1- الكتاب المقدسالقسم العاممقالات حراس العقيدةموسوعة نور الحق للرد على النصارى
أخر الأخبار

مناظرة بين الإسلام والنصرانية- الجزء الثاني

مناظرة أظهرت حقائق عن النصرانية يجهلها كثير من الناس . وانتهت باعلان القساوسة المناظرين دخولهم في الإسلام والتبرؤ من أفكار النصرانية المضللة.

الجلسة الثانية

قضية الصلب (بقية) .
نهاية يهوذا الخائن .
تنبؤات المسيح بآلامه .
تنبؤات المسيح بنجاته من القتل .
الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب .

الجلسة الثانية
افتتح الدكتور : محمد جميل غازي هذه الجلسة بقوله :

{ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ }{ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ }{ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } .
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

يقول الله سبحانه وتعالى { وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }{ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ }{ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ

الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }
وبعد ، فبهذه الآيات الكريمة نعلن افتتاح هذه الدورة الثانية من المناظرة بين الإسلام والنصرانية التي نظمت لتكون مناقشة لأفكار أو لعقائد الديانة النصرانية ، ولبعض الشكوك والشبهات التي تثار حول الديانة الإسلامية . ولكني أولا أقدم إليكم جيمس بخيت ليحدثكم عن وجهة نظره أو أسلوبه مع إخوته في إدارة المناقشة فليتفضل .

كلمة جيمس بخيت :

أيها السادة الكرام : نشكر الله على مساعدتنا لمواصلة ما بدأناه من نقاش روحي هادف فيما يختص بالأمور المسيحية والإسلامية أملًا لإزالة الشكوك من نفوس الاخوة الذين تقدموا للالتقاء بسيادتكم . ولا شك أنكم تتوقعون الإجابة أي الرد على ما جاء في النقاش السابق ، ولكن نسبة لظروف خارجة عن إرادتنا فلم نحضر أي رد ، وسيوضح الأخ فضيلة الملحق الديني السعودي بالخرطوم هذه الظروف وشكرا .

كلمة الشيخ : طاهر أحمد طالبي الملحق الديني السعودي :

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ونصلي ونسلم على أنبيائه ورسله وعلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه .
كان من الطبيعي أن يدرس جيمس وزملاؤه النقاش الذي دار في الليلة الماضية ، ثم يحفضروا هذه الليلة وجهات نظرهم حيال ما دار في النقاش .
ولكنه لظروف خارجة عن إرادة الجميع فقد اتفقنا معه هذه الليلة أن يستمر النقاش يوميا ريثما تنتهي الإجابة على جميع الأسئلة التي أوردها في خطابه والتي سجلت على الأشرطة . وبعد ذلك تتاح لهم جميعا الفرصة لدراسة جميع الحلقات والرد عليها متى شاءوا .
هذا ما تم الاتفاق عليه ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع وأن يهدينا سواء السبيل إنه على ذلك قدير وعلى الله وسلم على سيدنا محمد . ثم تحدث الدكتور : محمد جميل غازي قائلًا : في الدورة الأولى تحدث اللواء مهندس أحمد عبد الوهاب عن (قانونية الأناجيل) ولقيت هناك بعض الأسئلة التي وإن كان قد ألم بها سيادة اللواء ولكننا نريد أن نعيد هذه الأسئلة مرة ثانية .

هذه الأسئلة التي سبق أن طرحناها تدور حول : هل يمكن للباحث العلمي أن يقطع أن هناك الآن إنجيلًا ينسب إلى المسيح ؟ ولقد تفضل سيادته بالإجابة فوضح أن هذه المتناقضات الموجودة في الأناجيل على رغم قلة حجمها لأن الأناجيل قليلة جدا في الحجم ، فهذا هو حجم الأناجيل كلها . – ولوح سيادته بأسفار العهد الجديد- فإذا ثبت أن هذه الأناجيل تحتوي على بعض التناقضات ولو تناقضا واحدا- لا مائة تناقض (1) – فإن ذلك يبطل كونها وحيا من عند الله سبحانه وتعالى ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن الذي نزل على رسول أمي وعلى أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب قال : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } .
_________
(1) يراجع في تناقضات العهدين القديم والجديد كتاب (إظهار الحق) لرحمة الله الهندي.

يعني لو أن القرآن كان من عند غير اللُه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . ولذلك فإن كل مسلم يعلن صراحة : أخرجوا لنا تناقضا واحدا من القرآن الكريم بآياته التي بلغت 6236 آية . إن أحدا لا يجرؤ أن يقول إن في القرآن تناقضا واحدا ، ونحن بين أيديكم نستطيع أن نواجه أي اتهام أو شك أو ريب يثبت أن في القرآن تناقضا واحدا . أما الأناجيل فقد رأيتم أنه على قلة حجمها فهي متناقضة ، بل إن هناك تناقضا في الصفحة الواحدة . وأضرب لكم مثلًا لشيء من هذا التناقض في صفحة واحدة .

في إنجيل متى مثلًا نجد عشرات من هذه التناقضات ويمكن أن نشير إلى بعض منها من غير تحيز . يقول السيد المسيح لبطرس : ” وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقدر عليها وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماء ، وكل ما تحله في الأرض يكون محلولا في السماء . إذن- بطرس قال له المسيح : أنت صخرة ، وأنت قوي ، وأن الشياطين لا تستطيع أن تدخل في خلالك ولا أبواب الجحيم ، وأن عليك أبني كنيستي ، ثم أعطاه وعدا أو عهدا عجيبا أن ” ما حللته في الأرض أحله في السماء ، وما ربطته في الأرض أربطه في السماء ” . ما تفعله أنا أفعله وما تريده أنا أريده . أي أن إرادة الله تابعة لإرادة بطرس . وهذا هو الذي جاء في القرآن الكريم حيث قال الله سبحانه وتعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } .

« فقال عدي بن حاتم الطائي وكان نصرانيا وأسلم ، يا رسول الله ما كنا نعبدهم . على أساس فهمه أن العبادة تعني الركوع على رجليه أو الصلاة له . فقال له الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم – : ” ألم يكونوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بكلامهم ” ؟ قال بلى ، قال : ” فتلك عبادتهم من دون الله » (1) . إذن- أن يكون هناك حق التحليل والتحريم لغير الله وحده فهذا هو الشرك . ولذلك نجد الإسلام ينفي أن تكون سلطة التحليل والتحريم إلا لله .

فلا تكون حتى للرسول محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم – فالرسول لا يملك حق التحليل والتحريم إلا بوحي من الله ، والله عتب عليه حينما حرم على نفسه شيئا فقال له : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ } . (2)

في هذا النص الإنجيلي الذي قرأته عليكم نجد مكانة بطرس عالية .
ولكن انظر في آخر الصفحة ماذا يقول ؟
_________
(1) هذا جزء من حديث طويل ، أخرجه الترمذي في كتاب التفسير 4 / 342 ، وابن جرير الطبري في تفسيره 14 / 209-210 ، وعزاه ابن كثير في تفسيره 2 / 349 إلى أحمد في المسند . وقال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن سلام بن حرب ، وغطيف بن أعين : ليس بمعروف في الحديث آخر كلامه . المحقق.
(2) سورة التحريم ، آية 1.

في أول الصفحة نجد بطرس – كما يقول الإنجيل على لسان المسيح – هو الصخرة التي سيقيم عليها المسيح بناء دعوته ، ويشدها إليه ، وهو صخرة راسخة لا تنال أبواب الجحيم منها ، وأن بيده مفاتيح ملكوت السماوات . ثم لا تكاد العين تتملى هذه الصورة العظيمة لبطرس حتى تلقاها صورة أخرى مضادة تماما تمسخ هذا الحواري مسخا وتحيله من إنسان إلهي إلى شيطان مريد . هكذا فجأة . . وأين ذلك ؟ . . في إنجيل متى نفسه وفي نفس الإصحاح رقم 16 وبعد عددين اثنين- أي حوالي سطرين فقط- من كلمات السيد المسيح المبشرة له .
يقول متى : ” من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم . فأخذه بطرس إليه وابتداء ينتهره قائلًا حاشاك يا رب . لا يكون لك هذا . فالتفت وقال لبطرس : اذهب عني يا شيطان . أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس ” (16 : 21-23) .
فانظر كيف كان بطرس في أول الصفحة يقول له المسيح : ما حللته في الأرض أحله في السماء . . ثم في آخر الصفحة يقول له : أنت شيطان .
إن التناقضات كثيرة جدا في الأناجيل . . . .

والآن أقدم الأستاذ : إبراهيم خليل أحمد لبضع دقائق ليحدثنا عن بعض المتناقضات .

كلمة الأستاذ إبراهيم خليل أحمد :

وهنا قال الأستاذ إبراهيم :
يا أستاذ جيمس . . أريد أن أتحدث في هذه الفرصة باعتبار ما كنت قسيسا وأستاذ العقيدة واللاهوت في كلية اللاهوت .
الحقيقة أن عملنا-كمبشرين- كان يستند إلى سند جاء في رسالة بطرس الثانية لنؤكد أن التوراة والإنجيل كُتبٌ موحى بها من الله . فكنا نقول : ” لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان ، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” . طبعا هذا النص الذي جاء على لسان بطرس كما جاء في رسالته الثانية ، سوف يوهم هذا النص أن الكتاب المقدس الموجود حاليا كتاب موحى به من الله .
كذلك يتناول القسيس في عمله بين المسلمين آية من آيات القرآن الكريم .
في سورة آل عمران تقول : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ }{ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ } .

إن القرآن دقيق كل الدقة فهو لم يذكر العهد الجديد ولا العهد القديم ولكنه ذكر التوراة والإنجيل . ولما جاء القرآن ليذكر العهد القديم والعهد الجديد بالكتاب ماذا قال ؟ . . .
قال في سورة آل عمران : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } .
إذن عندما ذكر الكتاب كله بدأ القرآن يوجه التوجيه السليم والصحيح .
وكذلك في سورة النساء ، يقول الحق سبحانه وتعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } .

وجاء في سورة المائدة أيضا عن أهل الكتاب يقول الله سبحانه وتعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } . إذن- لما جاءت الإشارة إلى الكتاب ، جاءت الإشارة بالتنويه إلى التصحيح . لكن لما جاءت الإشارة إلى التوراة والإنجيل جاءت الإشارة بالتصديق دون أن يذكر لا العهد القديم ولا العهد الجديد .

هل انجيل لوقا موحى به من الله؟

نخرج من هذا إلى الأناجيل ذاتها ، ولنتدبر إنجيل لوقا ذاته ، هل كان موحى به من الله ؟ أم كان تحت تأثير وحي الله سبحانه وتعالى ؟ . يقول لوقا : ” إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا . كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة . رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ” . فهو قال : كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء . ولم يقل موحى بها من الروح القدس .

إن لوقا لم يكن من الاثني عشر تلميذا الذين كانوا مع المسيح ، وهذه نقطة لها وزنها في تقييم الموقف .

