1- الكتاب المقدسالقسم العاممقالات حراس العقيدةموسوعة نور الحق للرد على النصارى
أخر الأخبار

مناظرة بين الإسلام والنصرانية- الجزء الرابع

مناظرة أظهرت حقائق عن النصرانية يجهلها كثير من الناس . وانتهت باعلان القساوسة المناظرين دخولهم في الإسلام والتبرؤ من أفكار النصرانية المضللة.

 

الجلسة الرابعة

تقديم للدكتور محمد جميل غازي
الرد على الأسئلة .
1 – هل المسيح إله أم إنسان
معنى قدوس .
تحليل كلمة ابن الله .
2 – هل المسيح من جوهر الله أم من تراب
المسيح نبي الله .
المسيح رسول .
المسيح يدعو إلى التوحيد .
3 – هل الروح القدس إله أم ملك
الروح القدس ملك .
4 – هل الروح القدس من جوهر الله أم مخلوق من نور
5 – متى دخلت الأقانيم في أحوال العقيدة المسيحية
تأييد المسيح بالمعجزات .
مواجهة المسيح للرؤساء وتصحيح المفاهيم .
6 – تعقيب الدكتور محمد جميل غازي
تحليل قانون الإيمان الكنيسي .

تقديم الأستاذ الدكتور محمد جميل غازي

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله وأصحابه أجمعين ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول الله سبحانه وتعالى { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا }{ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا }{ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا }{ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا }{ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا }{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا }{ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا }{ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا }{ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا }{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا }{ فَكُلِي

وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا }{ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا }{ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا }{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا }{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا }{ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا }{ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا }{ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا }{ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ }{ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }{ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ

مُسْتَقِيمٌ } (1) .
ويقول الله سبحانه وتعالى بدءً من الآية الثامنة والثمانون من السورة نفسها ” سورة مريم ” { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا }{ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا }{ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا }{ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا }{ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا }{ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا }{ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا }{ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } (2) .
_________
(1) سورة مريم ، الآيات 16 – 36 .
(2) سورة مريم ، 88 – 95 .

وقبل أن أقدم إليكم الأستاذ العلامة الجليل الشيخ إبراهيم خليل أحمد أود أن أقدم بمقدمة قصيرة عن السر أو المعجزة التي أذاعها رسول اللُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم وهي واحدة من معجزاته التي لا يحصيها العد ولا يحيط بها الإحصاء . لما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، فإنما أنا بشر فقولوا عبد الله ورسوله » (1) ، فالرسول صلى الله عليه وسلم بهذا يشير إلى حقيقة الحقائق وإلى أساس الضلالات حينما يغالي الناس في الحب أحيانا وحينما يغالي الناس في الكراهية أحيانا ، فقد ينظرون إلى شخص واحد فيرفعه بعضهم إلى إله ويهوي به البعض الآخر إلى شيطان رجيم والمثل هو عيسى بن مريم عليه السلام . فعيسى بن مريم نظر إليه قومه فمنهم من أحبه وأسرف في حبه فبالغوا وغالوا وجعلوا منه إلها . والله سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء في الآية الحادية والسبعين بعد المائة من سورة النساء { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
_________
(1) الحديث متفق عليه ، أخرجه البخاري 4 / 127 ، ومسلم 7 / 343 ، من حديث عمر بن الخطاب ، وانظر الكلام حول هذا المقام : ( فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ) ص175 .

وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } (1) .

كذلك يقول الله سبحانه وتعالى في الآية السابعة والسبعين من سورة المائدة { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } . (2) .

فهؤلاء قد غالوا في المسيح عليه السلام ورفعوه إلى مرتبة الألوهية “ أجاب توما وقال له ربي وإلهي ” ( يوحنا 20 : 28 ) .

وفي الوقت ذاته نجد أقواما آخرين اتهموه بأنه شيطان . هؤلاء هم اليهود .
أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين . فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب ، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت ، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته ” ( متى 12 : 24 -26 ) .
_________
(1) سورة النساء ، آية 171 .
(2) سورة المائدة – 77 .

ثم نجد النظرة الإسلامية وهي نظرة وسط تقرر الحق والحقيقة فحينما نشير إلى عيسى عليه السلام فإنه ينبغي لنا أن نضع في ذاكرتنا أن عيسى ليس وحده الشخص التاريخي الذي غالى فيه الناس علوا وهبوطا . فكثير من الشخصيات التاريخية غالى فيها الناس فبعضهم ارتفع بها إلى ما فوق مستوى البشرية وبعضهم هبط بها إلى الحضيض .

فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه غالى فيه البعض حتى ادعوا أنه إله وسجدوا له فحرقهم رضي الله عنه بالنار . كما أن هناك جمهرة من الناس كفروه ولعنوه وخرجوا عليه . والحق والحقيقة في علي غير ذلك . وليس الأشخاص الدينيون فقط هم الذين يقف منهم الناس هذا الموقف ، فعيسى رجل دين وعلي أيضا كذلك . ولكن في رجال الدنيا نجد أيضا من يرتفع بهم إلى ما فوق مستوى البشرية أحيانا . والباب هو باب المدح المبالغ فيه ، المدح المذموم حيث نرى الشعراء المداحين ومن على شاكلتهم وهم يتحدثون عن الطغاة وعن الأقزام فيمجدونهم ويحولونهم إلى عمالقة وإلى آلهة . فنسمع عن واحد من هؤلاء الغلاة يقول لأحد الملوك الظلمة :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار … فاحكم فأنت الواحد القهار

وهذا شاعر آخر يقول :

وأخفت أهل الشرك حتى إنه … لتخافك النطف التي لم تخلق

لم يكن هذا في العصر القديم وحده وإنما هذا في العصور الحديثة أيضا ، الناس يبالغون في تمجيد الطغاة والظلمة حتى يرفعونهم فوق مستوى البشر . ولعلنا نذكر أن بعض الصحف كتبت عن أحد الحكام تقول : إنه فوق مستوى البشر . بل إن واحدا من الشعراء قال قصيدة في نعيه كان في أولها :
قتلناك يا آخر الأنبياء …

بينما نجد جماهير كثيرة تلعنه وتمقته .
إذن مصيبة المصائب هي المبالغة في المدح ومصيبة المصائب هي المبالغة في الذم .
ولهذا حذرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم أن نبالغ في مدحه فقال : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم » فإنهم دخلوا في الشرك والكفر من باب إطراء عيسى عليه السلام إلى حد الغلو والمغالاة فزعموا أنه النور الأول الذي انبثق من ذات الله وصاروا يبالغون في هذه النظرية حتى وصلوا إلى القول ببنوته لله وأنه الله إلى آخر الخلافات العقائدية التي تَمخضت عنها مجامعهم الكنسية من أول مجمع نيقية عام 325 م ، إلى ما تلاه من مجامع .

إن الحديث عن الإطراء يطول ولكننا نريد أن نوصي المسلمين بأن يحذروا المبالغة في الإطراء حتى لا يدخل عليهم الشر الذي دخل على الأمم قبلهم . ولقد ندد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم باليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . ففي آخر وصاياه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم كما تقول أمنا المبرأة عائشة رضي الله عنها : لما نزل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ( أي مرض الموت ) طفق يطرح خميصة على وجهه حتى إذا اغتم بها كشفها وقال : « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . يحذر مثل ما صنعوا (1) . وتقول أم حبيبة تحكي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ما رأته في الحبشة من الكنائس وما فيها من صور وقبور فقال لها : « أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح أقاموا على قبره مسجدا ، أولئك شرار الخلق عند الله » (2) .
فليحذر المسلمون أن يبالغوا في إسراء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم فإن الشر يأتي من باب الإسراف في الإطراء .
_________
(1) الحديث رواه البخاري 1 / 422 ، 6 / 386 ، ومسلم 1 / 377 واللفظ له ، والنسائي في 1 / 115 ، والدارمي 1 / 326 ، وأحمد في المسند 1 / 218 ، وعبد الرزاق في المصنف 1 / 406 ، وأبو عوانة في صحيحه 1 / 399 .
(2) الحديث رواه البخاري 1 / 416 – 422 ، ومسلم 2 / 66 ، والنسائي 1 / 115 ، وابن أبي شيبة في المصنف 4 / 140 ، وأحمد في المسند 6 / 51 ، وأبو عوانة في صحيحه 1 / 400 ، وابن سعد في الطبقات 2 / 240 ، والبغوي 2 / 415 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4 / 80 .

والآن أترككم مع الأستاذ العلامة إبراهيم خليل أحمد يطوف بنا حول موضوعات تتصل بالأقانيم الثلاثة – والبنوة كما جاءت في كتبهم – ثم كيف تطرق الثالوث إلى العقيدة المسيحية ثم يحدثنا إن اتسع الوقت عن المجامع المقدسة وكيف أن العقيدة المسيحية قد تطورت عبر المجامع ، وأرجو الله أن يكون حديثه موفقا ومملوءً بالعلم والحكمة .

ولادة المسيح :

نجد إنجيل ( متى 1 : 18 ) يقول : ( أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا . لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ” . كذلك في إنجيل ( لوقا 1 : 28 ) وهو يتحدث عن كيفية دخول الملاك جبريل إلى مريم العذراء فيقول : ” فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها . الرب معك مباركة أنت في النساء ” ثم يبشرها بعيسى ” فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا . فأجاب الملاك وقال لها . الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك ” ( لوقا 1 : 34 – 35 ) . وحين يقول قائل إن المسيح ولد بقوة الروح القدس وإن هذا قد يعطيه ميزة عن سائر البشر . وهنا نقول إنها ليست ميزة تدعو إلى التفكير ولو للحظة واحدة بأن المسيح من غير طينة البشر . فها هو زميله وقيربه يوحنا المعمدان قد ولد بقوة الروح القدس ونجد نفس الملاك جبرائيل قد قال لأبيه زكريا وهو في الهيكل كما جاء في إنجيل ( لوقا 1 : 13 ) – ” فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابنا وتسميه يوحنا ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته لأنه يكون عظيما أمام الرب وخمرا ومسكرا لا يشرب . ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ” .

وبعد ذلك امتلأ زكريا نفسه من الروح القدس كما يقول إنجيل ( لوقا 1 : 67 ) ” وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلا مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وضع فداء لشعبه ” .

فها هو الروح القدس الذي كان مع زكريا وابنه يوحنا هو ذاته الذي كان مع المسيح . إذ يقول إنجيل ( لوقا 1 : 26 ) ( وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة . إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم ” .

من هذا يتبين أن الروح القدس هو ملاك من ملائكة الله سبحانه وتعالى . كذلك يقول إنجيل ( لوقا 2 : 6 -7 ) ” وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد . فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” . وحسب شريعة موسى نجد أن الطفل الذي ولدته العذراء قد ختن وأن أمه تطهرت وقدمت ذبيحة للرب ، إذ يقول إنجيل ( لوقا 2 : 21 – 24 ) “ ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن . ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم يدعى قدوسا للرب . ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام ” .

الاختلاف في مفهوم القدوس بين اليهودية والمسيحية وبين والاسلام

ويجب التنبيه إلى نقطة هامة وهي أن مفهوم القدوس في اليهودية والمسيحية يختلف عن مفهومه في الإسلام . ذلك أن كلمة قدس التي هي ” قاداش ” بالعبرية تعني ” فرز ” أو ” تجنيب ” . أما المفهوم الإسلامي ” للتقديس ” فهو ” التنزيه والتمجيد ” . لذلك نجد في سفر الشريعة الموسوية يقول الله لموسى عليه السلام : ” قدس لي كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم إنه لي ” ( خروج 13 : 2 ) . أي أفرز الأبكار .

فكلمة قدوس لهذا المولود تعني فرز الابن البكر الذي هو أول من فتح رحم الأم . من هذا يتبين أن المسيح كان مولودا عاديا جاز عليه ما جاز على غيره من البشر ، وأنه وأمه خضعا تماما لناموس موسى . بعد ذلك نؤكد أن المسيح جاء من جوهر الإنسان فقد ولد من مريم العذراء التي كانت واحدة من بنات آدم الذي خلق من التراب والمعجزة هنا أن الله سبحانه قادر أن يعطي المرأة العاقر كما أنه يعطي المرأة العذراء . إذ قال سبحانه { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (1) . .
_________
(1) سورة آل عمران ، آية 59.

إن الله سبحانه وتعالى عندما خلق آدم فقد كان ذلك معجزة وبالمثل عندما خلق امرأته من جسمه : أليست هذه معجزة ؟ إن لوقا يحدد الموقف فهو يربط بين مولد يوحنا المعمدان وبين مولد المسيح عليه السلام . فعندما تتعجب مريم العذراء لأنها ستحمل وتلد وهي لا تعرف رجلا يقول لها الملاك كما في إنجيل ( لوقا 1 : 34 -37 ) : ” فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا . فأجاب الملاك وقال لها : الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله . وهو ذا اليصابات نسيبتك هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا . لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله ” . وفي القرآن الكريم نجده يقول { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (1) . .
_________
(1) سورة مريم ، آية 35.

ابن الله :

ونريد أن نعرف معنى قوله في الإنجيل ” يدعى ابن الله ” فنجد إنجيل ( متى 5 : 8 -9 ) يقول : ” طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله . طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ” فكل من يعمل الخير ويسعى من أجل السلام يعتبر بحسب لغة الإنجيل ابن الله ، وهي بنوة مجازية وليست بنوة حقيقية مثل قول الناس : هذا ابن السودان أو ابن الخرطوم . فكل هذه التعبيرات مجازية ومعروفة في اللغات المختلفة . كذلك نجد في ( سفر التكوين 1 : 27 ) وهو يتحدث عن خلق الإنسان : ” فخلق الله الإنسان على صورته . على صورة الله خلقه . ذكرا وأنثى خلقهم ” . لكن القرآن الكريم يقول { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } (1) . .
_________
(1) سورة التين ، آية 4.

فالتعبير القرآني هنا أجمل وأدق ولا شك من تعبير التوراة ، فالله سبحانه وتعالى ليس له صورة لأنه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } . كذلك يقول الرب لموسى في التوراة في ( سفر الخروج 4 : 22 ) ” تقول لفرعون هكذا يقول الرب . إسرائيل ابني البكر ” . ونجد في ( سفر هوشع 11 : 1 ) ” ولما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” . وكذلك في ( سفر أخبار الأيام الأول 28 : 6 ) ” وقال لي إن سليمان ابنك هو يبني بيتي ودياري لأني اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا ” . ولم يوجد من يقول بأن سليمان كان إلها أو إنه ابن الله . هذا فضلا إلى تعريف ابن الله حسب وروده في إنجيل ( يوحنا 1 : 12 ) ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه ” ثم يقول ( يوحنا في رسالته الأولى 3 : 1 ) ” انظروا أية نصيحة أعطانا الأب حتى ندعى أولاد الله ” فابن الله تعني عبد الرحمن كما جاء في قوله تعالى { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } . . . (1) . .
_________
(1) سورة الفرقان ، آية 63.

ونجد في وقت معمودية المسيح – والمعمودية تعني اعتراف الإنسان بخطاياه ثم يأتي إلى يحيا بن زكريا كما يروي ( لوقا في إنجيله 3 : 3 ) أنه كان ” يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا ” ليغتسل في ماء الأردن كرمز للطهارة -يقول إنجيل ( متى 3 : 16 ، 17 ) : ” فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء . وإذ السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه ” . ” وصوت من السماء قائلًا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” ولا شك أن الله منزه عن الخطايا وعن الحاجة إلى التعميد والتطهير .
ونجد كذلك في ( سفر التكوين 6 : 2 ) : ” أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ” . وهذا يعني أن كل أبناء آدم هم أبناء الله ولا يمكن أن يكون أبناء آدم آلهة . كذلك يقول ( لوقا في إنجيله إصحاح 3 عدد 38 ) بعد أن ذكر سلسلة نسب يوسف رجل مريم ما نصه : ” . . . بن شيت بن آدم ابن الله ” . ونلاحظ أنه لما كان شيت ابنا لآدم بنوة حقيقية فقد كتبت بدون حرف ( أ ) أما باعتبار أن آدم ابنا لله بنوة مجازية فقد كتبت هذه بالحرف ( أ ) ولا يمكن أن يكون آدم إلها .

المَسِيح نبي الله


ونعود الآن لنرى المسيح نبي الله كما تتحدث عنه الأناجيل فنجد في أناجيل ( متى 13 : 54 -58 ) وكذلك ( مرقس ولوقا ) : ” ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا : من أين لهذا هذه الحكمة والقوات ؟ أليس ابن النجار ؟ أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا ؟ أو ليست أخواته جميعهن عندنا فمن أين لهذا هذه كلها ؟ فكانوا يعثرون به . وأما يسوع فقال لهم : ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم ” . وكذلك يقول إنجيل ( مرقس 6 : هـ ) في هذا المقام : ” ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة ” . لقد عجز المسيح هنا عن صنع المعجزات .

فلو كان المسيح إلها أو ابن الله لكان قادرا على صنع المعجزات بصرف النظر عن سوء استقبالهم له وتأثره نفسيا بذلك . ويقول ( متى في إنجيله إصحاح 21 عددي 10 ، 11 ) : ” ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة : من هذا ؟ فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل ” . فهذه هي شهادة الشهود الذين عاينوه ورأوا معجزاته ولم يقل واحد منهم إنه إله أو ابن الله . ونجد في إنجيل ( لوقا 7 : 11 – 16 ) : ” وفي اليوم التالي ذهب إلى مدينة تدعى نايين وذهب معه كثيرون من تلاميذه وجمع كثير ، فلما اقترب إلى باب المدينة إذا ميت محمول ابن وحيد لأمه وهي أرملة ومعها جمع كثير من المدينة .
فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي . ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون .

فقال أيها الشاب لك أقول قم . فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه . فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ” . لقد أقام المسيح ميتا بعد أن صلى إلى الله سبحانه وتعالى ليمنحه القوة والتأييد . وبعد أن صنع هذه المعجزة العظيمة بإحياء ذلك الميت نجد شهود هذه الحادثة الكبيرة لم يفقدوا صوابهم ويقولون عنه إنه إله أو ابن الله وإنما قالوا : ” قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ” . ( لوقا 7 : 16 ) .

إحياء الموتى

لم تكن هذه أول مرة يرى فيها اليهود نبيا يحيي ميتا فقد سبق أن أقام كل من إيليا واليشع ميتا ، بل إن عظام اليشع في قبره – بعد أن مس جسده عظام اليشع ، وكذلك أقام حزقيال جيشا من الموتى كما هو ثابت في أسفار العهد القديم : ففي ( سفر الملوك الأول 17 : 17 – 24 ) الذي يقول : ” وبعد هذه الأمور مرض ابن المرأة صاحبة البيت واشتد مرضه جدا حتى لم تبق فيه نسمة فقالت لإيليا ما لي ولك يا رجل الله . هل جئت إليَّ لتذكير إثمي وإماتة ابني . فقال لها أعطيني ابنك . وأخذه من حضنها وصعد به إلى العلية التي كان مقيما بها وأضجعه على سريره وصرخ إلى الرب وقال : أيها الرب إلهي أيضا إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها . فتمدد على الولد ثلاث مرات وصرخ إلى الرب وقال : يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه ، فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش ، فأخذ إيليا الولد ونزل به من العلية إلى البيت ودفعه لأمه ، وقال إيليا انظري ابنك حي ، فقالت المرأة لإيليا هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب في فمك حق ” .

وكذلك في ( سفر الملوك الثاني 4 : 32 -37 ) : ” ودخل اليشع البيت وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره . فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى الرب . ثم صعد واضطجع فوق الصبي ووضع فمه على فمه وعينيه على عينيه ويديه على يديه وتمدد عليه فسخن جسد الولد . ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هناك وصعد وتمدد عليه فعطس الصبي سبع مرات ثم فتح الصبي عينيه . فدعا جيحزي وقال ادع هذه الشونمية فدعاها ولما دخلت إليه قال احملي ابنك . فأتت وسقطت على رجليه وسجدت إلى الأرض ثم حملت ابنها وخرجت ” .

وأكثر من هذا ما فعلته عظام اليشع بعد موته إذ يقول ( سفر الملوك الثاني 13 : 20 – 21 ) : ” مات اليشع فدفنوه . وكل من غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة . وفيما كانوا يدفنون رجلًا إذا بهم قد رأوا الغزاة فطرحوا الرجل في قبر اليشع فلما نزل الرجل ومس عظام اليشع عاش وقام على رجليه ” .

ونذكر كذلك معجزة حزقيال كما هو مكتوب في سفره ( إصحاح 37 عدد 1 – 10 ) : ” كانت على يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاما ، وأمرني عليها من حولها وإذا هي كثيرة جدا على وجه البقعة وإذا هي يابسة جدا . فقال لي يا ابن آدم أتحيا هذه العظام فقلت يا سيد الرب أنت تعلم فقال لي : تنبأ على هذه العظام وقل لها : أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب . هكذا قال السيد الرب لهذه العظام وقل لها . هأنذا أدخل فيكم روحا فتحيون ، وأضع عليكم عصبا وأكسيكم لحما وأبسط عليكم جلدا وأجعل فيكم روحا فتحيون وتعلمون أني أنا الرب ، فتنبأت كما أمرت وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام . . . فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا ” .

بعد ذلك نجد أن معاصري المسيح الذين آمنوا به كانوا يؤمنون أنه نبي الله ولا شيء أكثر من هذا . فها هو إنجيل ( لوقا 24 : 19 ) : ” فقال لهما وما هي . فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل أمام الله وجميع الشعب ” . وكذلك يقول إنجيل ( يوحنا 6 : 14 ) : ” فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا : إن هذا لحقيقة النبي الآتي إلى العالم ” .

المسيح رسول الله

 

وننتقل الآن للحديث عن المسيح رسول الله . فنجد في إنجيل ( يوحنا 13 : 16 ) : “ الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله ” . وكذلك في إنجيل ( يوحنا 8 : 37 – 40 ) : ” أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم . . أجابوا وقالوا له أبونا هو إبراهيم . فقال لهم يسوع لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم ، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله ” . وكذلك نجد في إنجيل ( يوحنا 8 : 44 – 45 ) يدمغ المسيح اليهود بالأبالسة قائلًا : ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا . ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه كذاب وأبو الكذاب ” .

الأبوة والنبوة في الإنجيل

من هنا نفهم قول المسيح لتلاميذه وهو يعلمهم الصلاة ليقولوا : ” أبانا الذي في السموات ” ولما جاء ليندد باليهود نسب أبوتهم إلى إبليس لأنهم كانوا ذرية إبراهيم حسب الجسد إلا أنهم بسلوكهم وأفكارهم الشريرة كل هذا جعلهم كأبناء لإبليس لكن المؤمنين الذين آمنوا بالله الواحد الأحد وبالمسيح إنسانا ورسولا ونبيا فهؤلاء نسبهم الإنجيل كأنهم أبناء الله وكل حديث في الكتاب المقدس عن هذا النوع من البنوة إنما هي بنوة مجازية ولا يمكن أن تكون حقيقة على الإطلاق .

كذلك نجد في إنجيل ( يوحنا 7 : 16 -18 ) : ” أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي . من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه . وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ” . وفي إنجيل ( يوحنا 17 : 44 ) : ” الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ” . يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ” . وفي إنجيل ( يوحنا 17 : 44 ) : ” الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ” .

وفي معجزة إقامة الميت التي يذكرها إنجيل ( يوحنا 11 : 38 – 44 ) : ” فانزعج يسوع أيضا في نفسه وجاء إلى القبر . وكان مغارة وقد وضع عليه حجر . قال يسوع ارفعوا الحجر . قالت له مرثا أخت الميت : يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام . قال لها يسوع ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله ، فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعا ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي . ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ، ليؤمنوا أنك أرسلتني . ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر : هلمّ خارجا . فخرج الميت ” . لقد كان المسيح دائما يصلى ويضرع إلى الله قبل أن تجرى المعجزة على يديه . هذا ولقد كانوا ينادون المسيح بالمعلم لأن المعلم هو الإنسان الذي يحيطه التلاميذ . فعندما ظهر المسيح اتخذ لنفسه اثنا عشر تلميذا ونجد في إنجيل ( متى 8 : 23 – 26 ) : ” ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه . وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة . وكان هو نائما فتقدم تلاميذه وأيقَظوه قائلين : يا سيد نجنا فإننا نهلك . فقال لهم ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان . ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم

. كيف ينام الإله ويغفل عن الكون ؟ . لقد كان المسيح بشرا يجرى عليه ما يجرى على سائر البشر من نوم ويقظة وتعب وراحة وخوف وطمأنينة لكن الله سبحانه وتعالى – كما يقول القرآن بحقه { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } (1) .
_________
(1) سورة البقرة ، آية 255 .

المسيح يدعو إلى التوحيد وفي إنجيل ( لوقا 18 : 18- 19 ) : ” سأله رئيس قائلًا أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية . فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحًا . ليس أحد صالحًا إلا واحد هو الله ” .

ولقد بيَّن لنا الدكتور محمد جميل غازي حديث الرسول الذي قال فيه « لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح عيسى ابن مريم » . ذلك أن الإطراء باب من أبواب الضياع والمتاهات . لقد حرص المسيح على أن ينفي عن نفسه صفة الصلاح ويردها إلى الله وحده فكيف يقال بعد ذلك إن المسيح إله أو ابن الله . بل أكثر من هذا نجد في إنجيل (مرقس 12 : 28-29) : ” فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله : أية وصية هي أول الكل ؟ فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل . الرب إلهنا رب واحد ” . فلم يدع المسيح أنه إله يعبد لكن موقفه أمام الله كموقف كل بني إسرائيل . ولقد نادى المسيح بالتوحيد صراحة فقال في إنجيل (يوحنا 17 : 3) : ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ” . وفي حديثه مع مريم المجدلية الذي ذكره إنجيل (يوحنا 20 : 17-18) : ” قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي . ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” . فعلاقة المسيح بالله كعلاقة التلاميذ بالله ، كلهم عبيده .

وحينما نتأمل تاريخ الأنبياء نجد أن موسى – عليه السلام – بعد أن قتل المصري هرب إلى البرية وبقي بها أربعين سنة يرعى الغنم ويتأمل صنع الله في الأرض وفي السماء وكان ذلك تحت رعاية الله حتى يتأهل لحمل الرسالة بمشاقها ومتاعبها . وكذلك تعرض يوسف لمحن كثيرة بدأت بتآمر إخوته عليه ، ثم بيعه إلى عزيز مصر ليخدم في بيته ، ثم اتهامه بمداعبة امرأة العزيز ، وأخيرًا برأه الله – سبحانه – وصار بعد ذلك الوزير الأول لملك مصر .

وكذلك كان أمر المسيح ، فقبل أن يبدأ دعوته في سن الثلاثين – حسب كلام لوقا – نجده قد ذهب من بلدته الناصرة إلى البرية وبقي هناك أربعين يومًا بلا طعام ثم جاءه إبليس ليجربه بثلاث تجارب نجح فيها جميعًا ، وانتصر على إبليس وأصبح بذلك معدًّا ليكون رسول الله .

ثم يقول إنجيل (لوقا 4 : 14-15) : ” ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل ، وخرج خبر عنه في جميع الكورة المحيطة . وكان يعلم في مجامعهم ممجدًا من الجميع ” . ونجد في إنجيل (متى 4 : 11) : ” ثم تركه إبليس وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه ” . لقد أعد المسيح للرسالة كما أعد سائر الأنبياء قبله . وهذه شهادة أقرب الناس إلى المسيح وأعني به بطرس رئيس التلاميذ الذي يقول في (سفر أعمال الرسل 2 : 22) : ” أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال . يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات الله وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون ” .

لم يقل بطرس إن المسيح هو الله ، لكنه قال إنه رجل إنسان أجرى الله على يديه معجزات وآيات . وكذلك يقول بطرس في (سفر أعمال الرسل 10 : 38) : ” يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه ” . لم يقل بطرس لأن الله كان معه كما كان مع كل الأنبياء والمرسلين . كل هذا يبين لنا أن المسيح إنسان بشر ، وأنه رسول الله ، وأنه نبي ظهر في بني إسرائيل كما ظهر أنبياء آخرون قبله .

الروح القدس والآن نناقش موضوع الروح القدس . فنجد في العهد القديم (سفر الخروج 23 : 20- 21) : ” ها أنا مرسل ملاكا أمام وجهك ليحفظك في الطريق وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه ” .

إن العرف الدولي يتفق على أن السفير هو ممثل للدولة ولرئيسها بالذات ، وعلى ذلك فإن أي مساس بالسفير يعني المساس برئيس الدولة . فتعبير ” إن اسمي فيه ” يعني أنه يقوم مقام السفير بين الله سبحانه وتعالى ، وبين خلقه . ونجد في (سفر صموئيل الأول 10 : 1- 10) : ” فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصب على رأسه وقبَّله وقال أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه ريسًا ؟ وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الله أعطاه قلبًا آخر وأتت جميع هذه الآيات في ذلك اليوم . ولما جاءوا إلى هناك إلى جبعة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحل عليه روح الله فتنبأ في وسطهم ” . ونجد في (سفر صموئيل الأول 16 : 14) أن الله غضب على شاول ففارقه روح الرب إذ يقول : “ وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روحٌ رديء من قبل الرب ” . وهنا نجد أن روح القدس يحل على الإنسان المطهر النقي أما إذا أغضب ذلك الإنسان الله بخطيئة ما فإن الروح القدس يفارقه ويصيبه روح شرير . من هذا نرى داود – عليه السلام – يصلي داعيًا الله بقوله : ” قلبًا نقيًا اخلق في يا الله وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي . لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني ” . (مزمور 51 :10 ، 11) .

ونجد في إنجيل (لوقا 3 : 21-22) : “ ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا وإذ كان يصلي انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة ” . لقد كان الروح القدس مع أنبياء العهد القديم وها هو مع المسيح عند المعمودية وهو معه في التجربة . فالروح القدس ليس ثابتًا في الإنسان ولكنه يأتي للأنبياء حسب متطلبات الأحوال . إن هذا يعني أن ذات المسيح شيء وأن ذات الروح القدس شيء آخر . ويوضح ذلك أيضا قول إنجيل (مرقس 3 : 28- 29) : ” الحق أقول لكم إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها . ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد . بل هو مستوجب دينونة أبدية ” . ونظير ذلك ما رأيناه في (سفر الخروج) من قوله : “ لا تتمرد عليه لأن اسمي فيه ” . وتكرر هذا القول في إنجيل (متى 12 : 31- 32) بصورة أوضح : ” لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس . ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له . وأما من قال على الروح القدس فلم يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي ” .
كل هذا يؤكد أن ذات المسيح شيء وأن الروح القدس شيء آخر .

معجزات المسيح

اشباع الجوعى وطهر البرص:

معجزات المسيح بعد ذلك ننظر في معجزات المسيح ، لقد أشبع الجوعى وطهر البرص وأقام الموتى ، وكل هذه ليست مقصورة على المسيح لكنها جرت على أيدي الأنبياء قبله . فنجد في عهد موسى أن الله سبحانه وتعالى أكرمه بأن جعل بني إسرائيل يأكلون المن والسلوى أربعين سنة (خروج 16 : 4- 31) .
وأن إيليا ذهب في ضيافة امرأة أرملة فقيرة فقالت له إنها لا تملك سوى بعض الدقيق والزيت سوف تصنعها فطيرة لابنها ثم تموت . فقال لها اصنعي الكعكة وستجدين بعد ذلك أن كوار الدقيق وكوز الزيت لن ينفد أبدًا (الملوك الأول 17 : 8- 16) . وقد حدث ذلك في أيام المجاعة فكانت معجزة كبيرة من إيليا . كذلك حدث لواحدة من نساء الأنبياء مع اليشع إذ أخبرته أن الدائنين يطالبونها وليس عندها شيء سوى دهنة زيت فأخذها وأمرها أن تطلب أواني كثيرة من جيرانها . وعلمها أن تسمك الدهنة وتعصر الأواني فكان ينزل الزيت الذي ملأ أواني كثيرة (الملوك الثاني 4 : 1- 7) واستطاعت بذلك أن تسدد ديونها بمعجزة اليشع هذه .
وبالنسبة لتطهير الأبرص فقد فعلها اليشع (الملوك الثاني 5 : 8- 14) .

إقامة الموتى

وأما إقامة الموتى فقد ذكرنا كلًّا من إيليا واليشع وحزقيال أنهم أقاموا الموتى قبل المسيح كذلك فإن بطرس أقام ميتا (أعمال الرسل 9 : 36- 42) : ” ولم يقل أحد إن بطرس إله . إن الحكمة من المعجزة أن الله- سبحانه- يؤيد نبيه لكي يؤمن الناس بأنه نبي الله ورسوله وإنه مبعوث من قبل مالك كل القوى والقدرة ” .
وهذا ما حدث مع موسى : ” ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين . فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى ” (خروج 31 : 14) .
وما حدث مع إيليا : ” فقالت المرأة لإيليا هذا الوقت علمت أنك رجل الله وإن كلام الرب في فمك حق ” (الملوك الأول 17 : 24) .
وما حدث مع المسيح نفسه : ” فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم نظروا ما فعل يسوع فآمنوا به ” (يوحنا 11 : 45) .

مواجهة المسيح للكهنة بعد الحديث عن معجزات المسيح وأنه بشر وأنه نبي الله وأنه رسول الله ، أريد أن أتحدث الآن عن مواجهة المسيح للكهنة ولذوي النفوذ في إسرائيل .

جاء في إنجيل (متى 6 : 14-15) ما يوضح لنا فكر المسيح عن الغفران حيث قال : ” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي . وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم ” . فهذا التوجيه صريح جدًا في إمكانية المغفرة دون الحديث عن الصليب وسفك دم المسيح .

فلو كان صلب المسيح مسألة حتمية لا يتم مغفرة الخطايا إلا بها لكان هو أول من نبه إلى هذا . ولكنه يقول الشيء بالشيء . فإذا تجاوز الإنسان عن خطايا أخيه الإنسان فإن الله يغفر له خطاياه . وهذا يعني أن رضا الله- سبحانه- يمكن أن يناله الإنسان بممارسة العبادات الإلهية والعمل الصالح . كذلك نجد قصة المشلول في إنجيل (متى 9 : 2- 6) : “ وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحًا على فراش . فلما رأى يسوع إيمانهم . . قال للمفلوج : ثق يا بني ، مغفورة لك خطاياك . وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم هذا يجدف . فعلم يسوع أفكارهم فقال لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم . أيما أيسر أن يقال للإنسان مغفورة لك خطاياك ، أم أن يقال قم وامش ؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا . حينئذ قال للمفلوج . قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك ، فقام ومضى إلى بيته ” .

النتيجة : ” فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانًا مثل هذا ” (متى 7 : 9) .

مغفرة الخطايا

لقد بينً المسيح أن له سلطانًا أن يغفر الخطايا وهو يغفرها بمجرد كلمة مثل ” مغفورة لك خطاياك ” ثم هو يعلم الناس أن شفاء المفلوج أشد من غفران الخطايا بكلمة . وهذا يوضح أن فكرة سفك دم المسيح على الصليب باعتبارها ضرورة لمغفرة الخطايا إنما هي زعم لا أساس له من الصحة . ثم قضية أخرى من القضايا التي واجهها المسيح مع رؤساء بني إسرائيل ما يذكره إنجيل (يوحنا 8 : 1- 11) : ” ثم حضر أيضا إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم . وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنى ، ولما أقاموها في الوسط ، قالوا له يا معلم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل . وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم . فماذا تقول أنت قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه . وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض . ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر . ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض . وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحدًا فواحدًا مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين . وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط . فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدًا سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك . أما أدانك أحد ؟ فقالت لا أحد يا سيد . فقال لها يسوع ولا أنا أدينك . اذهبي ولا تخطئي أيضا ” .

فالمسيح – عليه السلام – نادى بالغفران ونادى بالستر ونادى بالمحبة . إن السيد المسيح التزم بالناموس مراعيًا حدود الله ولقد قضت الشريعة على حيثيات إقامة الحد ” على فم شاهدين أو ثلاثة شهود يقتل الذي يقتل . لا يقتل على فم شاهد واحد . أيدي الشهود تكون عليه أولا لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيرًا فتنتزع الشر من وسطك ” (تثنية 17 : 6-7) . وبناء عليه فإن السيد المسيح الذي ولي قاضيًا لم يجد شهود الإثبات ليقيم الحد فأخلى سبيلها .

بعد ذلك نجد في إنجيل (لوقا 11 : 53-54) : ” وفيما هو يكلمهم بهذا ابتدأ الكتبة والفريسيون يحنقون جدًا ويصادرونه على أمور كثيرة . وهم يراقبونه طالبين أن يصطادوا شيئًا من فمه لكي يشتكوا عليه ” . لقد كانوا ينتهزون كل فرصة للتربص بالمسيح كما بيَّن لوقا وكما يذكر الإنجيل عن تجربة العملة . يقول (لوقا 20 : 20- 26) : ” فراقبوه وأرسلوا جواسيس يتراءون أنهم أبرار لكي يمسكوه بكلمة حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه . فسألوه قائلين يا معلم نعلم أنك بالاستقامة تتكلم وتعلم ولا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله . أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا . فشعر بمكرهم وقال لهم لماذا تجربونني . أروني دينارًا . لمن الصورة والكتابة ؟ فأجابوا وقالوا لقيصر . فقال لهم : اعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله .

فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب . وتعجبوا من جوابه وسكتوا ” . أضيف إلى ذلك أن المسيح نفسه كان يعتبر عبدًا من رعايا الإمبراطورية الرومانية وكانت عليه ضريبة يقدمها للرومان ككل المواطنين ، كان المفروض أن يدفع الجزية عن نفسه وعن تلاميذه ، فيذكر إنجيل (متى 17 : 24- 27) : ” ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا أما يوفي معلمكم الدرهمين ؟ قال بلى . فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلًا ماذا تظن يا سمعان من يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بينهم أم مز الأجانب . قال له بطرس من الأجانب . قال له يسوع فإذًا البنون أحرار . ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر والق صنارة والسمكة التي تطلع أولا خذها ومتى فتحت فاها تجد إستارًا فخذه واعطهم عني وعنك ” . لقد دفع المسيح الجزية عن نفسه للرومان إذ كان عبدًا تحت الجزية الرومانية . وفي إنجيل (لوقا 20 : 27- 39) نجد حديثًا عن الصدوقيين . لقد كان في اليهودية طوائف منها الفريسيون والصدوقيون . ويؤمن الفريسيون بقيامة الأموات وبالبعث وبالحساب ويؤمنون بالجنة والنار ، وأما الصدوقيون فلا يؤمنون بهذا كله .

وهنا يقول إنجيل (لوقا) : ” وحضر قوم من الصدوقيين الذين يقاومون أمر القيامة وسألوه قائلين يا معلم كتب لنا موسى إِن مات لأحد أخ وله امرأة ومات بغير ولد يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلًا لأخيه . فكان سبعة إخوة وأخذ الأول امرأة ومات بغير ولد . فأخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد . ثم أخذها الثالث . وهكذا السبعة ولم يتركوا ولدًا وماتوا . وآخر الكل ماتت المرأة أيضا . ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة . فأجاب وقال لهم يسوع أبناء هذا الدهر يزوّجون ويزوّجون . ولكن الذين حسبوا أهلًا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوّجون ولا يزوّجون . إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة . وأما أن الموتى يقومون فقد دلّ عليه موسى أيضا في أمر العليقة كما يقول الرب : ” إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وليس هو إله أموات بل إله أحياء لأن الجميع عنده أحياء . فأجاب قوم من الكتبة وقالوا يا معلم حسنًا قلت ” .

موقف المسيح من تقديس السبت !! بعد ذلك أتحدث عن تقديس السبت عند اليهود . فنجد في (سفر التكوين 2 : 1- 3) : ” فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل . فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل . وبارك الله اليوم السابع وقدسه . لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا ” .

هذا بينما نجد القرآن الكريم يقول في سورة ق { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } (1) . أي لم يمسنا التعب على أية صورة من الصور . ويذلك لا معنى للحديث عن الراحة بعد خلق العالم في تلك الأيام الستة ، لكن اليهود يقاومون المسيح تحت شعار حفظ السبت فكانوا ينتقدونه في شفاء المرضى يوم السبت . ولقد علمهم المسيح أن السبت قد خلق لأجل الإنسان ولم يخلق الإنسان لأجل السبت ، ولكن عقولهم توقفت عن فهم ذلك كله . يقول إنجيل (يوحنا 9 : 1-33) : ” وفيما هو مجتاز رأى إنسانا أعمى منذ ولادته . فسأله تلاميذه قائلين يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه . ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار . يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل . ما دمت في العالم فأنا نور العالم .
قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى . وقال له اذهب اغتسل في بركة سلوام ، الذي تفسيره مرسل . . فمضى واغتسل وأتى بصيرًا . . .
_________
(1) سورة ق ، آية 38 .

وكان سبت حين صنع يسوع الطين وفتح عينيه . . فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت . آخرون قالوا كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات وكان بينهما شقاق . .
فدعوا ثانية الإنسان الذي كان أعمى وقالوا له اعط مجدًا لله نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ . فأجاب ذاك وقال أخاطئ هو . لست أعلم . إنما أعلم شيئًا واحدًا أني كنت أعمى والآن أبصر . . فشتموه وقالوا أنت تلميذ ذاك . وأما نحن فإننا تلاميذ موسى . نحن نعلم أن موسى كلمةُ الله . وأما هذا فما نعلم من أين هو . أجاب الرجل وقال لهم إن في هذا عجبًا أنكم لستم تعلمون من أين هو وقد فتح عينيَّ . ونعلم أن الله لا يسع للخطاة ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع . ويختم الأعمى الذي عاد بصيرًا قوله ” منذ الدهر لم يسمع أن فتح عيني مولود أعمى . لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا ” .

ويجب ملاحظة أن بعض صفات الله تنسب أحيانًا للبشر مثل قول المسيح هنا : ” ما دمت في العالم فأنا نور العالم ” . إن هذا لا يعني إنه إله أو معادل للإله لأن هذا القول لا يقارن بما تذكره التوراة عن موسى الذي جعلته إلهًا لكل من هارون أخيه وفرعون عدوه .

يقول (سفر الخروج 4 : 14-16) : إن الرب قال لموسى عن أخيه هارون : “ ها هو خارج لاستقبالك . . فتكلمه وتضع الكلمات في فمه . وأنا أكون مع فمك ومع فمه وأعلمكما ماذا تصنعان وهو يكلم الشعب عنك . وهو يكون لك فمًا وأنت تكون له إلهًا ” . يقول (سفر الخروج 7 : 1- 2) : ” فقال الرب لموسى انظر . أنا جعلتك إلهًا لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك ” . إن هذه الأقوال من قبيل المجاز لا الحقيقة . والهدف من هذه القصة : الأعمى الذي عاد بصيرًا في يوم السبت أن المسيح أراد أن يكشف لليهود خطأ نظرتهم للسبت وتعطيل كل عمل صالح فيه . يقول إنجيل (مرقس 2 : 23-28) : ” واجتاز في السبت بين الزروع ، فابتدأ تلاميذه يقطفون السنابل وهم سائرون فقال له الفريسيون : انظر ، لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل ؟ فقال لهم أما قرأتم ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه ؟ كيف دخل بيت الله في أيام أبيأثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة وأعطى الذين كانوا معه أيضا . ثم قال لهم السبت إنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت ، إذا ابن الإنسان هو رب السبت أيضا ” .

إن هذا ينتهي اليوم وسيكون حديثي معكم عن بقية الموضوعات في الجلسة القادمة إن شاء الله .

قانون الإيمان المسيحي

ثم قال الدكتور محمد جميل غازي :

” بسم الله الرحمن الرحيم ” وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين- أمرنا وأمركم إلى الله ، ذلك أن الموضوع طويل والكلام فيه كثير ، ولا تغطيه الليالي المتعاقبة ولا المحاضرات الكثيرة ولا المناقشات الطويلة ، ولكننا نجتزئ بالبعض عن الكل وأريد أن أحدثكم عن قانون الإيمان المسيحي (1) ، كيف نشأ هذا القانون وكيف تجمع عبر مجموعة المجامع المسكونية الكنسية . يقول نص قانون الإيمان : ” المنبثق عن مجمع نيقية عام 325 م . ” نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماوات والأرض ما يرى ما لا يرى . نؤمن برب واحد . . . يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور ، نور من نور ، إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر ، الذي به كان كل شيء . هذا هو الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاص نفوسنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومريم العذراء وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس النبطي وتألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب ، وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين أبيه وأيضا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات . الذي ليس لملكه انقضاء ” .
_________
(1) يراجع في هذا الصدد الدراسة القيمة التي قام بها الأستاذ عبد الكريم الخطيب في كتابه : « المسيح في التوراة والإنجيل والقرآن » .

ثم أضيفت إلى هذا القانون إضافة أخرى . منبثقة عن مجمع القسطنطينية عام 381 م : “ نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب ، نسجد له ونمجده مع الآب والابن ، الناطق في الأنبياء ، وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية ، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا ، وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي . آمين ” . ثم أضيفت إضافة ثالثة حول تطويب العذراء منبثقة عن مجامع أفسس عام 431 م . تقول : ” نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله . أتى وخلص نفوسنا ” .

ثم أضيفت إضافة رابعة لتمجيد السيد المسيح : ” المجد لك يا سيدنا ولملكنا المسيح فخر الرسل إكليل الشهداء تهليل الصديقين ثبات الكنائس غافر الخطايا ” .

ثم إضافة أخرى للتبشير بالثالوث الأقدس : ” نكرز ونبشر بالثالوث لاهوت واحد نسجد له ونمجده يا رب ارحم يا رب بارك . آمين ” .

هذه هي قوانين الإيمان التي نريد أن نمر عليها لنعرف كيف لفقت هذه القوانين وكيف جمعت كلماتها من أسفارهم كما تجمع الكلمات المتقاطعة التي تنشر في الصحف .

إن تاريخ المسيحية : ” يقول في سنة 325 م ، اجتمع المؤتمر المسكوني في نيقية بأمر الملك قسطنطين الكبير . وكانت المسألة الأولى والوحيدة التي ناقشها المؤتمر هي طبيعة المسيح وذلك بعد أن قرر القس الإسكندري أريوس رأيه في المسيح وأنه مخلوق .
يقول سعيد البطريق أو ابن البطريق في كتابه التاريخي ” نظم الجوهر ” يروي مقاله أريوس هذا وما كان لها من آثار في إثارة الخلاف والفرقة بين المسيحيين وما انتهى إليه الرأي فيه وفي مقولته .

يقول ابن البطريق : قال بطريرك الإسكندرية لتلاميذه : إن المسيح لعن آريوس فأحذروا أن تقبلوا قوله . فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب فقلت له يا سيدي : من شق ثوبك ؟ فقال لي : آريوس ، فاحذروا أن تقبلوه أو أن يدخل معكم الكنيسة . فبعث قسطنطين الملك إلى جميع البلدان فجمع البطارقة والأساقفة فاجتمع في مدينة نيقية -بعد سنة وشهرين- ألفان وثمانية وأربعون أسقفًا وكانوا مختلفي الآراء ومختلفي الأديان . فمنهم من يقول المسيح ومريم إلهان من دون الله وهم المريمانية . ومنهم من يقول إن المسيح من الآب بمنزلة شعلة نار تخلقت من شعلة نار فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها . وهي مقالة سيبارينون وأتباعه ومنهم من كان يقول : لم تحمل مريم لتسعة أشهر وإنما مر نور في بطن مريم كما يمر الماء في الميزاب لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها وهي مقالة أيليان وأشياعه ومنهم من يقول إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره ، وإن ابتداء الابن من مريم وإنه اصطفى ليكون مخلصًا للجوهر الإنسي صاحبته النعمة الإلهية فحلت فيه المحبة والمشيئة- فلذلك سمي ابن الله . ويقولون إن الله جوهر واحد

وأقنوم واحد ويسمونه بثلاثة أسماء ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم البولونيون . ومنهم من كان يقول بثلاثة آلهة : صالح وطالح وعدل . وهي مقالة مرقيون وأشياعه . ومنهم من كان يقول ربنا هو المسيح وتلك هي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا ” .
ثم يقول ابن البطريق : فلما سمع قسطنطين الملك مقالاتهم عجب من ذلك وأخلى لهم دارًا وتقدم لهم بالإكرام والضيافة وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم ليظهر من معه الحق فيتبعه . فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا على دين واحد ورأي واحد فناظروا بقية الأساقفة فأفلجوا عليهم حججهم وأظهروا الدين المستقيم .
أما أهم ما قرره هذا المجمع الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا فهو أن المسيح ابن الله وأنه مساوٍ لله في الجوهر . ونريد الآن أن نعرف من أين جمعوا نصوص قانون الإيمان المسيحي فنجد أن عباراته جاءت كالآتي :
” نؤمن بإله واحد ” جاءت من إنجيل (يوحنا 3 : 17) .
” آب ” من (الرسالة الأولى لأهل تسالونيكي 3 : 11) .
” ضابط الكل ” من (إنجيل متى 1 : 9- 20) .

” خالق السماوات والأرض ما يرى وما لا يرى ” من (متى 11 : 25 وسفر الخروج 20 : 11) .
” نؤمن برب واحد ” من (العبرانيين 1 : 8 والرؤيا 19 : 16) .
” يسوع المسيح ” من (العبرانيين 13 : 8) .
” ابن الله الوحيد ” من إنجيل (يوحنا 3 : 16) .
” المولود من الآب قبل كل الدهور ” من (ميخا 5 : 2) .
” نور من نور ” من (العبرانيين 1 : 3) .
” إله الحق ” من إنجيل (يوحنا 17 : 5) .
” من إله حق ” من إنجيل (يوحنا 17 : 5) .
” مولود غير مخلوق ” من إنجيل (يوحنا 26 : 5) .
” مساو للآب في الجوهر ” من إنجيل (يوحنا 10 : 30) .
” الذي به كل شيء ” من إنجيل (يوحنا 1 : 3) .
” هذا هو الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاص نفوسنا ” ليس له سند من نصوص العهد الجديد وإنما وضع بمعرفة المجمع .
” ونزل من السماء وتجسد ” من إنجيل (يوحنا 1 : 14 ومن العبرانيين 10 : 5) ” من الروح القدس ومريم العذراء ” من إنجيل (لوقا 1 : 35) .
” وتأنس ” من إنجيل (يوحنا 8 : 40) .
” وصلب على عهد بيلاطس النبطي ” من إنجيل (يوحنا 19 : 19) .
” وتألم ” من (الرسالة الأولى لبطرس 1 : 11) .
” وقبر ” من أشعياء 53 : 9 ومن متى 27 : 60) .

” وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب ” (من سفر الرؤيا 14 : 14 ومن الرسالة الأولى لكورنثوس 15 : 2) .
” وصعد إلى السماوات ” من إنجيل (لوقا 24 : 51) .
” وجلس عن يمين أبيه ” من إنجيل (مرقس 16 : 19) .
” وأيضا يأتي في مجده ” من إنجيل (متى 25 : 31) .
” ليدين الأحياء والأموات ” من (العبرانيين 10 : 30) .
” الذي ليس لملكه انقضاء ” من إنجيل (لوقا 1 : 33) .
هذا هو قانون الإيمان المسيحي الأول قبل تطويره . وأود أن أنبه إلى أن هذا التخريج ليس من عندنا ولكنه كما خرج عليه المؤتمرون قرارهم وقدموا به محمولا بين يدي هذه المذكرة الإيضاحية . وإذا جاوزت هذا التبرير وما فيه من تعسف وشطط بعيدين غريبين فإنك تجد أن الصورة التي رسمها القرار للألوهية ينقصها الوجه الثالث من وجوه التثليث وهو الروح القدس فالإيمان الذي يبشر به هذا القرار هو الإيمان بالآب والابن فقط ، أما الروح القدس فهو ما دخل في تجسد الابن من مريم العذراء وهو في هذا الموضع قد يكون ملاك الرب أو جبريل أو كلمة الله أو الابن .

ونستطيع أن نتخذ من هذا القرار وثيقة تاريخية محققة للقول بأن التثليث المسيحي لم يكن معروفًا إلى سنة 325 من ميلاد المسيح ولم يعترف المؤتمر المنعقد في هذا العام بغير الآب والابن . كما نستطيع أن نقرر أيضا أنه إلى ذلك الحين لم يكن المسيح قد دخل ببنوته في شركة مع الله على هذا النحو الذي يجعل منه الله مندمجًا في أقنومية الآب والروح القدسي . وغاية ما كان يتصور في هذه البنوة أنها فرع عن أصل وأنها إن دلت على الإله فلن تكون هي الإله . وفي هذا القرار إعلان صريح عن الله الآب أنه خالق للسماوات والأرض ، أما الابن فلم يكن له في خلق السماوات والأرض أي دخل . ولكن المسيحية بعد هذا تدين بأن الله الآب لم يخلق شيئًا وإنما المسيح الابن هو الذي خلق كل شيء . فأقنوم الابن هو القائم بعملية الخلق كما انتهى إلى ذلك معتقد المسيحية بعد أن المسيحية إلى ما بعد منتصف القرن الرابع لم تكن قد استكملت حقيقتها فما زال موقف المسيح متأرجحا مضطرا بين الإله والإنسان . وإن الأمر ليحتاج إلى خطوة أو خطوات أخرى لسد هذه الفجوة العميقة التي تتذبذب فيها شخصية المسيح متأرجحة مضطربة بين الإله والإنسان .

وليس يقوم لهذا الأمر إلا مجمع مقدس يسوي ألوان هذه الصورة المهزوزة ويحدد ملامحها وهذا ما قد كان فعلًا ؟ ففي سنة 381 م ، أمر الملك تاودسيوس الكبير بعقد مجمع مقدس في مدينة القسطنطينية للنظر في مقولة مقدونيوس بطريرك القسطنظينية التي كان ينادي بها في محيط كنيسته ويذيعها في أتباعه وهي أن الروح القدس مخلوق كسائر المخلوقات . وواضح من هذا أن أمر الروح القدس لم يكن قد استقر بعد كوجه من وجوه الله وأقنومًا من أقانيمه متساويًا مع الآب والابن في الرتبة ، وقد اجتمع في هذا المؤتمر مائة وخمسون أسقفًا يمثلون جميع الهيئات المسيحية . وكان من بينهم تيموثاوس بطريرك الإسكندرية الذي أسندت إليه رئاسة الجميع .
وقد انتهى المؤتمر بإدانة مقدونيوس ومن كان على رأيه من الأساقفة ثم خرج المجمع بالمصادقة على قرار نيقية ثم إضافة نص جديد كالآتي مع بيان نصوص الكتاب المقدس التي رجعوا إليها :
” نعم نؤمن بالروح القدس ” إنجيل (يوحنا 14 : 26) .
” الرب ” الرسالة الثانية إلى كورنثوس 2 : 17-18) .
” المحيي ” (رومية 8 : 11) .
” المنبثق من الآب ” إنجيل (يوحنا 15 : 16) .

” نسجد له ونمجده مع الآب والابن ” إنجيل (متى 18 : 19- 20) . ” الناطق في الأنبياء ” (الرسالة الأولى لبطرس 1 : 11 ، 2 بط 1 : 21) .
” وبكنيسة ” إنجيل (متى 16 : 18) .
” واحدة ” (رومية 13 : 5) .
” مقدسة ” (أفسس 5 : 25 ، 26) .
” جامعة ” إنجيل (يوحنا 11 : 52) .
” رسولية ” (أفسس 5 : 3) .
” ونعترف بمعمودية واحدة ” (أفسس د : 5) .
” لمغفرة الخطايا ” (عبرانيين 8 : 13 ، 9 : 22) .
” وننتظر قيامة الأموات ” الرسالة الأولى لكورنثوس 15 : 21) .
” وحياة الدهر الآتي . آمين ” إنجيل ( لوقا 18 : 30) ” .
وقد جمع هذا النص كسابقه من أشتات ملفقة من الأناجيل والرسائل ومنتزعة من مواطنها انتزاعا في غير رفق أو تلطف لتلتقي هنا على غير إلف أو تعارف وفي هذا النص يظهر الوجه الثالث للثالوث المقدس . ثم تبدأ المسيحية النظر في الإله ذي الأقانيم الثلاثة نظرًا فلسفيًا لاهوتيًا تختلط فيه الفلسفة باللاهوت ويمتزج فيه الواقع بالخيال ويعمل العقل المسيحي في جد وبراعة في نسج ملحمة من أبرع الملاحم الأسطورية التي تصل السماء بالأرض وتخلط الله بالإنسان ، ولكن القصة لم تتم فصولا بعد .

فما زال هناك فجوات تنتظر من المجامع المقدسة أن تملأها بتلك الكلمات التي تلتقطها من شتيت الصفحات في الأناجيل والرسائل .

ففي سنة 431 م ، أعلن نسطور بطريك القسطنطينية قوله : إن العذراء لم تلد متأنسا بل ولدت إنسانًا عاديًا ساذجا ثم حل فيه الإله بإرادته لا بالاتحاد فهو لهذا ذو طبيعتين وأقنومين . وقد انقسم المسيحيون إزاء هذا الرأي فكان بعضهم في جانب نسطور وكان البعض الآخر في الجانب المخالف له على حين وقف كثيرون موقف الحياد بين الحيرة والتردد . ومن أجل هذا دعا الملك تاودوس الصغير ملك القسطنطينية إلى عقد المجمع المقدس فحضره نحو مائتي أسقف وبعد مناقشات طويلة انتهى الرأي إلى القول بتجسد الكلمة واتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية بدون اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة . والذي يلفت النظر في مقررات هذا المؤتمر أنها لم تخرج مخرج المقررات التي صدرت في المجمعين السابقين حيث لم تكن في صورة دعوة إلى إيمان بحقيقة جديدة وإنما جعلت هذه المقررات مقدمة لقانون الإيمان . وكأن المؤتمرين قدروا الخطر الناجم عن تبدل صورة العقيدة وما يدخل في قلوب الناس وعقولهم من هذه الإضافات التي تحدث كلما حدثت أحداث وبرزت آراء فذلك من شأنه أن يجعل الناس يتهمون المقولات التي تلقى إليهم من جهة الدين ويتشككون في إضافتها إلى السماء حيث لا تبديل لكلمات

الله . نقول إن المؤتمرين قدروا هذا كله فلم يجعلوا لمقرراتهم شيئًا جديدًا يدخل في مجال العقيدة وإنما جعلوه مقدمة إلى العقيدة ومدخلًا إلى الإيمان . وقد حملت هذه المقدمة ثلاث مقولات عن العذراء والمسيح والثالوث وها هي ذي كما صدرت في المجمع :
تطويب العذراء : ” نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله أتى وخلص نفوسنا ” .
إن هذه الكلمات القصيرة لها مصدرها ؛ فقولهم :
” نعظمك ” تأتي من إنجيل (لوقا 1 : 48) .
” يا أم النور الحقيقي ” من إنجيل (لوقا 1 : 43) ومن إنجيل (يوحنا 1 : 8-10) .
” ونمجدك ” من (المزمور 91 : 15) .
” أيتها العذراء القديسة ” من (أشعياء 7 : 14 ولوقا 1 : 37) .
” لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله ” من (لوقا 3 : 11) .
” أتى وخلص نفوسنا ” من (لوقا 19 : 10) .
تمجيد السيد المسيح : ” المجد لك يا سيدنا ولملكنا المسيح فخر الرسل إكليل الشهداء تهليل الصديقين ثبات الكنائس غافر الخطايا ” . هذه الكلمات أيضا لها مراجعها ؛ فكلمات :
” المجد لك يا سيدنا ” تأتي من (أشعيا 43 : 8) .
” لملكنا المسيح ” من (لوقا 1 : 33) .
” فخر الرسل ” من (غلاطية 6 : 14) .

” إكليل الشهداء ” من (أشعياء 38 : 5) .
” تهليل الصديقين ” من إنجيل (يوحنا 8 : 56) .
” ثبات الكنائس ” من إنجيل (يوحنا 15 : 34) .
” غافر الخطيا ” من إنجيل (متى 9 : 3) .
التبشير بالثالوث الأقدس : ” نكرز ونبشر بالثالوث الأقدس لاهوت واحد نسجد له ونمجده . يا رب ارحم يا رب ارحم يا رب بارك . آمين ” . فهذه الكلمات لها انتماؤها ؛ فعبارة :
” نكرز ونبشر ” تأتي من (الرسالة إلى العبرانيين 10 : 43) .
” بالثالوث الأقدس ” من (متى 28 : 19) .
” لاهوت واحد ” من (يوحنا 5 : 7) .
” نسجد له ونمجده ” من (متى 4 : 10) .
” يا رب ارحم يا رب ارحم ” من (المزمور 33 : 1) .
” يا رب بارك . آمين ” من (لوقا 53 : 24) .
ومن هنا نرى أنه فضلًا عن أن قانون الإيمان تطور عبر المجامع كما رأيتم فهو في الوقت نفسه ملفق من كلمات مفردة بعضها من أسفار العهد القديم ولعضها من أسفار العهد الجديد فهي كلها تلفيقات مأخوذة من أشتات متنافرة .

تعليق اللواء أحمد عبد الوهاب :

والآن أترك التعليق للسيد اللواء مهندس أحمد عبد الوهاب ، الذي قال :

قول اريوس ان المسيح مخلوق هو قول المسيحيين الاوائل:

لي تعليق بسيط يتلخص فيِ بيان أن آريوس الذي قال إن المسيح مخلوق وأنه أقل من الله في الجوهر ابتداء من عام 313 م فصاعدًا لم يكن هو أول من قال بهذا القول واعتقده ، ولكن قال هذا المسيحيون الأوائل أيضا وهو أن المسيح إنسان مخلوق . لقد كانت تلك هي عقيدة الغالبية العظمى من المسيحيين الأوائل .

كذلك فإن وصف المسيح بأنه (عبد الله) لا يزال موجودًا إلى الآن في أسفار العهد الجديد ، ولكن للأسف فإن الطبعات العربية تذكرها بصورة مستترة حتى لا يتبينه القارئ العربي . فقد وصف المسيح في الأسفار بأنه نبي ، ورسول ، وأنه ابن الإنسان- أي ابن آدم – وكان هذا هو الاسم المحبب إليه . ولقد وصف في هذه الأسفار كذلك بأنه عبد ، ولكن للأسف فإنهم لم يستخدموا هذه الكلمة وإنما استخدموا كلمة مرادفة لها بصورة مستترة .

فنقرأ في إنجيل متى – وهو مشهور بأنه أكثر كتبة الأناجيل استشهادًا بأسفار العهد القديم بدعوى أنها تنبؤات سبق القول بها وكان من نتيجة التكالب على هذا العمل أن أصبح العلماء مقتنعين بعد دراساتهم الطويلة ، أن متى أشار إلى تنبؤات ليس لها وجود في أسفار العهد القديم ولا يعلم لها أصل . ولكن يهمني هنا أن أبين كيف اصطاد كاتب

إنجيل متى نبوءة من العهد القديم ، ولكن عندما أدرجت في العهد الجديد ، في إنجيل متى ، فقد حدث فيها تحوير ملحوظ حتى لا يتبينه القارئ العربي .

ماذا يقول متى ؟

إنه يقول في (الإصحاح 12 : 15- 21) : ” تبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعًا وأوصاهم أن لا يظهروه ؛ لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل : هو ذا فتاي الذي اخترته ، حبيبي الذي سرت به نفسي ، أضع روجي عليه فيخبر الأمم بالحق . لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته ، قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق إلى النصرة ، وعلى اسمه يكون رجاء الأمم ” .
لكن نبوءة أشعياء – التي اقتبس منها متى أغلب هذه الكلمات- نجدها تقول في (الإصحاح 42 : 1- 4) ما نصه : ” هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم ، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته ، قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ ، يخرج الحق ، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض ، وتنتظر الجزائر شريعته ” .

لكن هؤلاء السادة الذين أؤتمنوا على كتاب الله بم يراعوا تلك الأمانة ، ذلك أن أول كلمات سفر أشعياء هذه تقول : ” هو ذا عبدي الذي أعضده ” لكنهم نقلوها في أسفار العهد الجديد لتكون ” هو ذا فتاي الذي اخترته ” . لقد عمدوا إلى وضع كلمة ” فتى ” في أسفار العهد الجديد بدلا من نظيرتها كلمة ” عبد ” الموجودة في أسفار العهد القديم حتى يبتعد القارئ العربي عن فكرة أن المسيح عبد الله ، ولو أن الاستعمال اللغوي لكلمة (فتى) بالعربية تعني ” عبدًا ” كما في سورة يوسف في قوله { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ } وقوله { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } . (1) فكلمة الفتى تعني العبد .

وإذًا نقرر أن الإنجيل الموجود حاليا يعترف بأن المسيح هو عبد الله .
_________
(1) سورة يوسف الآيات 30 ، 62 .

كذلك وصف تلاميذ المسيح وعلى رأسهم بطرس ويوحنا المسيح بأنه ” فتى الله ” أي ” عبد الله ” . فقد جاء في (سفر أعمال الرسل 3 : 15) ” إن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إله آبائنا مجد فتاه يسوع ” . ولو كتبت هذه ” مجد عبده يسوع ” فإنها تنبه عقل القارئ العربي إلى حقيقة أن المسيح هو عبد الله . ولو رجعنا إلى الترجمة الإنجليزية للكتاب المقدس لوجدنا أنها موجودة في سفر أشعياء ، وفي إنجيل متى ، وفي سفر أعمال الرسل بصيغة واحدة لتعطي هذا المعنى وهي Thy Servant أي ” عبدك ” . والخلاصة أن المسيح ذكر في أسفار العهد الجديد بأنه عبد الله .

وبهذا اختتمت هذه الجلسة الرابعة على أن يعقبها في الغد الجلسة الخامسة إن شاء الله .

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى