إلحاق علامة التأنيث بالفعل مع الجموع

تقليص

عن الكاتب

تقليص

د.أمير عبدالله مسلم اكتشف المزيد حول د.أمير عبدالله
X
تقليص
يُشاهد هذا الموضوع الآن: 0 (0 أعضاء و 0 زوار)
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.أمير عبدالله
    حارس مؤسِّس
    • 10 يون, 2006
    • 11189
    • طبيب
    • مسلم

    إلحاق علامة التأنيث بالفعل مع الجموع

    من بحث المطابقة في النحو العربي وتطبيقاتها في القرآن الكريم
    فراس عصام شهاب السامرائي


    إنَّ أقوالَ النحاة حول إلحاق علامة التأنيث بالفعل مع الجموع ، تتوافق في جموع محددة ، وتختلف في جموع أخرى ، فكما مرَّ بنا ، نجد الكوفيين يُجيزون إلحاق العلامة وتركها مطلقاً بفعل كلِّ الجموع ، حتى المذكر السالم منها ، وقد وافقهم أبو عليٍّ الفارسيِّ ، إلا على جمعِ المذكرِ السالمِ ، فإنَّهُ أوجب فيه التذكيرَ ، وأما البصريون ، فيُجيزون الوجهين في جمع التكسير واسم الجمع ، ويُوجبون التذكيرَ في جمع المذكر السالم ، والتأنيثَ في جمع المؤنث السالم .(1)
    إنَّ الآياتِ التي ورد فيها الفاعلُ مؤنثاً سواءٌ أكان حقيقياً أم مجازياً ، وسواءٌ أكان ظاهراً أم مضمراً ، وسواءٌ أكان مفرداً أم مثنىً أم جمعاً ، في حالة اتصاله بفعله أو انفصاله ، نجدُ أنَّ فعله قد ألحقت به علامةُ التأنيث في أغلب المواطن ، والتي تصلُ إلى ضعفي مواطن ترك العلامة ، بعبارةٍ اُخرى ، إنَّ القرآن الكريم حافظ على المطابقة بين الفعل وفاعله المؤنث ، بإلحاق علامة التأنيث بالفعل بنسبة أكبر من ترك هذه المطابقة .
    إلا أنَّه لا يجدرُ بنا تجاهل الآياتِ التي ورد فيها تركُ العلامة ، ولو دققنا النظر في تعليل النحاة لبعض مواطن التذكير ، فإننا لا نجدُ فيها قوةَ الحجةِ ، بل إنَّ هناكَ بعض الآيات تنقض ما ذهبوا إليه في مثل تلك التعليلاتِ ، من ذلك مثلاً قولُ النحاة : إنَّ الفصل بين الفعل وفاعله المؤنث ، يُبيحُ تركَ علامةِ التأنيثِ " وكلما طال الكلامُ فهو أحسن ، نحو قولكَ : (حَضَرَ القاضيَ امرأةٌ) ، لأنَّه إذا طال الكلامُ كان الحذفُ أجمل …"(2).
    __________
    (1) ينظر : شرح شذور الذهب ، 171 ، هـ 3 .
    (2) الكتاب ، 2/38 ، وينظر : المقتضب ، 2/148 و 2/338 ، والتكملة ، 294 ، وشرح المفصل ، 2/92 .
    ---------------

    لكننا نجد في قوله تعالى : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } (البقرة:275) ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (يونس:57) ، أنَّ الفاصلَ في الآية الأُولى : (الهاء) أقلَّ
    من الفاصل في الآية الثانية : (كم) ، ومع ذلك ، أنثَ مع الفاصل الأكبر ، وذكَّرَ مع الفاصل الأصغر ، والفعلُ والفاعلُ واحدٌ في الحالتين !! .(1)
    وفي مواطنَ أخرى نجدُ أنَّ الفعلَ والفاعل والفاصلَ واحدٌ ، فَيُذكِّرهُ في موطن ، ويؤنثهُ في آخر ، يقول تعالى : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (الأنعام:157) ، ويقول تعالى : { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (الأعراف:73و85 ) ، فالفعلُ واحدٌ (جاءَ) ، والفاعلُ واحدٌ (بينة) ، والفاصلُ واحدٌ (كم) ، فمرةً ذكَّر ، ومرةً أنثَ .
    وقال تعالى : { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } (هود:67) وقال تعالى : { وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } (هود:94) ، فالفعلُ واحدٌ (أخذَ) ، والفاعلُ واحدٌ (الصيحة) ، والفاصلُ واحدٌ (الذين ظلموا) ، فمرةً ذكَّر ، ومرةً أنَّثَ ، ولو تتبعنا مثلَ هذه المواطنِ لطال المقامُ بنا ، إلا أننا نقول : إنَّ إلحاق علامة التأنيث بفعل الفاعل المؤنث ،أمرٌ يحكمه المعنى والسياقُ والمقامُ .(2)
    إنَّ الحملَ على المعنى " مدارُ كثيرٍ من أحوال التذكير والتأنيث في القرآن الكريم ، وقد يكون لغرضٍ آخر ، كتنزيل المذكرِ منزلةَ المؤنثِ ، وبالعكس ، أو لغير ذلك من الأغراض "(3).
    ولنأخذ على سبيل المثال قولَه تعالى : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } (البقرة:275)، وقولَه سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (يونس:57).
    __________
    (1) ينظر : معاني النحو ، 2/482 .
    (2) ينظر : حاشية الصبان ، 2/52 .
    (3) معاني النحو ، 2/483 .
    ---------------

    فـ (الموعظة) في الآية الاُولى بمعنى (القرآن) ، يقول أبو جعفر النحاس : " ثم قال تعالى :
    { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانتَهَى } ،قال سفيان : يعني القرآن "(1).
    أو إن (الموعظة) بمعنى (الوعظ) ، يقول الواحدي : " { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } أي : وعظٌ "(2).
    أو إن (الموعظة) بمعنى (النهي) ، يقول ابنُ كثير : " { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } ،أي : من بلغه نهيٌّ عن الربا ، فانتهى حالَ وصولِ الشرعِ إليه ، فله ما سلفَ من المعاملةِ "(3).
    أو إنَّ (الموعظة) بمعنى (البيان) ، يقول السيوطي : " { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } يعني البيان
    الذي في القرآن في تحريم الربا "(4).
    فلفظ (الموعظة) يُحملُ على معنىً مذكرٍ ، ذلك لأنَّ السياقَ يُوجِبُ كلَّ تلك المعاني المذكورة ، ولا أقولُ أحدَها أو بعضَها ، فـ (الموعظة) هي القرآن الكريم ، وهو دليلٌ على العبد إذا خالفه ، وهو تبيانٌ لما يجبُ على ذلك العبدِ من تركِ محظورٍ منه، أو إتيان مأمور به ، وهو واعظٌ للعبد إذا نَسِيَ ، وناهٍ له إذا تجاوز .
    __________
    (1) معاني القرآن الكريم ، النحاس ، 1/307 .
    (2) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، 1/192 ، وينظر : معالم التنزيل ، 1/263 ، والكشاف ، 1/302 ، وزاد المسير ، 1/331 ، والتبيان في إعراب القرآن ، 1/116 ، وحجة القراءات ، 1/39 و1/373 ، والجامع لأحكام القرآن ، 2/268 و17/57 .
    (3) تفسير القرآن العظيم ، 1/238 .
    (4) الدر المنثور ، 2/105 ، وينظر : فتح القدير ، 1/297 .
    -----------------

    أما قوله تعالى ذكرهُ في الآية الثانية: { قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (يونس:57) ، فالكلامُ على أصله ، فالخالقُ يخاطبُ الخلقَ مرغباً لهم في خطابه ؛ للإقبال إلى هذا الكتابِ الكريم بذكر أوصافه التي كلها حسَنَة ، وهي ضروريةٌ للعباد ، فقال : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ } ، تعظكم وتنذركم من الأعمالِ الموجبةِ لسخطِ اللهِ ، والمقتضية لعقابه ، وتحذركم عنها ، ببيانِ آثارِ ارتكابها ، وما يلحق ذلك من مفاسد .
    فـ (الموعظة) بمعنى (الذكرى) ، يقول القرطبيُّ : " يقول تعالى ذكره لخلقه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ، يعني : ذكرى تذكركم عقابَ الله ، وتخوفكم وعيدَهُ "(1).
    أو بمعنى (التزكية) ، يقول الألوسي : " { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } أي : تزكيةٌ لنفوسكم بالوعد والوعيد ، والزجر عن الذنوب المتسببة للعقاب ، والتحريض على الطاعة الموجبة بفضل الله تعالى للثواب "(2).
    فنحنُ نلاحظُ أنَّ التذكيرَ مناسبٌ لآيةِ سورةِ البقرةِ ، وأما التأنيثُ ، فهو مناسبٌ لآيةِ سورةِ يونسَ .
    وقولَه تعالى : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (الأنعام:157) ، وقولَه تعالى : { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } (الأعراف:73و85 ) ، ولمعرفةِ سببِ الاختلافِ ، لا بد لنا من الرجوع إلى سياقِ هذه الآياتِ .
    __________
    (1) الجامع لأحكام القرآن ، 11/124 .
    (2) روح المعاني / 11/176 .
    ---------------

    يقول تعالى قبل آية الأنعام : { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ - أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } (الأنعام:154-157)
    فنحنُ نجدُ أنَّ مدارَ الحديث حول الكتب السماوية : (ثم أتينا موسى الكتاب) ،(وهذا كتابُ أنزلناه) ، (إنما أُنزل الكتابُ) ، (لو أنا أُنزل علينا الكتابُ) ،ثم يقول تعالى : (فقد جاءكم بينةٌ) ، والمقصود بـ (البينة) هنا (القرآن) ، مناسبة للسياق العام الذي يتحدثُ عن الكتب السماوية ، يقول أبو حيان : " والظاهر أنَّ (البينة) هي (القرآن) ، وهو الحجةُ الواضحةُ الدالةُ النيرةُ ، حيثُ نَزَلَ عليهم بلسانهم ، وألزم العالمَ أحكامَهُ وشريعَتَهُ "(1).
    ويقول الشوكاني : " { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } أي : كتابٌ أنزله اللهُ على نبيكم ، وهو منكم يا معشرَ العربِ " (2)، ولذلك لا يُناسبُ هنا إلا التذكير .
    __________
    (1) البحر المحيط ، 4/697 .
    (2) فتح القدير ، 2/219 ، وينظر : معاني النحو ، 2/486 .
    ---------------

    أما آيتا الأعرافِ ، فالأُولى منهما في قصة نبي الله صالح- عليه السلام - صاحبِ الناقة ، ولننظر إلى الآية نفسها ، فاللهُ تعالى يقولُ : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (الأعراف:73) ، فنحنُ نجدُ أنَّ الحديثَ فيها عن الناقة ، وهي معجزتُهُ - عليه السلام - ، ولوجدنا أيضاً أنَّ تفسيرَ (البينة) يعني (الناقة) ، بدليل : { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } ، ويقولُ الزمخشري : " { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ } ، أي آية ظاهرة وشاهدٌ على صحة نبوتي ، وكأنه قِيلَ : ما هذه البينة ؟ فقال : { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } "(1).
    فالمقامُ يتطلب التأنيثَ ؛ كون (البينة) ، ناقةَ صالح ، وهي حجته على قومه بصحة نبوته .
    __________
    (1) الكشاف ، 1/55 ، وينظر : تفسير النسفي ، 2/61 ، والبحر المحيط ، 5/91-92 .
    ---------------

    وأما الآية الثانية ، ففي قصة نبي الله شعيب - عليه السلام - ، يقول تعالى : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (الأعراف:85) ، و (البينة) هنا (المعجزة) أو (الموعظة) ، يقولُ الزمخشري : " { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ، معجزةٌ شاهدةٌ بصحة نبوتي أوجبتْ عليكم الإيمانَ بي ، والأخذَ بما آمركم به والانتهاءَ عمَّا أنهاكم عنه ، فآمنوا ولا تبخسوا "(1).
    ويقولُ أبو حيان : " و (البينة) هنا الموعظة "(2)، وواضحٌ أنَّ المقامَ لا يحتملُ إلا التأنيثَ .
    وننتقل إلى قوله تعالى : { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } (هود:67) وقوله تعالى : { وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } (هود:94) ، فالآيةُ الأولى في قصة نبي الله صالح - عليه السلام - ، يقول تعالى : { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ - وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } (هود:66و67) .
    __________
    (1) الكشاف ، 1/559 ، وينظر : تفسير النسفي ، 2/63 .
    (2) البحر المحيط ، 5/104 .
    ---------------

    وأما الآيةُ الثانية ففي قصة نبي الله شعيب - عليه السلام - ، يقول تعالى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } (هود:94) ، فقد ذكَّر في الآية الأُولى ، وأنثَ في الآية الثانية ، ويقول المفسرون إنَّ هذا من باب الحمل على المعنى ، فعندما يُذكِّر ، يحمل (الصيحة) على (الصياح) ، وعندما يؤنث ، يأخذ اللفظَ على ظاهره ، وهو التأنيثُ ، جاء في مشكل إعراب القرآن : " وقيل إنما حُذفتِ التاءُ ؛ لأنه حمل على معنى (الصياح) ، إذ الصيحةُ والصياحُ بمعنىً واحدٍ ، وكذلك العِلَّةُ في كلِّ ما شابهَهُ "(1). ولو دققنا النظرَ في سياق الآيتين لوجدنا :
    أولاً :
    في قصة نبي الله صالح - عليه السلام - ، تكون (الصيحة) بمعنى (العذاب) و (الخزي) ، وهو معنىً مذكرٌ ، يُناسب تركَ العلامةِ من الفعلِ ، والدليلُ قوله تعالى قبل هذه الآية :
    { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } (هود:66) ، والموافقةُ واضحةٌ .(2)
    ولنتتبع آياتٍ تخصُ قصةَ نبي الله شعيبٍ- عليه السلام - ، في القرآن الكريم كلِّهِ :
    __________
    (1) مشكل إعراب القرآن ، 1/368 ،وينظر : زاد السير ، 5/147 ، وحجة القراءات ، 1/373 ، والجامع لأحكام القرآن ، 9/92 و 17/57 .
    (2) ينظر : نتائج الفكر ، 170 .
    ---------------

    يقول تعالى : { وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ - فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } (الأعراف:90-91) ، ويقول تعالى : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ - فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } (العنكبوت:36-37) ، ويقول تعالى : { كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ - … فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (الشعراء:176-177-189) .
    فنحنُ نجدُ (الرجفةُ) في الأعراف والعنكبوت ، و (الظلةِ) في الشعراء ، وهذان اللفظان يتوافقان تماماً من حيثُ التأنيث مع (الصيحة) في هود ،(1) ويقول ابنُ القيم : " فإنَّ الرجفةَ بدأت بهم ،فأصحروا إلى الفضاء ، خوفاً من سقوط الأبنية عليهم ، فصهرتهم الشمسُ بحرها ، وَ رُفِعَتْ لهم الظلةُ ، فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس ، فنزل عليهم من العذاب وفيه الصيحةُ ، فكان ذِكرُ الصيحةِ مع الرجفةِ والظلةِ ، أحسنَ من ذِكر الصياح ، وكان ذِكرُ التاءِ "(2) .
    ثانياً :
    إنَّ الآيةَ التي بعد آية قصة صالح- عليه السلام - هي : { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ } (هود:68) ، أما الآية التي بعد آية قصة شعيب - عليه السلام - ، فهي : { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } (هود:95) .
    __________
    (1) ينظر : أسرار التكرار في القرآن ، 1/109 .
    (2) بدائع الفوائد، 1/126 .
    --------------
    فنحنُ نجدُ في خاتمةِ الآيةِ الاُولى : { أَلا بُعْداً لِثَمُودَ } ، تناسباً مع التذكيرِ في آيةِ قصةِ صالح - عليه السلام - ، ونجدُ أيضاً في خاتمةِ الآيةِ الثانيةِ : { كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } ، تناسباً مع التأنيثِ في آيةِ قصةِ شعيبٍ - عليه السلام - ، وهذا تناسبٌ واضحٌ جداً .
    إنَّ السياقَ القرآني لا يتحددُ في آياتٍ متقاربةٍ في سورةٍ معينةٍ ، بل يمتدُ فضاؤُهُ على امتدادِ القرآنِ الكريمِ في سورهِ كلِّها ، كما رأينا في النقطةِ الأُولى .
    مما تقدمَ يتضحُ لنا تمامَ الاتضاحِ أنَّ تذكيرَ الفعلِ مع الفاعلِ المؤنثِ في بعضِ مواضع القرآن الكريم ، أمرٌ راجعٌ إلى المعنى والسياق ، ولا ننسى أنَّ مواطنَ إلحاقِ العلامةِ بالفعلِ مع الفاعلِ المؤنثِ تصلُ إلى ضعفيِّ مواطنِ تركها .(1)
    __________
    (1) ينظر : دراسات لأُسلوب القرآن الكريم ، 8/449 .



    "يا أيُّها الَّذٍينَ آمَنُوا كُونُوا قوَّاميِنَ للهِ شُهَدَاء بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمنَّكُم شَنئانُ قوْمٍ على ألّا تَعْدِلوا اعدِلُوا هُوَ أقربُ لِلتّقْوى
    رحم الله من قرأ قولي وبحث في أدلتي ثم أهداني عيوبي وأخطائي
    *******************
    موقع نداء الرجاء لدعوة النصارى لدين الله .... .... مناظرة "حول موضوع نسخ التلاوة في القرآن" .... أبلغ عن مخالفة أو أسلوب غير دعوي .... حوار حوْل "مصحف ابن مسْعود , وقرآنية المعوذتين " ..... حديث شديد اللهجة .... حِوار حوْل " هل قالتِ اليهود عُزيْرٌ بنُ الله" .... عِلْم الرّجال عِند امة محمد ... تحدّي مفتوح للمسيحية ..... حوار حوْل " القبلة : وادي البكاء وبكة " .... ضيْفتنا المسيحية ...الحجاب والنقاب ..حكم إلهي أخفاه عنكم القساوسة .... يعقوب (الرسول) أخو الرب يُكذب و يُفحِم بولس الأنطاكي ... الأرثوذكسية المسيحية ماهي إلا هرْطقة أبيونية ... مكة مذكورة بالإسْم في سفر التكوين- ترجمة سعيد الفيومي ... حوار حول تاريخية مكة (بكة)
    ********************
    "وأما المشبهة : فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة
    وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول : أكفر من يكفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره وإلا فلا.
    والذي نختاره أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة "
    (ابن تيْمِيَة : درء تعارض العقل والنقل 1/ 95 )

مواضيع ذات صلة

تقليص

المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
ابتدأ بواسطة مُسلِمَة, منذ 2 أسابيع
ردود 0
45 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة مُسلِمَة
بواسطة مُسلِمَة
ابتدأ بواسطة د.أمير عبدالله, 1 أغس, 2023, 06:55 م
ردود 0
46 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة د.أمير عبدالله
ابتدأ بواسطة عطيه الدماطى, 11 يول, 2023, 05:19 م
ردود 0
30 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة عطيه الدماطى
ابتدأ بواسطة عطيه الدماطى, 10 يول, 2023, 07:05 م
رد 1
25 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة د.أمير عبدالله
ابتدأ بواسطة عطيه الدماطى, 4 يول, 2023, 10:07 م
ردود 0
22 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة عطيه الدماطى
يعمل...