هل كتب بولس بوحي من الله؟

ثم عندما نأتي لشاول الذي أصبح يعرف ببولس فيما بعد نجد في (الإصحاح 7 من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس) يقول في (العدد 8) : ” أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ” . فهذا الكلام من بولس شخصيا ، وهو يريد الناس أن يبقوا مثله بلا زواج . ثم يقول : ‘ أما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب ألا تفارق المرأة رجلها ” وهذا هو الانفصال دون الطلاق . وعندما تتقدم قليلًا نجده يقول : ” وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب ” فهو مرة يقول ربنا قال ومرة يقول أنا أقول . فكأنه على مستوى الله- سبحانه وتعالى- في الكتاب .

موقف بولس من زواج المؤمنة من المشرك:

وأكثر من هذا فإنه يجعل المرأة المؤمنة لا مانع من أن تتزوج مشركا ، وهذا خطر كبير على الحياة الزوجية بين امرأة مؤمنة ورجل مشرك . فهو يقول : ” والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرتضي أن يسكن معها فلا تتركه ” . هذا كلام بولس .

هل كان هذا الإنسان متيقظا عندما جاء ليصحح الوضع ؟ لكنه عندما أفاق نجده يقول : “ لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم ، وأية شركة للنور مع الظلمة ، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال ، وأي نصيب للمؤمن من غير المؤمن ، وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان ، لأنكم أنتم هيكل الله الحي ، كما قال الله : إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا . لذلك أخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ” لقد جاء هذا الكلام في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس وجاء في (الإصحاح 6 : 14-18).

إذن هو في الرسالة الأولى يقول : والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهي ترتضي أن يسكن معها فلا تتركه . أما في الرسالة الثانية فإنه يقول : اعتزلوا .
هذا ولا شك ذبذبة في الكلام في كتب مقدسة من المفروض تصديقها تصديقا مطلقا ؟

نأتي إلى بولس والعذارى

فنجده يقول أيضا في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس : ” وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أعطي رأيا كمن رحمه الرب أن يكون أمينا . فأظن أن هذا حسن بسبب الضيق الحادث أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا ” .

وأعتقد أن الظنية في الكتب المقدسة شيء رهيب جدا لا يمكن لإنسان الاعتماد عليها .
وأكثر من هذا فإن الزواج في النصرانية لا انفصام له إلا بالموت ، فإذا حدث أن تزوجت امرأة برجل وكرهت الرجل وأرادت أن تتخلص منه بأي كيفية من الكيفيات الشريفة ، تقول : لما يموت تستطيع أن تتزوج . فالإنسانة تبقى منتظرة ساعة الوفاة حتى تتخلص من الرجل الشؤم الذي كان كابوسا على حياتها .
فماذا يقول بولس : “ المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط ، ولكنها أكثر دقة إن لبثت هكذا بحسب رأيي . وأظن أني أنا أيضا عندي روح الله .
فهو لا يصدق نفسه إن كان عنده روح الله أم لا . عندما يصدر كلام كهذا من رجل مثل بولس فإنه يعطينا تشككا رهيبا فيما جاء في العهد الجديد .

هل كتب موسى التوراة؟

وعندما نأتي إلى العهد القديم ونرى الألاعيب التي حدثت فِي العهد الجديد ، نجد أن التوراة وهي الأسفار الخمسة الأولى التي أعطاها موسى للاويين نجد الآتي :

فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلًا خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إليكم ليكون هناك شاهدا عليكم لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة . هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحرى بعد موتي ” (تثنية 34 : 24 ، 27) .
فهذا سيدنا موسى يؤكد للأجيال أن اليهود شعب متمرد ليس على موسى فقط ولكنه متمرد على الله خالق شعب إسرائيل .
ففي سفر التثنية قبل الختام نجد كلاما غريبا يقول في (الإصحاح 34) : ” فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب ” .
هل يستطيع الميت أن يكتب ؟ إذا كان موسى قد مات فكيف يستطيع أن يكتب هذه الأسفار ويقول أنا مت وحدث كذا وكذا . . إذن هذا الكلام ولا شك أنه قد زيد وأن التوراة قد كتبت في غير أيام موسى وحدث لها ما حدث .

التوراة التي كتبها موسى فُقِدت

هذا بالإضافة إلى أنه بدراسة التوراة والإنجيل دراسة تاريخية سنطمئن كل الاطمئنان إلى أن التوراة عموما قد أبيدت . وفي تاريخ إسرائيل نجد أن نبوخذنصر دخل بجيشه إلى الهيكل ودمره وأخذ كل المقتنيات ومن ضمنها الكتب المقدسة والأواني وذهب بها إلى بابل . إذن ثابت تاريخيا أن التوراة التي كتبها موسى قد فقدت نهائيا . فلما أمر كورش ملك الفرس بإرجاع بني إسرائيل إلى فلسطين أخذ عزرا ونحميا بإعادة تدوين التوراة من ذاكرتهما .
إننا لا نسطيع أن نصدق التوراة والإنجيل كلها ، ولا نستطيع أن نكذبها كلها ، لأن العامل الإنساني موجود في هذه الكتب .
لكني كإنسان هداني الله للإسلام ، فلقد كنت قسيسا ولم أهتد إلى الإسلام بسهولة ، فلا بد أن يكون لدي حجة قوية ، وأن الكتب من موسى إلى عيسى تنبأت بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ونجد في سورة النساء الآية 82 يقول الله سبحانه وتعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } .

ليس المفروض أن يكون كل الناس علماء وأن يفرغوا وقتهم للدراسة والمقارنة ، ولكني أعتقد أن ما قرأته على مسامعكم من رسائل بولس إلى أهل كورنثوس يبين وجود العنصر البشري في العهد الجديد .
هذا ونجد الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم – يقول : إنما أنا بشر ، ولم يقل أنا إله . فالقرآن يقول :
] { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } . ويتحدى القرآن كل المخلوقات فيقول : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } .

تعقيب للدكتور محمد جميل غازي :

وهنا وجه الدكتور محمد جميل غازي قوله إلى الأستاذ إبراهيم خليل أحمد قائلًا : إذن نستطيع أن نقطع بأن إنجيل المسيح غير موجود ؟

فقال الأستاذ إبراهيم خليل : هذا مؤكد .

وهنا سأل الدكتور جميل : فكيف يقول القرآن الكريم : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ } ؟ ويقول : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } . وبقول الله تعالى : { قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . فأي توراة يقصد وأي إنجيل ؟
أجاب الأستاذ إبراهيم خليل أحمد : بأن التوراة الموجودة مدبجة بكلام ينسب لموسى وليس كل ما فيها كلام موسى . وكذلك الإنجيل مدبج بكلام ينسب للمسيح ولكن ليس كل ما فيه كلام المسيح .

تعقيب آخر للدكتور محمد جميل غازي :

وقال الدكتور جميل : نستطيع أن نجمل الإجابة في أن الله سبحانه وتعالى لما قال : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } وقال : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ } . بينَّ ربنا سبحانه وتعالى في قوله لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } . إذن المرجع الوحيد لما صح من الإنجيل ، ولما صح من التوراة ، ولما رضيه الله ، هو القرآن الكريم ، فما أثبته القرآن وأقره فهو حق ، وما نسخه القرآن فقد انتسخ ، وما رد عليه القرآن الكريم فهو باطل .

بعد ذلك قال الدكتور محمد جميل غازي : والآن نقدم اللواء أحمد عبد الوهاب ليحدثنا عن الصلب والقيامة والفداء ، وهي من الموضوعات الأساسية ، بل وأخطر الموضوعات في الديانة النصرانية على الإطلاق .

الصلب والقيامة والفداء

بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ في هذه الجلسة باستكمال عناصر قضية الصلب . وكنا قد انتهينا . بالأمس عند مناقشة تهمة الخيانة ، ورأينا أن الشيطان دخل يهوذا قبل العشاء الأخير حسب رواية لوقا – لكنه حسب رواية يوحنا دخل يهوذا بعد أن أعطاه المسيح اللقمة أثناء العشاء الأخير فخرج ليتآمر عليه .

آلام المسيح ومتاعبه في الحديقة

ونبدأ الآن بعنصر معروف تحت عنوان : المعاناة في الحديقة أو آلام المسيح ومتاعبه في الحديقة . وسوف نقرأ النص ، ودائما أبدأ بإنجيل مرقس باعتباره أقدم الأناجيل ، ولكن أرجو أن نركز ونحن نسمع النص الذي يصف هذه الفترة الهامة والحاسمة من حياة المسيح ، عما إذا كانت الصورة التي رسمها كتبة الأناجيل للمسيح هنا تبين أنه جاء ليبذل دمه فدية عن كثيرين ، ومن ثم كان الصلب وسفك دمه هدفا رئيسيا لرسالته ، كما يقولون ، أم أن المسيح فوجئ بقوة الظلم تكاد تطبق عليه ، وأن حياته باتت مهددة بالخطر بشكل لم يكن يتوقعه ، ولذلك أصابته حالة من الرعب القاتل كان يود في كل لحظة من لحظاتها أن ينجو من الخطر وينقذ نفسه من الموت .

5- آلام المسيح (1) :

ويقول مرقس : ” وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني ، فقال لتلاميذه : اجلسوا هاهنا حتى أصلي .
ثم أخذ معه بطرس ويعقوب وابتدأ يدهش ويكتئب . وقال لهم : نفسي حزينة جدا حتى الموت . امكثوا هاهنا واسهروا .
ثم تقدم قليلا وخر على الأرض وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن وقال يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك . فاجز عني هذه الكأس . ولكن ليكن لا ما أريد أنا ، بل ما تريد أنت .
_________
(1) هذا الرقم (5) تابع للموضوعات الأربعة التي سبقت في الجلسة السابقة.

ثم جاء ووجدهم نياما . فقال لبطرس يا سمعان أنت نائم . أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة ؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة . أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف . ومضى أيضا وصلى قائلًا ذلك الكلام بعينه . ثم رجع ووجدهم نياما إذ كانت أعينهم ثقيلة فلم يعلموا بماذا يجيبونه . ثم جاء ثالثة وقال لهم : الآن استريحوا ، يكفي ، قد أتت الساعة ، هو ذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ، قوموا لنذهب ، هو ذا الذي يسلمني قد اقترب ” (14-32-42) .

إن أبسط تعليق على هذا الكلام هو أنه واضح تماما أن المسيح لم يكن يتوقع هذه المفاجأة المذهلة وهي أن أعداءه سيقتنصونه ، وطبعا هو يعلم أنهم عندما يمسكونه فلسوف يقتلونه . ولذلك كان يصلي في كل وقت لكي تعبر عنه هذه الساعة أو هذه المحنة أو هذه الكأس ، حتى ينجو .

إذن نستطيع أن نقرر- مبدئيا- بأن أي قول يقول أنه جاء ليبذل نفسه فدية عن كثيرين ، أو أن سفك دمه كان ضروريا للتكفير عن خطيئة آدم أو خطايا البشر ، كل ذلك لا يمكن قبوله .
وإذا كان عصيان آدم ، يكون تكفيره بقتل ابن الإله غصبا عن ابن الإله نفسه ، فهذه كارثة أكبر ؟ لأن الخطيئة تتضاعف تماما بهذه الصورة .

بعد ذلك نذهب لمعرفة آراء العلماء ومفسرو الأناجيل .
يقول دنيس نينهام : ” لقد انقسمت الآراء بعنف حول القيمة التاريخية لهذا الجزء وجرى تساؤل عما إذا كان يعتبر في الحقيقة جزءا من المصدر الذي روى عنه القديس مرقس .
ويؤكد آخرون أنه لم يكن في مقدور أحد أن يكون شاهدا لأغلب الحوادث المذكورة هنا ، كما لم يكن في مقدوره أن يعلم ماهية الصلاة التي صلاها يسوع وحيدا . ولذلك فإنهم يعتبرون أن الصلاة النموذجية (في العدد 36) وتكرارها ثلاث مرات إنما هي شيء مصطنع مثل القول بإنكار بطرس ثلاث مرات .
إن القرار الموثوق منه (حول حقيقة ما جرى في الحديقة) مستحيل (1) .
أما رواية لوقا عن آلام المسيح فنجد فيها ما يجعلنا نعرضها- إذ أنها تقول : ” وخرج ومضى كالعادة إلى جبل الزيتون وتبعه أيضا تلاميذه ، ولما صار إلى المكان قال لهم صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص389-390.

وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلى قائلًا : يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك . وظهر له ملاك من السماء يقويه . وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض . ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياما من الحزن ، فقال لهم : لماذا أنتم نيام قوموا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة ” (22 : 39-46) .

ويقول جورج كيرد في تفسيره لهذه الفقرات : ” حسب رواية مرقس (الذي كان مصدرا للوقا ) نجد أن يسوع بدأ يكتنفه الآن الفزع والذهول وقد تحدث إلى تلاميذه عن الحزن الذي صحب استنزاف حياته وتلاشيها . ولما كان غير قادر على رفقة أعز أصحابه (تلاميذه) فإنه قضى الليل في تشنجات متتالية من صلاة المكروب . ولكن رواية لوقا المختصرة (بالنسبة لرواية مرقس ) تعطينا بقدر الإمكان انطباعا أقوى من حالة الاضطراب التي حلت بيسوع . فلقد أخبرنا أن يسوع هو الذي انتزع نفسه بعيدا عن أصحابه ، وأنه كان في ألم مبرح ، وأن عرقه صار مثل قطرات الدم .

وعندما نتذكر الشجاعة والثبات التي واجه بها الموت رجال آخرون شجعان بكل أشكاله البربرية وما كان يصحب ذلك من تعذيب مفرط ، فلا يسعنا إلا أن نتساءل عن ماهية الكأس التي كان يسوع يرجو الله- في صلاته- أن يجيزها عنه . إن صلاة يسوع ترينا أن عذاب الشك كان أحد عناصر محنته المعقدة .
فلكم تنبأ بآلامه لكنه الآن عشية حدوثها نجده ينكص على عقبيه .

حذف العددين 34، 44: وظهر له ملاك من السماء يقويه

هذا- ولما كانت بعض المراجع القديمة تحذف العددين 43 ، 44 اللذين يقولان : (وظهر له ملاك من السماء يقويه . وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض) ، ورغم وجودهما في أغلب النسخ وإلمام علماء المسيحية في القرن الثاني بهما ” فإن هذا الحذف يمكن إرجاع سببه (كما يقول جورج كيرد ) إلى فهم أحد الكتبة بأن صورة يسوع هنا ، وقد اكتنفها الضعف البشري ، كان يتضارب مع اعتقاده في الابن الإلهي الذي شارك أباه في قدرته القاهرة ” (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل لوقا : ص243.

فإذا سلمنا بأن هذا هو حقيقة ما حدث للمسيح في الحديقة فإن هذا يعني بوضوح أنه لم يكن يتوقع القتل إطلاقا . وبالنسبة لعذاب الشك الذي أصابه فيمكن إرجاعه إلى أنه لا بد وقد اطمأن مسبقا إلى أن أعداءه لن يتمكنوا من اصطياده- وهو ما سوف نعود إلى الحديث عنه بشيء من التفصيل تحت عنوان : ” تنبؤات المسيح بنجاته من القتل ” – أما وقد رأى أعداءه على وشك اصطياده ، فهناك أصابه عذاب الشك فيما إذا كان سينجو حقا أم أنهم سيقضون عليه .

6- القبض :

يقول مرقس : ” وللوقت فيما هو يتكلم أقبل يهوذا واحد من الاثني عشر ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ . وكان مسلمه ( يهوذا ) قد أعطاهم علامة قائلًا الذي أقبله هو ، هو ، أمسكوه وامضوا به بحرص . فجاء للوقت وتقدم إليه قائلًا يا سيدي يا سيدي . وقبله . فألقوا أيديهم عليه وأمسكوه .

فاستل واحد من الحاضرين السيف وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه .

فأجاب يسوع وقال لهم كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلم ولم تمسكوني ، ولكن لكي تكمل الكتب ، فتركه الجميع وهربوا ، وتبعه شاب لابسا إزارا على عريه فأمسكه الشبان ، فترك الإزار وهرب منهم عريانا ” (14 : 43-52) .

لقد كانت القبُلة هي بداية عملية القبض ، ونجد هذا قد اتفق فيه متى ولوقا مع مرقس ، مع خلاف يسير . أما عند يوحنا فلا مكان للقبُلة ، كما أنه يعطي صورة مختلفة تماما عما روته الأناجيل الثلاثة المتشابهة- فهو يقول : ” أخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسيين ، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح .

فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال : من تطلبون ؟

أجابوه يسوع الناصري . قال لهم يسوع : أنا هو . وكان يهوذا مسلمه أيضا واقفا معهم .
فلما قال لهم : إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض .

فسألهم من تطلبون ؟ فقالوا : يسوع الناصري . أجاب يسوع : قد قلت لكم إني أنا هو فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون ” (18 : 3-8) .

لقد اتفقت الأناجيل الأربعة على شيء هام وهو أنه ابتداء من ذلك الوقت الذي كان في ظلمة الليل- لأنهم جاءوا بمشاعل ومصابيح- فقد تركه التلاميذ كلهم وهربوا .

أين شك التلاميذ ؟

لقد سبق أن ذكرت الأناجيل على لسان المسيح قوله لتلاميذه : ” كلكم تشكون في ، في هذه الليلة ” .
ونحن هنا أمام احتمالين :
أحدهما– أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده ، ورغم أنها ستسبب له ألما ومعاناة ، إلا أنها ستفشل وينقذه الله من القتل الذي ينتظره على أيدي مدبريها .
ثانيهما– أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده وتسبب له ألما ومعاناة وتنتهي بقتله .

فإن كانت الحالة الأولى ، ورأى التلاميذ- حسبما ترويه الأناجيل بكل وضوح- أن المسيح قبض عليه في تلك الليلة ، واستطاعت قوى الظلم أن تنتصر عليه وتحقق ما تريد ، فعندئذ لا بد وأن يشك التلاميذ في معلمهم الذي تنبأ لهم بنجاته ، ثم أظهرت الحوادث أمام أعينهم بعد ذلك أنه لم يحدث . هنا فقط يحدث الشك والزلل والارتداد عن العقيدة .

ومن المعلوم أن الشك غير الإنكار ، ذلك أن اللص الذي يقبض عليه ، قد ينكر السرقة ، لكنه في الوقت نفسه أول من يعلم يقينا أنه سرق ، فهو لا يشك في السرقة رغم أنه ينكر ذلك .

ولما كانت الأناجيل قد أظهرت جميعا أن التلاميذ لم يشكوا في المسيح في تَلك الليلة- وإنما تحدثت عن إنكار بطرس أنه من تلاميذه- فإن هذا يعني أن الأحداث سارت حسبما جاء في تلك الحالة التي تنتهي بنجاة المسيح من القبض والقتل .

أما إن كانت الحالة الثانية وهي أن المسيح تنبأ لتلاميذه بالقبض عليه وقتله ، فإن ما شاهده التلاميذ- حسب رواية الأناجيل أيضا- هو أن ذلك ما حدث ، ولا محل للشك- إذن- في هذه الحالة .

ولا ريب في أن نفي الشك عن التلاميذ في تلك الليلة ، يترتب عليه بالضرورة إلحاق تنبؤات خاطئة بالمسيح ، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يصدر عنه ، وهو أمر ننكره ونستنكره .

مما سبق نجد أن الأناجيل الأربعة اختلفت في قصة القبض وملابساتها :
فقد روى كل من مرقس ومتى أن يهوذا قبَّل المسيح ، وروى لوقا أن يهوذا كان على وشك أن يقبِّله ، بينما لا يعرف يوحنا شيئا عن القبُلة .
ويذكر كل من مرقس ومتى أن تحية وكلاما جرى بين يهوذا والمسيح ، ويصمت لوقا عن تلك التحية ، بينما لا يذكر يوحنا شيئا عن يهوذا سوى الصمت التام بعد أن قاد القوة للقبض عليه في البستان .
وإذا صرفنا النظر عما جاء في روايتِي الاثني عشر جيشا من الملائكة ، والشاب الذي هرب عريانا- لبقيت ثلاث نقاط أساسية لا بد من استيعابها تماما للوقوف عندها وهي :

1- أن القبُلة كانت الوسيلة الوحيدة لتعريف أفراد القوة بشخصية المسيح (حسب مرقس ومتى ولوقا ) ، بينما تم ذلك في يوحنا بعد أن أظهر المسيح ذاته إليهم بطريقة تنم عن التحدي والثبات الذي يتحلى به المجاهدون من أصحاب العقائد والرسالات .

2- وأن حادثا غير عادي قد وقع في تلك اللحظة ، مما أذهل أفراد القوة وجعلهم يرجعون إلى الوراء ويسقطون على الأرض .

3- وأن التلاميذ – حسبما يرويه كتبة الأناجيل- لم يشكوا في المسيح ولو للحظة واحدة من تلك الليلة التي حدث فيها القبض .

ولما كانت قصة المسيح بكل تفاصيلها ، ترد دائما إلى تنبؤات العهد القديم وخاصة سفر المزامير ، فإن المزمور 91 الذي يستشهد به كثيرا- يقول :
لأنك قلت يا رب ملجاي . جعلت العلى مسكنك ” .
لا يلاقيك شر ، ولا تدنو ضرلة من خيمتك .
لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك . على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك .
أرفعه لأنه عرف اسمي ، يدعوني فأستجيب له ، معه أنا في الضيق .
أنقذه وأمجده ، من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصي ” (91 : 9- 16) .

أليس من حق القائل أن يقول إن ملائكة الله قد حملت المسيح على أيديها في تلك اللحظة التي كادت تزفي فيها قلوب المؤمنين ، بعد أن رأى المسيح وتلاميذه أن سلطان الظلمة على وشك أن يبتلعهم ؟
وإذا قيل : أين ذهب المسيح بعد ذلك ؟
نقول : وأين ذهب إيليا ( إلياس ) الذي رفع إلى السماء ؟

وفي هذا تقول أسفار العهد القديم : ” وفيما هما ( إيليا وتلميذه اليشع ) يسيران ويتكلمان ، إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء . وكان اليشع يرى وهو يصرخ يا أبي يا أبي مركبة إسرائيل وفرسانها . ولم يره بعد ” – (الملوك الثاني 2 : 11- 12)

وكما سبق أن رفع أخنوخ ( إدريس ) إلى السماء ، كما تقول الأسفار :
” وسار أخنوخ مع الله ، ولم يوجد لأن الله أخذه . (تكوين 5 : 24)

كل ما فعله المسيح من معجزات له سابقة فعلها الأنبياء قبله

الحق أنه من رحمة الله -سبحانه وتعالى- بالناس ، أن كل ما فعله المسيح من معجزات له سابقة فعلها الأنبياء قبله . فإذا كان قد أحيا أمواتا لا يزيد عددهم حسبما ترويه الأناجيل عن ثلاثة- فقد أحيا واحد من الأنبياء . قبله جيشا عظيما من الموتى ، كما أحيا غيره أفرادا ماتوا حديثا أو بعد أن انقضى على موتهم مدة طويلة .
وبالنسبة للمباركة وتكثير الطعام التي مارسها المسيح ، فإنها حدثت كذلك مع الأنبياء قبله .
وبالمثل كانت عملية شفاء المرضى التي مارسها الأنبياء السابقون .
إن هذا كله رحمة من الله بخلقه ، حتى لا يضلوا في المسيح ويفتنوا به فيتخذونه إلها .

7- المحاكمة :

لم تتفق الأناجيل على عدد المحاكمات ، ونظرا لضيق الوقت فسوف نكتفي بالحديث عن محاكمتين فقط .

أ- المحاكمة الأولى : أمام مجمع اليهود :

يقول مرقس : ” مضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة فاجتمع ومعه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة .
وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل دار رئيس الكهنة وكان جالسا بين الخدام يستدفئ عند النار .
وكان رؤساء الكهنة والمجمع كله يطلبون شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا . لأن كثيرين شهدوا عليه زورا ولم تتفق شهاداتهم . . ثم قام قوم وشهدوا عليه زورا قائلين نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأياد . ولا بهذا كانت شهاداتهم تتفق .
فقام رئيس الكهنة في الوسط وسأل يسوع قائلًا : أما تجيب بشيء . . ماذا يشهد به هؤلاء عليك .
أما هو فكان ساكتا ولم يجب بشيء .
فسأله رئيس الكهنة أيضا وقال له : أأنت المسيح ابن المبارك ؟
فقال يسوع : أنا هو . وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء .

فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال : ما حاجتنا بعد إلى شهود ؟ وقد سمعتم التجاديف . ما رأيكم ؟ . فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت . فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ولقولون له : تنبأ . وكان الخدام يلطمون ” (53 : 14-65) .

يقول نينهام : ” ليس من السهل أن نتبين كيف نشأ هذا الجزء . ولقد كان السؤال حول قيمته التاريخية- ولا يزال- موضوعا يتعرض لمناقشات حيوية .

ومن الواجب أن نعرض الأسباب الرئيسية للشك في قيمته التاريخية ، ونناقشها باختصار كما يلي :

1- يصف القديس مرقس المحاكمة على أنها حدثت أمام المجمع- أي السهندرين- وهو هيئة رسمية تتكون من واحد وسبعين عضوا يرأسها رئيس الكهنة وتمثل السلطة الشرعية العليا في إسرائيل .
ولما كانت لائحة السهندرين المذكورة في المشنا ، تبين الخطوات التفصيلية التي يجب اتخاذها أمام تلك الهيئة ، فإن المقارنة بين تلك الإجراءات وبين ما يذكره القديس مرقس عن محاكمة يسوع ، تكشف عن عدد من المتناقضات أغلبها جدير بالاعتبار .

2- ولكن ، هل كان من الممكن أن يجتمع أعضاء السهندرين ، ولو حتى لعمل مثل تلك الإجراءات القضائية الرسمية التي تسبق المحاكمة في منتصف ليلة عيد الفصح ، أو إذا اعتبرنا أن تقويم القديس مرقس لأسبوع الأحداث غير دقيق ، فهل كان يمكن أن يجتمعوا في منتصف الليلة السابقة لعيد الفصح ؟ إن محاكمة رسمية في مثل ذلك الوقت تبدو شيئا لا يمكن تصديقه ، كما يشك أغلب العلماء تماما في عقد جلسة في مثل ذلك الوقت ، ولو لعمل تحقيقات مبدئية ” (1) .

المحاكمة الثانية أمام بيلاطس :

يقول مرقس : ” وللوقت في الصباح الباكر تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله وأوثقوا يسوع ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس .
فسأله بيلاطس : أنت ملك اليهود ؟ فأجاب وقال له : أنت تقول ؟ وكان رؤساء الكهنة يشتكون عليه كثيرا .
فسأله بيلاطس أيضا قائلًا أما تجيب بشيء ؟ انظر كم يشهدون عليك .
فلم يجب يسوع أيضا بشيء حتى تعجب بيلاطس . وكان يطلق لهم في كل عيد أسيرا واحدا ، من طلبوه . وكان المسمى باراباس موثقا مع رفقائه في الفتنة ، الذين في الفتنة فعلوا قتلًا .
فصرخ الجميع وابتدأوا يطلبون أن يفعل كما كان دائما يفعل لهم .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص398-401.

فأجابهم بيلاطس قائلًا : أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود ؟ لأنه عرف أن رؤساء الكهنة كانوا قد أسلموه حسدا . فهيج رؤساء الكهنة الجميع لكي يطلق لهم بالحري باراباس .فأجاب بيلاطس أيضا وقال لهم : فماذا تريدون أن أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود ؟ فصرخوا أيضا : اصلبه . فقال لهم بيلاطس : وأي شر عمل ؟ فازدادوا جدا صراخا : اصلبه .
فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجميع ما يرضيهم أطلق لهم باراباس وأسلم يسوع بعد ما جلده ليصلب ” (15 : 1-15) .

يقول نينهام ” ” رغم أن المحاكمة تعرض لنا باعتبارها وقعت في العراء- فإن رواية القديس مرقس لا يمكن اعتبارها بأية حال تقريرا لشاهد عيان ، وفي الواقع إنها ليست تقريرا على الإطلاق .
إننا لم نخطر كيف علم بيلاطس بالتهمة (وفي العدد 2 نجده قد عرفها من قبل) ولماذا لم يرد ذكر لحكم رسمي (على عكس لوقا الذي يقول : فحكم بيلاطس أن تكون طلبتهم-23 : 24) .

وبالنسبة لما قيل عن عادة إطلاق أحد المسجونين- فإن وجهة نظر أغلب العلماء تقرر أنه : لا يعرف شيئا عن مثل هذه العادة كما وصفت هنا . إن القول بأن عادة الحكام الرومان جرت على إطلاق أحد المسجونين في عيد الفصح ، وأن الجماهير هي التي كانت تحدد اسمه بصرف النظر عن جريمته ، إنما هو قول لا يسنده أي دليل على الإطلاق ، بل إنه يخالف ما نعلمه عن روح الحكم الروماني لفلسطين وأسلوبه في معاملة أهلها .

الحوار بين بيلاطس والجمهور محل شك

على أن محتويات الحوار بين بيلاطس والجمهور تعتبر من المشاكل أيضا ، فيبدو منها أن بيلاطس قد وُوجِه مقدما بالاختيار بين مجرمين أدينا ، بحيث إذا أطلق سراح أحدهما لوجب عليه إعدام الآخر ، وفي نهاية الفقرة التالية (الأعداد 2- 5) نجد أن يسوع لم يدن . وحسبما تذكره القصة لا نجد مبررا يمنع بيلاطس من تبرئة يسوع إذا كان قد اعتقد في براءته وإصدار عفو كذلك عن باراباس . ونجد في رواية القديس متى لهذه القصة أن اسم ذلك المتمرد قد ذكر مرتين (في 27 : 16 ، 17) في أغلب النسخ على أنه : يسوع باراباس ، والاعتقاد الشائع أن ذلك كان القراءة الأصلية .

إن حذف كلمة يسوع من النسخ المتداولة بيننا يمكن شرحه ببساطة على أساس أنه بالرغم من أن اسم يسوع كان شائعا في أيام المسيح . . فلم يلبث المسيحيون أن اعتبروه اسما مقدسا يرقي عن الاستخدام العادي ، وأن اطلاقه على أحد المجرمين يعتبر مهينا ” (1) .

ولقد أضاف متى إلى رواية مرقس قصتين : إحداهما تحكي نهاية يهوذا ، وهذا الموضوع سوف نتعرض له في حينه ، وأما الأخرى فهي الحديث عن حلم زوجة بيلاطس . كذلك بين متى أن بيلاطس أعلن براءته من دم المصلوب بطريقة قاطعة فهو يقول : ” فقال الوالي وأي شر عمل ؟ فكانوا يزدادون صراخا ليصلب . فلما رأى بيلاطس أن لا ينفع شيئا بل بالحرى يحدث شغب أخذ ماء وغسل يديه قدام الجميع قائلًا إني بريء من دم هذا البار ، أبصروا أنتم . فأجاب جميع الشعب وقالوا : دمه علينا وعلى أولادنا .
حينئذ أطلق لهم باراباس . وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب ” (27 : 23- 26) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص411-416.

لكن العلماء يشكون في حادث غسل يد بيلاطس – كما يقول جون فنتون – باعتبار أن ” عملية غسل اليد لتكون دليلًا على البراءة إنما هي عادة يهودية أكثر منها رومانية ، إذ يقول سفر التثنية : يغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من المدينة أيديهم ، ويقولون أيدينا لم تسفك هذا الدم .
ومن المستبعد جدا أن يكون بيلاطس قد عمل شيئا كهذا ” (1) .

نكتفي بهذا القدر بالنسبة لبعض ما يقال في المحاكمات والثغرات الموجودة فيها ثم نمر بعد ذلك على عدد من العناصر التي تتعلق بقضية الصلب ، وهي لا تحتاج كثيرا للاستشهاد بأقوال العلماء ، إذ أن اختلاف الأناجيل فيها واضح لا يحتاج إلى تعليق .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص436 .

8 – الصلب :

1 – حامل الصليب :

يقول مرقس : ” ثم خرجوا به ليصلبوه . فسخروا رجلا مجتازا كان أتيا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندرس وروفس ليحمل صليبه وجاءوا به إلى موضع جلجثه الذي تفسيره موضع جمجمة ” ( 15 : 20 -22 ) .
ويتفق متى ولوقا مع مرقس في أن حامل الصليب كان المدعو سمعان القيراوني لكن يوحنا يقرر شيئا آخر فهو يقول : ” حينئذ أسلمه إليهم ليصلب فأخذوا يسوع ومضوا به . فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة ) ( 19 : 16 -17 ) .
يقول نينهام : ” لقد كان المعتاد أن يقوم الذين حكم عليهم بالصلب ، بحمل صلبانهم بأنفسهم . . ويقرر يوحنا أن هذا كان ما حدث فعلا في حالة يسوع ، ولكن على العكس من ذلك نجد حسب رواية ( مرقس ومتى ولوقا ) أن شخصا مجهولا يدعى سمعان القيرواني هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلا من يسوع .
وبالنسبة لموضع جلجثة فإن التقاليد التي تقول إنه يقع داخل كنيسة القبر المقدس لا يمكن إرجاعها لأبعد من القرن الرابع ، كما أنها لا تزال موضع جدل . ولقد اقترحت أماكن أخرى في عصرنا الحاضر ، إلا أن القطع بواحد منها لا يزال بعيدا عن التحقيق ” (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص422 .

أي أن الحديث عن القبر المقدس الذي يقول المسيحيون إن المسيح دفن فيه ، وكان سببا من الأسباب الظاهرة للحروب الصليبية التي ادعى مشعلوها أنها قامت لتخليص ذلك القبر المقدس من أيدي الكفرة والتي استمرت أكثر من 280 عاما ، وقتل فيها من المسيحيين والمسلمين عشرات الألوف ، ودمر فيها الكثير من المدن وأسيلت فيها دماء الكثير من الأبرياء – كل هذا قام على غير أساس .

ب – شراب المصلوب :

يقول مرقس : ” أعطوه خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل ” ( 15 : 23 ) .
ويقول متى : ” أعطوه خلًا ممزوجا بمرارة ليشرب ، ولما ذاق لم يرد أن يشرب ” ( 27 : 34 ) .
– علة المصلوب :
يقول مرقس : ” وكان عنوان علته مكتوبا : ملك اليهود ” ( 15 : 26 ) .
ويقول متى : ” وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة : هذا هو يسوع ملك اليهود ” ( 27 : 37 ) .
ويقول يوحنا : ” وكتب بيلاطس عنوانا ووضعه على الصليب ، وكان مكتوبا يسوع الناصري ملك اليهود ” ( 19 : 12 ) .

يقول نينهام : القد اختلفت الآراء بشدة حول صحة ما كتب عن علته ، فيرى بعض العلماء أن الصيغة الدقيقة قد عرفت عن طريق شهود عيان ، بينما يعتقد آخرون أنه من غير المحتمل أن يكون الرومان قد استخدموا مثل تلك الصيغة الجافة ، وأن ما ذكره القديس مرقس بوجه خاص عن علته ، إنما يرجع مرة أخرى لبيان أن يسوع قد أعدم باعتباره المسيا ” (1) .

إن اختلاف الأناجيل في عنوان علة المصلوب – وهو ما لا يزيد عن بضع كلمات بسيطة كتبت على لوحة قرأها المشاهدون – إنما هي مقياس لدرجة الدقة لما ترويه الأناجيل . وطالما كان هناك اختلاف – ولو في الشكل كما في هذه الحالة – فإن درجة الدقة لا يمكن أن تصل إلى الكمال بأي حال من الأحوال . وقياسا على ذلك نستطيع تقييم درجة الدقة لما تذكره الأناجيل من ألقاب المسيح ، وخاصة عندما ينسب إنجيل إلى أحد المؤمنين به قوله : كان هذا الإنسان بارا ، بينما يقول إنجيل آخر في نفس الوقت : كان هذا الإنسان ابن الله . أو عندما يقول أحد الأناجيل على لسان تلميذ للمسيح : يا معلم ، ويقول إنجيل آخر : يا سيد ، بينما يقول ثالث : يا رب .

إن الحقيقة تبقى هنا دائما محل خلاف .

د – اللصان والمصلوب :

_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .

يقول مرقس : ” وصلبوا معه واحدا عن يمينه وآخر عن يساره . . واللذان صلبا معه كانا يعيرانه ” ( 15 : 27 -32 ) .
ويتفق متى مع مرقس في أن للصين كانا يعيرانه ويستهزئان به .
لكن لوقا يقول : ” وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا .
فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه . أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلناه ، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله .
ثم قال ليسوع : اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك . فقال له يسوع : الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس ” ( 23 : 39 – 43 ) .
لقد اختلفت الأناجيل في موقف اللصين من المصلوب . .

هـ – وقت الصلب :

يقول مرقس : ” وكانت الساعة الثالثة فصلبوه ” ( 15 : 25 ) .
لكن يوحنا يقول : إن ذلك حدث بعد الساعة السادسة : ” وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة .
فقال ( بيلاطس ) لليهود هو ذا ملككم فصرخوا خذه خذه اصلبه .
فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب ” ( 19 : 14 -16 ) .

يقول نينهام : ” منذ اللحظة التي روى فيها القديس مرقس إنكار الناس ليسوع نجد أن الوقت قد خطط بعناية بحيث تكون الفترة ثلاثية الأحداث أو التوقيتات مثل : ( إنكار بطرس ثلاث مرات 14 : 68 ، 72 وقت الصلب الساعة الثالثة 15 : 25 – وقت الظلمة من السادسة إلى التاسعة 15 : 33 ، 34 ) .
وفي هذا المثل على الأقل فإن الحساب يبدو مصطنعا ، إذ أنه من الصعب أن كل ما روت الأعداد ( 15 : 1 – 24 ) ( منذ بدء جلسة الصباح حتى وقت الصلب ) يمكن حدوثه في فترة الثلاث ساعات .
ويبين إنجيل يوحنا ( 19 : 14 ) بوضوح أن ذلك لم يحدث ” . (1) .

و – صلاة المصلوب :

يقول لوقا : ” ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره .
فقال يسوع : يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ” ( 23 : 33 – 34 ) .
لقد انفرد لوقا بذكر هذه الصلاة التي حذفتها الأناجيل الأخرى ، بل وبعض النسخ الهامة التي تنسب للوقا أيضا .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .

ويقول جورج كيرد : ” لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى لإنجيل ( لوقا ) بواسطة أحد كتبة القرن الثاني ، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود . ولملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي 70 ، 135 صار من المؤكد أن الله لن يغفر لهم ” (1) .
ز – صرخة اليأس على الصليب :
يقول مرقس : ” ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة . وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : ” الوي الوي لما شبقتني ” ، الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني ” ( 15 : 32 – 34 ) .
لكن لوقا يقول : ” نادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك أستودع روحي ” ( 23 : 46 ) .
بينما يقول يوحنا : ” لما أخذ يسوع الخل قال قد أكمل ” ( 19 : 30 ) . إن صرخة اليأس على الصليب تثير عددا من المشاكل التي كانت ولا تزال موضع جدل بين العلماء ، فالبعض يقول : ” يبدو أن القديسين لوقا ويوحنا قد رأيا في كلماتهما غموضا واحتمالا لسوء الفهم ولذلك حذفاها ، ثم استبدلها أحدهما بقوله : يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، بينما قال الآخر : قد أكمل . .
_________
(1) تفسير إنجيل لوقا : ص250 .

وعلى العكس من ذلك فإن مثل هذا الرأي يفترض الراوية الذي كان شاغله الأول أن يذكر الحقيقة التاريخية ، ويسجل بأمانة للأجيال القائمة كلاما مزعجا يتعذر تفسيره . .
ولهذا فإن أغلب العلماء المحدثين يقرون تأويلًا مختلفا تماما ، يقوم على حقيقة أن هذه الكلمات ( اليائسة ) إنما هي اقتباس من ( المزمور 22 : 1 ) . وإذا أخذنا هذا المزمور ككل ، فإنه لا يمكن أن يكون صرخة يأس بأي حال من الأحوال ، إنما هو صلاة لعبد بار يعاني آلاما ، إلا أنه يثق تماما في حب الله وحفظه من الشر ، وهو مطمئن تماما إلى حمايته ” (1) .

ح – في أعقاب الصلب :

يقول مرقس : ” انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، ولما رأى قائد المائة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله ” ( 15 : 38 – 39 ) .
ويقول متى : ” وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين ” ( 27 : 51 -53 ) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص427 -428 .

ويقول لوقا : ” أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه . فلما رأى قائد المائة ما كان ، مجد الله قائلًا : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا ” ( 22 : 45 – 47 ) .

أما يوحنا فإنه لا يعلم شيئا عن ذلك .

يقول جورج كيرد : ” إن حدوث كسوف للشمس ( حسب رواية لوقا ) بينما يكون القمر بدرا ، كما كان وقت الصلب ، إنما هو ظاهرة فلكية مستحيلة الحدوث . . ولقد كان الشائع قديما أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء ، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان (1) بسبب تعاسته ” (2) .

ويقول نينهام : ” لقد قيل إن مثل تلك النذر لوحظت عند موت بعض الأحبار الكبار وبعض الشخصيات العظيمة في العصور القدمية الوثنية وخاصة عند موت يوليوس قيصر ” (3) .
ويقول جون فنتون : ” لقد أضاف متى إلى ما ذكره مرقس حدوث الزلزلة وتفتح القبور وقيامة القديسين من الأموات وظهورهم لكثيرين في أورشليم بعد قيامة يسوع ، وكان قصده من إضافة هذه الأحداث أن يبين أن موت يسوع كان عملًا من صنع الله ” (4) .

الحق الذي لا مرية فيه أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت صغير أو كبير .

تعليق الدكتور محمد جميل غازي :

_________
(1) يلاحظ أن هذا الكلام كلام « جورج » ، ولا يُقر عليه . الناشر .
(2) تفسير إنجيل لوقا : ص253 .
(3) تفسير إنجيل مرقس : ص427 .
(4) تفسير إنجيل متى : ص444 .

لقد رأينا أكثر من ثلاثين تناقضا في موضوع الصلب ، ومعي الآن كتاب ” قاموس الكتاب المقدس ” الصادر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى . ومن العجيب أن هناك خلافا في شكل الصليب الذي استخدم ، فهذا القاموس يذكر أن هناك الصليب ( x ) والصليب ( T ) والصليب ( + ) ، والصليب المستخدم كرمز للمسيحية هو ( + ) لكن هذا القاموس يقول إن الصليب الذي استخدم كان على شكل ( T ) وهذا هو نص ما يقوله قاموس الكتاب المقدس .

” وللصلبان نماذج رئيسية ثلاثة ، أحدها المدعو صليب القديس أندراوس وهو على شكل ( X ) وثانيها بشكل ( + ) وثالثها بشكل السيف ( T ) وهو المعروف بالصليب اللاتيني .
ولعل صليب المسيح كان من الشكل الأخير ( T ) كما يعتقد الفنانون ، الأمر الذي كان يسهل وضع اسم الضحية وعنوان علتها على القسم الأعلى منه ” .

فإذا كان شكل الصليب مختلفا فيه ، إذن قوله تعالى { وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ } يبين لنا بوضوح أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره عليهم وغابت عنهم الحقيقة ، فهم لا يزالون مختلفين في كل ما يتعلق بقضية الصلب مثل : حامل الصليب وعلة المصلوب ، واللصان والمصلوب ، ووقت الصلب ، وصلاة المصلوب ، وصرخة اليأس على الصليب ، وما حدث في أعقاب الصلب . .

وأما بخصوص الجملة التي ختم بها السيد اللواء حديثه فإنها تختص بإبراهيم ابن النبي والتي تعطي الدليل – لكل ذي عقل سليم – على صدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ، وأنه لا يجمع خرافات أو أوهاما ، إنما يريد أن يحق الحق .

فالذي حدث هو أنه لما مات ابنه إبراهيم حدثت ظاهرة فلكية وهي كسوف الشمس ، وهذا شيء طبيعي حدوثه . لكن بعض الناس قالوا : كسفت الشمس لموت إبراهيم .

لقد مات إبراهيم ، وكسفت الشمس في نفس اليوم ، وربط الناس بين الحدثين ، فلو كان الرسول يريد التأييد ولو عن طريق الأكاذيب ، لصمت عن ذلك . لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم -برأه الله – يرفض كل أكذوبة من كل لون لتأييده ، ولهذا صعد المنبر غاضبا وقال : « أيها الناس ، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته . فإذا رأيتم شيئا من ذلك ، فادعوا الله وصلوا » .

ط – شهود الصلب :

لعل هذه واحدة من أهم عناصر قضية الصلب ، وإنها لترينا أن شهود الصلب كن نساء وقفن ينظرن من بعيد ذلك الذي علق على الصليب ، ولم تكن هناك فرصة للتحقق والمعاينة عن قرب .
يقول مرقس : ” وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة . اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل . وأخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم ” ( 15 : 40 -41 ) .
وكذلك يقول متى في ( 27 : 55 -56 ) .
ويقول لوقا : ” وكان جميع معارفه ونساء كن تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظن ذلك ” ( 23 : 49 ) .

ويقول يوحنا : ” وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية ” ( 19 : 25 ) .
ويقول جون فنتون : ” لقد هرب التلاميذ عند القبض على يسوع ، ورغم أن بطرس قد تبعه من بعيد إلى فناء دار رئيس الكهنة ، فإننا لا نسمع عنه شيئا أكثر من هذا ، بعد إنكاره ليسوع .
إن مرقس ومتى ولوقا يخبروننا أن شهود الصلب كن نساء تبعن يسوع من الجليل إلى أورشليم ، وقد رأين دفنه ، واكتشفن القبر خاليا صباح الأحد ، وقابلن يسوع ( بعد قيامته ) (1) .
ويعلق العلماء على ما قاله يوحنا عن وجود مريم أم المسيح عند الصليب بقولهم : ” إنه من غير المحتمل أساسا أن يكون قد سمح بوقوف أقارب يسوع وأصدقائه بالقرب من الصليب ” (2) .
كذلك تقول دائرة المعارف البريطانية تعليقا على اختلاف الأناجيل في شهود الصلب : ” نجد في الأناجيل ( الثلاثة ) المتشابهة أن النساء فقط تبعن يسوع ، وأن القائمة التي كتبت بعناية واستفاضة لا تضم والدته – وأنهن كن ينظرن من بعيد ” ( مرقس 15 : 40 ) .
ولكن في يوحنا نجد أن والدته مريم تقف مع مريمين أخريين والتلميذ المحبوب تحت الصليب ، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ المحبوب إلى خاصته .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص455 .
(2) تفسير إنجيل مرقس : ص431 .

هذا بينما لا تظهر والدته في أورشليم – حسبما ذكرته المؤلفات القديمة – إلا قبيل عيد العنصرة وفي رفقة إخوته ( أعمال الرسل 1 : 14 ) (1) .
من ذلك نتبين أن شهود الأحداث الرئيسية التي قامت عليها العقائد المسيحية وهي الصلب ، والقيامة ، والظهور ، إنما كن – على أحسن الفروض – نساء شاهدن ما شاهدن من بعيد ، ثم قمن بعد ذلك بالرواية والتبليغ . . .

التعليق على أحداث الصلب :

والآن يحق لنا التعليق على أحداث الصلب فنقول : إن اعتماد كتاب أحد الأناجيل على ما رواه كاتب إنجيل آخر ، كان أولى به أن يوجد تآلفا بين الأناجيل ، ويمنع التناقض والاختلاف بينها . ولكن ما حدث كان على النقيض من ذلك .
وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه ، لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء .
_________
(1) ج13 ، ص99 .

ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن حادث القبض وملابساته – المحاكمات – توقيت الصلب ( اليوم والساعة ) – صرخة اليأس على الصليب – شهود الصلب ، كل ذلك وغيره كثير يكفي للقول بأن الأناجيل اختلفت فيما بينها اختلافا بعيدا . وهو اختلاف يكفي لرفضه ما يذكره أحد الأناجيل – على الأقل – إذا أخذنا برواية الإنجيل الآخر . فأيهما نأخذ به ، وأيهما نرفضه ؟
رب قارئ درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل ، لا يجد مفرا الآن من أن يقول : ” إنما العلم عند الله ” .

نهاية يهوذا الخائن

لقد انفرد إنجيل متى -دون بقية الأناجيل – بالحديث عن نهاية يهوذا ، كذلك تحدث سفر أعمال الرسل الذي سطره لوقا عن كيفية هلاكه . ولنرجع الآن إلى هذين المصدرين لنرى كيف هلك يهوذا ، وما إذا كانا قد اتفقا في الحديث عن هذا الجزء الخطير ، والذي له علاقة مؤكدة بقضية الصلب أم أنهما اختلفا كالعادة .
يقول متى : ” حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلًا : قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا فقالوا ماذا علينا ، أنت أبصر .
فطرح الفضة في الهيكل وانصرف . ثم مضى وخنق نفسه .
فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي هذا الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم .
حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل : وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب – 27 : 3 – 10 ) .

ويقول جون فنتون : ” إن متى يستخدم الفترة ما بين قرار السهندرين والمحاكمة أمام بيلاطس ، في أخبار قرائه عن نهاية يهوذا . وعند هذه النقطة نجد أن متى لا يتبع مرقس الذي لم يورد أي ذكر ليهوذا بعد القبض على يسوع . ويذكر متى أن يهوذا غير رأيه بعد أن رأى يسوع قد دينَ ، فأرجع النقود إلى أعضاء السهندرين واعترف لهم بجرمه . . ثم هو يضع النقود في خزينة الهيكل ، ويمضي ليخنق نفسه .
ويقول رؤساء الكهنة إنه طالما كانت تلك النقود ثمنا لحياة ، فلا يحل وضعها في خزينة الهيكل ، ولهذا يشترون بها قطعة من الأرض مقبرة للغرباء . وهذا يحقق نبوءة يرجعها متى إلى أرميا ( خطأ ) ولكنها في الواقع من كتاب زكريا الذي لعب من قبل دورا هاما في رواية متى .
ولقد سجل لوقا موت يهوذا في ( أعمال الرسل 1 : 18 ) ، وتتفق روايته مع رواية متى في جزء منها ، بينما تختلف في جزء آخر ” (1) .
إننا قبل أن نذهب لمعرفة ما سجله لوقا عن موت يهوذا في سفر أعمال الرسل يخبرنا جون فنتون : أنه اتفق مع متى في جزء من الرواية ، وخالفه في جزء آخر ، كما أن متى أرجع قصة حقل الدم إلى نبوءة ظنها – خطأ – من سفر أرميا بينما هي لها شبيه في سفر زكريا .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص431 .

وتقول رواية لوقا المشار إليها – في سفر أعمال الرسل : ” في تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ . وكان عدة أسماء نحو مائة وعشرين . فقال أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقال بفم داود عن يهوذا . . فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه ، وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم ؛ لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر ” ( 1 : 15 – 20 ) .
فعلى حسب رواية لوقا تجد – كما يقول جون فنتون : ” أن يهوذا نفسه الذي يشتري الحقل ثم هو يموت هناك ، ولهذا سمي ذلك الحقل حقل دم . إن هذا يعني : إما أن كلًا من متى ولوقا كان لديه مدخلًا مستقلًا لمثل تلك القصص عن يهوذا ، أو أن لوقا اختصر رواية متى وأدخل إليها بعض التغييرات ” (1) .
وسواء أكان هذا أو ذاك ، فإن هذا واحد من بين مئات الأدلة على أننا نتعامل مع كتب مؤلفة بكل معنى الكلمة ، لا علاقة لها بوحي الله .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص431 .

إن ما اتفق عليه متى ولوقا – وصمت عنه مرقس ويوحنا – هو أن يهوذا الخائن قد هلك في ظروف مريبة ، لكن روايتهما اختلفت في ثلاثة عناصر هي :
الأول – يتعلق بكيفية موته ، وفيها يروي متى أن يهوذا قد انتحر بخنق نفسه ، بينما يروي لوقا أنه مات ميتة دموية ، انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشائه .
الثاني – ويتعلق بمشتري الحقل ، فيروي متى أن رؤساء الكهنة هم الذين اشتروه ، بينما يروي لوقا أن يهوذا كان هو الشاري .
الثالث – كذلك اختلفت روايتا متى ولوقا في سبب تسمية الحقل باسم : حقل دم ، فرواية متى ترجع ذلك لكونه اشتري بنقود كانت ثمنا لبيع دم بريء ، بينما يرد لوقا تلك التسمية إلى الميتة الدموية التي ماتها يهوذا .
إن ما يذكره متى ولوقا عن هلاك يهوذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو : أن يهوذا قد اختفى في فترة الاضطراب التي غشيت أحداث الصلب وملابساته .

تنبؤات المسيح بآلامه

لقد تأثرت الأناجيل – التي كتُب أقدمها وهو إنجيل مرقس بعد أن بدأ بولس كتابة رسائله بأكثر من 15 سنة – بنظرية سفك دم المسيح فدية عن كثيرين ، تلك التي روج لها بولس وجعلها إنجيله الوحيد الذي يبشر به . فهو يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس : ” إني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا ” ( 2 : 2 ) .
ولما كان من المتوقع أن يتحدث المسيح عن آلامه ورفضه باعتبارها ظواهر اقترنت دائما بحمل رسالات السماء ، فإنا نجد إنجيل مرقس يضع ما يمكن اعتباره أساسا لكل ما قيل عن التنبؤات بالآلام المرتقبة . فهو يروي حديث المسيح لتلاميذه : ” كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل ” ( 9 : 12 ) .
ولقد طور متى هذا القول فجعله تنبؤا بصلب المسيح إذ يقول على لسانه :
” ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت . ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه “20 : 18 -19 ) .
ومن المعلوم أن إنجيل مرقس كان مصدرا رئيسيا لمتى ، ومن المعلوم كذلك أن إنجيل متى هو الإنجيل الوحيد الذي نسب للمسيح تنبؤه بالقتل صلبا .

ولقد رأينا فيما سبق كيف طور متى ما قيل عن آية يونان ، فقد بدأها مرقس بقوله : ” خرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه ، فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية ؟ الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية ” ( 8 : 11 -12 ) .
ولقد طورها لوقا فقال :
” وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول هذا الجيل شرير ، يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل ” ( 11 : 29 – 30 ) .
أما متى – الذي اعتمد على مرقس وكتب إنجيله بعد لوقا أيضا – فإنه حول ذلك القول الذي ينسب للمسيح ، بما قدمه من إضافات وتعديلات ، إلى نبوءة خاطئة ، وذلك في قوله :
” حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية ، فأجاب وقال لهم : جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إِلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ” ( 12 : 38 – 40 ) .
ولقد بينا خطأ هذه النبوءة عند الحديث عن التنبؤات التي استحال تحقيقها .

يبقى بعد ذلك ما ينسب للمسيح من قوله إن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرا ويرفض من جيله ، ماذا يعني قول كهذا ؟
يقول تشارلز دود : ” لقد سجلت أقوال بأن يسوع تنبأ بأن الآلام تنتظره هو وتابعيه ، وغالبا ما استحسن ذلك الاعتقاد في أن الإنذار بموته – وهو القول الذي تكرر ذكره منسوبا ليسوع في الأناجيل – إِنما هو تنبؤ خرج من واقع الأحداث ، أي بعد وقوعها ( حيث عاصر جيل المسيح اختفاءه فجأة ، وقتل شخص على الصليب لم يسمح لتلاميذه بالاقتراب منه ) .
إن رجال الكنيسة لم يستطيعوا الاعتقاد بأن ربهم كان جاهلا بما كان ينتظره . ويمكن التسليم صراحة بأن دقة بعض هذه التنبؤات قد ترجع إلى ما عرفته الكنيسة من حقائق فيما بعد .
وفي الواقع إن الانطباع الذي نخرج به من الأناجيل ككل هو أن يسوع قاد أتباعه إلى المدينة بمفهوم واضح هو أن أزمة تنتظرهم هناك ، وقد يصيبه وأتباعه بسببها آلام مبرحة .

وإن الفقرة المتميزة في هذا المقام هو ما ذكره مرقس في ( 10 : 35 – 40 ) ( عندما تقدم أبناء زبدي إلى المسيح طالبين مشاركته المصير والملكوت فقال لهما : أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا ، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا ؟ فقالا له : نستطيع . فقال لهما يسوع : أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها وبالصبغة التي أصطبغ أنا تصطبغان . . ) .
فنجد هنا أن ابني زبدي قد تأكدا أنهما سيشربان الكأس التي يشربها سيدهما ويصطبغان بصبغته . إن مفهوم الكلام هنا لا شك فيه .
وبالنسبة للتنبؤ بمشاركة الأخوين ( ابني زبدي ) لسيدهما مصيره فإنها تعتبر واحدة من التنبؤات التي لم تتحقق بمعناها الطبيعي .

وبما أن الصليب كان هو الوسيلة الوحيدة المألوفة للإعدام تحت حكم الرومان فإن ما توحي به تلك الفقرة هو أنه أراد تهيئتهم لا من أجل المعاناة فقط ، بل للموت . وما من شك في أنه يمكن قبول الرأي الذي يقول بأن التنبؤات التي نجدها في الأناجيل ليست أكثر من انعكاس لتجارب الكنيسة الأولى التي تكونت فيها التعاليم المسيحية . ومن المؤكد أن بعضا من هذه التنبؤات -على الأقل – قد كونتها تلك التجارب . . وفضلًا عن ذلك تظهر بعض الآثار لتنبؤات نسبت ليسوع ولم تتحقق ” (1) .
_________
(1) من كتاب : « أمثال الملكوت » ، ص41 – 47 .

تنبؤات المسيح بنجَاته من القتل

المسيح يرفض كل محاولة لقتله:

منذ أن بدأ المسيح دعوته حتى آخر يوم فيها نجد الأناجيل تذكرنا بين الحين والحين برفضه فكرة قتله واستنكارها تماما ، ثم هو قد عمل كثيرا لإحباط جميع المحاولات التي رآها تبذل من اليهود لقتله .
يقول إنجيل يوحنا : ” أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي ، بل للذي أرسلني لماذا تطلبون أن تقتلوني . . ؟
لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني ، وأنا إنسان قد حدثكم الحق الذي سمعه من الله . هذا لم يعمله إبراهيم ” ( 7 : 16 – 19 ، 8 : 37 – 40 ) .
ولأن المسيح إنسان عادي ككل البشر فإنه يجهل ما يخبئه له القدر ، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما يجنبه الوقوع في براثن أعدائه من اليهود . ولو كان يعلم أنهم سيقبضون عليه في يوم معين ، فلم – إذن – تلك الاحتياطات ؟ يقول إنجيل يوحنا : ” كان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل لأنه لم يرد أن يتردد في اليهود لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه ” ( 7 : 1 ) .
” فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه . فلم يكن يسوع أيضا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية ” ( 11 : 53 – 54 ) .

هذا – ونكتفي الآن بذكر عدد من التنبؤات الواضحة التي قالها المسيح بنجاته من القتل ، والتي تتفق وتلك الاحتياطات التي اتخذها للمحافظة على حياته .
1 – حدث ذات مرة في إحدى محاولات القبض عليه أن ” أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه .
فقال لهم يسوع : أنا معكم زمانا يسيرا بعد ، ثم أمضي للذي أرسلني .
ستطلوبني ولا تجدونني ، حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ” ( يوحنا 7 : 32 – 34 ) .
لا نظن أحدا يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه لأنه سيمضي للذي أرسله ، أي سيرفعه الله إِليه كما سبق أن رفع إيليا ( إلياس ) وشاهده تلميذه اليشع ( اليسع ) وهو يصعد إلى السماء .
2 – وفي موقف آخر من مواقف التحدي بين المسيح واليهود ، أكد لهم نبوءته السابقة وأن محاولاتهم ضده ستنتهي برفعه إلى السماء :
” قال لهم يسوع أيضا أنا أمضي وستطلوبنني وتموتون في خطيتكم ، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا .
فقال اليهود ألعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟

فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا ولست أفعل شيئا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني . .
والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه ” ( يوحنا 8 : 21 – 29 ) .
لكن ذلك المصلوب صرخ يائسا على الصليب قائلًا : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟
3 – ولقد كانت آخر أقوال المسيح لتلاميذه في تلك اللحظات التي سبقت عملية القبض مباشرة ، وهو تأكيده لهم أن الله معه دائما ولن يتركه :
” هو ذا تأتي ساعة ، وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي . وأنا لست وحدي لأن الآب معي . . لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم ” ( يوحنا 16 : 32 – 33 ) .
ومن المؤكد أن ذلك المصلوب قد تركه إلهه ، كما قال بلسانه في صرخته اليائسة ، ومن المؤكد كذلك أن ذلك المصلوب قد غلبه أعداؤه وقهره الموت وأخضعه لسلطانه .
4 – وفي آخر مواجهة عاصفة حدثت بين المسيح والكهنوت اليهودي كان قوله :
” إني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب . ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل ” ( متى 23 : 39 ، 24 : 1 ) .

إن التحدي في هذا القول واضح ، ذلك أن المسيح يؤكد لأعدائه أنهم لن يروه منذ تلك الساعة حتى يأتي في نهاية العالم ” بقوة ومجد كثير ” . لكن ذلك المصلوب رآه الكهنوت اليهودي أسيرا في قبضته أثناء المحاكمة ، ثم رأوه بعد ذلك معلقا على الخشبة قتيلا قد أسلم الروح والمشيئة ، ولم يبق منه إلا جسد خامد فقد نبض الحياة .
وأستعير لغة المسيح في الإنجيل ، اكتفاء بهذا القدر فأقول : ” من له أذنان للسمع فليسمع ، ومن يسمع فعليه أن يعقل . . . ”
وقبل أن نذهب لسماع ما تقوله المزامير ، أرجو أن يكون معلوما أن تراجم أسفار العهدين القديم والجديد تتغير من حين لآخر وفقا للدراسات التي يقوم بها علماء الكتاب المقدس ، إما لتدقيق الترجمة ، أو للتخلص من التناقضات والاختلافات .

وكمثال نجد أنه في واحدة من طبعات الكاثوليك للعهد الجديد أنها عندما تحدثت عن نهاية الخائن يهوذا ( في الإصحاح الأول من سفر أعمال الرسل ) فإنها جعلته يخنق نفسه ، ليتفق هذا مع ما يقوله إنجيل متى ، أما طبعة البروتستانت فلا تزال تروي نهاية يهوذا بأن نقمة حلت به ” إذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها ” وهذا شيء مختلف تماما عن عملية الانتحار خنقا .
كذلك ظهرت طبعات حديثة للمزامير تختلف كثيرا عما في الطبعات المتداولة لها . وإذا كان داود هو الاسم الذي يرتبط بأغلب المزامير ، فإن العلماء مختلفون فيما يتعلق بحقيقة قائل كل مزمور وتاريخه وظروفه ، كما أن هناك خلافا حول ترقيمها . ولقد بينا ذلك في مناسبة سابقة ، وكيف أن الترجمة المتداولة للمزمور 69 -كمثال – تقول في بعض فقراتها :
” حينئذ رددت الذي لم أخطفه ” .
” ويجعلون في طعامي علقما ” .
بينما تقول الترجمة الحديثة له في نظير ذلكما العددين :
” كيف أرد الذي لم أسرقه أبدا ؟ ” .
” أعطوني لطعامي سما ” .
فالاختلاف بينهما واضح ، سواء في المضمون أو في زمن الفعل .

الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب :

إن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، فتلك نظرية بولسية أقحمها بولس في مسيحية المسيح الحقة . وهذا شيء نستطيع تبيانه من الأناجيل :
1 – بينما كان المسيح يسير خارجا ” إذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟
فقال له : لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله . ولكن إن أردت أن تدخل الحياة ، فاحفظ الوصايا . قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل . لا تزن . لا تسرق . لا تشهد بالزور . أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك .
قال له الشاب : هذه كلها حفظتها منذ حداثتي ، فماذا يعوزني بعد ؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاك واعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني ” ( متى 19 : 16 – 21 ) .
ومن الملاحظ أن المسيح قبل أن يجيب السائل إلى سؤاله ، فقد صحح صيغة السؤال ، فنفى الصلاح عن نفسه ، ورده إلى الله الذي تفرد في ذاته وصفاته . وبذلك قرر المسيح على رؤوس الأشهاد أن ” لله المثل الأعلى في السموات والأرض ” ، وأن أي خلط بين الله – سبحانه – وبين المسيح ، إنما هو قول مردود وكفر مرفوض .

ومن ذلك يتبين أن الخلاص الحق يقوم على الإيمان بالله الواحد ، ثم العمل الصالح . ولا مجال للحديث هنا عن الصلب أو الصليب ، فتلك كلها مسميات قال بها بولس وتلاميذه ، ما أنزل الله بها من سلطان .
2 – في يوم الدينونة تكون النجاة بالعمل الصالح بعيدا عن الصلب وفلسفاته ، بل وحتى اسمه . فهناك ” يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا . . رِثوُا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم . لأني جعت فأطعمتموني . عطشت فسقيتموني . كنت غريبا فآويتموني . عريانا فكسوتموني . مريضا فزرتموني . محبوسا فأتيتم إليَّ .
فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك . أو عطشانا فسقيناك . ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك ؟
فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتم بأحد إخوتي الأصاغر ، فبي فعلتم . ثم يقول الملك للذين عن اليسار : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ؛ لأني جعت فلم تطعموني . .
حينئذ يجيبونه هم أيضا قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا ؟
فيجيبهم قائلًا : الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر ، فبي لم تفعلوا .

فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي ، والأبرار إلى حياة أبدية ” ( متى 25 : 34 – 46 ) .
هكذا يدان الناس : أهل البر والعمل الصالح إلى الحياة الأبدية السعيدة ، وأهل الشر والبخل إلى عذاب أبدي .
ومرة أخرى لا دخل لفلسفة الصلب والفداء في إنقاذ أهل الشر ، فلن تنفعهم في شيء .
3 – يقول يعقوب في رسالته : إن الدينونة التي تحدد المصير الأبدي للإنسان تقوم على ركيزتين هما : إيمان بالله الواحد يصحبه عمل صالح ، وبدونهما لا فائدة ترجى . وإن كلا منهما لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، من قريب أو بعيد : ” أنت تؤمن بأن الله واحد . حسنا تفعل . والشياطين يؤمنون ويقشعرون . ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت ؟ بالأعمال يتبرر الإنسان ، لا بالإنسان وحده ” ( 2 : 19 – 24 ) . إن ” الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه : افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم ” ( 1 : 27 ) .
من ذلك وغيره كثير وكثير جدا ، نتبين أن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب على الإطلاق .

وبهذا نكون قد انتهينا من بحث قضية الصلب وما يتعلق بها ، ويبقى أمامنا بحث قضية القيامة والظهور ، وهو ما سوف نبحثه في الجلسة القادمة .

تعقيب الدكتور محمد جميل غازي :

وتد عقب الدكتور محمد جميل غازي على ما انتهى إليه الصلب بقوله :
نضع الآن مجموعة من الأسئلة حول الصلب والفداء ، موجهة إلى المسيحيين لعلنا نجد لها إجابة إن تيسر الوقت في جولة أخرى . وهذه الأسئلة هي :
1 – ادعى المسيحيون أن صلب المسيح كان لتحقيق العدل والرحمة ، فأي عدل وأي رحمة في تَعذيب غير مذنب وصلبه ؟
قد يقولون : إنه هو الذي قبل ذلك ، ونقول لهم إن من يقطع يده أو يعذب بدنه أو ينتحر ، فإنه مذنب ، ولو كان يريد ذلك .
2 – إذا كان المسيح ابن الله ، فأين كانت عاطفة الأبوة وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب الصلب مع دق المسامير في يديه ؟
3 – ما هو تصور المسيحيين لله – جل في علاه – الذي لا يرضى إلا أن ينزل العذاب المهين بالناس ، والعهد في الله – الذي يسمونه الآب ويطلقون عليه : الله محبة ، الله رحمة – أن يكون واسع المغفرة ، كثير الرحمات ؟

4 – من هذا الذي قيد الله – سبحانه وتعالى – وألزمه وجعل عليه أن يلتزم العدل وأن يلتزم الرحمة ، وأن يبحث عن طريق للتوفيق بينهما ، بين العدل والرحمة ، بأن ينزل ابنه الوحيد ، في صورة ناسوت ، يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم ؟
5 – يدعي المسيحيون أن ذرية آدم لزمهم العقاب بسبب خطيئة أبيهم ، وفي أي شرع يلتزم الأحفاد بأخطاء الأجداد – خاصة وأن الكتاب المقدس ينص على أنه ” لا يقتل الأباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء . فكل إنسان بخطيئته يقتل ” ( تثنية 16 : 24 ) ؟
6 – إذا كان صلب المسيح عملًا تمثيليا على هذا الوضع ، فلماذا يكره المسيحيون اليهود ويرونهم آثمين معتدين على السيد المسيح ؟
إن اليهود – وخاصة يهوذا الأسخريوطي – كانوا حسب الفهم المسيحي لموضوع الصلب أكثر الناس عبادة لله ، لأنهم بذلك نفذوا إرادة الله التي قضت بصلب ابنه فقاموا هم بتنفيذ ذلك العمل .
7 – هل كان نزول ابن الله وصلبه للتكفير عن خطيئة البشر ضروريا ، أم كانت هناك وسائل أخرى من الممكن أن يغفر الله بها خطيئة البشر ؟
ماذا يقول المسيحيون للإجابة عن مثل هذا السؤال ، كما يقدمه كاتب مسيحي هو القس بولس ساباط ، إذ يقول :

” لم يكن تجسد الكلمة ضروريا لإنقاذ البشر ، ولا يتصور ذلك مع القدرة الإلهية الفائقة الطبيعية ” – ثم يسترسل هذا الكاتب ، فيذكر السبب في اختيار الكلمة لتكون فداء لخطيئة البشر ، فيقول :
” إن الله على وفرة ما له من الذرائع إلى فداء النوع البشري وإنقاذه من الهلاك الذي نتج من الخطيئة ومعصية أمره الإلهي ، قد شاء – سبحانه – أن يكون الفداء بأعز ما لديه ، لما فيه من القوة على تحقيق الغرض وبلوغه سريعا ” . إن أبسط الذرائع لدى الله – سبحانه – إذا استخدمنا لغة ذلك القس ، هي أن يقول الله : عفوت عنك يا آدم . إن هذا ما يقوله القرآن الكريم { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
ونصرخ في وجه هذا الكاتب فنقول إنه ليس من الحكمة في شيء أن نفتدي بدينار ما نستطيع أن نفتديه بفلس .
ثم هناك إجابة أخرى عن هذا السؤال نقتبسها من كاتب مسيحي آخر هو الأب بولس اليافي الذي يقول :

” مما لا ريب فيه أن المسيح كان باستطاعته أن يفتدي البشر ويصالحهم مع أبيه بكلمة واحدة أو بفعل سجود بسيط يؤديه باسم البشرية لأبيه السماوي لكنه أبى إلا أن يتألم ، ليس لأنه مريض بتعشق الألم أو لأن أباه ظالم يطرب لمرأى الدماء ، وبخاصة دم ابنه الوحيد ، وما كان الله بسفاح ظلوم ، لكن الإله الابن شاء مع الله الآب أن يعطي الناس أمثولة خالدة من المحبة تبقى على الدهر وتحركهم على الندامة لما اقترفوه من آثام وتحملهم على مبادلة الله المحبة ” .
ومرة أخرى نصرخ في وجه هذا المؤلف مؤكدين أنه صور الداء أدق تصوير عندما تكلم عن الدماء والقسوة ، لكنه عندما بدأ يجيب ويصف الدواء تعثر وكبا ولم يقل إلا عبارات جوفاء لا تحمل أي معنى .
8 – ونعود إلى القس بولس ساباط ، ونسأله كما سأل : إذا كان الكلمة قد تجسد لمحو الخطيئة الأصلية ، فما العمل في الخطايا التي تحدث بعد ذلك ؟ يجيب هذا الكاتب بما يلي :
” إذا عاد الناس إلى اجتراح الخطايا ، فالذنب ذنبهم لأنهم نسوا النور وعشوا عنه مؤثرين الظلمة بإرادتهم ” .

ومعنى هذا أن خطيئة واحدة محيت ، وأن ملايين الخطايا سواها بقيت وجدت بعد ذلك . وسيحاسب الناس على ما اقترفوه ، وبعض ما اقترفوه أقسى من عصيان آدم . فلقد أنكر بعض الناس وجود الله ، وهاجمه آخرون وسخروا من جنته وناره . فلماذا كانت ظاهرة التجسد لخطيئة واحدة ، وتركت خطايا أكبر ، لا تعد ولا تحصى ؟
9 – أين كان عدل الله ورحمته منذ حادثة آدم حتى صلب المسيح ؟ ومعنى هذا أن الله – تعالى عن ذلك علوا كبيرا – ظل حائرا بين العدل والرحمة ألوف السنين ، حتى قبل المسيح منذ ألفي عام فقط أن يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم .
10 – يلزم – كما في جميع الشرائع – أن تتناسب العقوبة مع الذنب ، فهل يتم التوازن بين صلب المسيح على هذا النحو وبين الخطيئة التي ارتكبها آدم ؟

11 – هذا – إلى أن خطيئة آدم التي لم تزد عن أن تكون أكلا من شجرة نهي عنها قد عاقبه الله عليها – باتفاق المسيحين والمسلمين – بإخراجه من الجنة ، ولا شك أنه عقاب كاف ، فالحرمان من الجنة الفينانة والخروج إلى الكدح والنصب عقاب ليس بالهين . وهذا العقاب قد اختاره الله بنفسه ، وكان يستطيع أن يفعل بآدم أكثر من ذلك ، ولكنه اكتفى بذلك . فكيف يستساغ أن يظل مضمرا السوء غاضبا ألوف السنين حتى وقت صلب المسيح ؟
12 – وقد مرت بالبشر منذ عهد آدم إلى عهد عيسى أحداث وأحداث وهلك كثيرون من الطغاة وبخاصة في عهد نوح حيث لم ينج إلا من آمن بنوح واتبعه وركب معه السفينة . . فهؤلاء هم الذين رضي الله عنهم ، فكيف تبقى بعد ذلك ضغينة أو كراهية تحتاج لأن يضحي عيسى بنفسه فداء للبشرية .
13 – والكاتب المسيحي الذي أسلم – عبد الأحد داود وكان مطرانا للموصل – ينتقد قصة التكفير عن الخطيئة هذه انتقادا سليما فيقول : ” إن من العجيب أن يعتقد المسيحيون أن هذا السر اللاهوتي ، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشري بسببها ظل مكتوما عن كل الأنبياء السابقين ولم تكتشفه إلا الكنيسة بعد حادثة الصلب ” .

14 – ويقول هذا الكاتب – عبد الأحد داود – : ” إن ما حمله على ترك المسيحية هو هذه المسألة وظهور بطلانها ، إذ أمرته الكنيسة بأوامر لم يستسغها عقله وهي :
أ – نوع البشر مذنب بصورة قطعية ويستحق الهلاك الأبدي .
ب – الله لا يخلص أحدا من هؤلاء المذنبين من النار الأبدية المستحقة عليهم بدون شفيع .
جـ – الشفيع لا بد أن يكون إلها تاما وبشرا تاما ” .
ويدخل هذا الكاتب في نقاش طويل مع المسيحيين بسبب هذه الأوامر ، فهم يرون أن الشفيع لا بد أن يكون مطهرا من خطيئة آدم ، ويرون أنه لذلك ولد عيسى من غير أب لينجو من انحدار الخطيئة إليه من أبيه .
ويسألهم الكاتب : ألم يأخذ عيسى نصيباً من الخطيئة عن طريق أمه ؟
ويجيب هؤلاء : بأن الله طهر مريم من الخطيئة قبل أن يدخل الابن رحمها .

ويعود الكاتب يسأل : إذا كان الله يستطيع – التطهير – هكذا في سهولة ويسر إذ يطهر بعض خلقه ، فلماذا لم يطهر خلقه من الخطيئة كذلك بمثل هذه السهولة وذلك اليسر ، بدون إنزال ابنه وبدون تمثيلية الولادة والصلب ؟ ونضيف إلى نقاش عبد الأحد داود ، أن قولهم بضرورة أن يكون الشفيع مطهراً من خطيئة آدم ، مما استلزم أن يولد عيسى من غير أب أو أن يطهر الله مريم قبل دخول عيسى رحمها ، يحتاج إلى طريق طويل معقد ، وكان أيسر منه أن ينزل ابن الله مباشرة في مظهر الإنسان دون أن يمر بدخول الرحم والولادة . ونضيف كذلك أن اتجاه المسيحيين هذا يتعارض مع اتجاه مسيحي آخر ، هو أن ابن الله دخل رحم مريم ليأخذ مظهر الإنسان وليتحمل في الظاهر بعض خطيئة آدم الذي يبدو ابن الله كأنه ولد من أولاده ، ثم يصلب ابن الله تكفيراً عن خطيئة البشر الذين أصبح كواحد منهم .
ويبقى أن نسأل أسئلة أخيرة في هذا الموضوع هي :
هل كان الأنبياء جميعاً ، نوح – إبراهيم – موسى . . ، مدنسين بسبب خطيئة أبيهم ؟
وهل كان الله غاضباً عليهم كذلك ، وكيف اختارهم مع ذلك لهداية البشر ؟
هذه الأسئلة نضعها بين يدي النصارى لعلهم يحاولون الإجابة عنها .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى