هذا يتحدى عناصر الزمن والزلازل ومحاولات التخريب البربرية .

2 - التحكم بالصوت داخل العمارة الإسلامية
فقد بنى المسلمون مساجد ضخمة يسع الواحد منها آلاف المصلين وفي وقت لم تكن فيه أجهزة صوتيه توصل خطبة الجمعة أو صوت المقرئ إلى هذه المسافات البعيدة ومع ذلك فقد كان آخر مصل في الصف يسمع بوضوح وذلك عن طريق تصميم خاص في جدران المسجد والأعمدة لنقل الصوت من المنبر وتوزيعه على الساحة كلها بوضوح ، وقد كان في بعض بيوت الخلفاء وأثرياء المسلمين قاعة خاصة تسمى قاعة الموسيقى أو قاعة الصدى .. وهي قاعة في حوائطها فجوات مفرغة على شكل آلات موسيقية أو أواني فخارية فإذا عزفت الموسيقى في القاعة فإن هذه الفجوات تمتص الصوت وتكسر الصدى وتمنع التشويش على العازفين .. وما زال أحد القصور الذي يحتوي على هذا الانجاز العلمي قائما حتى يومنا في مدينة اصفهان بإيران منذ العهد الصفوي .

3 - الملاقف الهوائية وتكييف الهواء
فقد توصل علماء المسلمين إلى معرفة أن الهواء البارد أثقل من الهواء الحار ، فاستفادوا من ذلك في تبريد البيوت والمعمار بصنع ما يسمى بالملاقف وهي عبارة عن غرفة صغيرة في أعلى المبنى بها فتحة رئيسية في إتجاه الريح ومتصلة بالغرف السفلية .. وبذلك يدخل الهواء البارد من الطبقات العليا ويهبط إلى أسفل ليحل مكان الهواء الحار ويلطف جو المبنى.

وهناك مدن كاملة في إيران وأفغانستان والأندلس وشمال إفريقيا قد صممت بيوتها بهذا النظام كما نجده في بعض المساجد الكبرى القديمة في القاهرة ودمشق وبغداد حيث كان يستفاد من المآذن المرتفعة كملاقف للهواء .. وإلى جانب هذه الطريقة كان المسلمون يستفيدون من النوافير المائية التي توضع داخل القصور والمساجد وحتى البيوت الصغيرة فكانت هذه النوافير توضع في طريق التيارات الهوائية القادمة من أعلى إلى أسفل مما يساعد على تبريد الهواء وتنقيته من الأتربة .

4- المقرنصات
وهي تصميم هندسي ابتكره علماء الهندسة المسلمون لوضع القباب الدائرية فوق المبنى المربع .. فقد كان الأسلوب الروماني الذي يستعمله غيرهم من الشعوب السابقة للإسلام يقوم على المعلقات الرومانية Roman Pendentives التي تنقل من المربع إلى الدائرة بزوايا حادة غير مريحة للنظر .

فابتكر المسلمون(6) المقرنصات وهي تصميم هندسي عبارة عن كوة في الحائط ثم تتكرر الكوة إلى مضاعفاتها في متوالية هندسية بديعة حتى تصبح مثل خلايا النحل وعن طريق المقرنصات يتم التحول من المربع إلى المثمن إلى الدائرة بتدرج بديع يعطي السعة والجمال والانسجام والسكينة وهي بعض ما انفردت به العمارة الاسلامية .

5- ابتكارات في العمارة العسكرية
لقد أدخل علماء المسلمين عدة ابتكارات في عمارة الحصون منها الممرات المسقوفة لكي تقلل من إصابات الجنود أثناء تنقلهم ومنها المزاغل البارزة التي تمكن من الحركة الجانبية مثلها مثل أبراج السور ، وأيضا إضافة نوع من الشرفات أو المشربيات الحجرية التي يمكن من خلال ثقوب في قاعها صب الزيت أو القطران على جنود العدو ، كما أنهم تفننوا في تحصين أبراج القلاع(7) بخوذ من الصخور الضخمة لمقاومة المنجنيق وقد نقل ملوك أوروبا الكثير من هذه الأفكار إلى بلادهم أثناء الحروب الصليبية .

المعمار كمقياس للحضارة
يميل المؤرخون الغربيون عند تقييمهم للحضارات القديمة إلى اتخاذ الآثار المعمارية كمقياس للتفوق الحضاري .. وتتمثل هذه العمارة في القلاع والحصون .. وتماثيل الملوك والأبطال والمقابر الفاخرة والقصور الزاهية النقوش والزخارف ، ولو كان هذا المقياس صحيحا لاعتبرنا الإغريق والرومان والفراعنة والآشوريين أعظم حضارة من المسلمين لما تركوه من آثار هائلة .. وهذا لا ينطبق على الإسلام . فالحضارة الإسلامية كانت نهدف إلى بناء الإنسان لا بناء الحيطان والجدران .. كانت موجهة إلى بناء الشعوب لا إلى رص الحجارة .

- فد نهت تعاليم الإسلام عن بناء المقابر الضخمة لأن فيها تقديساً للموتى .
- نهت عن التماثيل لأنها كانت تعبد .
- أمرت المسلم بالتواضع في بناء بيته وعدم الإسراف فوق حاجته مهما بلغ من الغنى .
- أما الحصون والقلاع فقد شرحنا فكرة المسلمين في عدم الإهتمام بها ، ومن هنا فقد تميزت العمارة الإسلامية في عصور ازدهارها بأنها سخرت لما ينفع الإنسان وييسر له سبيل الحياة الكريمة وليست للتظاهر أو تقديس الأفراد .



الخط العربي

قصة لها دلالتها
بعد أن انتهى السلطان التركي (بايزيد الثاني) من بناء قصره الفاخر الذي سيقيم فيه في اسطنبول استدعى الخطاط الكبير محمد الطونجي وكان أعظم خطاط في العالم الإسلامي وطلب منه أن يخط بريشته على حوائط القصر وسقفه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة .
وبرغم مشاغل السلطان الكثيرة .. إذا أنه كان يحكم دولة تمتد في أوروبا ولآسيا وافريقيا .. ورغم هيبته التي كانت تجعل ملوك أوروبا يرجفون أمامه والقادة العظام لا يجرؤن على الدخول عليه إلا بإذنه رغم ذلك كله فقد كان تقديره للخطاط الكبير ولعلمه وفنه لا مثيل له .. فكان يقف بجواره الساعات الطويلة يتابع رسومه .. ويصر على أن يحمل له المداد بيده .
وهذه القصة تدلنا على مكانة الخط والخطاطين في العالم الإسلامي وعلى مدى احترام المسلمين واعتزازهم بهذا الفن العربي الأصيل .

الخط العربي علم وفن
الخطاطون المسلمون مثل رسامي أوروبا العظام

لا توجد أمة في التاريخ لعب الخط الجميل في حياتها دوراً هاماً مثل الأمة العربية الإسلامية .. فأينما أدرت عينيك في الآثار الإسلامية القديمة فسوف تجد الكلمات المكتوبة بخط جميل وزخرف إسلامي بديع .. تملؤ القصور والمساجد والمدارس والحمامات والبيمارستانات .
فعلى الحوائط والسقوف آيات قرآنية وشعارات إسلامية مكتوبة بخط جميل تتناسب مع المكان والغرض الذي يستعمل من أجله . وعلى المعلقات والقناديل الضوئية والأواني الفخارية والنحاسية والبرونزية وعلى الصناديق والأبواب الخشبية والمقابض النحاسية .. وعلى العملات الذهبية وآلات الجراحة والأسلحة بأنواعها من دروع وسيوف وسهام ورماح .. بل أن المسلمين عندما استعملوا البندقية والمسدس والمدفع لأول مرة لم يستغنوا عن تزيينها بآيات من القرآن من باب التبرك والدعاء بالنصر أولاً ثم الناحية الزخرفية والجمالية ثانياً .

الخط العربي علم وفن
إنه علم لأن الخطاط يعتمد على علم الهندسة وحساب المثلثات والدوائر وعلم الحساب .. وجميع اللوحات القيمة يعمل لها رسم هندسي قبل تنفيذها على الطبيعة وتعمل لها مقاييس ونسب مدروسة تماما كما يفعل المهندس المعماري قبل أن يبنى العمارة الضخمة .. ويستوي في ذلك إذا كان الرسم ضخما يملأ قبة كبيرة في سقف مسجد أو كان دقيقا كمن يكتب القرآن كله على قشرة بيض أو يكتب سورة كاملة على حبة قمح (متحف طوب كابي اسطنبول) .
أما كون الخط العربي فن فلأن الخطاط لا يكتب مجرد كتابة تؤدي الوظيفة والغرض ولكنه يضع روحه وخياله وفنه في كل حرف يخطه بيده ، وإذا كان الإسلام قد كره رسم الأشخاص فقد شجع على رسم الكلمات وإحسان الخط .. ومن هنا فقد وضع الفنان المسلم كل طاقاته الفنية وعبقريته في إظهار الكلمات بطريقة تعبر عن مشاعره ومن هنا أيضا نقول أن كبار الخطاطين المسلمين لا يقلون أهمية عن كبار الرسامين في أوروبا أمثال ليوناردو - وروفائييل - وبيكاسو ورغم أنهم أقل شهرة من هؤلاء الرسامين إلا أن فنهم أصعب من فن الرسم لأنه فن تجريدي بحت .

دلالة الحروف العربية : للحروف العربية دلالة صوتيه وأخرى مرئية :
أما الدلالة الصوتية : فسوف نجد لكل حرف رنة في الأذن وطريقة في النطق وأيضا طريقة في الرسم تتناسب مع الحرف نفسه وتعطيه سمة مستقلة ودلالة واضحة ، فحرف الميم " م " يعبر عن الجزم والحزم والعزم .. لذلك ننطقه بضم الشفاه وزمها وحرف (ع) له رنة تعبر عن العمق والسعة ولذلك ننطقه من أعماق الصدر والحنجرة .. فنقول ( القاع .. والباع ) وحرف السين (س) يعبر عن البسمة والأسنان الجميلة .. والثغر البسام .. ولذلك ننطقه بفتح الشفاه وانفراج الأسنان وحرف الراء عن الكر والفر والأمر أما حرف الألف (أ) فيعبر عن الوقفة الثابتة الشامخة ..

ولا شك أن أجدادنا الأولين الذين اخترعوا هذه الحروف كانت في أذهانهم صورة صوتية لكل حرف قبل أن يعرف علم الصوتيات ( Phonetics) ولهذا لم يستغرب العرب الأولون عندما نزلت بعض آيات القرآن مبتدئة بحروف معينة مثل (نون) و (كاف) و (صاد) .. فقد فهموا أن وراء كل حرف دلالة معينة .. وأنه ما أورده الله في هذا الموقع إلا لهدف مقصود..

الدلالة المرئية
إن الفنان المسلم الأصيل يرى في كل حرف عربي صورة مرئية تتناسب مع الحرف ذاته ومع الكلمة التي يكونها .. وقد لا يكتفي الفنان بصورة الحرف المجرد فيضيف إليه حلية أو رقشا بحيث تظهر لوحاته في النهاية معبرة عن المعنى الذي يقصده .
وإذا كانت الكتابة على حائط قصر إسلامي فإن الفنان يجعلها في صورة مبهجة ومشرقة .. وإذا كانت في مسجد أعطاها صورة من التسامي والروحانية وإذا كانت على قبر أو ضريح يعطيها مسحة من الحزن الوقار وهكذا ، أنظر مثلا إلى جملة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وجملة " لا غالب إلا الله " وهما من أكثر الجمل استعمالا ، وتأمل في كلمة (لا) وتذكر قول الفنان التركي (اصف شلبي) الذي رسمها فقال ( إنها تشبه الإنسان الذي يرفع يديه إلى السماء مستغيثا بالله) أو قول فنان آخر يصفها ( أنها صرخة عالية باباء وشمم .. تنكر الشرك والعبودية وترفض الخضوع والذلة إلا لله ) وتأمل كلمة الله في هذه الرسمة ص 105 فتجد حروف الكلمة في قمة المثلث .. فهي أعلا الكلمات جميعا وتحت اسم الجلالة مباشرة تأتي كلمة (محمد) في تنسيق بديع يقصده الفنان .. م تأمل جملة (العزة لله) " وما النصر إلا من عند الله " وهي جمل تكتب في مناسبات الفرح والنصر والظفر .. فسوف نجد أن الفنان كتب حروف المد مرتفعة إلى أعلا وكأنها رايات الفرح منصوبة للنصر .

جمالية الخط العربي
والخط العربي بطبيعته جميل .. وليس هذا في نظرنا نحن العرب فحسب ولكن باجماع الكتاب والفنانين والمستشرقين الأوروبيين . وقد ذكر بعض الغربيين الذين أسلموا أن بداية اسلامهم كانت اعجابهم بالخط العربي مما يجذبهم إلى دراسته ودراسة معناه . فالكتابة بالحروف العربية تتميز بما يسمى بالتواصل الشكلي وهو ما يعرف في الفن التشكيلي بالدائرة .. سواء كانت دائرة صريحة أو موحاة .. فإذا استعرضت حروف ب-ح-د-س- ص إلخ فسوف تجد أنها كلها مجموعة خطوط منحنية تشكل في أساسها أشكالا دائرية أو أجزاء من الدائرة . وكما هو متفق عليه فإن الدوائر في الفن التشكيلي تمثل قمة التوازن وصحة الزوايا والكمال وزيادة في التعبير فقد أضاف الخطاطون المسلمون إلى الخط العربي الكثير من الحليات والنقش الذي يساير معاني الكلمات ويزيد قوة التعبير .

الخط العربي في التاريخ
لقد كان عرب الجاهلية أميين .. لا يعرفون القراءة والكتابة ولم يكن للخط دور يذكر في حياتهم .. وما أن نزل القرآن حتى تغير الوضع ودخل الخط العربي الحياة من كل أبوابها.. فأول ما ظهر من الخطاطين طبقة نساخ القرآن الذين يكتبونه على عظام الجمال وعلى سعف النخيل فكانوا بالدافع العقائدي يحسنون خطوطهم حتى أصبحوا النواة الأولى لكبار الخطاطين الذين ظهروا من بعدهم .. ورغم أن الرسول (صلعم) كان أميا إلا أنه كان حريصا على تعليم المسلمين الكتابة .. فكان الأسير المشرك يطلق سراحه إذا قام بتعليم عشرة مسلمين الكتابة ، وكان صلى الله عليه وسلم يحرص على تعليم زوجاته أيضا ويقول للمعلمة (إلا تعليمنها رقية النملة) أي دقة الخط وتحسينه .

ومع انتشار الإسلام والفتوح الإسلامية أصبحت الكتابة العربية فجأة تواجه أعرق الحضارات في مضمار الكتابة .. ومن ذلك الكتابة الفارسية القديمة والفرعونية والآشورية والهندية .. ولكنها بفضل القرآن سرعان ما اكتسحت هذه اللغات فحلت الحروف العربية محل الحروف الفهلوية عند الفرس . واستخدمها الأفغانيون والباجستان في كتابة لهجاتهم وفي الهند حلت الكتابة العربية مكان الأوردية والهندوستانية . وكذلك كتبت بها النصوص الدينية الإسلامية في الصين وفي عدة بلدان مثل سمرقند وبخاري وجنوبي روسيا .. وأصبحت اللغة العربية لغة العلم والأدب الأولى في العالم كله على مدى عدة قرون حتى قدر المؤرخون الغربيون أن ما كتب من مؤلفات باللغة العربية في أنحاء العالم الإسلامي من غير العرب أضعاف ما كتب من العرب وفي العالم العربي ومع هذا الاتساع في استعمال العربية اتسع أيضا فن الخط العربي .. وأصبح كل شعب مسلم يضيف إليه نوعا جديداً وثراء جديداً .

أنواع الخط العربي

1 ) الخط الكوفي : وقد ظهر في الكوفة ويعتبر أصل الخطوط كلها .. وقد ابتكره الخطاط الإسلامي (ابن مقلة) وهو يأخذ أصوله من الخط المسماري الذي كان سائدا في تلك المنطقة.

2 ) الخط الثلث : ويستعمل في كتابة أسماء الكتب والآيات القرآنية والزخارف في المعمار.

3 ) الخط النسخ : وكان الكتاب ينسخون به المصاحف .

4 ) خط الإجازة : استنبط هذا النوع من خط الثلث وخط النسخ .

5 ) الرقعة : وهو يستعمل في الكتابة العادية لسهولته وقد ابتكره العثمانيون .

6 ) الفارسي : وقد ابتكره الفرس ويستعمله الهنود والأفغان .

7 ) الديواني : وسمي كذلك لاستعماله في دواوين الملوك ومنشؤه في الدولة العثمانية .

8 ) خط الجلي ديواني

من مشاهير الخطاطين
لقد اشتهر في العالم الإسلامي عدد كبير من كبار الخطاطين ووصلوا إلى مكانة مرموقة في الدولة .. ومنهم من أصبحوا وزراء ومقربين من الخلفاء .. ومنهم من كان الحكام يستقدمونه من أقاصي العالم الإسلامي لكي يعملوا في قصورهم ومساجدهم وقد اشتهر في العصر الأموي (قطبة المحرر) أول من ابتدع الخط الشامي وطوره وكذلك اشتهر مالك بن دينار بن حمزة وفي العصر العباسي اشتهر (الأحول المحرر) في عهد المعتصم (وابن مقلة) المتوفي سنة 328هـ وقد كان وزيرا للمقتدر بالله وهو مبتكر خط النسخ .

وفي بخاري اشتهر من الخطاطين العظام مثل الوزير الخطاط والشاعر (مير علي ) وفي تركيا اشتهر عدد كبير من عظماء الخطاطين ، هذا غير فناني الأندلس الذين ما زالت آثارهم خالدة حتى يومنا هذا في قصر الحمراء ومساجد قرطبة وغرناطة وهناك مثل دارج يقول : " أن القرآن قد نزل في مكة وكتب في الأستانة وقرأ في القاهرة " والمقصود بهذا المثل أن تركيا قد أنجبت أعظم الخطاطين للقرآن وكتابة المصاحف وأن أجمل مصاحف التراث الإسلامي قد طبعت في الأستانة .. وفي الوقت نفسه فإن مصر قد أنجبت أشهر القراء .

المصدر
http://www.islamset.com/arabic/asc/fangry1.htmlhttp://www.islamset.com/arabic/asc/fangry1.html

الأندلسى
09-30-2006, 03:48 AM
جزاك الله خيراً أخى الحبيب ...

ملكـــنا هذه الدنــيا قرونا********** وأخضعـها جدود خالدونــا
وسطرنا صحائف من ضياء **********فما نسى الزمان ولا نسينا

آية اللطف
08-20-2009, 02:57 AM
جزاك الله خيرا
للرفع ......

solema
12-08-2009, 10:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

كم كان موضوع رائع وغنى جدا بالمعلومات القيمة
http://www.imanway1.com/horras/images/icons/mid.gifوكم اكتشفت ان كثير من الاكتشافات والاختراعات
كنت احسبها لعلماء غيرمسلمين واكتشفت ان أصولها اسلامية
http://www.imanway1.com/horras/images/icons/icon246.gifبل ذهلت من بعضها الذى كنت اتخيل ان اكتشافه من وقت قريب فقط
وليس من ايام الامويين او العباسين فضلا عن كم العلماء المسلمين الذى كنت اجهل
أسماءهم على الرغم من معرفتى الفترة الزمنية للاكتشاف او الاختراع
http://www.imanway1.com/horras/images/icons/mid.gifوعلى الرغم من معرفتى ان العلماء فى ذلك الوقت كانوا موسوعين ولكنى دهشت
من تكرار اسماء بعضهم فى اكثر العلوم رقى ووتجربة لاهم الاشياء فضلا فى تيسير حياة البشر
http://www.imanway1.com/horras/images/icons/mid.gif وانى والله احس بفخر شديد كونى عربية مسلمة لها هذه الجذور

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .